Share

التالت

last update publish date: 2026-07-30 01:40:02

الفصل الثالث: لا تعويض عن ثماني سنوات

استيقظت ليان في صباح اليوم التالي بعد ساعات قليلة من النوم المتقطع.

كانت عيناها متورمتين من كثرة البكاء، ورأسها يثقلها صداع لم تعرف مثله من قبل. للحظة قصيرة، ظنت أن ما حدث مجرد كابوس، لكنها ما إن وقعت عيناها على ملف الزفاف الملقى على الأرض حتى عادت الحقيقة لتصفعها من جديد.

جلست على حافة السرير وأخذت هاتفها.

رغم كل ما حدث، كان جزء صغير داخلها لا يزال ينتظر تفسيرًا.

ربما أُجبر على هذا القرار.

ربما هناك سبب لا تعرفه.

وربما... سيعتذر.

وقبل أن تكتب له رسالة جديدة، اهتز الهاتف بين يديها.

تسارعت نبضات قلبها عندما رأت اسمه.

فتحت الرسالة بسرعة، لكن الكلمات التي ظهرت أمامها كانت أبرد من الشتاء.

"لقد أخبرت والدتك بالفعل بإلغاء الزفاف."

ثم جاءت الرسالة الثانية بعد ثوانٍ.

"أتمنى ألا تأخذي الأمر بشكل شخصي، وألا تقومي بأي تصرف يسبب إحراجًا للجميع."

أعادت قراءة الرسالتين مرة، ثم مرتين، ثم ثلاثًا.

لم تجد فيهما اعتذارًا.

ولا ندمًا.

ولا حتى كلمة شكر على السنوات التي قضتها بجانبه.

وكأنها لم تكن يومًا جزءًا من حياته.

شعرت بأن الهواء يضيق حولها، فوضعت الهاتف جانبًا وأغلقت عينيها، لكن صوت بوق سيارة في الخارج قطع صمت الغرفة.

اقتربت من النافذة.

توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام المنزل.

عرفتها فورًا.

كانت السيارة التي اعتادت أن تقلها معه في المناسبات، والتي شهدت أجمل ذكرياتهما.

نزل السائق وهو يحمل ظرفًا أبيض.

طرق الباب، ثم طلب مقابلتها.

خرجت ليان بخطوات بطيئة، بينما كان السائق يتجنب النظر مباشرة إلى عينيها.

مد إليها الظرف وقال بصوت خافت:

ــ السيد طلب مني أن أسلمك هذا.

فتحت الظرف.

وجدت إيصال تحويل بنكي.

كان المبلغ يضم قيمة بدلة الزفاف التي اشتراها لها، بالإضافة إلى مئة ألف أخرى.

رفعت رأسها إليه في ذهول.

قال السائق بحرج:

ــ أخبرني أن هذا... تعويض.

توقفت الكلمة في أذنها.

تعويض؟

هل يمكن للمال أن يشتري ثماني سنوات؟

هل يستطيع رقم في حساب بنكي أن يمحو الأحلام التي بنتها معه؟

بقي السائق صامتًا للحظات، ثم قال بلطف:

ــ الحياة أحيانًا لا تسير كما نريد... أتمنى أن تجدي سعادتك يومًا.

انحنى باحترام، ثم عاد إلى السيارة وانطلق.

وقفت ليان تراقبها حتى اختفت من نهاية الشارع.

وفجأة، تسللت إلى ذاكرتها صورة قديمة.

كانا في مدينة الملاهي قبل سنوات.

جلسا معًا داخل العجلة الدوارة، وكانت تخاف من الارتفاع.

أمسك يدها بقوة وقال وهو يبتسم:

ــ مهما حدث... سأبقى إلى جانبك طوال حياتي.

ضحكت يومها وسألته مازحة:

ــ وإذا أردت التخلص مني يومًا، هل سترسل لي المال كما يحدث في الروايات؟

ضحك حتى دمعت عيناه.

ثم قرص أنفها بخفة وقال:

ــ مستحيل... لأنني لن أحتاج إلى التخلي عنك أبدًا.

فتحت ليان عينيها على الواقع.

ابتسمت ابتسامة موجوعة.

إذن...

