الأرملة السوداء

الأرملة السوداء

last updateLast Updated : 2026-07-09
By:  ريو - RioUpdated just now
Language: Arab
goodnovel18goodnovel
10
11 ratings. 11 reviews
16Chapters
521views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

​⚠️ تحذير هام للقراء (+18) ⚠️ هذه الرواية ليست قصة حب خيالية، ولا تناسب أصحاب القلوب الضعيفة أو الباحثين عن النهايات الوردية والأبطال المثاليين. تحتوي هذه الصفحات على محتوى مخصص للبالغين فقط: مشاهد شديدة الجرأة، عنف دموي، أفكار سوداوية، انحدار أخلاقي، وتلاعب نفسي عميق. الأبطال هنا تحركهم الغرائز، الانتقام، واليأس. إذا كنت تخشى الغوص في الجانب المظلم والخطر من الرغبة البشرية، فالرجاء التراجع الآن ومغادرة هذه الصفحة. أما إذا كنت مستعداً للانغماس في خطيئة لا تُنسى... فقد تم تحذيرك! ​الأرملة السوداء ​"بين ملامحها الملائكية وعينيها الساحرتين، يكمن فخٌ مميت لم ينجُ منه رجلٌ قط." ​"نور"، فتاة بجمالٍ يسلب العقول وبراءةٍ لم تشفع لها في عالمٍ قاسٍ، تُباع بثمن بخس لتسديد ديون شقيقها السكير. تجد نفسها أسيرة زواجٍ إجباري من جزارٍ عجوز وقذر، لتكتشف أن جحيم الفقر كان أرحم من جحيم هذا الزواج. لكن بدلاً من أن تنكسر، تولد من رحم معاناتها امرأة أخرى... امرأة لا تعرف الرحمة. ​بعد أن تتلطخ يداها بالدماء للمرة الأولى هرباً من سجنها، تقذف بها الأقدار مع صديقتها إلى قاع المدينة الغريب، حيث الجوع واليأس. ومن وحل الاستغلال، تتحول "نور" إلى "أنثى عنكبوت" قاتلة؛ تستدرج الرجال بجمالها الطاغي، تمنحهم ليلة من الخيال، ثم تسلبهم أموالهم وأرواحهم بدم بارد. ​أصبحت اللعبة مثالية، والرجال مجرد فرائس تتساقط في شباكها واحداً تلو الآخر... حتى ظهر هو. ​رجلٌ غامض، ذو حضور مهيمن ونظراتٍ تخترق حصونها. دخل عرينها كضحية جديدة، لكنه ببطء زلزل كيانها المظلم، وأيقظ بداخلها عشقاً لم تعرفه يوماً. ولأول مرة، تقرر القاتلة الباردة أن تلقي أسلحتها، وتتوب طمعاً في حبٍ حقيقي. ​لكن ما لم تكن "نور" تعرفه، هو أن الرجل الذي سلمته قلبها، كان هو الفخ الأكبر الذي نُصب للإيقاع بها! ​عندما تسقط الأقنعة، ويقف العشق وجهاً لوجه أمام حبل المشنقة.. هل ينتصر الحب أم العدالة؟ وماذا يحدث حين يقع الصياد في غرام الفريسة التي جاء ليقتنصها؟

View More

Chapter 1

الفصل 1

​كانت رائحة اللحم النيء الممزوجة بعرقٍ نتن وتبغٍ رخيص تخنق أنفاسها، رائحة التصقت بجدران هذه الغرفة الكئيبة، وبشراشف السرير، بل وتحت أظافر ذلك الجسد المترهل الذي يزحف نحوها الآن.

​"تعالي إلى هنا يا زوجتي العزيزة..."

​صدرت الكلمات من فم "منصور" بلزوجة مقززة، ترافقتها ضحكة خشنة تشبه حشرجة الموت. كان رجلاً في الستين من عمره، بجسدٍ ضخم تكسوه طبقات من الدهون المترهلة، ووجهٍ يحمل قسوة جزارٍ لم يعرف الرحمة يوماً، لا مع بهائمه، ولا مع البشر.

