เข้าสู่ระบบ
صوت صفعةٍ قوية دوّى في أرجاء الصالة،جعلت وجهها يرتدّ إلى الجهة الأخرى بعنف.
“أهكذا تردّين الجميل الذي قدمناه لك منذ عشرين سنة؟” رفعت عينيها ببطء، وابتسامةٌ مُرّة ارتسم على شفتيها. كانت تُحاول بكل قوتها كبح دموعها: “أيّ جميل تتحدث عنه؟ حتى الكلب الذي تربّيه في حديقتك يُعامل باحترامٍ أفضل مني.” أوشك الرجل أن يرفع يده ليصفعها مرةً أخرى، لولا أن زوجته تقدمت وأمسكت بيده بقوة، محدقة في جوليا بنظرة إحتقار. “جوليا… قضيتِ عشرين عاماً تنعمين في قصر وايد. فالأفضل لكِ أن تسدّي الدين الذي عليكِ…، اقبلي بهذا الزواج كاعترافٍ بالجميل، وانهي الموضوع ” عضّت جوليا شفتيها بقوة حتى كادت تنزف، لتقول بغيظ مكتوم: “عن أي دين تتحدثين؟” ثم التفتت إلى والدها وتلاقت عيناهما لتشيح نضرها عنه، وتصرخ بغضب تفجر بعد سنوات من الصمت: “إن كان هناك من يجب أن يدفع الثمن… فهو أنتَ! أنتَ من سرق مكان أمي، وقتلتها، ودمّرتي عائلتنا!” صفعةٌ ثانية، كانت أقسى وأعنف من الأولى، جعلتها تهوي على الأرض. رفعت نظرها إلى والدها بمزيجٍ خانق من الغضب، والخذلان. منذ أن وُضعت أمها في التراب، تغير كل شيء؛ استولى على ثروتها، وأدخل عشيقته إلى بيتهم كملكة… ثم تخلّى عنها كأنها لم تكن يوماً ابنته. “لماذا أنا؟” صرخت بنبرة ممتزجة بالألم، “لماذا لا تزوج كيسي؟ أنا لدي خطيب!” وقبل أن ينطق والدها، تدخلت جورجينا، بنبرة حادة وجامدة: “كيسي عمرها ثمانية عشر عاماً فقط. كيف تريدينها أن تتكفل برجلٍ مُعاق؟” لم تتراجع جوليا، ابتلعت غصّتها، وخرجت الكلمات من جوفها مثل سكين: “وما الفرق؟ أنا أيضاً صغيرة… أنا أيضاً ابنة هذه العائلة! لمرة واحدة فقط… أوقفوا هذا الظلم!” نظرت إلى جورجينا بعينين يملؤهما اليأس لتقول : “اعتبريني ابنتكِ.. وارحميني” حينئذٍ، رفعت جورجينا نظرها إلى زوجها. رأت في عينيه ذلك التردد الطفيف الذي تعرفه جيداً، وعلمت أنه لا يمكنها السماح له بالتراجع الآن. لا يمكن أن تسمح لابنتها العزيزة والغالية، كيسي، أن تكون قرباناً لإنقاذ العائلة، كيسي تستحق أفضل بكثير من زوجٍ مُقعد على كرسي متحرك. اندفعت جورجينا بسرعة، وكأنها تضع حداً لنقاشٍ: “حبيبتي، أنتِ تعرفين أننا لا نستطيع إرسال كيسي إلى هناك. دَاستن كلاين… أُصيب بحروق من الدرجة الأولى في ذلك الحادث المأساوي قبل عامين. إنه مشوه ومُعاق تماماً!” أغلقت جوليا عينيها، ودموعها تسيل دون إذن. لو كانت أمها على قيد الحياة، لحمتها كما تحمي جورجينا ابنتها كيسي الآن. ومع ذلك، وقبل أن يصدر من الوالد أي رد، عادت جورجينا إلى صلب المسألة، تُذكّر زوجها بالواقع بلهجة تجعل الشفقة ترفاً لا يملكونه: “نحن نحتاج اتمام هذا الزواج فوراً. عائلة كلاين هي الوحيدة القادرة على إنقاذنا من الإفلاس المحتوم.” نظر والد جوليا إليها بنظرة جامدة خالية من أي عاطفة : “سيتعين عليكِ أن تتزوجي دَاستن كلاين. إنه الطريق الوحيد لإنقاذ عائلة وايد.” كانت تعرف أنها لن تربح هذه المعركة أبداً. القرار كان قد سُحب من صندوق خياراتها