LOGINفي منزل عائلة جوديكانت الزينة التي تزين غرفة الجلوسما تزال في مكانها.وباقات الورود التي جاءت مع الخطوبة لم تذبل بعد.جلست جودي على الأريكة تتأمل خاتمها.ثم ابتسمت لكن ابتسامتها لم تدم طويلًا.نظرت إلى الساعة.وقالت لنفسها:"لابد أنهم وصلوا إلى المطار."أمسكت هاتفها بسرعة.واتصلت بعمر.في صالة المغادرة اهتز هاتف عمر.نظر إلى الشاشة.ثم ابتسم وقال لباسم:"إنها جودي."أجاب الاتصال."صباح الخير."جاءه صوتها:"وصلتم؟"قال:"نعم."ثم أدار الهاتف نحو باسم.وقال مبتسمًا:"هناك شخص يرفض أن تسافر قبل أن يودعك."ابتسم باسم.وأخذ الهاتف وقال:"صباح الخير يا عروس."ضحكت جودي.لكن صوتها كان يحمل دموعًا خفية.وقالت:"كنت أتمنى أن أكون في المطار."ابتسم باسم.وقال:"لو جئت لكان الوداع أصعب."سكتت لحظة.ثم قالت:"هل تعلم, ما زلت غير مصدقة أنك ستسافر فعلًا."أجابها بهدوء:"وأنا أيضًا."تنهدت ثم قالت:"عندما طلب عمر يدي كنت أسعد فتاة في العالم لكنني كنت حزينة أيضًا."استغرب باسم.وسألها:"ولماذا؟"ابتسمت من بين دموعها.وقالت:"لأن الشخص الذي دفعه إلى تلك الخطوة سيغيب عنها."ساد الصمت.شعر باسم بغصة ف
طلع الفجر لكن أحدًا في منزل ليلى لم ينم إلا قليلًا.كانت رائحة القهوة تملأ المكان.بينما كانت ليلى تتحرك بين المطبخ وغرفة الجلوسوكأنها تحاول أن تشغل نفسها حتى لا تستسلم للحزن.نزل باسم من غرفته مرتديًا ملابس السفر.وحقيبته في يده.توقف للحظة ونظر إلى المنزل.كل زاوية فيه كانت تحمل ذكرى.ابتسم بهدوء ثم قال:"صباح الخير."التفتت ليلى إليه.ابتسمت لكن عينيها كانتا حمراوين.اقتربت منه وسوت ياقة قميصه كما كانت تفعل منذ طفولته.وقالت:"حتى بعدما أصبحت رجلًا ما زلت أرى أنك نسيت ترتيب ياقتك."ضحك باسم وقال:"لو لم تفعلي هذا لشعرت أن هناك شيئًا ناقصًا."ابتسمت ليلى ثم احتضنته طويلًا.وقالت بصوت مرتجف:"حافظ على نفسك."أجابها بهدوء:"أعدك."في الجهة الأخرى من المدينة...رنّ منبه الساعة السادسة صباحًا.فتحت سلمى عينيها ببطء.كانت قد نامت ساعات قليلة فقط.جلست على حافة السرير ثم نظرت إلى هاتفها.السادسة تمامًا.همست لنفسها:"الآن ربما استيقظ."بقيت تحدق في الشاشة.كانت تعرف أنها تستطيع إرسال رسالة.ولو بكلمة واحدة لكنها تراجعت.ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت:"لقد قلت كل ما أردت في الرسالة."نهضت به
كانت الساعة تقترب من العاشرة مساءًولم يبقَ على رحلة باسم سوى ساعات قليلة.دخل منزله بهدوء.وجد ليلى في غرفة الجلوس.كانت ترتب حقيبة صغيرة رغم أنها كانت تعلم أن كل شيء قد أُنجز منذ أيام.ابتسم باسم وقال:"أمي هذه ثالث مرة ترتبين الحقيبة."ابتسمت ليلى وهي تخفي ارتباكها.وقالت:"وأخشى أن أرتبها للمرة الرابعة."اقترب منها وجلس إلى جوارها ثم أمسك يدها وقال:"أنا مسافر ولست راحلًا."ابتسمت لكن عينيها امتلأتا بالدموع وقالت:"الأم لا تقيس المسافات بالكيلومترات بل بعدد الأيام التي لا ترى فيها أبناءها."أطرق باسم رأسه.ثم قبل يدها بهدوء وقال:"سأعود."ربتت على شعره.وقالت:"أعرف لكن العودة لا تمنع الشوق."رن جرس الباب.دخل عمروخلفه طارق.ساد صمت قصير.ثم ابتسم باسم وقال:"كأنكما اتفقتما."ضحك عمر وقال:"في الحقيقة أنا اتصلت به."نظر باسم إلى طارق.فقال الأخير بهدوء:"قلت لن أدعك تسافر من دون أن أراك."ابتسم باسم.ودعاهما إلى الجلوس.جلس الثلاثة في الحديقة.كان الليل هادئًا والنسيم يداعب أوراق الأشجار.قال عمر وهو ينظر إلى حقيبة السفر الموضوعة قرب الباب:"غدًا ستبدأ مغامرة جديدة."ابتسم باسم وق
