LOGINلم تكن الفيلا التي تعيش فيها لوليتا تبعد كثيرا عن منزل والديها، فقد كان يفصل بينهما حي واحد.بعد انطلاقها من أمام منزلها استغرقت فقط سبع دقائق بالسيارة اتصل.”عليك ألا تتعب جدتك يا آدم.” قالت لوليتا وهي تركن السيارة أمام سياج منزل أهلها.سحب حقيبته الصغيرة وزي هولك وأسرع يخرج من السيارة. ”سأجرب أنا وخالي زي هالك فقط.“أخرجت نفس خفيف. كان اخوها يكبر آدم ابنها بخمس سنوات وكانا منسجمين في اللعب. ولكن المشكلة أنهما إذا تجمعا يصبحان مشاغبين بشكل كبير.”إلى اللقاء ماما!“ قال آدم وهو يعبر السياج راكضاً.ابتسمت له وهي تراقب خطواته حتى فتحت له والدتها الباب. اومأت لها من بعيد وارسلت لها قبلات في الهواء ثم استدارت بالسيارة واتجهت إلى الشركة.كانت كعادتها مرتدية بدلة أنيقة تبرز قوامها الجميل وتناسب مركزها داخل الشركة كمديرة.ما أن وصلت إلى مكتبها حتى وقفت السكرتيرة فورا وقالت: ”سيدوي. السيد رائف في انتظارك، يطلب قدومك إلى مكتبه فور وصولك لمناقشة أمر هام قبل وصول وكالة أورا مع المغنية ليان الفارس وعارض الأزياء كنان الحداد.“بينما كانت لوليتا تسير نحو المصعد الذي سينقلها إلى طابق المدير التنفيذي و
ابتسمت لوليتا وهي تنظر إليه، ثم رفعت يدها تلوح له بابتسامة هادئة.لجزءٍ من الثانية شعرت بشيء يحترق داخل صدرها.شعورٌ غريب، لم تستطع تفسيره، فسارعت إلى دفنه قبل أن يمنح نفسه فرصة للظهور.تقدم رائف نحوهما بخطوات ثابتة، بينما كانت الفتاة التي بجانبه لا تزال تتأبط ذراعه بكل عفوية، وكأن ذلك المكان خُلق لها.توقف أمامهما وقال بابتسامة خفيفة: "يا لها من مصادفة جميلة."ثم وقعت عيناه على أكياس التسوق التي تحملها لوليتا."هل كنتِ تبتاعين بعض الأشياء لآدم؟"أومأت برأسها. "ليس حقاً."رفع الكيس الذي يحمله بيده وقال بحماس بدا واضحًا في صوته: "اممم. وجدت له زي هالك الأصلي." اتسعت ابتسامته قليلًا وهو يخرج جزءًا من القماش الأخضر من الكيس. "أعتقد أنه سيحبه كثيرًا.""آه... جميل." جاء ردها قصيرًا وهادئًا.لكن عينيها لم تكونا على الزي. بل على اليد التي لا تزال متشبثة بذراع رائف.فتاة طويلة، أنيقة، ترتدي قبعة سوداء ونظارة شمسية كبيرة تخفي نصف ملامحها، ومع ذلك بدت جميلة بصورة لافتة.رفع رائف رأسه نحوها، ولاحظ برود ردها. ابتسم بخفة وكأنه تذكر شيئًا."أوه... اعتذر." قالها وهو يأخذ خطوة صغيرة إلى الخلف. "كنت م
كانت حياة لوليتا خلال الخمس سنوات الماضية مستقرة وهادئة. حياة روتينية، من العمل إلى المنزل ومن المنزل إلى العمل.بعد وفاة جدي رائف في حادث سيارة، طلب منها الأخير أن تعمل في الشركة حيث انه محتاج لأن يحيط نفسه بأناس ثقة في هذه الفترة الحساسة.قامت بالفعل بذلك وفي نفس الوقت أكملت دراستها الجامعية."هيا لولا سنتأخر.“ قالت سوزان بتذمر.أدارت لولا عينيها. ”أخبرتك بأنني مشغولة ولا استطيع الذهب معك لبروڤة تجريب قول الزفاف.