LOGINالفصل الرابع: بداية الانهيار
عادت ليان إلى المنزل قبل غروب الشمس بقليل. كانت خطواتها بطيئة، وكأنها تحمل فوق كتفيها سنوات من التعب لا يومين من الألم. ما إن فتحت الباب حتى دوى صوت زوجة أبيها في أنحاء المنزل. ــ أخيرًا تذكرتِ أن لكِ بيتًا تعودين إليه! لم ترد. خلعت حذاءها بصمت، لكن المرأة تقدمت نحوها وهي تحمل فستان الزفاف بين يديها. رفعت الفستان في وجهها، ثم أشارت إلى بقعة صغيرة بالكاد تُرى على أطرافه. ــ انظري ماذا فعلتِ! حدقت ليان في المكان الذي تشير إليه. لم تكن بقعة كبيرة، بل أثرًا بسيطًا يمكن تنظيفه خلال دقائق. قالت بهدوء: ــ سأغسله مرة أخرى. لكن زوجة الأب لم تكن تبحث عن حل. كانت تبحث عن سبب جديد لإذلالها. صرخت بغضب: ــ وهل تظنين أن ابنتي سترتدي فستانًا لم تعتني به كما يجب؟ إذا فسد الفستان، فلن تستطيعي تعويض ثمنه ولو عملتِ طوال حياتك. دفعتها نحو غرفة الغسيل. ــ لن تخرجي قبل أن يعود الفستان ناصعًا كما كان. جلست ليان على الأرض أمام حوض الغسيل. كانت المياه الباردة تتساقط فوق يديها، بينما راحت تفرك القماش الأبيض بحذر شديد. كلما لمست الفستان، تذكرت أنها هي من اختاره. هي من حلمت بارتدائه. كانت تقف أمام المرآة قبل أسابيع، تتخيل نفسها عروسًا. أما الآن... فهي تنظفه ليوم زفاف امرأة أخرى. اختلطت دموعها بالماء، لكنها لم تتوقف عن العمل. وبعد ساعات، انتهت أخيرًا. علقت الفستان بعناية، ثم عادت إلى غرفتها. ألقت بنفسها على السرير دون أن تبدل ملابسها. كانت مرهقة إلى درجة أنها غفت فورًا. لكن نومها لم يدم طويلًا. استيقظت على صوت ضحكات مرتفعة خارج الباب. ثم فُتح الباب دون استئذان. دخلت أختها غير الشقيقة وهي تحمل عدة أكياس من أشهر متاجر الأزياء. ألقت بها فوق السرير، وجلست أمام ليان بابتسامة عريضة. ــ هل تعرفين شيئًا مضحكًا؟ لم تجب ليان. فتحت الأخت أحد الأكياس وأخرجت حذاءً جديدًا. ــ هذا هدية منه. ثم أخرجت حقيبة فاخرة. ــ وهذه أيضًا. وأخيرًا رفعت خاتمًا ماسيًا جديدًا، جعل بريقه الغرفة تلمع للحظة. ــ أما هذا... فقال إنه لا يليق إلا بي. خفضت ليان بصرها. كانت تشعر أن قلبها لم يعد يحتمل المزيد. اقتربت أختها وهمست بالقرب من أذنها: ــ أتريدين أن أخبرك بسر؟ رفعت ليان عينيها إليها. ابتسمت الأخرى بخبث. ــ البقعة التي على الفستان... أنا من وضعتها. تجمدت ملامح ليان. تابعت الفتاة وهي تضحك: ــ كنت أعلم أن أمي ستتهمك بالتقصير، وأردت فقط أن أراكِ وأنتِ تُعاقبين. ساد صمت ثقيل. ثم قالت ببرود أشد: ــ أنتِ لا تستحقين حبه من الأساس. في تلك اللحظة، اشتعل الغضب داخل ليان. قبضت على طرف السرير بقوة حتى ابيضت أصابعها. كانت ترغب في أن تصرخ. أن تصفعها. أن تخبرها بكل ما يختلج داخل صدرها. لكن سنوات الخوف والقهر شلت حركتها. وقفت أختها، وعدلت فستانها، ثم قالت قبل أن تغادر: ــ لا تنسي... الليلة لدينا عشاء عائلي مع أهل