LOGINالفصل الخامس
لم تكن تعلم... أن بعض الأبواب التي نطرقها بحثًا عن النجاة، قد تخفي خلفها أكثر الأقدار قسوة. وقفت ملك أمام المبنى الزجاجي الضخم للحظات، تحدق في اسمه المنقوش بحروف معدنية لامعة. شركة المهدي للاستثمارات. لم يكن الاسم يعني لها شيئًا. كل ما كانت تراه هو فرصة أخيرة قبل أن تنهار حياتها بالكامل. أخذت نفسًا عميقًا، ثم دخلت بخطوات مترددة. كان بهو الشركة فخمًا بصورة لم تعتد عليها؛ أرضيات رخامية لامعة، وثريات ضخمة تتدلى من السقف، وموظفون يتحركون في صمت ونظام جعلها تشعر للحظة بأنها لا تنتمي إلى هذا المكان. تقدمت نحو موظفة الاستقبال التي رفعت رأسها بابتسامة عملية. — صباح الخير... حضرتك جاية بخصوص وظيفة السكرتيرة؟ أومأت ملك. — أيوة. ناولتها الموظفة استمارة أخرى بعد مراجعة بياناتها. — اتفضلي اقعدي في قاعة الانتظار، ولما ييجي دورك هننادي عليكي. شكرتها ملك وجلست في أحد المقاعد. نظرت حولها بهدوء. كانت هناك عدة فتيات أخريات. إحداهن ترتدي ملابس باهظة الثمن وتضع مساحيق تجميل كثيفة، وأخرى لا تكاد ترفع عينيها عن هاتفها، وثالثة تتحدث بصوت مرتفع عن خبراتها السابقة. أما هي... فاكتفت بضم حقيبتها إلى صدرها. وكأنها تستمد منها بعض القوة. --- في الطابق العلوي... دخل فهد مكتبه وهو يقلب بعض الملفات. لم تمض سوى دقائق حتى دخل شريف دون استئذان كعادته. ألقى ملفًا فوق المكتب وقال مبتسمًا: — جاهز تستقبل جيش السكرتيرات؟ رفع فهد عينيه إليه. — جيش؟ ضحك شريف. — الإعلان نزل من امبارح... ومن الصبح والبنات مالية الشركة. عاد فهد إلى أوراقه. — المهم الكفاءة. جلس شريف أمامه. — يا أخي هو أنت مبتعرفش تضحك؟ رفع فهد حاجبه. — الشغل مش مكان للهزار. هز شريف رأسه باستسلام. — حاضر يا سيادة المدير. ثم ضغط زر الهاتف الداخلي. — يا أسماء... دخلي أول متقدمة. --- مرت المقابلات تباعًا. كانت كل فتاة تدخل وهي تحمل آمالًا كبيرة. لكنها تخرج بعد دقائق قليلة. مرة بسبب قلة الخبرة. ومرة بسبب ضعف اللغة. وأخرى لأنها لم تكن مناسبة لطبيعة العمل. وبمرور الوقت بدأ الملل يتسلل إلى شريف. بينما ظل فهد محتفظًا بملامحه الجامدة. قال شريف وهو يخرج إحدى الملفات: — والله يا فهد، أنت مصعبها على نفسك. رفع فهد رأسه. — أنا عايز واحدة تشتغل... مش تيجي تستعرض. ابتسم شريف. — خلاص... اللي تشوفه. ثم ضغط الزر مرة أخرى. — أسماء... اللي بعده. --- في الخارج... سمعت ملك اسمها يُنادى. شعرت بانقباض خفيف في معدتها. وقفت ببطء. عدلت حجابها. ثم طرقت الباب. — اتفضل. دخلت وهي تلقي السلام بصوت هادئ. — السلام عليكم. رد شريف بابتسامة. — وعليكم السلام... اتفضلي. أما فهد... فما إن رفع رأسه... حتى تجمدت نظراته. هي... الفتاة نفسها. صاحبة العينين الممتلئتين بالحزن. التي اصطدمت به قبل أيام. والتي ما زالت ورقة والدها محفوظة داخل درج مكتبه. لم يظهر على وجهه أي انفعال. لكن داخله اضطرب بصورة لم يفهمها. جلست ملك بهدوء، بينما بدأ شريف يراجع أوراقها. ظل يقلب الصفحات للحظات. ثم قال: — آنسة ملك عبد الله؟ — أيوة. — طالبة في كلية التجارة؟ — أيوة. رفع رأسه إليها. — انتساب؟ ابتسمت ابتسامة خفيفة. — أيوة... علشان أقدر أشتغل. تبادل شريف نظرة سريعة مع فهد. لكن الأخير ظل صامتًا. عاد شريف إلى الملف. ثم قال بأسف: — بصراحة... عندنا مشكلة بسيطة. شعرت ملك أن قلبها بدأ يخفق بعنف. — إيه هي؟ تنهد شريف. — الوظيفة دي محتاجة تفرغ كامل. أومأت بسرعة. — وأنا أقدر أوفق. ابتسم باعتذار. — حتى لو قدرتي... سياسة الشركة مبتسمحش. ساد الصمت. ثم أكمل بهدوء: — آسف يا آنسة... لكن مش هينفع. شعرت ملك وكأن الكلمات سقطت فوق رأسها كالصاعقة. ظلت تحدق فيه غير مستوعبة. ثم همست: — يعني... اترفضت؟ خفض شريف رأسه. — للأسف. لم تسمع شيئًا بعد ذلك. اختلطت الأصوات من حولها. وشعرت بالمكتب كله يدور أمام عينيها. تذكرت إيجار الشقة. ومصاريف الجامعة. وفواتير الكهرباء. وصورة والديها. وتذكرت دعاءها صباحًا... "يا رب... فرصة واحدة." لكن حتى تلك الفرصة... ضاعت. حاولت الوقوف. إلا أن قدميها لم تعودا تحملانها. اهتزت رؤيتها. ورأت الوجوه أمامها تتلاشى شيئًا فشيئًا. انتبه شريف لذلك. — آنسة ملك... حضرتك كويسة؟ لم تجبه. مدت يدها تبحث عن أي شيء تستند إليه. لكن أصابعها لم تمسك سوى الهواء. وفي ثانية واحدة... مال جسدها كله إلى الخلف. — ملك! صرخ شريف وهو ينهض من مكانه. لكن قبل أن ترتطم بالأرض... كان فهد قد وصل إليها بخطوة سريعة. التقطها بين ذراعيه قبل سقوطها. ساد الصمت داخل المكتب. حدق في وجهها الشاحب. كانت مغمضة العينين، وأنفاسها بالكاد تُسمع. ولأول مرة منذ سنوات طويلة... شعر فهد المهدي بأن قلبه انقبض بطريقة لم يعهدها. رفع رأسه فجأة وقال بصوت حازم هز أرجاء المكتب: — حد يجيب الدكتور... بسرعة! وفي الخارج... بدأ الموظفون يتجمعون على صوت الصراخ. بينما كانت ملك غائبة عن الوعي... دون أن تعلم أن إغماءها هذا... سيكون بداية علاقة لم يكن أي منهما مستعدًا لها. يتبع....الفصل السادسلم يكن الصمت الذي خيّم على مكتب شريف صمتًا عاديًا...بل كان صمتًا سبق العاصفة.جلست ملك أمام المكتب تقبض على حقيبتها بقوة، بينما كانت تحاول السيطرة على اضطراب أنفاسها. لم يكن هذا أول رفض تتلقاه خلال الأيام الماضية، لكنها كانت تتمنى، ولو لمرة واحدة، أن يبتسم لها الحظ.رفع شريف الملف مرة أخرى، يقلب صفحاته بعناية، ثم زفر بهدوء وهو يقول بنبرة يغلب عليها الأسف:— للأسف يا آنسة ملك... مؤهلاتك كويسة، لكن في مشكلة.ابتلعت ريقها بصعوبة.— إيه هي؟أجاب وهو يغلق الملف:— إحنا محتاجين سكرتيرة متفرغة بالكامل، وأنتِ طالبة في الكلية. الشغل هنا ساعات طويلة، وضغطه كبير، ومينفعش يكون في أي تقصير.