مشاركة

الخامس

last update تاريخ النشر: 2026-07-30 01:41:44

الفصل الخامس: الخادمة بين كبار العائلتين

وقفت ليان عند مدخل القاعة، تشعر بأن الأرض تميد تحت قدميها.

كانت كلمات زوجة أبيها لا تزال تتردد في أذنها:

"إنها مجرد خادمة في منزلنا."

لم يكن الألم في الإهانة وحدها، بل في الوجوه التي نظرت إليها بعد تلك الجملة. بعضها امتلأ بالشفقة، وبعضها بالسخرية، وآخرون اكتفوا بالصمت، وكأن ما قيل أمر طبيعي.

خفضت رأسها، ثم تقدمت بخطوات هادئة نحو آخر مقعد فارغ في الطاولة.

لم يطلب منها أحد الجلوس.

ولم يرحب بها أحد.

كانت تشعر وكأنها شخص غير مرئي.

في الجهة المقابلة، جلس رجل وامرأة مسنان تحيط بهما هيبة واضحة، وإلى جانبهما رجل في الخمسين من عمره وزوجته.

لم تحتج إلى سؤال لتعرف أنهم جدّا خطيبها ووالداه.

كانت هذه أول مرة تراهم فيها.

ثماني سنوات كاملة وهي مخطوبة لابنهم...

ولم يفكر يومًا في تعريفها بعائلته.

أما اليوم، فقد اجتمعوا جميعًا للاحتفال بخطيبته الجديدة.

شعرت بمرارة تكاد تخنقها.

على الجانب الآخر من الطاولة، كانت أختها غير الشقيقة تجلس بجوار خطيبها بثقة، ترتدي فستانًا أنيقًا وتبتسم للجميع.

كانت تملأ كؤوس العصير، وتضع الطعام في أطباق كبار السن، وتتحدث معهم بأدب مصطنع جعلهم ينهالون عليها بالمديح.

قالت إحدى السيدات بإعجاب:

ــ فتاة جميلة ومثقفة... سمعنا أنك عدتِ من إيطاليا بعد دراسة تصميم المجوهرات.

ابتسمت بخجل متصنع.

ــ ما زلت أتعلم، وأتمنى أن أحقق شيئًا يليق بعائلتي.

هزت السيدة رأسها بإعجاب.

ــ مستقبلك سيكون باهرًا.

ارتسمت على وجه زوجة الأب ابتسامة فخر، وكأنها حققت أعظم إنجاز في حياتها.

أما ليان...

فاكتفت بالنظر إلى كأس الماء أمامها.

تذكرت فجأة الرسائل القديمة التي وصلتها قبل سنوات من خمس كليات للفنون، بعد أن اجتازت اختبارات القبول بتفوق.

كانت تحلم بأن تصبح مصممة معروفة.

لكنها لم تستطع دفع الرسوم الدراسية.

اضطرت إلى رفض كل شيء، والعمل في المطعم لتؤمن لقمة عيشها.

بينما كانت غارقة في ذكرياتها، فُتح باب القاعة.

دخل هو.

ارتدى بدلة سوداء أنيقة، وعلى وجهه ابتسامة هادئة.

وقف الجميع تقريبًا لتحيته.

اقترب من جديه أولًا، وانحنى يقبل أيديهما باحترام، ثم صافح والديه.

قال معتذرًا:

ــ أعتذر عن التأخير، كنت في اجتماع عمل مهم ولم أستطع إنهاؤه مبكرًا.

ابتسم جده بفخر.

ــ العمل أولًا... هكذا يبني الرجال نجاحهم.

وأضاف والده:

ــ شركتنا حققت نتائج رائعة هذا الشهر بفضلك.

توالت عبارات الإشادة من الحاضرين، بينما كان هو يبتسم في هدوء.

لكن ليان كانت الوحيدة التي انتبهت إلى نظرة التفاهم التي تبادلها مع أختها.

كانت نظرة قصيرة...

لكنها قالت كل شيء.

تذكرت ما كانت تسمعه دائمًا منه.

"لدي اجتماع."

"سأسافر من أجل العمل."

"أنا مشغول اليوم."

كم مرة صدقته؟

وكم مرة كان يقضي وقته مع أختها؟

شعرت بوخزة مؤلمة في صدرها.