طلع الصباح وكان مختلفًا عن كل صباح سبقه.اليوم هو آخر يوم عمل لباسم قبل السفر إلى باريس.دخل الشركة مبكرًا كعادته.نظر إلى الممرات إلى المكاتب.إلى لوحة المشاريع المعلقة على الجدار.كم مرة مر من هنا؟وكم حلمًا بدأ بين هذه الجدران؟ابتسم...ثم أكمل طريقه.مرّ الصباح هادئًا.أنهى آخر الملفات.أرسل آخر التقارير.وسلّم آخر الصلاحيات.كان كل شيء يسير بدقة.كأن باسميرفض أن يترك خلفه أي مهمة ناقصة.في منتصف النهار دخل نادر إلى قسم التصميم.صافح باسم بحرارة.وقال:"أردت أن أشكرك."ابتسم باسم باستغراب."على ماذا؟"أجابه نادر:"لأنك لم تكن مجرد موظف كنت سببًا في أن تصبح هذه الشركة أفضل."مد يده وصافحه طويلًا.ثم قال:"ستبقى أبواب هذه الشركة مفتوحة لك دائمًا."ابتسم باسم وقال:"شكراً هذا المكان سيبقى بيتي."بعد الظهر اجتمع الفريق للمرة الأخيرة.لم يكن اجتماع عمل.بل لقاء وداع.وقف الجميع صامتين.أما ميرا...فلم تستطع أن تبقى جادة.قالت وهي تحاول الابتسام:"اتفقنا ممنوع البكاء."ضحك الجميع.لكن أحدًا لم يصدقها.رنّ هاتف باسم.نظر إلى الشاشة.ابتسم ثم ابتعد قليلًا عن الجميع وأجاب."وسيم؟"جاءه صوت
بقي ثلاث ايام قبل سفر باسم إلى باريس.دخل الشركة كعادته في الموعد نفسه.وبابتسامته الهادئة نفسها.حتى إن أحدًا لو لم يكن يعرف أنه سيرحل لظن أن شيئًا لم يتغير.لكن الحقيقة أن الجميع كان يحاول أن يبدو طبيعيًا.في قسم التصميم كانت ميرا أول من وصل.جمعت جودي وبعض أفراد الفريق.وقالت بصوت منخفض:"لن أسمح له أن يغادر من دون أن يأخذ معه ذكرى من هنا."ابتسمت جودي.وقالت:"وما الخطة؟"أخرجت ميرا صندوقًا خشبيًا صغيرًا.وقالت:"كل واحد يكتب له رسال أو موقفًا لا ينساه أو حتى مزحة."ضحك الجميع.وبدأ كل واحد يكتب...بطريقته الخاصة.في تلك الأثناء...كان باسم في مكتبه.يراجع الملفات الأخيرة ويسلم المشاريع واحدًا تلو الآخر.كان يشرح أدق التفاصيل.ويكتب الملاحظات.ويجيب عن كل سؤال.لم يترك ملفًا إلا وتأكد أن صاحبه يستطيع إكماله بعد رحيله.دخلت جودي تحمل مجموعة من التصاميم.وضعتها أمامه وقالت مبتسمة:"آخر مرة أطلب منك مراجعة أعمالي."تناول الرسومات.وبدأ يقلبها بهدوء.ثم أشار إلى أحد الخطوط وقال:"هذا التوازن أفضل."وأشار إلى تصميم آخر."أما هنا فالألوان أقوى من الفكرة."ابتسمت وهي تهز رأسها.وقالت:"ك
دوى التصفيق عاليا فأمسك باسم الميكروفون من يد عمرنظر إلى الوجوه التي أحبها.ليلى طارق سلمى عمر جودي نادر نوال يوسف وسيم نورا ميرا.ثم ابتسم ابتسامة هادئة وقال:"كنت أتمنى أن تبقى هذه الليلة كلها عن عمر وجودي."ثم تنهد.وأضاف:"لكن هناك شيئًامعظمكم يعرفه."ساد الصمت.وقال بصوت ثابت:"بعد أيام سأسافر إلى باريس."ورغم أن بعضهم كان يعرف الخبر إلا أن سماعه من باسم نفسه جعل القاعة كلها تصمت.قال:"المشروع الذي عملنا عليه طويلًا سيستمر هناك وسأتولى إدارته."ابتسم محاولًا تخفيف ثقل اللحظة.وأضاف:"لذلك إذا أخطأ عمر في شيء لن أكون موجودًا لأدافع عنه."ضحك الجميع لكن الضحكات كانت ممزوجة بالدموع.اكمل باسم وقال:" اطلب منكم فقط ان تكونوا بخير وان لا تتخلوا عن احلامكم"اقتربت جودي منه واحتضنته.وقالت وهي تمسح دموعها:"كنت أتمنى أن تؤجل السفر."ابتسم وقال:"وأنا كنت أتمنى أن أحضر زفافكما."رد عمر بسرعة:"إذن ستعود."ابتسم باسم وقال:"سأحاول."أما ليلى فكانت تنظر إلى ابنها بصمت.كانت فخورة به لكن قلبها كان يتمزق.أما طارق فوقف مكانه.ثم تقدم ببطء ووضع يده على كتف باسم.وقال أمام الجميع:"مهما ابت