حتى تلك المزحة أصبحت حقيقة.

عادت إلى غرفتها، وأمسكت هاتفها مرة أخرى.

ظلت تنظر إلى إشعار التحويل البنكي طويلًا.

ثم ضغطت على زر "إعادة التحويل".

أدخلت المبلغ كاملًا.

المئة ألف... دون أن تنقص منها ريالًا واحدًا.

كتبت في خانة الملاحظات:

"لا يوجد مال يعوض عمرًا ضاع."

وضغطت على زر الإرسال.

شعرت لأول مرة منذ يومين أنها استعادت جزءًا صغيرًا من كرامتها.

وفي اللحظة نفسها، رن هاتفها.

كان اسم زوجة أبيها يضيء الشاشة.

ما إن أجابت حتى دوى صوتها الغاضب:

ــ أين أنتِ؟

ــ في الخارج.

ــ عودي فورًا!

صمتت ليان.

تابعت المرأة بصراخ:

ــ اكتشفت بقعة على فستان زفاف أختك، ولم تنظفيه جيدًا. إذا لم تعودي حالًا فسأجعلك تندمين على اليوم الذي دخلتِ فيه هذا المنزل!

أُغلق الخط بعنف.

أخذت ليان نفسًا طويلًا.

نظرت إلى الطريق الممتد أمامها.

لأول مرة راودها شعور بالهروب...

أن تختفي.

أن تبدأ حياة جديدة بعيدًا عن كل هذا.

لكنها كانت تعرف أنها لا تملك مكانًا آخر تذهب إليه.

خفضت رأسها، واستدارت ببطء نحو المنزل.

كانت تظن أن أقسى ما مرت به قد انتهى...

ولم تكن تعلم أن الإهانة الحقيقية لم تبدأ بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • اختطاف العروس   ٧٨

    الفصل الثامن والسبعون: الرجل الذي أخفى نصف الحقيقةساد الصمت داخل الممر.كانت بطاقة التعريف لا تزال في يد خالد.كتب عليها بوضوح:الدكتور عادل فؤاد الصفة: استشاري جراحة مركز النور الطبيرفع خالد عينيه ببطء.نظر إلى الدكتور عادل.لم يصرخ.ولم يتهمه مباشرة.قال بهدوء:ــ أعتقد أن الوقت قد حان لتخبرنا بكل شيء.نظر الدكتور عادل إلى البطاقة.ثم أغمض عينيه.وكأنه كان يعلم أن هذه اللحظة ستأتي.قال بصوت متعب:ــ نعم...كنت أعمل هنا.لكن ليس كما تظنون.قال آدم بحدة:ــ كذبت علينا.أجابه الدكتور عادل:ــ أخفيت الحقيقة...ولم أكذب.وهناك فرق كبير.تقدمت ليان.كانت نظرتها مليئة بالخذلان.ــ قلت إنك ظهرت الآن لأن ضميرك استيقظ.ــ لكنك كنت تعمل في المكان نفسه الذي كانت تُحتجز فيه ريم.ــ كيف تفسر ذلك؟لم يجب فورًا.ظل صامتًا لثوانٍ.ثم قال:ــ لأنني كنت أحاول إبقاءها على قيد الحياة.---دخل الجميع غرفة الإدارة.أغلق خالد الباب.ووضع البطاقة أمام الدكتور عادل.ــ ابدأ من البداية.تنهد الرجل.ثم قال:ــ بعد تزوير شهادة وفاة كمال...أجبروني على العمل معهم.ــ لم أكن حرًا.ــ كنت مراقبًا طوال الوقت.قال