لم تستطع رفع رأسها مرة أخرى.

وبينما بدأ الجميع يتناول الطعام، لم يقترب أحد ليسألها إن كانت تحتاج شيئًا.

كانت تجلس بصمت، تحاول ألا تلفت الانتباه.

لكن أختها لم تكتفِ بذلك.

رفعت كأس العصير وقالت بابتسامة:

ــ أختي خجولة جدًا... لا تعرف كيف تتعامل مع التجمعات الكبيرة.

ضحك بعض الحاضرين مجاملة.

أما هو...

فاكتفى بالنظر إلى ليان للحظة واحدة.

كانت تنتظر، ولو لثانية، أن يقول الحقيقة.

أن يخبرهم بأنها كانت خطيبته.

أن يعتذر.

أن يدافع عنها.

لكنه أشاح بنظره...

وأكمل حديثه مع جده، وكأنها لم تكن موجودة أصلًا.

في تلك اللحظة، أدركت ليان أن الرجل الذي أحبته ثماني سنوات قد اختفى تمامًا.

انتهى العشاء بعد ساعات بدت لها كأنها عمر كامل.

خرج الجميع تباعًا.

ركبت زوجة الأب وابنتها السيارة مع العائلة، بينما خرجت ليان وحدها إلى الشارع المظلم، متجهة نحو محطة الحافلات.

كان الهواء باردًا، والمدينة تزدحم بالأضواء، لكنها لم تكن ترى شيئًا.

وقفت تنتظر الحافلة بصمت.

وفجأة...

مرّت أمامها سيارة بورش سوداء تعرفها جيدًا.

سيارته.

لم تتوقف.

بل انعطفت بهدوء نحو أحد الفنادق الفاخرة القريبة.

تابعت السيارة بعينيها حتى اختفت خلف بوابة الفندق.

تسلل شعور غريب إلى قلبها.

شعور أخبرها...

أن الحقيقة التي اكتشفتها حتى الآن ليست سوى بداية الألم.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • اختطاف العروس   ٧٨

    الفصل الثامن والسبعون: الرجل الذي أخفى نصف الحقيقةساد الصمت داخل الممر.كانت بطاقة التعريف لا تزال في يد خالد.كتب عليها بوضوح:الدكتور عادل فؤاد الصفة: استشاري جراحة مركز النور الطبيرفع خالد عينيه ببطء.نظر إلى الدكتور عادل.لم يصرخ.ولم يتهمه مباشرة.قال بهدوء:ــ أعتقد أن الوقت قد حان لتخبرنا بكل شيء.نظر الدكتور عادل إلى البطاقة.ثم أغمض عينيه.وكأنه كان يعلم أن هذه اللحظة ستأتي.قال بصوت متعب:ــ نعم...كنت أعمل هنا.لكن ليس كما تظنون.قال آدم بحدة:ــ كذبت علينا.أجابه الدكتور عادل:ــ أخفيت الحقيقة...ولم أكذب.وهناك فرق كبير.تقدمت ليان.كانت نظرتها مليئة بالخذلان.ــ قلت إنك ظهرت الآن لأن ضميرك استيقظ.ــ لكنك كنت تعمل في المكان نفسه الذي كانت تُحتجز فيه ريم.ــ كيف تفسر ذلك؟لم يجب فورًا.ظل صامتًا لثوانٍ.ثم قال:ــ لأنني كنت أحاول إبقاءها على قيد الحياة.---دخل الجميع غرفة الإدارة.أغلق خالد الباب.ووضع البطاقة أمام الدكتور عادل.ــ ابدأ من البداية.تنهد الرجل.ثم قال:ــ بعد تزوير شهادة وفاة كمال...أجبروني على العمل معهم.ــ لم أكن حرًا.ــ كنت مراقبًا طوال الوقت.قال

