مشاركة

الفصل 6

مؤلف: ريو - Rio
last update تاريخ النشر: 2026-07-06 17:22:03

مرت الساعات ثقيلة وباردة في تلك الشقة الموحشة. كانت "نور" تجلس على الأرضية الخشبية، تضم ركبتيها إلى صدرها محاولةً استخلاص أي دفء متبقٍ في جسدها النحيل. الجوع لم يعد مجرد قرقرة في البطن، بل تحول إلى ألمٍ حاد يمزق أمعاءها. طال غياب "رندة" بشكل مقلق، وبدأت الأفكار السوداء تنهش رأس نور؛ هل تاهت في شوارع المدينة؟ هل أمسكت بها الشرطة؟

​فجأة، سُمع صوت المفتاح يدور في القفل. اندفع الباب ليُفتح، ودخلت "رندة". لم تكن خاوية الوفاض هذه المرة.

​قبل أن تتحدث رندة، اقتحمت الغرفة رائحةٌ جعلت عقل "نور" يتوقف عن التفكير. كانت رائحة دجاج مشوي تفوح بالتوابل والدهون الساخنة، مع أكياس من الخبز الطازج. أغلقت رندة الباب بقدمها، ورمت الأكياس على السرير، ثم أخرجت من جيب معطفها حفنة من الأوراق النقدية وألقتها بجوار الطعام.

​لم تسأل نور شيئاً في البداية. غريزة البقاء تغلبت على المنطق. انقضت الفتاتان على الطعام كذئابٍ جائعة، تمزقان اللحم وتبتلعانه بنهمٍ وحشي. لكن، بعد أن هدأ وحش الجوع، وبدأت حرارة الطعام تسري في عروقها، توقفت نور.

​مسحت شفتيها اللامعتين بالدهون، ونظرت إلى الأوراق النقدية المتناثرة على السرير، ثم رفعت عينيها العسليتين نحو صديقتها التي كانت تتجنب النظر إليها.

​"من أين لكِ بهذا يا رندة؟" سألت نور بصوتٍ هادئ لكنه مشحون بالشك.

​ارتبكت رندة، ومسحت فمها بظهر يدها وهي تدعي الانشغال بترتيب الأكياس. "أخبرتكِ... لم أتوقف عن البحث. وجدت مطعماً شعبياً في الحي المجاور، وافق صاحبه على أن أغسل له جبالاً من الصحون المتراكمة في المطبخ الخلفي. كافأني بوجبة العشاء هذه وببعض المال."

​عقدت نور حاجبيها، والتقطت إحدى الأوراق النقدية. كانت ورقة ذات فئة كبيرة، جديدة ولامعة. أعادت نظرها إلى بقايا الدجاجة المشوية الفاخرة، ثم رمقت ملابس رندة. لم تكن هناك قطرة ماء واحدة على أكمامها، ولم تكن يداها مجعدتين أو تفوح منهما رائحة سائل الجلي.

​"أنتِ تكذبين،" قالتها نور بصرامة قاطعة. "غسل الصحون في مطعم شعبي لا يطعمكِ دجاجاً مشوياً فاخراً، ولا يمنحكِ كل هذه الأوراق النقدية في ليلة واحدة. ماذا فعلتِ يا رندة؟ من أين هذا المال؟"

​حاولت رندة التهرب مجدداً، لكن نظرات نور كانت تخترقها كشفرات حادة. تحت وطأة الضغط المستمر والشعور بالذنب الذي كان يخنقها، انهارت دفاعات رندة. جلست على حافة السرير، وغطت وجهها بيديها، وخرج صوتها مختنقاً: "وماذا كان عساي أن أفعل يا نور؟! هل نموت جوعاً؟ هل نُطرد للشارع؟"

​رفعت رندة رأسها، وكانت عيناها تلمعان بالدموع والقسوة معاً: "نعم! لم أغسل الصحون! تواصلت مع ذلك القواد الذي أعطاني رقمه قبل أيام. ذهبت إليه... وبعت جسدي. هذا المال هو ثمن جسدي!"

​ساد صمتٌ مميت في الغرفة، أثقل من برد الشتاء. اتسعت عينا نور بصدمة، وتراجعت للخلف وكأن الكلمات قد صفعتها. نظرت إلى بقايا الطعام في معدتها بشعورٍ مفاجئ بالغثيان.

