تسجيل الدخولفتاة متخصصة في إدارة نظم المعلومات (MIS)، تُجبر على زواج لا ترغب فيه، وبدلًا من الاستسلام أو المواجهة التقليدية تقرر التعامل مع الزواج كـ "منظومة عمل" أو "عقد رقمي" وتبدأ بذكاء شديد في دراسة وثيقة الزواج والالتزامات الاجتماعية لإيجاد ثغرات وخرق البنود بشكل منظم يجبر الطرف الآخر على الانهاء من قبله.
عرض المزيدتتنفس المدينة الصعداء مع خيوط الفجر الأولى، وتتحرك الأزقة ببطء كأنها تستيقظ من حلم طويل. في زاوية ذلك الحي، تفوح رائحة الخبز الطازج ممتزجة بعبق الهيل المنبعث من الدكان الجديد الأنيق الذي افتتحه "أبو لارا" مؤخرًا مجهزًا إياه بواجهة زجاجية حديثة ورفوف خشبية مصممة بعناية تعكس ذوقه المنظم.
تجلس لارا، الفتاة ذات السادسة والعشرين ربيعًا خلف مكتب صغير داخل الدكان، تداعب بأصابعها حواف شهادتها الجامعية في إدارة نظم المعلومات (MIS) التي أطّرها والدها وفضّل تعليقها في هذا المكان بدلًا من جدران الشركات الزجاجية. لم تعمل لارا بشهادتها في سوق العمل بعد، فقررت أن تدير نظام هذا الدكان الجديد معيدةً ترتيب البضائع والمخزون بروح تكنولوجية ومنهجية رقمية متطورة. على الطاولة الصغيرة في زاوية الدكان يجلس والدها يرتشف الشاي براحة بال لم يعهدها من قبل. هذا المشروع هو بدايته الجديدة المفضلة بعد أن أنهى خدمته الطويلة بكل فخر واعتزاز في شركة "غلوبال تيك للحلول الرقمية"، تلك الشركة العملاقة التي قضى فيها سنوات من العطاء حتى وصل لسن التقاعد ونهاية الخدمة القانونية. تدخل الأم من باب المنزل المتصل بالدكان حاملةً طبقًا من الجبن والزيتون، وعيناها تدوران في المكان تبحثان عن ثغرة لفتح موضوعها المفضل. تنحنحت الأم، واضعة طبق الجبن برفق لكي تلفت الانتباه: الأم: "كل صباح أراكِ ترتبين هذه البيانات والعلب يا لارا، كأنكِ تنسقين زهور زفافكِ الذي لا يريد أن يأتي! ابنة جارتنا أصغر منكِ بسنتين، وتجر خلفها طفلين الآن" لارا (تضحك وتأخذ قطعة خبز): "يا أمي، هي تزوجت مبكرًا، أما أنا فقد درست إدارة نظم المعلومات لأدير لكِ هذه الإمبراطورية المتطورة! انظري كيف أصبحت حسابات الدكان مصفوفة بشكل رقمي متسلسل على الشاشة" الأم (تتنهد): "إمبراطورية في هذا الدكان؟ يا ابنتي، الشهادة المعلقة وراءكِ تصلح لإدارة كبرى الشركات، لا لإدارة حسابات مكان بسيط مهما كان حديثًا" الأب (يبتسم ويدافع عن لارا): "دعيها يا أم لارا، لارا هي عقل هذا المكان، منذ أن استلمت الحسابات والبرمجة لم نعد نخطئ في جرد أو ميزانية، حتى نظام البيع أصبح إلكترونيًا بالكامل بفضل ذكائها" الأم: "أنت تدللها يا أبو لارا، والنتيجة؟ أخوها في الخارج يدرس في الجامعة، وهي هنا تقضي وقتها بين الرفوف والشاشات الصغيره، والخطاب يطرقون الباب وهي تقول: عذرًا، لا يوجد وقت في جدول مواعيدي الرقمي!" لارا (تقبل رأس أمها وضحكتها تملأ المكان): "يا حبيبتي يا أمي، عندما يأتي الرجل الذي يفهم كيف يفك شفرة قلبي كما أفك شفرات النظم، سأخبركِ فورًا حتى ذلك الحين، دعينا نستمتع بهذا الفطور اللذيذ" تتحول المناقشة إلى موجة من الضحك العائلي الدافئ، في حين يراقب الأب لارا بنظرة تحمل الفخر، فهو يعلم أن طموحها أكبر من هذا المكان، وأن مكانها الحقيقي يكمن في إدارة صروح كبرى تشبه الشركة التي أنهى خدمته فيها. على بعد أميال قليلة، حيث الشوارع تتسع وتصطف الفيلات الشاهقة المحاطة بحدائق منسقة، كان المشهد مختلفاً تماماً، يسوده التوتر والسرعة والدقة المفرطة. خرج مراد من باب فيلاته الفاخرة يرتدي بدلته الرسمية الأنيقة، وعيناه