  • اختطاف العروس   ٧٧

    الفصل السابع والسبعون: الموعد الثامن مساءًلم يرفع خالد عينيه عن دفتر المواعيد.كانت الصفحة الأخيرة تحمل سطرًا واحدًا فقط:الاثنين - الساعة الثامنة مساءً.الضيف: ك.عنظر إلى ساعته.كانت تشير إلى الثالثة والنصف عصرًا.قال بهدوء:ــ أمامنا أربع ساعات ونصف فقط.ــ إذا كان "ك.ع" هو كمال عزمي فعلًا...فقد نكون على بعد ساعات من إنهاء مطاردة استمرت ثلاثين عامًا.لكن ياسر لم يبدُ مقتنعًا.أغلق الدفتر وقال:ــ أو قد يكون هذا فخًا.نظر الجميع إليه.قال:ــ منذ بداية القضية...كلما اقتربنا من الحقيقة وجدنا أنهم سبقونا بخطوة.ــ لماذا يسمحون لنا هذه المرة بالوصول إلى الغرفة السرية؟ساد الصمت.لم يكن سؤاله بلا منطق.---أمر خالد بإغلاق المستشفى بالكامل.توزع رجال الأمن في الطوابق.بينما بقي فريق التحقيق داخل الغرفة السرية.بدأوا بفحص الملفات.كل ملف يحمل اسمًا مختلفًا...لكن الصور كانت تعود للأشخاص أنفسهم.قال آدم وهو يقلب إحدى الصفحات:ــ انظروا إلى هذا.اقترب الجميع.كان الملف لرجل يُدعى "نبيل حسين".لكن الصورة الموجودة بداخله تعود لرجل آخر تمامًا.فتحوا الملف الثاني.والثالث.والرابع.النمط نفس

  • اختطاف العروس   ٧٦

    الفصل السادس والسبعون: المستشفى الذي لم يُغلقلم ينتظر خالد حتى الصباح.أغلق الحاسوب، ثم اتصل بآدم وياسر وإبراهيم.بعد أقل من عشرين دقيقة، كانوا جميعًا داخل غرفة الاجتماعات.ثبت خالد صورة المستشفى على الشاشة.وقال:ــ هذا المبنى كان يُعرف قبل ثمانية عشر عامًا باسم مستشفى الرحمة.ــ اليوم يحمل اسم مركز النور الطبي.نظر آدم إلى الصورة.ــ وما علاقته بالقضية؟ضغط خالد على جهاز التحكم.ظهرت صورة أخرى.ثم ثالثة.ثم مخطط قديم للمصنع.قال:ــ كل الأموال التي خرجت من المشروع الوهمي كانت تمر عبر شركة الأفق.ــ وبعدها تُحول إلى مؤسسة خيرية.ــ ثم إلى هذا المستشفى.رفع ياسر رأسه.ــ غسيل أموال.أومأ خالد.ــ بالضبط.ــ لم يكن المستشفى مجرد مستشفى.ــ كان محطة لإخفاء الأموال وتغيير الهويات.ساد الصمت.أما إبراهيم...فأغلق عينيه للحظة.ثم قال:ــ الآن فهمت.نظر الجميع إليه.ــ لهذا السبب اختفى كمال بسهولة...لقد صنع لنفسه حياة جديدة من هنا.---قال آدم:ــ نقتحم المكان.رد خالد مباشرة:ــ لا.ــ إذا دخلنا دون إذن قضائي، سيختفي كل شيء خلال ساعة.ــ هذه المرة لن نكرر أخطاء الماضي.نظر إلى ياسر.ــ ن

  • اختطاف العروس   ٧٥

    الفصل الخامس والسبعون: بداية الهجومخرج الجميع من المستودع رقم 317 قبل أن تلتهمه النيران بالكامل.وقف خالد يتابع ألسنة اللهب وهي ترتفع نحو السماء.ثم قال:ــ انتهى زمن الدفاع.نظر إليه آدم.ــ ماذا تقصد؟استدار خالد نحو الجميع.ــ طوال الفترة الماضية كنا ننتظر أن يرتكب خصمنا خطأ.ــ من اليوم...ــ سنجبره على ارتكاب الأخطاء.نظر إبراهيم إليه بإعجاب.كانت هذه أول مرة يرى خالد يغيّر أسلوبه بالكامل.---في الطريق إلى القصر...لم تجلس ليان صامتة كعادتها.كانت تنظر إلى الملفات التي نجت من الحريق.كل ورقة أصبحت تحمل قيمة.وفجأة...توقفت عند كشف حساب بنكي قديم.لم يكن يحمل اسم كمال.ولا اسم سليم.بل اسم امرأة.هالة السيوفي.رفعت رأسها.وقالت:ــ من هالة؟نظر إبراهيم إلى الاسم.ثم أغلق الملف بسرعة.لاحظت ليان ارتباكه.ــ أنت تعرفها.صمت.قال خالد:ــ إبراهيم...لم يعد هناك مجال لإخفاء شيء.تنهد إبراهيم.ــ هالة...هي شقيقة نادر السيوفي.لكنها اختفت منذ أكثر من عشرين عامًا.سأل آدم:ــ وهل لها علاقة بالقضية؟أجاب إبراهيم:ــ كانت المحاسبة الوحيدة التي كانت تعرف حركة الأموال الحقيقية.ساد الصمت.