​تراجعت "نور" ببطء حتى التصق ظهرها بلوح السرير الخشبي البارد. كانت ترتدي قميص نومٍ حريرياً أسود اللون، يتناقض بشدة مع بشرتها البيضاء كالثلج، ويبرز قوامها الأنثوي الطاغي الذي لطالما كان لعنتها الكبرى. انسدل شعرها المموج الأسود الفاحم على كتفيها كشلالٍ من الليل، بينما اتسعت عيناها العسليتان الآسرتان برعبٍ حقيقي، وارتجفت شفتاها الممتلئتان وهي تراقبه يقترب.

​كان يعاني من عجزٍ جنسي كامل، حقيقةٌ اكتشفتها في ليلتها الأولى هنا. لكن بدلاً من أن يجعله ذلك يبتعد، كان يعوض نقصه بمحاولات إذلالها، بضربها، وبلمساته القذرة التي تترك على جسدها الملائكي كدماتٍ زرقاء وبنفسجية، وبإجبارها على تقبل قذارته ليرضي غروره المريض ويثبت لنفسه أنه لا يزال رجلاً.

​"قلت لكِ تعالي!" صرخ منصور فجأة، وانقض عليها ليقبض على خصلات شعرها بقسوة، ساحباً إياها نحوه.

​تأوهت نور بألم، ودموع القهر تتجمع في عينيها. أنفاسه الكريهة تلفح وجهها، ويداه الخشنتان كأوراق الصنفرة تعتصران ذراعيها. في تلك اللحظة، وسط هذا الظلام، شعرت بشيءٍ ما ينكسر بداخلها. شيءٌ أعمق من الخوف، وأقوى من اليأس. كان صوتاً خفياً يهمس في أذنها: إلى متى؟ إلى متى ستظلين الفريسة؟

​انزلقت يدها اليمنى ببطء شديد تحت وسادتها. كانت قد سرقت تلك السكين الحادة جداً من محل الجزارة الخاص به في الأسفل. سكينٌ ثقيلة، باردة، ومسننة بعناية فائقة لتقطيع اللحم بسهولة كأنه زبدة.

​"سأجعلكِ تصرخين الليلة..." همس منصور وهو يدفن وجهه القبيح في عنقها، محاولاً تمزيق قميصها.

​لم تصرخ نور. بل أغمضت عينيها، وقبضت أصابعها النحيلة على مقبض السكين الخشبي.

​إلى هنا وكفى.

​بحركةٍ سريعة، ومفاجئة، وجرأةٍ لم تكن تعلم أنها تمتلكها، أخرجت نور السكين وغرستها بكل غلٍّ في رقبته الغليظة.

​توقفت حركة منصور فجأة. جحظت عيناه بصدمةٍ مرعبة، وتجمدت أنفاسه. نظرت نور إلى عينيه مباشرة، عيناها العسليتان اللتان كانتا تفيضان بالدموع قبل ثوانٍ، أصبحتا الآن باردتين كجليد القطب الشمالي. لم تكتفِ بطعنة واحدة. سحبت السكين، ودفعتها مرة أخرى في صدره، ثم مرة ثالثة، ورابعة.

​كان الدم الحار يتفجر من جراحه، يلطخ وجهها الملائكي، ويلون قميصها الأسود ببقعٍ داكنة. سقط منصور على السرير، يتخبط في دمائه، يصدر أصوات غرغرة مختنقة، بينما وقفت نور فوقه، تلهث بشدة، وصدرها يعلو ويهبط بجنون.

​راقبت الحياة وهي تنسحب من عينيه ببطء. وللمرة الأولى منذ سنوات، لم تشعر بالخوف. بل شعرت بنشوةٍ غامرة، بنارٍ تدفئ روحها المتجمدة. لقد قتلته. تخلصت من هذا الوحش القذر.

​نظرت إلى يديها الملطختين بالدماء القانية. قطرات الدم تتقاطر من نصل السكين لترتطم بأرضية الغرفة الخشبية. في تلك اللحظة، وسط سكون الموت الذي خيم على الغرفة، عاد بها الزمن إلى الوراء... إلى اليوم الذي بدأ فيه هذا الجحيم.