لا تفارقان ساعته اليدوية الرقمية التي تشير بدقة إلى تسارع الدقائق. مراد، المدير التنفيذي الطموح لشركة "غلوبال تيك للحلول الرقمية"، يعيش حياته كسباق تتابع لا يتوقف، واليوم ليس كأي يوم؛ فهناك اجتماع مجلس إدارة حاسم وعاجل قد يحدد مصير الاستثمارات الجديدة للشركة، وهي نفس الشركة العملاقة التي أمضى فيها والد لارا سنوات عمره وأنهى خدمته فيها بكل احترام وتقدير قبل فترة وجيزة. في حديقة الفيلا، وعلى طاولة إفطار خشبية بيضاء، كانت ابنته سارة ذات الثلاثة عشر عاماً تجلس ببطء ترتدي مريول مدرستها، وتتناول فطورها الصباحي بهدوء وهي تراقب والدها الذي يبدو كالإعصار الذي يوشك على مغادرة المكان دون التفات. اقترب مراد من الطاولة بخطوات مستعجلة، ممسكًا بملفاته وهاتفه، ولم يجلس بل انحنى سريعًا ليطبع قبلة خاطفة على رأسها: مراد (بنبرة متسارعة): "سارة حبيبتي، يجب أن أنطلق فورًا تأخرت والازدحام في أوجّه، والاجتماع يبدأ بعد نصف ساعة!" سارة (تضع كوب الحليب ببطء وتنظره إليه): "لماذا أنت مستعجل دائمًا يا أبي؟ لا أحد يموت إذا تأخر عشر دقائق" مراد (يعدل ياقة قميصه ويتحرك نحو الممر): "لأن غلوبال تيك لا تنتظر أحدًا يا سارة، الاجتماع اليوم يضم مستثمرين أجانب، وتأخري يعني خسارة ملايين، وخسارة الملايين تعني انهيار كل ما بنيته" سارة (بنبرة هادئة تحمل عتبًا عميقًا ): "ولماذا تبني لغيرك طوال الوقت؟ أنت المدير لكنك تبدو كالموظف الذي يخشى الطرد، هل الشركة أهم مني؟" مراد (يتوقف، يشعر بوخزة في قلبه، يعود خطوة للخلف): "لماذا هذا السؤال الآن؟ كل ما أفعله هو من أجلكِ أنتِ" سارة (تنظر إلى طبقها): "لأنك لست معي، الطعام هنا بلا طعم وأنا آكله بمفردي، المدرسة تعطيني علامات لكنها لا تعطيني أبًا يشاركني يومي" مراد (ينظر لساعته بقلق): "سارة، أرجوكِ ليس وقت العتاب الآن، سأعوضكِ عطلة نهاية الأسبوع، أعدكِ" سارة (تبتسم بمرارة): "لأنك تعتقد أن الوقت يمكن شراؤه وتعويضه كالبضائع، اذهب يا أبي، لا تتأخر على مستقبلك" تحرك مراد نحو سيارته الفارهة بسرعة، لكن كلمات ابنته الصغيرة ظلت تدور في عقله كالمطارق، بينما بقيت سارة تتناول فطورها بصمت، تنظر إلى المقعد الفارغ أمامهما وتتساءل إن كان النجاح يستحق كل هذه العزلة.دخل مراد إلى داخل الدكان الصغير بخطوات واثقة يملؤها الوقار الجاد، وكان يحمل في يده حقيبته الجلدية التي تحوي بين طياتها صك الأمان لعائلة حازم. تقدم نحو الأب الذي كان يقف والاضطراب يرتجف في أطرافه، وبجانبه لارا التي كانت تتابع المشهد بعيون متسعة، تحاول جاهدة قراءة ملامح مراد المبهمة لمعرفة ما آل إليه مصير شقيقها. ألقى مراد تحية بنبرة هادئة سرعان ما بددت قسوة الترقب في المكان: • مراد: "السلام عليكم يا عم حازم... أعتذر إن كنت قد تأخرت عليك قليلًا لكنني أردت أن آتيك بالخبر اليقين والترتيبات الكاملة التي تضمن سلامة ابنك" • حازم (بصوت متهدج وعاطفة غلابة): "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا بني... أهلاً بك، تفضل بالجلوس. طمئن قلبي يرحمك الله، هل تأكدت براءة خالد؟" جلس مراد على المقعد المتاح، ووضع حقيبته على الطاولة ثم فتحها بهدوء، مستخرجًا ملفًا رسميًا يحمل أختامًا دبلوماسية واضحة، وقال وهو ينظر في عيني حازم مباشرة: • مراد: "لقد انتهى الأمر يا عم حازم، وكما أخبرتك الليلة الماضية، التقارير الرسمية والتحقيقات المشتركة التي أشرفنا عليها مع السفارة أثبتت براءة خالد القاطعة من كل الت