  • اختطاف العروس   ٧٧

    الفصل السابع والسبعون: الموعد الثامن مساءًلم يرفع خالد عينيه عن دفتر المواعيد.كانت الصفحة الأخيرة تحمل سطرًا واحدًا فقط:الاثنين - الساعة الثامنة مساءً.الضيف: ك.عنظر إلى ساعته.كانت تشير إلى الثالثة والنصف عصرًا.قال بهدوء:ــ أمامنا أربع ساعات ونصف فقط.ــ إذا كان "ك.ع" هو كمال عزمي فعلًا...فقد نكون على بعد ساعات من إنهاء مطاردة استمرت ثلاثين عامًا.لكن ياسر لم يبدُ مقتنعًا.أغلق الدفتر وقال:ــ أو قد يكون هذا فخًا.نظر الجميع إليه.قال:ــ منذ بداية القضية...كلما اقتربنا من الحقيقة وجدنا أنهم سبقونا بخطوة.ــ لماذا يسمحون لنا هذه المرة بالوصول إلى الغرفة السرية؟ساد الصمت.لم يكن سؤاله بلا منطق.---أمر خالد بإغلاق المستشفى بالكامل.توزع رجال الأمن في الطوابق.بينما بقي فريق التحقيق داخل الغرفة السرية.بدأوا بفحص الملفات.كل ملف يحمل اسمًا مختلفًا...لكن الصور كانت تعود للأشخاص أنفسهم.قال آدم وهو يقلب إحدى الصفحات:ــ انظروا إلى هذا.اقترب الجميع.كان الملف لرجل يُدعى "نبيل حسين".لكن الصورة الموجودة بداخله تعود لرجل آخر تمامًا.فتحوا الملف الثاني.والثالث.والرابع.النمط نفس

  • اختطاف العروس   ٧٦

    الفصل السادس والسبعون: المستشفى الذي لم يُغلقلم ينتظر خالد حتى الصباح.أغلق الحاسوب، ثم اتصل بآدم وياسر وإبراهيم.بعد أقل من عشرين دقيقة، كانوا جميعًا داخل غرفة الاجتماعات.ثبت خالد صورة المستشفى على الشاشة.وقال:ــ هذا المبنى كان يُعرف قبل ثمانية عشر عامًا باسم مستشفى الرحمة.ــ اليوم يحمل اسم مركز النور الطبي.نظر آدم إلى الصورة.ــ وما علاقته بالقضية؟ضغط خالد على جهاز التحكم.ظهرت صورة أخرى.ثم ثالثة.ثم مخطط قديم للمصنع.قال:ــ كل الأموال التي خرجت من المشروع الوهمي كانت تمر عبر شركة الأفق.ــ وبعدها تُحول إلى مؤسسة خيرية.ــ ثم إلى هذا المستشفى.رفع ياسر رأسه.ــ غسيل أموال.أومأ خالد.ــ بالضبط.ــ لم يكن المستشفى مجرد مستشفى.ــ كان محطة لإخفاء الأموال وتغيير الهويات.ساد الصمت.أما إبراهيم...فأغلق عينيه للحظة.ثم قال:ــ الآن فهمت.نظر الجميع إليه.ــ لهذا السبب اختفى كمال بسهولة...لقد صنع لنفسه حياة جديدة من هنا.---قال آدم:ــ نقتحم المكان.رد خالد مباشرة:ــ لا.ــ إذا دخلنا دون إذن قضائي، سيختفي كل شيء خلال ساعة.ــ هذه المرة لن نكرر أخطاء الماضي.نظر إلى ياسر.ــ ن

  • اختطاف العروس   ٧٥

    الفصل الخامس والسبعون: بداية الهجومخرج الجميع من المستودع رقم 317 قبل أن تلتهمه النيران بالكامل.وقف خالد يتابع ألسنة اللهب وهي ترتفع نحو السماء.ثم قال:ــ انتهى زمن الدفاع.نظر إليه آدم.ــ ماذا تقصد؟استدار خالد نحو الجميع.ــ طوال الفترة الماضية كنا ننتظر أن يرتكب خصمنا خطأ.ــ من اليوم...ــ سنجبره على ارتكاب الأخطاء.نظر إبراهيم إليه بإعجاب.كانت هذه أول مرة يرى خالد يغيّر أسلوبه بالكامل.---في الطريق إلى القصر...لم تجلس ليان صامتة كعادتها.كانت تنظر إلى الملفات التي نجت من الحريق.كل ورقة أصبحت تحمل قيمة.وفجأة...توقفت عند كشف حساب بنكي قديم.لم يكن يحمل اسم كمال.ولا اسم سليم.بل اسم امرأة.هالة السيوفي.رفعت رأسها.وقالت:ــ من هالة؟نظر إبراهيم إلى الاسم.ثم أغلق الملف بسرعة.لاحظت ليان ارتباكه.ــ أنت تعرفها.صمت.قال خالد:ــ إبراهيم...لم يعد هناك مجال لإخفاء شيء.تنهد إبراهيم.ــ هالة...هي شقيقة نادر السيوفي.لكنها اختفت منذ أكثر من عشرين عامًا.سأل آدم:ــ وهل لها علاقة بالقضية؟أجاب إبراهيم:ــ كانت المحاسبة الوحيدة التي كانت تعرف حركة الأموال الحقيقية.ساد الصمت.