منذ زمن بعيد. لذلك وقفت ببطء، قدميها بالكاد تحملان جسدها المنهك، ونظرت إليه بحزنٍ عميق . “حسنًا…” همست بمرارة. لم تكن تُفاوض قلبها، “سأتزوج. سأردّ الدين الذي حملتِني إياه عشرين عاماً… لكن مقابل ذلك، أريد عشرة آلاف دولار.” ارتفع حاجبا جورجينا غضباً: “لا أفهم كيف تتجرئين على طلب هذا المبلغ الضخم لصرفه على خادمة… عجوز!” تجاهلتها جوليا تماماً،وهي تنظر إلى والدها المتجهم، ثم ركعت عند قدميه في مشهد انكسارٍ أخير: “رجاءً… إنها آخر ما أملكه في هذا العالم. سأتزوج بمن تريده دون اعتراض، لكنني أريد هذا المال لدفع تكاليف عملية هانا.” هانا بالنسبة لجوليا لم تكن مجرد عاملة؛ كانت أماً، ورفيقة، وأختاً. هي كبيرة الخدم في بيت وايد، وكانت هناك حتى قبل أن تُولد جوليا. عندما وظفتها السيدة مارثا (والدة جوليا الراحلة)، أخلصت للمكان، وبقيت فيه حتى بعد أن قطع السيد وايد الراتب عنها نكايةً بها،حين أدخل عشيقته جورجينا إلى القصر. لم تغادر ، ولم تترك جوليا وحدها، بل كانت السند الوحيد لها، ولأنها كانت بمثابة أمٍ بديلة، كانت جوليا مستعدة للتضحية بحريتها وحياتها لإنقاذها. نظر والدها إليها بعينين قاسيتين، ثم التفت متوجهاً للانصراف وهو يقول بجفاء: “حسنًا. هذا اتفاقنا. ستتزوجين السيد كلاين أولاً… وسأعطيكِ المال لإنقاذ تلك الخادمة العجوز .” دون أن يلتفت خلفه، غادر الصالون، وتبِعته جورجينا وهي تبتسم بانتصارٍ خبيث. أطبقت جوليا يدها على فمها لتكتم نحيبها المخنوق، ثم خرجت راكضة من القصر، استوقفت أول سيارة تاكسي وارتمت في مقعدها الخلفي وهي تمد يدها بورقة: “من فضلك خدني… إلى هذا العنوان.” لم تستطع إكمال جملتها، بل انهارت في بكاءٍ مرير. كانت بحاجة إلى رؤيته الآن.. جاك. خطيبها والملجأ الوحيد. لم تكن تعرف كيف سيستقبل خبر زواجها الإجباري، لكن قلبها المكلوم لم يكن يبحث سوى عن حضنه الدافيء ليلقي بنفسه فيه. كانت الأفكار تتصارع في رأسها. فبالإضافة إلى مصيبتها مع عائلتها، كان بالها ينفطر على هانا؛ فحالتها تزداد سوءاً بعد اكتشاف إصابتها باللوكيميا، العملية يجب أن تُجرى فوراً وإلا خسرتها إلى الأبد. وجاك يعلم كل هذا.. عندما وصلت السيارة إلى شقته، ترجلت ووقفت أمام الباب بتردد. مسحت دموعها وحاولت السيطرة على أنفاسها، لتخبره بالأمر بطريقة مناسبة. فتحت الباب بالمفتاح الذي تملكه ودخلت بهدوء، لكنها تجمدت في مكانها عند المدخل، حذاءٌ نسائي أحمر ذو كعبٍ عالٍ كان يستلقي بإهمال عند الباب، ورائحة عطر انثوي طاغى على الأجواء. تجمّدت الدماء في عروقها، كانت دموعها قد تحجرت بعنف وهي تهمس مكسورة: “لا… لا… أرجوك، ليس الأمر كما أظن.” تسللت بخطواتها الواهنة نحو الممر. ومن خلف باب غرفة النوم شبه المفتوح، انبعث صوت لهاثٍ ثقيل، كانت الأنفاس المتسارعة تمتزج بعبارات غزلٍ ، تفيض بخطيئة استقرت في أعماق الغرفة. “آه… جاك حبيبي… لماذا لا تنهي علاقتك مع جوليا وتتخلص منها؟” كان هذا صوت كيسي.. أختها غير الشقيقة. “قلتُ لكِ لا تذكري اسمها اللعين