​تأملت رندة ملامح صديقتها المصدومة. وفي تلك اللحظة، لمعت في ذهنها فكرة خبيثة. لم تكن رندة تريد أن تتحمل وزر هذه الخطيئة وحدها. الشعور بالدونية والقذارة كان يمزقها، والطريقة الوحيدة لتخفيف عذاب الضمير وإسكات ذلك الصوت المزعج في رأسها، هو أن تشاركها نور في هذا المستنقع. إذا تلطخت نور أيضاً، فلن تشعر رندة بأنها عاهرة، بل مجرد شريكة في النجاة.

​"نور... اسمعيني،" اقتربت رندة، وتغيرت نبرتها إلى الإقناع المحموم. "نحن في قاع الجحيم، والمبادئ لن تدفع الإيجار. هذا الرجل يملك زبائن أثرياء. لقد رأى صورتكِ معي وكاد يجن! قال إن فتاة بجمالكِ، بهذا الشعر وتلك العينين، يمكنها أن تجني ثروة! يمكننا أن نعمل معاً. سنجمع المال بسرعة، ونشتري شقة، ونعيش كالملكات. لن نحتاج للتسول بعد اليوم."

​انتفضت نور من مكانها وكأن عقرباً قد لدغها. "هل جننتِ؟! تريدينني أن أبيع جسدي للرجال؟!"

​"وما الفرق؟!" صرخت رندة بواقعية قاسية. "ألم يبعكِ شقيقكِ لعاصم؟ ألم يستبحكِ ذلك الجزار العجوز؟ الرجال يستغلوننا دائماً، دعينا نستغلهم نحن هذه المرة ونسحب أموالهم!"

​اشتعلت عينا نور بنار الكراهية، وتجسدت أمامها فجأة صورة شقيقها "عاصم" وهو يسحبها من شعرها، وصورة "منصور" الجزار وأنفاسه الكريهة تلفح وجهها. لم يكن رفض نور نابعاً من التمسك بالفضيلة، بل من كراهيةٍ عميقة، سوداء، ومطلقة لجنس الرجال.

​"إياكِ أن تقارني!" قالت نور بغضبٍ جعل رندة تتراجع. "لقد قتلت منصورا وقطعت جثته لكي لا يلمسني خنزيرٌ مثله مجدداً! تفوح منهم رائحة القذارة والسيطرة المريضة. أن أسمح لرجلٍ آخر بأن يعتليني، أن يلهث فوقي وهو يظن أنه يملكني ببعض الأوراق النقدية؟ أفضل أن أُدفن حية على أن أمنحهم هذه المتعة!"

​حاولت رندة الحديث: "لكن يا نور، المال..."

​"اسمعيني جيداً يا رندة،" قاطعتها نور بنبرة جليدية، حاسمة، ومخيفة في هدوئها. "أنتِ صديقتي، ولن أحاكمكِ على ما فعلتِه. إذا كنتِ تستطيعين تحمل قذارتهم من أجل بضع ورقات، فهذا شأنكِ. افعلي ما تشائين. أما أنا... فلن أبيع جسدي لرجل أبداً."

​استدارت نور نحو النافذة الباردة، وأسندت جبينها على الزجاج، منهيةً النقاش بكلماتٍ قاطعة: "في صباح الغد، سأخرج للبحث عن عملٍ مجدداً. سأغسل الصحون، أو أنظف الشوارع، لكن سريري لن يدخله رجل. انتهى الأمر."

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الأرملة السوداء   الفصل 76

    ساد الشقة هدوء دافئ ولطيف لم تشعر نور بمثله من قبل. انقضت عاصفة المحكمة، وغابت التهديدات، وصار بإمكانها أخيراً أن تتنفس دون أن تخشى أن ينكشف أمرها أو يداهمها ماضيها الأسود. ​كانت نور تجلس على الأريكة، تطالع الشارع المشمس من النافذة وهي تحتسي كوباً من الشاي الدافئ. جاء أدهم بخطواته الهادئة، وجلس بجانبها، ثم سحب يدها الرقيقة بين كفيه العريضين والدافئين. نظر في عينيها العسليتين بابتسامة تفيض حباً وشوقاً صادقاً. ​"نور..." همس أدهم بنبرة مليئة بالرجولة والحنان: "لقد أصبحتِ الآن امرأة حرة رسمياً بحكم القانون، وانتهى الكابوس الذي كان يلاحقكِ. لم يعد هناك ما يمنعنا.. أريد أن نتقدم خطوة رسمية نحو مستقبلنا. أريد أن أخطبكِ الآن، ونحدد موعد الزفاف في أقرب وقت." ​اتسعت عينا نور خفتاً، ونظرت إليه بمزيج من الامتنان والحزن الخفي. كانت تعشقه، وتعرف أن الحياة بجانبه هي طوق نجاة حقيقي، لكنها في أعماقها كانت تحمل أسراراً ثقيلة وجروحاً لم تتندمل بعد. ​خفضت نور رأسها قليلاً، وضغطت على يده برفق، ثم قالت بصوت ناعم ومتهدج: "أنا أحبك يا أدهم.. وأنت يعلم الله أنك أجمل شيء حدث لي في حياتي كلها. لكنني...