​قبل ستة أشهر...

​كان الجو بارداً في تلك الشقة المتهالكة التي تؤويها مع شقيقها الأكبر "عاصم". كانت نور تغسل الأطباق في المطبخ الصغير، عندما سمعت صوت الباب الخارجي يُركل بقوة لينفتح.

​دخل عاصم، ترنح في مشيته، ورائحة الخمر الرديء تسبقه. لكنه لم يكن وحده. كان يرافقه رجلٌ ضخم الجثة، يرتدي معطفاً جلدياً تفوح منه رائحة اللحم والدماء... منصور الجزار.

​خرجت نور من المطبخ تمسح يديها بمريلتها المهترئة، وبمجرد أن وقعت عينا منصور عليها، توقف عن التنفس. التهمها بنظراته الوقحة، مسح جسدها الممشوق، ووجهها الذي يشبه لوحة فنية رُسمت بعناية إلهية. كانت بريئة، طاهرة، وتبدو كزهرة أوركيد بيضاء نبتت في مكب نفايات.

​"هذه هي؟" سأل منصور بصوتٍ أجش، وهو يشير إليها بإصبعه الغليظ.

​ضحك عاصم بابتذال، ومسح فمه بظهر يده وقال: "أجل يا معلم منصور. أختي نور. لحمٌ طازج، لم يلمسه أحد قبلك. عذراء كالثلج."

​اتسعت عينا نور بصدمة، وتراجعت خطوة للخلف، قلبها يدق بعنف في صدرها: "عاصم؟ ماذا تقول؟ من هذا الرجل؟"

​لم يعرها شقيقها أي انتباه، بل واصل حديثه مع منصور: "كما اتفقنا، الديون التي عليّ في صالة القمار تُمسح بالكامل، وتدفع لي مبلغاً نقدياً فوقها، وتأخذها. صفقة رابحة لكلينا."

​"عاصم! هل جننت؟!" صرخت نور وهي تبكي بحرقة، وركضت نحوه تمسك بذراعه، "أنا أختك! لحمك ودمك! كيف تبيعني لتدفع ديون قمارك؟"

​دفعها عاصم بقسوة لتسقط على الأرض، ونظر إليها باحتقار: "اخرسي أيتها العالة! لقد أطعمتك وكفلتك منذ موت والدينا، وحان الوقت لتردي الجميل. ستتزوجين المعلم منصور الليلة، شئتِ أم أبيتِ!"

​نظرت نور إلى منصور، تتوسله بعينيها الدامعتين، لكنها لم تجد في عينيه سوى شهوة حيوانية وملكيه قذرة. لقد اشتراها. دفع ثمنها، وأصبحت ملكاً له.

​في تلك الليلة، سُحبت نور من شعرها، تُضرب وتُهان، لتُزف إلى رجلٍ يكبرها بأربعين عاماً، رجلٍ جعلها تتمنى الموت في كل ثانية قضتها تحت سقف بيته. تحملت قذارته، وعقده النفسية، وعجزه الذي كان يفرغه في تعذيبها، على أمل أن يرق قلب شقيقها يوماً وينقذها. لكن عاصم لم يأتِ. لم يأتِ أحد.

​عودة إلى الحاضر...

​رمشت نور بعينيها، لتنفض عن رأسها غبار تلك الذكرى المؤلمة. نظرت مجدداً إلى جثة منصور الهامدة على السرير.

​لم يعد هناك شقيقٌ لتنتظره، ولم يعد هناك مخلصٌ لينقذها. لقد أدركت القاعدة الوحيدة في هذا العالم القذر: الضعفاء يُلتهمون، والفرائس تُذبح.

​مسحت نور الدم المتناثر على خدها بظهر يدها، ورمت السكين على الأرض. سارت بهدوء نحو مرآة الخزانة الكبيرة. نظرت إلى انعكاسها. الوجه الملائكي لا يزال هناك، لكن العينين تغيرتا للأبد. لم تعد فيهما تلك اللمعة البريئة، بل حل محلها ظلامٌ دامس، وقسوةٌ ولدت للتو من رحم المعاناة.