عندما نكون معاً!” جاء صوت جاك مشحوناً بنشوة عمياء، وهو يضغط على خصر كيسي مكملاً حركاته الغارقة في المتعة. أمالت كيسي رأسها للخلف وهي تلهث بصعوبة، وابتسامة شماتة تلوح على وجهها المسترخي: “مستحيل… أنت تعرف أن جوليا مجرد قذارة في بيتنا. حتى الحيوانات لها قيمة أعلى منها.” لم يجادلها، ولم يحتج على إهانتها لخطيبته؛ بل أمسك خصرها ودفعها بقوة أكبر، لتعلو ضحكاتها. أما جوليا… فقد كانت تقف عند الباب، متسمرة أمام مشهد مدمر، كيف يمكن لحياتها أن تسقط إلى القاع بهذه السرعة؟ كيف يمكن للخيانة أن تكون أسرع وأصدق من الأمل؟ قطع حبل أفكارها صوت كيسي الذي ارتفع مجدداً وهي تلاعب خصلات شعره بإثارة: “جاك… أنا حامل بطفلنا.الليلة يجب أن تخبرني بقرارك النهائي. إما هي… أو أنا.” حامل؟! متى كان ينوي إخبارها؟ كم من الوقت أمضيا معاً خلف ظهرها؟ في تلك اللحظة، انفجر شيء ما داخل جوليا. لم يعد هناك مكان للبكاء أو العتاب، ركلت الباب بكل ما أوتيت من قوة فارتدّ مصطدماً بالجدار بعنف. دخلت وعيناها ميتتان تماماً، خاليتان من أي أثر للحياة. نظرت إلى جسديهما المرتجفين ذعراً، وقالت بنبرة هادئة ومقيتة: “تفضّلي.. خذيه، إنه لكِ. هو مجرد قمامة، والقمامة تليق بأمثالكِ.” ثم التفتت قليلاً، موجهةً نظرتها لجاك كأنها تتعامل مع مشهد رخيص لا يستحق أكثر من جملة واحدة: “أنتما تليقان ببعضكما فعلاً.” ذعر جاك، ودفع كيسي عنه بسرعة ساحباً بنطاله ليرتديه، ثم نهض من السرير مهرولاً ليلحق بها قبل أن تخرج من الشقة،اصيبت كيسي بالمغص والحقد، لقد أمضت شهوراً طويلة في إغوائه، بينما جوليا كسبته سابقاً بمجرد نظرة. وها هو الآن يتركها هي، والدة طفله، ليركض خلف جوليا. . “جوليا… سامحيني! أرجوكِ!” صرخ جاك وهو يمسك بمعصمها ويسقط على ركبتيه . كان الندم والحزن واضحين عليه وهو يقبل يدها بترجٍّ: “أنا لم أكن في وعيي… صدقيني يا جوليا، أنا أحبكِ، أقسم لكِ أنني أحبكِ ، لا تتركني !” ومع أن غشاوة من الدموع ظهرت في عينيها، إلا أن عاطفتها لم تتحرك إنشاً واحداً. نظرت إليه بنفور واشمئزاز، وسحبت يدها من قبضته بعنف، ثم قالت بصوت ثابت: “… لا أريد أي شيء لمسته كيسي، اشعر بالإشمئزاز منه” اتسعت عيناه بصدمة بالغة، بينما كانت كيسي تقف عند ممر الغرفة تستر جسدها العاري بملائة السرير تراقب المشهد حاقدة، وإن كان قد اعتراها الارتباك للحظة؛ فلم تتوقع أن جوليا ستختار الانسحاب بكبرياء بدلاً من البكاء والتوسل. كانت كيسي تتنافس مع جوليا منذ الطفولة، وتستمتع بسرقة كل ما يخصها: ألعابها، ملابسها، غرفتها، وحتى طعامها. وعندما كبرتا، حاولت سرقة نجاحها في العمل وفشلت، ليكون الشيء الوحيد الذي نجحت في سرقته هو خطيبها. حاول جاك التحدث مجدداً بصوت متهدج: “جوليا… اسمعيني فقط…” لكنها صدته بنظرة حقد وبغض جعلت الكلمات تجف في حلقه، وقالت بنبرة حسمت كل شيء: “أنا سأتزوج.” وأردفت دون أن تمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه: “لذلك… دعنا ننتهي هنا والآن.” توسعت عينا جاك من الهول. ستتزوج؟! من؟ ومتى؟ وقبل أن ينطق بكلمة أو يستفسر، كانت جوليا قد استدارت واختفت في الممر، تاركةً إياه غارقاً في ندمه، وكيسي في حقدها الذي لم يكتمل، فهي لم تحقق متعتها الكبرى في تحطيم كبرياء جوليا. عندما وصلت جوليا إلى الشارع، شعرت أن قوتها المصطنعة قد نفدت. تهاوت على الرصيف، وانهارت تبكي بصوتٍ عالٍ، لتقول بقهر وهي تمسك جانب صدرها : “هذا مؤلم… مؤلم جدا لم يكن الصباح في قصر كلاين يحمل النور، بل كان امتداداً رمادياً لليلة احترقت فيها أطراف المدينة. فتحت جوليا عينيها ببطء، لتجد سقف الغرفة الشاهق يلوح في عتمة الفجر الخفيف. كانت أنفاسها ثقيلة، وثقل المهدّئ يضغط على صدرها كأنه جبل من رصاص. تحركت قليلاً، فجاءها الألم أولاً من معصميها؛ تلك الوخزات الحادة تحت الشاش الطبي النظيف أعادت لها شريط الرعب كاملاً بدقة سينمائية مرعبة. تذكرت كل شيء. رائحة القبو العفنة، مزيج الرطوبة والصدأ، الضحكات الصفراء التي كانت تنهش كرامتها، صوت تمزق قماش ثوبها الذي لا يزال صداه يتردد في أذنيها كأنه تمزيق لروحها، وبروس وهو يأمر بتشغيل الكاميرا لتصوير دمارها، وومضات الضوء الأحمر للكاميرا التي كانت العين الوحيدة التي لا تغمض في ذلك الجحيم. ومع تدفق الذكريات، شعرت بنبض حارق في عنقها. لمست بأصابعها المرتجفة تلك البقعة القانية التي تركها ستيف في عتمة الليل دون أن تدري؛ ظنتها كدمة من همجية الأمس، حزّاً آخر تركه الجحيم على جسدها. لكن الألم الأعمق لم يكن جسدياً، كان شرخاً نامياً في قاع روحها وهي تفكر في عائلتها. جوليانا... تلك المرأة التي تحمل اسم والدتها زوراً، و
تمتمت جوليا باسمه بنبرة تحمل الخوف والرجاء والأمان معاً، قبل أن تعود لتغرق في نومها العميق مجدداً، وتسترخي ملامحها وكأن ذكر اسمه كان تعويذة طردت شياطين نومها.سقطت الكلمة على مسامع ستيف كصاعقة أحالته إلى رماد. تيبّس جسده بالكامل، وانعقد لسانه، وشعر بطعنة غير مرئية اخترقت شغاف قلبه ومزقت روحه إلى أشلاء صغيرة. لم تكن الصدمة من الاسم، بل من الحقيقة البشعة التي واجهته: حتى وهي غارقة في النوم، حتى بعد كل ما فعله لأجلها، لا يوجد في عقلها وقلبها سوى داستن كلاين.توقفت دموع ستيف، وتحولت نظرته المكسورة إلى ابتسامة مريرة، ابتسامة مشوهة تقطر ألماً دفيناً وسخرية من قدره الأسود. انطلقت من حنجرته ضحكة خافتة مكتومة بدا صداها كبكاء مكتوم."حتى في أحلامكِ... هو؟"همس وعيناه تتوسعان بمرارة مسمومة:"حتى وأنتِ بين الحياة والموت، ينطق لسانكِ باسمه؟"تحرك الهوس داخله ليعيد تشكيل ألمه إلى رغبة في ترك أثر لا يُمحى. انحنى فوق جسدها المستسلم تماماً، وقرب شفتيه من رقبتها العارية البيضاء التي لم تتلوث بالدماء. وبقسوة ممزوجة بشغف وحشي مريض، طبع قبلة عنيفة، عضة قوية تركت علامة قانية حمراء، وشم دماء وتملك برز بوضو