ساد الصمت للحظات.ثم أضاف باعتذار صادق:— أنا آسف... لكن مش هينفع.شعرت ملك وكأن الكلمات سقطت فوق صدرها كصخرة ثقيلة.آخر باب...وآخر أمل...يغلق هو الآخر.خفضت رأسها حتى لا يرى أحد الانكسار الذي ملأ عينيها، ثم همست بصوت خافت:— شكرًا لحضرتك.نهضت ببطء وهي تجمع أوراقها، محاولة أن تحافظ على ما تبقى من كرامتها.أما فهد...فلم ينطق بكلمة واحدة منذ دخولها.كان يراقبها فقط.هي نفسها...الفتاة التي اصطد
الفصل الخامسلم تكن تعلم... أن بعض الأبواب التي نطرقها بحثًا عن النجاة، قد تخفي خلفها أكثر الأقدار قسوة.وقفت ملك أمام المبنى الزجاجي الضخم للحظات، تحدق في اسمه المنقوش بحروف معدنية لامعة.شركة المهدي للاستثمارات.لم يكن الاسم يعني لها شيئًا.كل ما كانت تراه هو فرصة أخيرة قبل أن تنهار حياتها بالكامل.أخذت نفسًا عميقًا، ثم دخلت بخطوات مترددة.كان بهو الشركة فخمًا بصورة لم تعتد عليها؛ أرضيات رخامية لامعة، وثريات ضخمة تتدلى من السقف، وموظفون يتحركون في صمت ونظام جعلها تشعر للحظة بأنها لا تنتمي إلى هذا المكان.تقدمت نحو موظفة الاستقبال التي رفعت رأسها بابتسامة عملية.— صباح الخير... حضرتك جاية بخصوص وظيفة السكرتيرة؟أومأت ملك.— أيوة.ناولتها الموظفة استمارة أخرى بعد مراجعة بياناتها.— اتفضلي اقعدي في قاعة الانتظار، ولما ييجي دورك هننادي عليكي.شكرتها ملك وجلست في أحد المقاعد.نظرت حولها بهدوء.كانت هناك عدة فتيات أخريات.إحداهن ترتدي ملابس باهظة الثمن وتضع مساحيق تجميل كثيفة، وأخرى لا تكاد ترفع عينيها عن هاتفها، وثالثة تتحدث بصوت مرتفع عن خبراتها السابقة.أما هي...فاكتفت بضم حقيبتها إلى
الفصل الرابع"هناك لحظات يظن الإنسان أنه وصل إلى نهاية الطريق... بينما يكون القدر، في الجهة الأخرى، قد بدأ للتو في رسم أول منعطف."خرجت ملك من منزل سارة وهي تشعر أن كلمات السيدة فاتن ما زالت تدفئ قلبها رغم قسوة الواقع الذي ينتظرها خارج ذلك الباب.شدّت حجابها قليلًا، ثم أمسكت بحقيبتها القديمة بإحكام، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ السير في شوارع الإسكندرية التي بدأت تمتلئ بالحركة مع ساعات الصباح الأولى.لم تكن تملك رفاهية اليأس.ولا حق الاستسلام.كانت تعرف أن كل دقيقة تمر دون أن تجد عملًا تعني اقترابها خطوة جديدة من خسارة كل شيء؛ شقتها، دراستها، وحتى آخر ما تبقى لها من كرامة كانت تحارب للحفاظ عليها منذ وفاة والديها.رفعت رأسها قليلًا، وهمست بثبات:— يا رب... ارزقني من حيث لا أحتسب.ثم تابعت السير.---وفي الناحية الأخرى من المدينة...داخل فيلا آل المهدي، كانت الأجواء مختلفة تمامًا.وقف فهد أمام المرآة يرتب رابطة عنقه بحركات هادئة، بينما كانت روجيدة تجلس على طرف السرير تراقبه بصمت.ظلت مترددة للحظات قبل أن تقول:— فهد... فكرت في كلام جدو؟تنهد دون أن يلتفت إليها.— أي كلام؟— التحاليل..