​ابتسمت نور ابتسامةً صغيرة، باردة، ومرعبة، وهي تهمس لنفسها في المرآة:

"لقد بعتني يا عاصم لرجلٍ ظن أنه يشتري جارية... لكنه في الواقع، اشترى حتفه."

​التفتت نحو الهاتف القديم الموضوع على المنضدة المجاورة للسرير. التقطت السماعة، وبأصابع ملطخة بدماء زوجها، طلبت رقماً تحفظه عن ظهر قلب. انتظرت رنين الهاتف، وحين أتاها الصوت من الجهة الأخرى، قالت بنبرةٍ خالية من أي مشاعر:

​"رندة... جهزي نفسك. لقد فعلتها. منصور مات، ونحن سننجز الأمر الليلة."

​أغلقت السماعة، ونظرت إلى الجثة مرة أخيرة. لم تكن هذه النهاية. كانت تدرك في قرارة نفسها، وهي تتذوق طعم القوة لأول مرة، أن دماء منصور لم تكن سوى البداية. بداية ولادة "الأرملة السوداء".

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters

reviewsMore

Rozaleta
Rozaleta
خطيئة بريئة من اجمل ماقرأت وبتابع هذه أيضاً
2026-07-09 19:15:01
1
1
مہـلآكہ 🕊️
مہـلآكہ 🕊️
توني مخلصة خطيئة بريئة وكانت تجنننن 🫦 ولما شفت كلامك بآخر بارت جيت طيران لهنا.. متحمسة أعيش جو جديد مع الأرملة السوداء، متأكدة بتبدع كالعادة 🩷
2026-07-09 13:21:29
1
1
Nour♡
Nour♡
جاية من رواية خطيئة بريئة.. مرررة تجنن حرفياً أجمل رواية في التطبيق... متحمسة أقرأ الرواية الجديدة 🤍
2026-07-09 12:51:16
1
1
♡Talã♡
♡Talã♡
انا انتهيت من قراءة روايتك الأكثر من رائعة "خطيئة بريئة" وبدأت بروايتك الجديدة "الأرملة السوداء"، بصراحة كتاباتك مررة تجنن، انتظر التكملة بفارغ الصبر 🤍🤍
2026-07-09 01:25:08
3
0
hd o
hd o
حبيت كـ بداية مبينة حلوة ومشوقة
2026-07-08 04:56:20
2
0
16 Chapters
الفصل 1
​كانت رائحة اللحم النيء الممزوجة بعرقٍ نتن وتبغٍ رخيص تخنق أنفاسها، رائحة التصقت بجدران هذه الغرفة الكئيبة، وبشراشف السرير، بل وتحت أظافر ذلك الجسد المترهل الذي يزحف نحوها الآن. ​"تعالي إلى هنا يا زوجتي العزيزة..." ​صدرت الكلمات من فم "منصور" بلزوجة مقززة، ترافقتها ضحكة خشنة تشبه حشرجة الموت. كان رجلاً في الستين من عمره، بجسدٍ ضخم تكسوه طبقات من الدهون المترهلة، ووجهٍ يحمل قسوة جزارٍ لم يعرف الرحمة يوماً، لا مع بهائمه، ولا مع البشر. ​تراجعت "نور" ببطء حتى التصق ظهرها بلوح السرير الخشبي البارد. كانت ترتدي قميص نومٍ حريرياً أسود اللون، يتناقض بشدة مع بشرتها البيضاء كالثلج، ويبرز قوامها الأنثوي الطاغي الذي لطالما كان لعنتها الكبرى. انسدل شعرها المموج الأسود الفاحم على كتفيها كشلالٍ من الليل، بينما اتسعت عيناها العسليتان الآسرتان برعبٍ حقيقي، وارتجفت شفتاها الممتلئتان وهي تراقبه يقترب. ​كان يعاني من عجزٍ جنسي كامل، حقيقةٌ اكتشفتها في ليلتها الأولى هنا. لكن بدلاً من أن يجعله ذلك يبتعد، كان يعوض نقصه بمحاولات إذلالها، بضربها، وبلمساته القذرة التي تترك على جسدها الملائكي كدماتٍ زرقاء
last updateLast Updated : 2026-07-02