“”ليس إنك مديرة قسم التسوق في مجموعة آغا، يعني أن تتجاهلي واجباتك نحو صديقتك الوحيدة.“ قالت سوزان بتذمر.ثم نظرت لهاتفها وهي تضحك بينما أصابعها تتحرك فوق الشاشة بسرعة تجيب على رسالة وصلتها.ضغطت لولا بأصابعها فوق جبينها. ”لهذا السبب لا أريد مرافقتك فبدل أن نشتري ستظلين تحدقين في الشاشة مثل البلهاء وتضحكين.“ضحكت سوزان وهي تحدق في الرد الي وصلها، ثم رفعت رأسها وقالت: ”هاه؟ ماذا قلتي؟“تنهدت لولا بيأس ثم جذبت حقيبتها وقالت: ”هيا لنذهب.“خرجت لوليتا من مكتبها وهي تحمل جهازها اللوحي، بينما كانت سوزان تسير إلى جانبها تثرثر بلا توقف عن الزفاف.ما إن وصلتا إلى المصعد حتى خرج رائف
وقفت لوليتا بين الحضور، ثم جلست على المقعد الأمامي وهي تشبك أصابعها فوق حقيبتها الصغيرة، بينما لم تغادر عيناها الممر الرابع.هناك...كان يقف طفل صغير يرتدي قبعة السباحة الزرقاء ونظارة سوداء أكبر بقليل من ملامحه الطفولية.كان يضم كتفيه الصغيرين إلى الخلف بكل جدية، محاولًا تقليد وقفة السباحين المحترفين الذين يشاهدهم على شاشة التلفاز.ابتسمت دون أن تشعر.ما زال يفعلها...كلما توتر، رفع ذقنه عاليًا وكأنه يحاول أن يبدو أكبر من عمره.يا له من طفل...من كان يصدق أن ذلك الجسد الصغير الذي لم يتجاوز يومًا حجم ساعدها، وأمضى أسابيعه الأولى داخل الحضانة بين الأجهزة والأسلاك، سيقف اليوم بثقة أمام عشرات المتسابقين؟امتلأ صدرها بفخر عجزت عن وصفه. لم يعد ذلك الخديج الذي كانت تخشى أن تتوقف أنفاسه كل ليلة...أصبح في الخامسة من عمره. قويًا وصحيًا وعنيدًا بصورة تذكرها بوالده كل يوم."أرجو ألا أكون قد تأخرت."التفتت فور سماع الصوت.كان رائف يهبط درجات المدرج بخطوات سريعة، وربطة عنقه مفكوكة قليلًا، بينما لا يزال يحمل هاتفه في يده وكأنه خرج لتوه من اجتماع لم يمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه.جلس بجوارها وهو يزفر با
كادت لوليتا تقسم أنها سمعت دقات قلبها وهي تنتظر أن ينطق رائف.لا تعلم ما هو شعورها هل هو الحزن على رحلة أنتهت قبل أن تبدأ أو فرح على انتصارها لنفسها وكرامتها.”نعم، أوافق.“ أجاب رائف بصوت محايد لا يظهر ما يشعر به حاليا بعد أن أعاد نظره نحو القاضي.أومأ القاضي برأسه. ”حسنا، سيد رائف.“ وجه وثيقة الطلاق نحو رائف. ”وقع هنا لو سمحت.“بعد أن انتهت الإجراءات وبعد خروجهما من مكتب القاضي، لم تعلم لوليتا ما عليها قوله.دفعت كل المشاعر جانباً، وكل ما كانت تفكر فيه وتريد أن تستشعره الآن هو سعادتها. أنها وأخيرا أرضت نفسها. أخذت حقها ولو جزئياً.”شكرا لك.“ قالت تمد يدها مصافحة لرائف وابتسامة سعادة فوق شفتها. ”لقد جعلت الأمر سهلا وسلسا. أقدر لك ذلك فعلا.“لا يزال شعورها بالحزن موجوداً فهي لا تنكر أنها أحبت زوجها كما لم تفعل من قبل. ولكنها قررت دفع كل تلك المشاعر جانبا ولا تشعر سوى بالسعادة لتحقيق هدفها الأول.وعلى النقيض تماما، لم يكن رائف يشعر بشيء سوى بالحزن والخسارة. ورؤيته الآن لسعادة لوليتا جعلت قلبه يعتصر رغم أنه يتمنى لها السعادة.بادلها الابتسام. ”تستحقين السعادة وكل شيء جميل.“”شكرا لك.“ س