في تلك الليلة العاصفة، لم يكن قصر كلاين مجرد حصن منيع، بل استحال إلى محراب بارد ينتظر اكتمال فصول المجزرة. كان خط المطر ينهمر بعنف على النوافذ الزجاجية الشاهقة، يغسل جدران القصر الخارجية، لكنه لم يكن كافياً لغسل الخطايا التي وُلدت في الضواحي المهجورة.انفتح الباب الخشبي الضخم للقصر ببطء، شاقاً سكون الرواق الرئيسي بصوت صرير حاد، ليدخل منه ستيف.كان منظره كافياً لتجميد الدماء في عروق أعتى الرجال. لم يكن ستيف الذي غادر القصر بملامحه الهادئة وولائه الصامت؛ بل كان مسخاً خارجاً للتو من جوف الجحيم. ملابسه التكتيكية السوداء كانت ممزقة في عدة مواضع، مشبعة بسوائل قانية لزجة، ووجهه... وجهه كان لوحة مرعبة من الجنون الخالص، تتقاطر منه دماء جورج ورجاله، لتسقط على الأرضية الرخامية البيضاء، تاركةً خلفها أثراً قذراً من الخطوات الحمراء. كان يمسك بقناعه الأسود بيده المرتجفة، بينما يده الأخرى تقطر دماً دافئاً لا ينتمي إليه.من بين عتمة الرواق، تحرك كبير الخدم، ألبيرت، بخطوات متثاقلة أرهقها الحزن والخوف. كان ألبيرت قد شهد في حياته الكثير من الحروب والدماء بحكم خدمته لآل كلاين، لكن منظر ستيف في هذه اللحظة
ابتسم ستيف وهو يشتم رائحة الدماء بجنون قبل أن يضحك وهو يمشي بخطوات هادئة خلف جورج الذي يزحف برعب وهو يصرخ ببكاء ركله بقوة قبل أن ينهار علبه بضرب مبرح محطما اظلاعه بالكامل لم يكتفِ ستيف بذلك. تثاقلت خطواته فوق جسد جورج المستسلم للألم، ونظر إليه بعينين جاحظتين يتطاير منهما شرار الجنون والهوس الخالص. انحنى نحوه، وثبت ركبته الضخمة فوق صدر جورج الممزق، وثبت نظراته نحو العضو الذكري لجورج قائلًا بنبرة تقطر سماً زؤاماً وهياماً مريضاً:"كنت أراقبك يا جورج... كنت أرى نظراتك القذرة نحو جوليا في كل مرة تلمحها فيها. كنت أراك وأنت تُثار وتلتهم جسدها بعينيك الخبيثتين... ألا تعلم أيها الحثالة الساقط أن جوليا ملك لي؟ ألا تعلم أن جسدها، وخصلات شعرها، وأنفاسها، هي ملك لي وحدي؟!"امتدت يد ستيف لتجريد جورج من ملابسه السفلية بعنف، ومسك نصل الساطور الثقيل والمحمي بنار المستودع، وبضربة قاطعة ووحشية تفتقر لأي نبل أو إنسانية، قطع عضو جورج الذكري بالكامل!صرخ جورج صرخة صامتة حطمت حبال عنقه، واهتز جسده بعنف هستيري قبل أن يشرف على الإغماء من شدة العذاب والنزيف. واصل ستيف الحديث بجنون وهو يتأمل الدماء المندفعة:
بمجرد أن خرج ألبيرت حاملاً جوليا، تبدلت الأجواء في القبو. انخفضت درجة الحرارة، وتحول داستن إلى مسخ مرعب أشد قسوة من كل الحثالة المحيطين به.التفت بكرسيه نحو بروس الجاثي على ركبتيه وهو يبكي ويستعطف بصوت مهزوز: "سيدي داستن... أرجوك! أنا لم أكن أعلم أنها تخصك... أنا مجرد مأمور... أرجوك اعفُ عني، لدي أطفال..."تحرك داستن بكرسيه حتى أصبح ملاصقاً لبروس. انحنى بجسده للأمام، وسيطرت على وجهه نظرة سادية متملكة تشع بالهوس الخالص. مد يده وسحب خنجراً طويلاً مصقولاً من حزام أحد حراسه، ولمع النصل تحت الضوء."تقول أنك لم تكن تعلم؟" همس داستن، وصوته بدا كفحيح أفعى الموت: "هل تظن أن الجهل يحميك مني؟ جوليا... جوليا ليست مجرد امرأة. إنها ملكي... إنها هوسي، كبريائي، وروحي التي أتنفس بها. لا يوجد رجل في هذا العالم اللعين، لا يوجد مخلوق يسير على وجه الأرض، له الحق في أن ينظر إلى عينيها، أو يلمح طيفها، فكيف بمن تجرأت يده القذرة على شق ثوبها؟"وقبل أن ينطق بروس بكلمة أخرى، امتدت يد داستن كالبرق الساحق، وقبضت على الذراع اليمنى لبروس—الذراع التي امتدت نحو جوليا—وثبتها فوق الطاولة الخشبية المكسورة بقوة هائل