العريس. الجميع سيكون هناك. ونصيحة مني... لا ترتدي شيئًا جميلًا. اليوم أنا نجمة الحفل... وليس أنتِ. أغلقت الباب خلفها. جلست ليان في مكانها لدقائق طويلة. ثم نهضت واتجهت إلى خزانتها. لم تجد سوى فستان قديم كانت ترتديه في المناسبات البسيطة. نفضت عنه الغبار وارتدته بصمت. في المساء، خرجت زوجة الأب وابنتها في السيارة الفاخرة الخاصة بالعائلة. أما ليان... فلم يكن أمامها سوى انتظار الحافلة العامة. وصلت الحافلة متأخرة، فازدحم الطريق وتأخرت أكثر. وعندما وصلت إلى المطعم الذي يقام فيه العشاء، كانت آخر الحاضرين. وقفت أمام باب القاعة، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تدفعه. في اللحظة التي دخلت فيها... توقفت الأحاديث. التفتت عشرات العيون إليها في وقت واحد. شعرت وكأنها دخيلة على المكان. وقبل أن تنطق بكلمة، ارتسمت على وجه زوجة أبيها ابتسامة مصطنعة، وقالت بصوت سمعه جميع من في القاعة: ــ لا تقلقوا... إنها مجرد الخادمة التي تعيش في منزلنا. أحضرتها الليلة لتتعلم كيف يتصرف الناس في المناسبات الكبيرة. ساد الصمت... بينما شعرت ليان بأن كرامتها تُسحق أمام الجميع، دون أن يجرؤ أحد على الدفاع عنها.الفصل الثامن والسبعون: الرجل الذي أخفى نصف الحقيقةساد الصمت داخل الممر.كانت بطاقة التعريف لا تزال في يد خالد.كتب عليها بوضوح:الدكتور عادل فؤاد الصفة: استشاري جراحة مركز النور الطبيرفع خالد عينيه ببطء.نظر إلى الدكتور عادل.لم يصرخ.ولم يتهمه مباشرة.قال بهدوء:ــ أعتقد أن الوقت قد حان لتخبرنا بكل شيء.نظر الدكتور عادل إلى البطاقة.ثم أغمض عينيه.وكأنه كان يعلم أن هذه اللحظة ستأتي.قال بصوت متعب:ــ نعم...كنت أعمل هنا.لكن ليس كما تظنون.قال آدم بحدة:ــ كذبت علينا.أجابه الدكتور عادل:ــ أخفيت الحقيقة...ولم أكذب.وهناك فرق كبير.تقدمت ليان.كانت نظرتها مليئة بالخذلان.ــ قلت إنك ظهرت الآن لأن ضميرك استيقظ.ــ لكنك كنت تعمل في المكان نفسه الذي كانت تُحتجز فيه ريم.ــ كيف تفسر ذلك؟لم يجب فورًا.ظل صامتًا لثوانٍ.ثم قال:ــ لأنني كنت أحاول إبقاءها على قيد الحياة.---دخل الجميع غرفة الإدارة.أغلق خالد الباب.ووضع البطاقة أمام الدكتور عادل.ــ ابدأ من البداية.تنهد الرجل.ثم قال:ــ بعد تزوير شهادة وفاة كمال...أجبروني على العمل معهم.ــ لم أكن حرًا.ــ كنت مراقبًا طوال الوقت.قال
الفصل السابع والسبعون: الموعد الثامن مساءًلم يرفع خالد عينيه عن دفتر المواعيد.كانت الصفحة الأخيرة تحمل سطرًا واحدًا فقط:الاثنين - الساعة الثامنة مساءً.الضيف: ك.عنظر إلى ساعته.كانت تشير إلى الثالثة والنصف عصرًا.قال بهدوء:ــ أمامنا أربع ساعات ونصف فقط.ــ إذا كان "ك.ع" هو كمال عزمي فعلًا...فقد نكون على بعد ساعات من إنهاء مطاردة استمرت ثلاثين عامًا.لكن ياسر لم يبدُ مقتنعًا.أغلق الدفتر وقال:ــ أو قد يكون هذا فخًا.نظر الجميع إليه.قال:ــ منذ بداية القضية...