  • اختطاف العروس   ٧٤

    الفصل الرابع والسبعون: أول خيط حقيقيلم يتحرك أحد بعد كلمات الدكتور عادل.بقيت الأنفاس محبوسة داخل المستودع رقم 317.كانت المصابيح القديمة تومض بين لحظة وأخرى، فتنعكس ظلال الجميع على الجدران الإسمنتية التي أخفت أسرارًا لثلاثين عامًا.نظر خالد إلى الدكتور عادل نظرة طويلة، ثم قال بهدوء يخفي خلفه كثيرًا من الشك:ــ قبل أن نصدق كلمة واحدة... أريد أن أعرف لماذا ظهرت الآن.جلس الدكتور عادل على الكرسي الحديدي القريب منه.كان التعب واضحًا على وجهه.وقال:ــ لأنني تعبت من الهروب.ــ ثلاثون سنة وأنا أستيقظ كل ليلة على الكابوس نفسه.ــ أرى والد ليان وهو ينظر إليّ قبل أن يغادر المكتب...ويقول لي: "إذا حدث لي شيء... لا تدع الحقيقة تموت."خفض رأسه.ــ وأنا تركتها تموت.ساد الصمت.لم يكن أحد يقاطعه.قال إبراهيم بصوت منخفض:ــ كنت أظنك سافرت.ابتسم الدكتور عادل بحزن.ــ كنت أتمنى ذلك.ــ لكنني بقيت هنا.ــ أغيّر منزلي كل عدة أشهر...وأعيش باسم مختلف...وأنتظر اليوم الذي أستطيع فيه الكلام.نظر إليه ياسر.ــ ولماذا الآن تحديدًا؟أجاب:ــ لأن كمال بدأ يرتكب أخطاء.ــ ولأن ليان أصبحت تقترب من الحقيقة أكث

  • اختطاف العروس   ٧٣

    الفصل الثالث والسبعون: المستودع 317لم يصدق أحد ما قاله إبراهيم.ظل الجميع ينظر إليه في صمت.قال خالد وهو يثبت نظره عليه:ــ هل أنت متأكد؟أجاب إبراهيم دون تردد:ــ نعم.ــ عملت في ذلك المصنع سنوات طويلة.ــ كان هناك مستودع سري يحمل الرقم 317.ــ لم يكن موجودًا على الخرائط الرسمية.ــ ولم يكن يعرفه إلا أربعة أشخاص.سأله ياسر:ــ من هم؟تنهد إبراهيم.ــ والد ليان...وأنا...ونادر السيوفي...وكمال عزمي.ساد الصمت.نظر آدم إلى إبراهيم.ــ إذًا كمال كان يعرف المكان منذ البداية.أومأ إبراهيم.ــ وإذا كانت ريم هناك...فهو يعلم أننا سنصل إليها عاجلًا أو آجلًا.نهض خالد من مكانه.فتح خريطة المدينة القديمة.وبدأ يقارنها بالرسم الذي ظهر في تسجيل ريم.بعد دقائق قال:ــ الرسم صحيح.ــ المستودع يقع أسفل الجزء الشرقي من المصنع.ــ لكن الطريق الرئيسي إليه انهار منذ سنوات.قال آدم:ــ إذًا كيف ندخل؟أجاب إبراهيم:ــ يوجد نفق قديم.ــ كان يستخدم لنقل الملفات بعيدًا عن أعين الموظفين.ــ إذا لم يُغلق...فسنستطيع الوصول من خلاله.كانت ليان تستمع للجميع.لكن عقلها كان في مكان آخر.كانت تتذكر وجه ريم في ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status