Read more
الفصل 2
لم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى سُمعت ثلاث نقرات خافتة ومتقطعة على باب الشقة الخارجي. كانت هذه هي الشيفرة. فتحت "نور" الباب ويداها ما زالتا ترتجفان، لتندفع "رندة" إلى الداخل كعاصفة صامتة. ​كانت رندة فتاةً ذات ملامح حادة ونظراتٍ لا تعرف الخوف، ترتدي ملابس داكنة وقد رفعت شعرها بإحكام. بمجرد أن وقعت عيناها على جثة "منصور" الممددة على السرير وسط بركة الدماء، لم تصرخ ولم ترتعد، بل أطلقت زفرة طويلة وقالت بصوتٍ جليدي: "لقد فعلتِها أخيراً يا نور... ظننت أنكِ ستتراجعين في اللحظة الأخيرة." ​ابتلعت نور ريقها وردت بنبرة خالية من الروح: "لم يكن لدي خيار آخر... كان سيقتلني ببطء. ماذا نفعل الآن؟" ​"نكمل ما بدأناه." التمعت عينا رندة بتصميم مميت. "ساعديني في سحبه إلى الأسفل. المحل هو المكان الوحيد الذي يمكننا فيه إخفاء هذه الكارثة." ​كان جسد منصور ثقيلاً كعجلٍ ميت. بجهدٍ جهيد، وأنفاسٍ متلاحقة، تمكنت الفتاتان من سحب الجثة الضخمة عبر الدرج الداخلي الضيق الذي يربط الشقة بمتجر الجزارة في الطابق الأرضي. ​بمجرد دخولهما المتجر، استقبلتهما رائحة الموت المألوفة؛ رائحة اللحم النيء والدم المتخثر التي طال
last updateLast Updated : 2026-07-02
Read more
الفصل 3
كان هواء الفجر البارد يلفح وجهيهما، محملاً برطوبة الليل ورائحة الشوارع المنسية في هذا الحي البائس. بخطواتٍ مثقلة وأنفاسٍ متلاحقة، سحبت "نور" و"رندة" الأكياس البلاستيكية السوداء السميكة خارج باب المتجر الخلفي. كانت الأكياس ثقيلة، تفوح منها رائحة اللحم النيء والعظم، لكنها لم تكن تختلف في شيء عن تلك الأكياس التي اعتاد "منصور" إخراجها يومياً. ​قذفتا الأكياس داخل الحاوية الحديدية الصدئة المقابلة للمحل. ارتمت الأكياس فوق طبقات من بقايا عظام حيوانات قديمة وأمعاء ذبائح سابقة. كان المشهد مقززاً لأي شخص طبيعي، لكن بالنسبة لعمال النظافة الذين سيأتون بعد قليل، لم يكن هذا سوى روتين يومي لمحل جزارة معتاد. لن يثير كيس عظام إضافي ريبة أحد، فقد كان منصور ذكياً في إخفاء قذارته بين النفايات، وها هي نور تستخدم حيلته ضده لتخفيه هو شخصياً. ​أغلقت نور باب المتجر المعدني خلفهما، وأسندت ظهرها إليه وهي تلهث. التقت عيناها بعيني رندة اللامعتين في الظلام، ولم تكونا بحاجة إلى كلمات. أومأت رندة برأسها نحو الأعلى، لتعودا أدراجهما بخطوات سريعة وصامتة إلى الشقة حيث بدأ كل شيء. ​كانت رائحة الموت لا تزال عالقة في غرف
last updateLast Updated : 2026-07-03
Read more
الفصل 4