  • الأرملة السوداء   الفصل 75

    مع شروق شمس اليوم التالي، لم تضيع رندة دقيقة واحدة. كانت الأموال النقدية جاهزة، وطموحها يشتعل بقوة امرأة وُلدت من جديد. أجرت بضعة اتصالات، وقبل حلول الظهيرة، كانت ورشة العمل قد بدأت بالفعل. ​استأجرت رندة فريقاً من العمال المحترفين، ووقفت تراقبهم وهم يقتحمون كراجها الواسع والمهجور في الطابق الأرضي. في اليوم الأول، تعالت أصوات الهدم والتكسير؛ أزال العمال الباب الحديدي الصدئ، ووسعوا المدخل ليحتل جزء كبير من واجهة المنزل. ​وفي اليوم الثاني، تم تركيب واجهة زجاجية ضخمة ولامعة سمحت لأشعة الشمس باختراق المكان الذي طالما عشش فيه العناكب والظلام. تم تبليط أرضية المحل بالبورسلان الأبيض الناصع الذي يعكس الإضاءة كالمرايا، ودُهنت الجدران بألوان مبهجة ومريحة للعين، تجمع بين الأزرق السماوي والأخضر الفاتح. ​وفي اليوم الثالث، بدأت سيارات النقل تفرغ حمولتها وتصطف أمام الواجهة: أقفاص معدنية أنيقة، بيوت خشبية ملونة للقطط والكلاب، وأحواض زجاجية حديثة مزودة بإضاءات وأنظمة تهوية. وفي مساء ذلك اليوم، ارتفعت اليافطة المضيئة الكبيرة على واجهة المنزل، تحمل حروفاً بارزة وجذابة: "رندة للحيوانات الأليفة". ​

  • الأرملة السوداء   الفصل 74

    وقفت رندة أمام مرآة الحمام الباردة، تتأمل وجهها الذي بالكاد تتعرف عليه. كانت تمرر أطراف أصابعها المرتجفة على الكدمات التي غطت وجنتيها وحول عينيها، والتي بدأت تتحول من اللون البنفسجي القاتم إلى الأصفر الباهت. جسدها كان يحمل خريطة من الألم، لكن الألم الأكبر كان يمزق روحها وغرورها. ​نظرت إلى عينيها المكسورتين في المرآة، وترددت في أذنيها كلمات المحقق "أدهم" الصارمة كأنها تُدق بمطرقة في رأسها: "هذه هي نهاية هذا الطريق المظلم.. من يضمن لكِ النجاة في المرة القادمة؟ ابدئي حياة جديدة ونظيفة قبل أن تجدي نفسكِ جثة في مكب نفايات." ​أغمضت رندة عينيها بقوة وابتلعت غصة مريرة. لقد أدركت أخيراً كم كانت قريبة من الموت. أدركت أن عالم الجريمة والدعارة الذي ظنت أنها تسيطر عليه، يعج بوحوش حقيقية كفيلة بسحقها في ثوانٍ. لقد أرسل لها القدر رسالة إنذار أخيرة، وقررت ألا تتجاهلها. ​فتحت رندة خزانة الحمام الصغيرة، ومدت يدها لأسفل الرف لتسحب علبة معدنية مخفية. فتحتها، وكانت تحتوي على كل مخزونها من المخدرات؛ أكياس صغيرة من البودرة البيضاء، وشرائط من الحبوب المهلوسة التي كانت تهرب بها من واقعها وتغيب بها وعي عقله