لم يكن صباح اليوم التالي أفضل شيء بالنسبة لرائف ولوليتا.نظرت لوليتا لانعكاسها في المرآة وهي ترتدي بدلة رسمية وترفع شعرها في أعلى رأسها. مستعدة للذهاب إلى للمحكمة. فاليوم هو يوم طلاقها هي ورائف.توقعت أن يحاول معها لآخر مرة، يطلب فرصة أخيرة لعلاقتهما. ولكنه لم يفعل، كان في حفلة إستقبال آدم بالأمس يبدو متباعدا وكأن حاجزا قد بني بينهما.”هذا أفضل قرار عزيزتي،” قالت جولي وهي تربث على كتف ابنتها. ”أتمنى فقط…“ نظرت لها عبر المرآة. ”...لا أريدك أن تضعفي في اللحظة الأخيرة. سيسألك القاضي إن كنتِ متأكدة من قرارك، قلت تتراجعي.“قابلت لولا نظرة جولي على المرآة. ”لا تقلقي ماما.“ قالت مبتسمة. ”لن يحدث ذلك.“اتجهت نحو سرير آدم وطبعت قبلة خفيفة ولكن دافئة على جبينه. ”ألا زلتِ تريدين الذهاب لوحدك؟ يمكننا أنا ووالدك مرافقتك.“ قالت جولي بنبرة فلقة وهي تمشي خاف لوليتا التي ارتدت معطفها أمام الباب وفتحته مستعدة للخروج.”لا داعي ماما.“ طبعت قبلة على خد والدتها. ”أريد أن أتولى هذا الأمر بنفسي.“ أما عند رائف فكان الحال أسوأ بكثير. كانت أفكار سوداء تجتاح عقله. ’ماذا إذا اختطفتها؟‘ جدا في عقله.’ستكرهك أك
كادت تَنهار على الأرض من هول الموقف، أمسكت في أقرب حائط تتنفس بعمق عندما لاحظت أن الرجل لم يكن سوى أحد النادلين مر بقربهم يتحدث في هاتفه. ”أنا ميتة في جميع الحالات.“ قالتها لولا بضحكة ساخرة باهتة، لكن الحزن المتخثر خلف كلماتها كان أوضح من أن يختبئ. كانت لوليتا فتاة نارية، تمامًا كلون شعرها الأحمر.
نظرت لولا حولها بذعرٍ حقيقي بعدما ناولها مالك كأس العصير وهمس بجملته الخاطفة. تجمّد الدم في عروقها للحظة، وارتفعت دقات قلبها بعنف وهي تتفقد المكان بعينيها المرتبكتين، خوفًا من أن يكون أحد قد سمعه. لكن لا أحد كان منتبهًا. الضحكات تملأ الحديقة الملكية، الموسيقى تنساب بهدوء، والضيوف غارقون في أحادي
بدت حفلة الزفاف وكأنها أُقيمت لعائلة ملكية لا لعريسٍ واحد فقط. حديقة قصر عائلة رائف كانت مضاءة بعشرات الثريات الكريستالية المعلقة بين الأشجار، والطاولات مزينة بزهور نادرة لم ترَ لوليتا مثلها إلا عبر شاشات التلفاز. كل شيء هنا كان يصرخ بالمال والنفوذ والعراقة. حتى من الهواء بدا مختلفاً. راقياً… لدرج
"يا إلهي…" شهقت جولي وعيناها تمتلئان بالدموع وهي تحدق بابنتها. "لوليتا… أنتِ جميلة بشكل لا يُصدق." وقفت لوليتا أمام المرآة بثوب الزفاف الأبيض، ساكنة تماماً، وكأن الفتاة المنعكسة أمامها شخص آخر لا تعرفه. كانت تبدو كأميرة. وهذا ما جعل الأمر أكثر قسوة. لأن الأميرات في القصص الخيالية يتزوجن عن حب…