صرير العجلات المعدنية الضخم وهو يحتك بقضبان سكة الحديد كان بمثابة إعلان النهاية لرحلة طويلة ومجهدة. توقف القطار أخيراً، لتنزل "نور" و"رندة" إلى رصيف المحطة في تلك المدينة البعيدة والمجهولة. كانت محطة القطار وحدها تبدو كمدينة قائمة بذاتها؛ حشود من البشر تتقاطع خطواتهم في عجلة، أضواء نيون مبهرة، وأصوات إعلانات ومكبرات صوت تملأ الفضاء الممتد.​وقفت "نور" للحظات وسط هذا الزحام، أغمضت عينيها العسليتين وسحبت نفساً عميقاً، عميقاً جداً حتى امتلأت رئتاها. لأول مرة منذ أن ولدت، لم تكن تشم رائحة الخمر الرخيص والتبغ المتعفن التي كانت تفوح من شقيقها "عاصم"، ولأول مرة غابت رائحة اللحم النيء والدماء المتخثرة التي كانت تلتصق بأنفاس "منصور". كان الهواء هنا يحمل رائحة عوادم السيارات والقهوة المحمصة، ورغم قسوته، إلا أنه كان بالنسبة لها هواء الحرية المطلقة.​بعد ساعات من السير والبحث المضني في شوارع المدينة الواسعة، تمكنت الفتاتان من العثور على مأوى؛ شقة صغيرة ومفروشة بأثاث متواضع في أحد الأحياء الجانبية، استأجرتاها ودفعتا مقدماً لشهرين لترتاحا من عناء الرحلة الطويلة. بمجرد أن أغلق باب الشقة عليهما، رمت
last updateLast Updated : 2026-07-06
Read more
الفصل 5
في الأيام التي تلت قرار البحث عن عمل، بدت المدينة وكأنها قد خلعت قناعها الزائف. الأضواء الساطعة التي كانت ترمز للحرية في البداية، تحولت الآن إلى مصابيح كاشفة تسلط الضوء على بؤسهما. الشوارع الواسعة أصبحت مجرد متاهة من الإسفلت البارد، والمباني الزجاجية الشاهقة لم تكن سوى جدران تعكس صورتهما كغريبتين لا مكان لهما هنا. ​منذ ساعات الصباح الأولى، كانت "نور" و"رندة" تخرجان معاً، ثم تفترقان لتمشيط شوارع مختلفة بحثاً عن أي فرصة، على أن تعودا في المساء إلى غرفتهما الباردة. ​بالنسبة لـ "نور"، كانت الرحلة عبارة عن سلسلة متصلة من الإهانات والرفض. جابت المتاجر، والمطاعم، والمقاهي، وحتى مصانع الخياطة في الأحياء الصناعية المتطرفة. في كل مرة كانت تقف أمام مدير أو مسؤول توظيف، كانت تسمع نفس الأسطوانة الباردة: "أين شهاداتك؟" "هل لديكِ خبرة سابقة؟". "لا نوظف غرباء دون شهادات أو خبرات." لم تكن "نور" تملك سوى جمالها الصارخ، وهو سلاحٌ أثبت أنه نقمة وليس نعمة في هذا العالم الموحش. ​في إحدى المقابلات للعمل كنادلة في حانة ليلية، رمقها المدير بنظرات فجة، مسحت تفاصيل جسدها بطريقة جعلت معدتها تتقلص. عرض عليها ا
last updateLast Updated : 2026-07-06
Read more
الفصل 6
مرت الساعات ثقيلة وباردة في تلك الشقة الموحشة. كانت "نور" تجلس على الأرضية الخشبية، تضم ركبتيها إلى صدرها محاولةً استخلاص أي دفء متبقٍ في جسدها النحيل. الجوع لم يعد مجرد قرقرة في البطن، بل تحول إلى ألمٍ حاد يمزق أمعاءها. طال غياب "رندة" بشكل مقلق، وبدأت الأفكار السوداء تنهش رأس نور؛ هل تاهت في شوارع المدينة؟ هل أمسكت بها الشرطة؟ ​فجأة، سُمع صوت المفتاح يدور في القفل. اندفع الباب ليُفتح، ودخلت "رندة". لم تكن خاوية الوفاض هذه المرة. ​قبل أن تتحدث رندة، اقتحمت الغرفة رائحةٌ جعلت عقل "نور" يتوقف عن التفكير. كانت رائحة دجاج مشوي تفوح بالتوابل والدهون الساخنة، مع أكياس من الخبز الطازج. أغلقت رندة الباب بقدمها، ورمت الأكياس على السرير، ثم أخرجت من جيب معطفها حفنة من الأوراق النقدية وألقتها بجوار الطعام. ​لم تسأل نور شيئاً في البداية. غريزة البقاء تغلبت على المنطق. انقضت الفتاتان على الطعام كذئابٍ جائعة، تمزقان اللحم وتبتلعانه بنهمٍ وحشي. لكن، بعد أن هدأ وحش الجوع، وبدأت حرارة الطعام تسري في عروقها، توقفت نور. ​مسحت شفتيها اللامعتين بالدهون، ونظرت إلى الأوراق النقدية المتناثرة على السرير،
last updateLast Updated : 2026-07-06
Read more
الفصل 7
​مرت أسابيع قاسية وثقيلة، تغيرت فيها معالم الشقة المتواضعة لتشهد على تناقضٍ صارخ ومؤلم بين عالمين. على جانب، كانت "رندة" تعيش حالة من الرفاهية المفاجئة التي لم تعهدها يوماً. امتلأت خزانة ملابسها بقطع حريرية مغرية، وتلال من الملابس الداخلية المثيرة باهظة الثمن، واصطفت على طاولة المرآة العشرات من زجاجات العطور الفاخرة، ومساحيق التجميل، ومنتجات العناية بالبشرة والجسم. أصبحت رندة تعتني بجسدها بهوسٍ واضح، فقد أدركت أنه رأس مالها الوحيد في هذه المدينة القاسية، والسلاح الذي تنتزع به الحياة. ​وعلى الجانب الآخر، كانت "نور" تعيش جحيماً يومياً. التزمت بقرارها العنيد واستمرت في البحث حتى وجدت عملاً كعاملة نظافة وترتيب في سوبر ماركت كبير. كانت تقضي أكثر من اثنتي عشرة ساعة يومياً، تجر ممسحة الأرضيات الثقيلة، وترص المنتجات على الأرفف العالية حتى تتورم قدماها وتتشقق يداها الناعمتان. وكل هذا الجهد المنهك، كان يقابله في نهاية الأسبوع حفنة ضئيلة من النقود بالكاد تكفي لشراء فتات خبز يسد جوعها الكافر. ​كانت ترفض التنازل، وتتحمل الإهانات المستمرة من الزبائن والمديرين، وتعود كل ليلة لتسقط على سريرها كجثة
last updateLast Updated : 2026-07-06
Read more
الفصل 8
خطت "نور" ببطء على السجاد الأحمر السميك الذي يغطي أرضية ممر الفندق الفاخر، كان السجاد يبتلع صوت خطواتها وكأنه يمهد طريقها نحو الهاوية بصمت. الهواء هنا كان مشبعاً برائحة معطرات الجو الباهظة، والهدوء كان ثقيلاً ومخيفاً، يختلف تماماً عن ضجيج الشوارع القذرة التي طُردت إليها. وقفت أمام الباب الخشبي الضخم ذي الأرقام النحاسية اللامعة. ابتلعت ريقها، وأغمضت عينيها لثانية واحدة تستجمع فيها ما تبقى من شظايا روحها، ثم مدت يدها المرتجفة نحو مقبض الباب. ​أُغلق الباب الخشبي الثقيل خلفها بصوتٍ مكتوم، وتلاه صوت نقرة القفل الآلي التي بدت في أذنيها كصوت إغلاق باب زنزانة، ليفصلها عن العالم الخارجي ويحبسها داخل تلك الغرفة الفاخرة. ​وقفت في مكانها متصلبة، وقد تسمرت عيناها على زبونها الأول الذي كان بانتظارها. كان رجلاً في أواخر الأربعينيات، ثرياً، تفوح منه رائحة النفوذ وعطرٍ فرنسي نفاذ، وبدا وسيماً ومغروراً، يرتدي قميصاً حريرياً مفتوح الأزرار، ويجلس على كرسي جلدي فاخر ممسكاً بكأس من الكريستال يحوي مشروباً كحولياً فاخراً، على عكس زوجها السابق "منصور" الجزار تماماً. ​لكن رغم أناقته البادية ومظهره الراقي، ك