كلما اقتربنا من الحقيقة وجدنا أنهم سبقونا بخطوة.ــ لماذا يسمحون لنا هذه المرة بالوصول إلى الغرفة السرية؟ساد الصمت.لم يكن سؤاله بلا منطق.---أمر خالد بإغلاق المستشفى بالكامل.توزع رجال الأمن في الطوابق.بينما بقي فريق التحقيق داخل الغرفة السرية.بدأوا بفحص الملفات.كل ملف يحمل اسمًا مختلفًا...لكن الصور كانت تعود للأشخاص أنفسهم.قال آدم وهو يقلب إحدى الصفحات:ــ انظروا إلى هذا.اقترب الجميع.كان الملف لرجل يُدعى "نبيل حسين".لكن الصورة الموجودة بداخله تعود لرجل آخر تمامًا.فتحوا الملف الثاني.والثالث.والرابع.النمط نفس
الفصل السادس والسبعون: المستشفى الذي لم يُغلقلم ينتظر خالد حتى الصباح.أغلق الحاسوب، ثم اتصل بآدم وياسر وإبراهيم.بعد أقل من عشرين دقيقة، كانوا جميعًا داخل غرفة الاجتماعات.ثبت خالد صورة المستشفى على الشاشة.وقال:ــ هذا المبنى كان يُعرف قبل ثمانية عشر عامًا باسم مستشفى الرحمة.ــ اليوم يحمل اسم مركز النور الطبي.نظر آدم إلى الصورة.ــ وما علاقته بالقضية؟ضغط خالد على جهاز التحكم.ظهرت صورة أخرى.ثم ثالثة.ثم مخطط قديم للمصنع.قال:ــ كل الأموال التي خرجت من المشروع الوهمي كانت تمر عبر شركة الأفق.ــ وبعدها تُحول إلى مؤسسة خيرية.ــ ثم إلى هذا المستشفى.رفع ياسر رأسه.ــ غسيل أموال.أومأ خالد.ــ بالضبط.ــ لم يكن المستشفى مجرد مستشفى.ــ كان محطة لإخفاء الأموال وتغيير الهويات.ساد الصمت.أما إبراهيم...فأغلق عينيه للحظة.ثم قال:ــ الآن فهمت.نظر الجميع إليه.ــ لهذا السبب اختفى كمال بسهولة...لقد صنع لنفسه حياة جديدة من هنا.---قال آدم:ــ نقتحم المكان.رد خالد مباشرة:ــ لا.ــ إذا دخلنا دون إذن قضائي، سيختفي كل شيء خلال ساعة.ــ هذه المرة لن نكرر أخطاء الماضي.نظر إلى ياسر.ــ ن
الفصل الخامس والسبعون: بداية الهجومخرج الجميع من المستودع رقم 317 قبل أن تلتهمه النيران بالكامل.وقف خالد يتابع ألسنة اللهب وهي ترتفع نحو السماء.ثم قال:ــ انتهى زمن الدفاع.نظر إليه آدم.ــ ماذا تقصد؟استدار خالد نحو الجميع.ــ طوال الفترة الماضية كنا ننتظر أن يرتكب خصمنا خطأ.ــ من اليوم...ــ سنجبره على ارتكاب الأخطاء.نظر إبراهيم إليه بإعجاب.كانت هذه أول مرة يرى خالد يغيّر أسلوبه بالكامل.---في الطريق إلى القصر...لم تجلس ليان صامتة كعادتها.كانت تنظر إلى الملفات التي نجت من الحريق.كل ورقة أصبحت تحمل قيمة.وفجأة...توقفت عند كشف حساب بنكي قديم.لم يكن يحمل اسم كمال.ولا اسم سليم.بل اسم امرأة.هالة السيوفي.رفعت رأسها.وقالت:ــ من هالة؟نظر إبراهيم إلى الاسم.ثم أغلق الملف بسرعة.لاحظت ليان ارتباكه.ــ أنت تعرفها.صمت.قال خالد:ــ إبراهيم...لم يعد هناك مجال لإخفاء شيء.تنهد إبراهيم.ــ هالة...هي شقيقة نادر السيوفي.لكنها اختفت منذ أكثر من عشرين عامًا.سأل آدم:ــ وهل لها علاقة بالقضية؟أجاب إبراهيم:ــ كانت المحاسبة الوحيدة التي كانت تعرف حركة الأموال الحقيقية.ساد الصمت.