"والله جه اليوم اللي هرد فيه الضربة القديمة... والجديدة كمان يا ابن المهدي."خرجت الكلمات ببطء من بين شفتي فايز الجيار، بينما أغلق الهاتف أمامه دون أن ينتظر رد الطرف الآخر.استند بجسده إلى المقعد الجلدي الفاخر، وراح يدير السيجار بين أصابعه بحركة هادئة تخالف تمامًا الشر الكامن في عينيه. كان مكتبه الواسع يعكس ثراء صاحبه ونفوذه، لكن خلف تلك المظاهر الأنيقة كانت تُحاك ألعاب قذرة لا يعلم بها أحد.أطلق زفرة طويلة قبل أن يشعل سيجارته، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة.قبل دقائق فقط، كان يهدد أحد رجاله عبر الهاتف.ــ قلتلك كلمة واحدة... المناقصة الجديدة دي لازم تبقى باسمي.جاءه الصوت مترددًا:ــ بس يا فايز بيه... الموضوع مش سهل.ضرب المكتب بقبضته ضربة خفيفة جعلت الرجل في الطرف الآخر يبتلع كلماته.ــ مفيش حاجة اسمها مش سهل.ثم أكمل بنبرة أكثر خطورة:ــ أنت أخدت تمن سكوتك، وأخدت تمن تعاونك... دلوقتي تنفذ المطلوب وبس.ساد صمت قصير.ثم انخفض صوته حتى أصبح أشبه بالهمس.ــ وإلا الملفات اللي عندي هتوصل لفهد المهدي بنفسه... وساعتها ابقى وريني هتطلع منها إزاي.ارتبك الرجل سريعًا.ــ لا يا باشا... متق
الفصل الثاني.كانت كلمات ملك حاسمة، رغم التعب الذي يسكن ملامحها.لن تبقى عبئًا على أحد...مهما كلفها الأمر.نظرت إليها السيدة فاتن بحنان، ثم قالت وهي تربت على يدها:— يا بنتي، الشغل مش عيب، بس متتعجليش وتقبلي بأي حاجة.ابتسمت ملك ابتسامة صغيرة.— متقلقيش يا طنط... أنا هدور على حاجة محترمة.تدخلت سارة وهي تعقد ذراعيها:— وأنا هاجي معاكي.هزت ملك رأسها سريعًا.— لا، عندك محاضرات.— والمحاضرات هتطير يعني؟ضحكت فاتن وهي تشير إلى ابنتها.— اسمعي الكلام وروحي جامعتك، وسيبي البنت تعتمد على نفسها شوية.تنهدت سارة باستسلام.— حاضر... بس أول ما تخلصي كلميني.أومأت ملك بابتسامة ممتنة، ثم حملت حقيبتها وغادرت.كان صباح الإسكندرية هادئًا على غير عادته.الهواء القادم من البحر يحمل برودة خفيفة، بينما ازدحمت الأرصفة بالمارة والسيارات.سارت ملك بين الشوارع وهي تتوقف أمام كل شركة أو متجر ترى عليه لافتة تعلن عن وجود وظائف.في الشركة الأولى...استقبلها موظف الاستقبال بابتسامة باهتة.— فيه وظائف؟تفحصها سريعًا قبل أن يهز رأسه.— للأسف اكتملت.شكرته وغادرت.في الثانية...لم يسمح لها الحارس أصلًا بالدخول.أم
الفصل الأول «سافر؟!»خرجت الكلمة من بين شفتي ملك كأنها صرخة اختنقت قبل أن تكتمل، بينما تجمدت في مكانها وسط بهو الشركة الفخم، تحدق في الموظفة بعينين اتسعتا من شدة الصدمة.شعرت للحظة وكأن الأصوات من حولها اختفت تمامًا، ولم يبقَ سوى تلك الكلمة التي ترددت داخل رأسها بلا توقف.سافر...الرجل الوحيد الذي كان يملك الإجابة عن مصير أموال والدها... اختفى.ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم سألت بصوت مرتجف بالكاد خرج من بين شفتيها:– سافر فين؟هزت الموظفة كتفيها بأسف وقالت:– والله يا هانم ما أعرف... كل اللي عرفناه إن مجدي بيه باع نصيبه في الشركة وسافر بره مصر... ويمكن ألمانيا.أغمضت ملك عينيها لثوانٍ.شعرت وكأن آخر باب كانت تتمسك به قد أُغلق في وجهها إلى الأبد.لكن قبل ساعات فقط...كانت تظن أن الأمل ما زال موجودًا.في أحد الأحياء الشعبية الهادئة بمدينة الإسكندرية، كانت ملك عبد الله تجلس وحدها أمام مائدة صغيرة تتناول فطورًا بسيطًا لا يتجاوز قطعة جبن وبعض الخبز وكوبًا من الشاي.منذ عام كامل، وتحديدًا منذ وفاة والديها في ذلك الحادث المأساوي، تغير كل شيء في حياتها.اختفى الضحك من هذا المنزل.اختفت رائحة الطعا