وقبل أن ينطق المحامي كمال بحرف واحد ليفسر ارتباكه، دخل خلفه إلى المكتب أشرف. كان رجلًا في أواخر الأربعينيات من عمره، يتمتع ببنية قوية وحضور طاغٍ، وعلى ثغره هدوء غريب وابتسامة خفيفة تكاد تبدو ظاهرة . تقدم أشرف بثبات، ووضع يده بثقة على كتف المحامي المرتبك، وهز رأسه له خفيفًا بنبرة مطمئنة وكأنه يقول له: "لا بأس، لقد أديت مهمتك، اترك الباقي لي". كان مراد يتابع المشهد بصمت مطبق، ونظراته عابسة للغاية، والوجوم يسيطر على ملامحه الحادة التي تحولت إلى جدار من الجليد فور رؤية أشرف في مكتبه. التفت مراد بكليته نحو المحامي كمال، متجاهلاً وجود أشرف تمامًا وكأنه حيز فراغ لا يراه، وسأل بنبرة جافة وصارمة: • مراد: "ما هذا يا كمال؟ ما الذي يحدث هنا بالضبط؟" قبل أن يتمكن كمال من الدفاع عن نفسه، تداخل أشرف في الحوار وتحدث بنبرة واثقة: • أشرف: "أنا من طلب الحضور يا مراد... لا تلم كمال" التفت مراد إليه ببطء، وعلامات الانزعاج الواضح والغضب المكتوم ترتسم في عينيه، لكن أشرف تابع حديثه دون أن يمنحه فرصة للمقاطعة: • أشرف: "جئت بنفسي لأخبرك بالتفاصيل التي لا تعلمها" لم يستمع مراد لكلماته، بل تحرك كب
في صباح اليوم التالي، استيقظت سارة وعقلها الصغير يزدحم بالأفكار المكتومة، وبدأت تتجهز للذهاب إلى مدرستها وهي ترتدي زيها المدرسي بعناية وتضع حقيبتها على كتفها. وفي أعماقها، كانت هناك أمنية غريبة وخفية تلح عليها بشدة؛ أمل داخلي عميق ألا يأتي والدها مراد إلى المدرسة اليوم برغم أنه وعدها بذلك البارحة. تحركت نحو غرفة الطعام، وتناولت فطورها بسرعة فائقة على غير عادتها، ثم خرجت مسرعة متوجهة إلى حافلتها دون أن تسأل عن أبيها أو تبحث عنه في أرجاء المنزل كالمعتاد كل صباح. هذا التصرف المفاجئ والسلوك الغريب أثار انتباه الخادمة صوفيا، التي وقفت عند زاوية المطبخ تراقب خروجها السريع بعينين ممتلئتين بالحيرة والتساؤل، مستغربة من هذه اللهفة للرحيل دون توديع والدها. لم تكن سارة تعلم أن مراد قد غادر المنزل بالفعل منذ مدة باكرًا جدًا هذا اليوم، مدفوعًا بمسؤولياته الضخمة والقلق الذي يساور صدره. توجه مباشرة إلى برج شركة "غلوبال تيك"، حيث تعارض يومه المزدحم مع موعد اجتماع ابنته المدرسي، تزامنًا مع ترتيبات ذهابه الضرورية إلى دكان السيد حازم لإغلاق ملف القضية. وما إن وصل إلى مكتبه الشاهق حتى التقى بالمحام
ما هي إلا لحظات مرت كأنها دهر من الانتظار، حتى رن هاتف حازم بقوة مكسرًا صمت الدكان المطبق، وعند مشاهدة اسم المتصل انتفض حازم من مقعده ورد بسرعة ولهفة بالغة وحبس أنفاسه وهو يضع الهاتف على أذنه: • حازم (بصوت مرتعش): "أهلًا يا بني... نعم يا بني تفضل، هل من أخبار؟" • مراد (عبر الهاتف بنبرة هادئة ورخيمة): "كيف حالك يا سيد حازم؟ أتمنى أن تكون بخير... لقد اتصلت بك الآن لأنني استقبلت قبل قليل بعض الأمور المؤكدة من القنصلية والمحامين عن ابنك خالد، وغدًا إن شاء الله سأتوجّه إليك في الدكان لأخبرك بكافة التفاصيل دقيقة بدقيقة، فقد كنت أود أن أزف إليك هذا الخبر الليلة لتنام مستريح البال؛ ابنك خالد غير متورط في أي جرم بل تم تلفيق الأمر إليه بالكامل من قِبل أطراف أخرى" تسمر حازم في مكانه ورد بصدمة حقيقية واستفسر بنبرة تجمع بين الذهول والدموع: "ماذا؟! غير متورط؟ تم تلفيقه له؟! كيف... كيف حدث هذا يا بني؟ ومن الذي يفعل به هكذا؟" في تلك الأثناء، كانت لارا واقفة بجانبه تنظر إليه بعدم صبر وقلق شديد، وتلوح بيدها لوالدها بحركات متوترة ومستفسرة وتهتف بصوت خفيض: "ماذا؟ ما الأمر يا أبي؟ ماذا يقول؟". أردف












المراجعات