الفصل الرابع والسبعون: أول خيط حقيقيلم يتحرك أحد بعد كلمات الدكتور عادل.بقيت الأنفاس محبوسة داخل المستودع رقم 317.كانت المصابيح القديمة تومض بين لحظة وأخرى، فتنعكس ظلال الجميع على الجدران الإسمنتية التي أخفت أسرارًا لثلاثين عامًا.نظر خالد إلى الدكتور عادل نظرة طويلة، ثم قال بهدوء يخفي خلفه كثيرًا من الشك:ــ قبل أن نصدق كلمة واحدة... أريد أن أعرف لماذا ظهرت الآن.جلس الدكتور عادل على الكرسي الحديدي القريب منه.كان التعب واضحًا على وجهه.وقال:ــ لأنني تعبت من الهروب.ــ ثلاثون سنة وأنا أستيقظ كل ليلة على الكابوس نفسه.ــ أرى والد ليان وهو ينظر إليّ قبل أن يغادر المكتب...ويقول لي: "إذا حدث لي شيء... لا تدع الحقيقة تموت."خفض رأسه.ــ وأنا تركتها تموت.ساد الصمت.لم يكن أحد يقاطعه.قال إبراهيم بصوت منخفض:ــ كنت أظنك سافرت.ابتسم الدكتور عادل بحزن.ــ كنت أتمنى ذلك.ــ لكنني بقيت هنا.ــ أغيّر منزلي كل عدة أشهر...وأعيش باسم مختلف...وأنتظر اليوم الذي أستطيع فيه الكلام.نظر إليه ياسر.ــ ولماذا الآن تحديدًا؟أجاب:ــ لأن كمال بدأ يرتكب أخطاء.ــ ولأن ليان أصبحت تقترب من الحقيقة أكث
الفصل الثالث والسبعون: المستودع 317لم يصدق أحد ما قاله إبراهيم.ظل الجميع ينظر إليه في صمت.قال خالد وهو يثبت نظره عليه:ــ هل أنت متأكد؟أجاب إبراهيم دون تردد:ــ نعم.ــ عملت في ذلك المصنع سنوات طويلة.ــ كان هناك مستودع سري يحمل الرقم 317.ــ لم يكن موجودًا على الخرائط الرسمية.ــ ولم يكن يعرفه إلا أربعة أشخاص.سأله ياسر:ــ من هم؟تنهد إبراهيم.ــ والد ليان...وأنا...ونادر السيوفي...وكمال عزمي.ساد الصمت.نظر آدم إلى إبراهيم.ــ إذًا كمال كان يعرف المكان منذ البداية.أومأ إبراهيم.ــ وإذا كانت ريم هناك...فهو يعلم أننا سنصل إليها عاجلًا أو آجلًا.نهض خالد من مكانه.فتح خريطة المدينة القديمة.وبدأ يقارنها بالرسم الذي ظهر في تسجيل ريم.بعد دقائق قال:ــ الرسم صحيح.ــ المستودع يقع أسفل الجزء الشرقي من المصنع.ــ لكن الطريق الرئيسي إليه انهار منذ سنوات.قال آدم:ــ إذًا كيف ندخل؟أجاب إبراهيم:ــ يوجد نفق قديم.ــ كان يستخدم لنقل الملفات بعيدًا عن أعين الموظفين.ــ إذا لم يُغلق...فسنستطيع الوصول من خلاله.كانت ليان تستمع للجميع.لكن عقلها كان في مكان آخر.كانت تتذكر وجه ريم في ال