  • اختطاف العروس   ٧٤

    الفصل الرابع والسبعون: أول خيط حقيقيلم يتحرك أحد بعد كلمات الدكتور عادل.بقيت الأنفاس محبوسة داخل المستودع رقم 317.كانت المصابيح القديمة تومض بين لحظة وأخرى، فتنعكس ظلال الجميع على الجدران الإسمنتية التي أخفت أسرارًا لثلاثين عامًا.نظر خالد إلى الدكتور عادل نظرة طويلة، ثم قال بهدوء يخفي خلفه كثيرًا من الشك:ــ قبل أن نصدق كلمة واحدة... أريد أن أعرف لماذا ظهرت الآن.جلس الدكتور عادل على الكرسي الحديدي القريب منه.كان التعب واضحًا على وجهه.وقال:ــ لأنني تعبت من الهروب.ــ ثلاثون سنة وأنا أستيقظ كل ليلة على الكابوس نفسه.ــ أرى والد ليان وهو ينظر إليّ قبل أن يغادر المكتب...ويقول لي: "إذا حدث لي شيء... لا تدع الحقيقة تموت."خفض رأسه.ــ وأنا تركتها تموت.ساد الصمت.لم يكن أحد يقاطعه.قال إبراهيم بصوت منخفض:ــ كنت أظنك سافرت.ابتسم الدكتور عادل بحزن.ــ كنت أتمنى ذلك.ــ لكنني بقيت هنا.ــ أغيّر منزلي كل عدة أشهر...وأعيش باسم مختلف...وأنتظر اليوم الذي أستطيع فيه الكلام.نظر إليه ياسر.ــ ولماذا الآن تحديدًا؟أجاب:ــ لأن كمال بدأ يرتكب أخطاء.ــ ولأن ليان أصبحت تقترب من الحقيقة أكث

  • اختطاف العروس   ٧٣

    الفصل الثالث والسبعون: المستودع 317لم يصدق أحد ما قاله إبراهيم.ظل الجميع ينظر إليه في صمت.قال خالد وهو يثبت نظره عليه:ــ هل أنت متأكد؟أجاب إبراهيم دون تردد:ــ نعم.ــ عملت في ذلك المصنع سنوات طويلة.ــ كان هناك مستودع سري يحمل الرقم 317.ــ لم يكن موجودًا على الخرائط الرسمية.ــ ولم يكن يعرفه إلا أربعة أشخاص.سأله ياسر:ــ من هم؟تنهد إبراهيم.ــ والد ليان...وأنا...ونادر السيوفي...وكمال عزمي.ساد الصمت.نظر آدم إلى إبراهيم.ــ إذًا كمال كان يعرف المكان منذ البداية.أومأ إبراهيم.ــ وإذا كانت ريم هناك...فهو يعلم أننا سنصل إليها عاجلًا أو آجلًا.نهض خالد من مكانه.فتح خريطة المدينة القديمة.وبدأ يقارنها بالرسم الذي ظهر في تسجيل ريم.بعد دقائق قال:ــ الرسم صحيح.ــ المستودع يقع أسفل الجزء الشرقي من المصنع.ــ لكن الطريق الرئيسي إليه انهار منذ سنوات.قال آدم:ــ إذًا كيف ندخل؟أجاب إبراهيم:ــ يوجد نفق قديم.ــ كان يستخدم لنقل الملفات بعيدًا عن أعين الموظفين.ــ إذا لم يُغلق...فسنستطيع الوصول من خلاله.كانت ليان تستمع للجميع.لكن عقلها كان في مكان آخر.كانت تتذكر وجه ريم في ال

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status