  • الأرملة السوداء   الفصل 73

    بعد أيام، وفي الصباح، رن هاتف أدهم مبكراً. كان المتصل هو المحامي "كمال"، وبنبرة جادة ومستعجلة قال: "أدهم، أحضر نور وتعالا إلى مكتبي فوراً. عاصم اتصل بي وسيأتي بعد ساعة بالضبط لاستلام ردنا النهائي؛ إما أن ندفع له المبلغ، أو يرفض العرض تماماً ويفجر القضية. أريدكما أن تكونا هنا قبله لنتخذ قرارنا الأخير ونتفق على كل كلمة سنقولها." ​لم يضع أدهم وقتاً، واصطحب نور وتوجها مباشرة إلى المكتب. جلسا مع كمال وراجعا تفاصيل الخطة القانونية والمخاطرة التي تنطوي عليها. ورغم قلق أدهم البالغ، إلا أن نور كانت في قمة هدوئها وثقتها، وأكدت لهما مجدداً أنها مستعدة للمواجهة وأن منصور لن يظهر. ​لم يمضِ الكثير من الوقت حتى فُتح باب المكتب، ودخل عاصم بخطواته المتعجرفة، يرتدي قميصاً جديداً اشتراه بالدين ظناً منه أنه سيخرج اليوم بثروة. رمقهم بنظرة جشعة، وجلس دون استئذان قائلاً بابتسامة صفراء: "أهلاً وسهلاً.. أتمنى أن تكونوا قد فكرتم بعقلانية. أين حقيبتي؟ وقتي ضيق وأريد استلام المبلغ لأذهب وأترككم في سلام." ​تبادل كمال وأدهم النظرات، لكن قبل أن ينطق أي منهما بحرف، وقفت نور من مكانها. ​لم تكن تلك الفتاة المك

  • الأرملة السوداء   الفصل 72

    في اليوم التالي، جلس أدهم ونور في مكتب المحامي كمال، يحيط بهما جو من التوتر الثقيل. وبعد دقائق من الانتظار، دخل عاصم يتخطر في مشيته، وعلي وجهه ابتسامة الشماتة نفسها، ويرتدي ثوبه خيلاء كمن يملك مقاليد الأمور كلها. ​جلس عاصم على الكرسي الجلدي الفاخر مقابلهم، وضع ساقاً فوق أخرى، وأخرج سيجارة رخيصة ليُشعلها، رافضاً مراعاة هيبة المكان. ​بدأ كمال الحديث بنبرة رسمية هادئة: "سيد عاصم، نحن هنا لنسمع ما لديك بعيداً عن أروقة المحاكم. ما الذي تريده بالضبط لتنهي هذه المهزلة؟" ​نفث عاصم دخان سيجارته في الهواء، ونظر إلى نور بتهكم ثم اتجه ببصره نحو أدهم قائلاً بوقاحة: "الأمر بسيط جداً ولا يحتاج لكل هذا التعقيد.. أنا رجل لدي ديون والتزامات، وشهادتي في المحكمة كانت نتيجة غضبي من هروب أختي. لكن يمكنني ببساطة أن أذهب في الجلسة القادمة، وأتراجع عن كل ما قلته، وأصرح للقاضي بأنني كنت في حالة غضب وشك غير بريء، وأغير شهادتي لصالح نور.. بشرط واحد." ​سأله أدهم بضغط شديد على أسنانه وهو يضبط أعصابه: "وما هو هذا الشرط؟" ​ابتسم عاصم ابتسامة قبيحة وقال: "أن تدفع لي حسابي كاملاً! أريد عشرين ألف دولار كاش..

  • الأرملة السوداء   الفصل 71

    تحرك أمين سر الجلسة برفق نحو القاضي، ورفع حاجب المحكمة يده مستأذناً وهو يقول بصوت عالٍ هز أرجاء القاعة: "سيدي القاضي.. هناك شاهد متواجد بالقاعة من طرف المدعى عليه، يطلب الإدلاء بشهادة جوهرية رسمية في الدعوى!" ​تعجب القاضي ورفع نظارته، بينما اتسعت عينا نور بصدمة قاتلة. ​خرج عاصم من بين مقاعد الحضور الخلفية بخطوات ثابثة، وتقدم نحو منصة الشهادة! ​ضربت نور جبينها بكفها برعب وذهول، وانقبض قلبها وهي تهمس لنفسها بإنهاك: «عاصم؟! ماذا يفعل هذا المختل هنا؟! ماذا سيقول أمام القاضي؟!» ​وقف عاصم أمام القاضي، وضع يده على المصحف وأدى اليمين، ثم بدأ يتحدث بنبرة ممسرحة تمزج بين الخبث والادعاء بالبراءة والتأثر: ​"سيدي القاضي.. أنا عاصم، الشقيق الأكبر والولي الوحيد للمدعية نور. وقد جئت اليوم حماية للحق وإبراءً للذمة أمام الله والقانون. إن كل ما جاء في صحيفة هذه الدعوى من ادعاءات بالضرب والتعنيف والبخل والعجز الجنسي ضد الزوج منصور عبد الخالق.. هو كذب وتدليس باطل لا أساس له من الصحة!" ​شهقت نور بصوت مكتوم، بينما اعتدل أدهم والمحامي كمال في مقاعدهما بذهول وتركيز شديدين. ​أكمل عاصم وهو يمثل ال

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status