كان القبو رطباً، تفوح منه رائحة الموت الزؤام والدم الفاسد. في منتصف الغرفة، كانت السلاسل الحديدية الثقيلة تنهش معصمي جوليا الناعمين، مخلّفةً حزوزاً قانية كادت تقطع اللحم. تشوش وعيها بفعل بقايا المخدر، لكن الرعب كان كافياً ليجعل أدرينالين الخوف يتدفق في عروقها كالنار.أمامها مباشرة، كان بروس يبتسم ابتسامة صفراء مقززة، تفوح من فمه رائحة التبغ الرخيص والخمور الرديئة. كان رجاله الثلاثة ذوو الأجساد الضخمة والملامح المشوهة يحيطون بها كذئاب جائعة حاصرت شاةً شاردة."تقدموا..." هدر صوت بروس الأجش وهو ينفث دخانه في وجهها: "ارونا كيف تمزق الذئاب فريستها! تذكروا... الكاميرا تعمل، أريد كل شهقة وكل صرخة موثقة بدقة."امتدت يد قذرة وخشنة تعود لأحد المجرمين، وقبضت على ياقة ثوب جوليا لتشقه بعنف، محدثةً صوتاً مرعباً وسط صمت القبو. صرخت جوليا بكل ما أوتيت من قوة وقهر، صرخة وحشية مزقت سكون المكان:"ابتعدوا عني! أيها الحثالة الساقطون!... !""داااااستن"تعالت ضحكاتهم الساخرة، واقترب مجرم آخر محاولاً تثبيت رأسها، بينما كانت دموعها تمتزج بالغبار على وجهها الشاحب. كبلتها السلاسل، فلم تملك سوى سلاح الصراخ وال
انقشعت غيوم الليل عن صباح عاصف في مدينة لا تعرف النوم، وكأن السماء كانت تعكس حدة المعركة التي تدور رحاها في كواليس شركة "كلاين العالمية". كانت القاعة الكبرى للمؤتمرات قد تحولت إلى خلية نحل تعج بالحركة. كاميرات البث المباشر مُثبتة بدقة في كل زاوية، والأضواء الكاشفة تسلط بياضاً مبهراً على الطاولات
في تلك الأثناء، في طابق الإدارة العليا، كان جاك يسير في الممر الطويل بخطوات متوترة، والملفات تكاد تسقط من يديه. كان عقله مشتتاً بين ديون شركته المتراكمة وضغوط كيسي المستمرة. عندما وصل إلى مكتب المساعد الشخصي، وجد الباب موارباً، فدخل ليجد ستيف واقفاً يراجع بعض التقارير المالية وعيناه الرماديتان تشعا
في الصباح التالي، تحولت الردهة الرئيسية لإمبراطورية "كلاين" الاقتصادية إلى خلية نحل مضطربة، تضج بوميض آلات التصوير وهسيس عدسات الصحافة التي استُدعيت على عجل بأمر سيادي مباشر من مكتب الإدارة العليا. كانت المنصة الرئيسية تتلألأ بشعارات زجاجية براقة، تتربع أمامها ميكروفونات متأهبة لالتقاط البيان الاس
خلف قناع البراءة كان الليل قد انتصف، وقصر آل كلاين غارقٌ في صمتٍ مريب يشبه صمت القبور. في غرفتها الباردة المنعزلة في الجناح الغربي، كانت جوليا تجلس تحت ضوء مصباح مكتبها الخافت، والكون من حولها قد اختزل في ورقة بيضاء ممتدة وقلم رصاص يقبض عليه عصب أصابعها المتشنجة. لم تكن ترسم مجرد خطوط؛ كانت تسكب