last updateLast Updated : 2026-07-07
Read more
الفصل 9
في ظهيرة اليوم التالي، تبددت غيوم الكآبة التي لطالما غلفت حياة "نور"، لتحل محلها شمسٌ من نوع آخر... شمسٌ ساطعة، باردة، ومغرورة.​لم تعد الشوارع الواسعة والمباني الزجاجية الشاهقة تبدو كوحوش كاسرة تريد ابتلاعها، بل أصبحت مجرد مسرحٍ كبير تستعرض فيه سطوتها الجديدة. سحبت نور صديقتها "رندة" المذهولة من يدها، واقتحمت بها أرقى الأسواق التجارية في قلب المدينة. كانت تمشي بخطواتٍ واثقة، رأسها مرفوع، ونظراتها تحمل تعالياً لم تعهده رندة من قبل.​في أحد المتاجر الفاخرة، وقفت نور أمام واجهة زجاجية تتأمل الفساتين باهظة الثمن. اقتربت منها موظفة المبيعات بنظرة تحمل بعض التعالي، ربما بسبب ملابس نور البسيطة، لكن نور لم ترمش. فتحت حقيبتها ببرود، وسحبت رزمة سميكة من الأوراق النقدية التي جنتها في الليلة الماضية، ولوحت بها ببطء. تبدلت نظرة الموظفة في جزء من الثانية إلى ابتسامة متملقة واحترام تام.​شعرت نور بنشوة الانتصار. اشترت فساتين حريرية، ومعاطف فاخرة، وأحذية بكعب عالٍ صُممت لتسحق الأرض تحتها. كانت تشتري بشراهة، تعوض بها كل نظرة دونية تلقتها، وكل إهانة تعرضت لها وهي تمسح أرضيات السوبر ماركت مقابل فتات ال
last updateLast Updated : 2026-07-07
Read more
الفصل 10
خطت "نور" داخل الجناح الفندقي الفاخر بخطواتٍ واثقة، تحمل في رأسها صورة نمطية لزبون الليلة؛ توقعت أن تجد رجلاً في منتصف العمر، بكرشٍ ممتد ونظراتٍ لزجة متعجرفة، مشابهاً لزوجها السابق أو زبونها الأول. لكن بمجرد أن أُغلق الباب خلفها، تسمرت في مكانها لثوانٍ وهي تتأمل المشهد أمامهما. ​لم يكن هناك رجل أعمالٍ كهل ينتظرها. بل كان هناك فتىً بالكاد يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، يجلس على حافة السرير، يفرك يديه بتوترٍ جليّ، وتتصبب جبهته بعرقٍ بارد. كان يرتدي قميصاً باهظ الثمن لكنه مجعد قليلاً، وشعره مبعثر بطريقة تنم عن ارتباك شديد. بمجرد أن وقعت عيناه على "نور" بجمالها الصارخ، وفستانها الأحمر الدموي الذي يعانق منحنيات جسدها الفاتن، ابتلع ريقه بصعوبة، واتسعت حدقتاه بانبهارٍ مشوب بالرعب، وكأنه يقف أمام إلهة إغريقية هبطت للتو من السماء. ​تلاشت النظرة الجليدية من عيني نور، وحلت محلها ابتسامة ماكرة. أدركت فوراً أنها أمام فريسة من نوعٍ مختلف تماماً... فريسة هشة، غنية، ومرتعبة. ​اقتربت منه بخطواتٍ بطيئة، تتمايل بغنجٍ مدروس، وأسقطت حقيبتها على الكرسي المجاور. عندما جلست بجانبه على السرير، فاحت منها رائح
last updateLast Updated : 2026-07-07
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status