تسجيل الدخولحنان فياض
"لستُ حبيبتك!" صرختُ بعصبية عارمة أحرقت حنجرتي الجافة، وانتفضتُ في مكاني وأنا أشد الملحفة حول جسدي: "أنا زوجتك في صفقة تجارية بحتة دفعتم ثمنها لإنقاذ عائلتي، لستُ حمقاء أو ساذجة لأصدق أنك أحببتني وتعلقت بي بين ليلة وضحاها!" توقعتُ أن يثور غضبه كالصقر الكاسر، لكنه فاجأني بهدوء مريب، وارتسمت على وجهه ابتسامة شاسعة عريضة، تلمع فيها ثقة إعلامي شهير ومحاور محترف يعرف كيف يأسر العقول ويهدئ العواصف، وقال بنبرة حالمة غامضة اخترقت حصوني: "بين ليلة وضحاها يغير الله من حال إلى حال يا بنت العمة... والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فلا تستعجلي الأيام." وفجأة، وقبل أن أسترسل في أفكاري وتأمل نظراته، تحولت ملامحه إلى الصرامة الحادة كشفرة موس، وصاح بنبرة جهورية مرعبة أفزعتني وهزت أركان الغرفة: "لا تهيمي بعيداً عني أبداً وأنا برفقتك! كوني معي بكل جوارحكِ وعقلكِ... هذا الغياب الذهني التام والشرود يغضبني بشدة، ولا أقبل أن أكون مع امرأة يرحل عقلها لغيري!" تراجعتُ إلى الخلف بجسدي المرتجف وقلت بصوت خفيض: "حسناً... لن يتكرر ذلك." هدأ إعصاره فجأة كما بدأ دون مقدمات، وعاد إلى بروده التلفزيوني المعتاد، وسألني وهو يتأمل تفاصيل وجهي بنظرات مكثفة: "ما الحب بنظركِ يا حنان؟ كيف تراه فتاة في الثانية والعشرين؟" تمتعتُ بحيرة واضحة، ونظرت إلى الفراغ قائلة: "لا أعرف... لم أذق منه سوى الغدر والمهانة، فلا أملك له تعريفاً." "أنا أيضاً لم أكن أعرفه أو أؤمن به حتى رأيتكِ..." اقترب مني خطوات سريعة، وارتجف صوته المحموم المليء بالرغبة وهو يتابع: "الحب هو الراحة التي اجتاحت صدري الآن... أن تملأني السعادة لمجرد سماع صوتكِ البائس وهو يسرد هذه المآسي والخطايا. الحب هو عيناي المرهقتان اللتان ترفضان النوم والراحة طالما أنعم برؤية تفاصيلكِ... الحب هو أنني كلما نظرتُ إليكِ، أردتُ بقوة أن أخلع عنكِ هذه الملحفة لتكوني لي وحدي!"كانت كلماته المعسولة تتسرب إلى مسامعي بقوة وجاذبية توازي رصيده البنكي المتخم ونفوذه الطاغي، لكن قلبي المطعوم بالخيبات ظل بارداً كالجثث. نظرتُ إلى بروده الجاد، الذي يشبه طريقة إلقائه لنشرة الأخبار المسائية التي كنت أتابعها له بحماس مع زميلاتي في الجامعة، وقلت بسخرية لا تخلو من الوجع:
"هذا ليس حباً حقيقياً يا ابن الخال... هذه مجرد رغبة رجولية عابرة تملكك استحواذها، وسوف تنزوي وتنطفئ قريباً بمجرد أن تمل من جسدي." "أبداً... لن تنزوي ولن تنطفئ،" أجاب بيقين مغرور يحمل جينات عائلة عز الدين، وتابع بنبرة باردة تحمل سلطة الصقر: "ثم إنني شاهين عز الدين يا عزيزتي... لستُ رجلاً عادياً يسهل نسيانه، وليس هناك امرأة على وجه الأرض لا تتمنى خلع ملابسها والاستسلام على مرأى مني وبإشارة من إصبعي!"حاولتُ كسر كبريائه وغروره القاتل، وسألته بنبرة متحدية: "هل كان لك الكثير من العلاقات النسائية الغير مشروعة لتثق بنفسك هكذا؟"
لكنه تجاوز سؤالي بوقاحة ممررٍ نظره الجائع على جسدي النحيل الشاحب: "هل أنتِ نحيفة بهذا الشكل عن قصد تماشياً مع الموضة الغربية الغبية، أم أنكِ تعانين من مرض ما؟" "السببان معاً!" أجبته بغصّة حارة استقرت في حلقي. لقد دمرتُ أمعائي وجهازي الهضمي طوال سنوات بالوجبات السريعة المصطنعة ومنع السكر لمجرد الهروب من شبح السمنة وخوفاً من كلام زوجة أبي، والآن كل ما أتمناه هو طعام دافئ دسم يرم عظمي... كنت أحلم دائماً بأن أكون أنيقة وممشوقة القوام في البنك ليعلم الجميع أن ابنة فياض ورثت عنه الذكاء والأناقة الجذابة! وفجأة، قذف شاهين بكلمة كالصاعقة حطمت حصوني: "بل ورثتِ عن فياض الغباء والعناد أيضاً!" انتفضتُ من مكاني وصحتُ بعصبية عارمة أخرجتني عن طوري، وعيناي تتألقان بشرر الغضب: "إياك أن تذكر أبي بهذه الطريقة المهينة! أتفهم؟! إياك أن تنطق اسمه على لسانك بسوء!" حدق فيّ للحظات طويلة بلا أي تعبير، صمت مرعب وثقيل شعرتُ فيه بلعنة الموقف وفداحة ما فعلت... كيف لجرذ مستضعف مثلي أن يعلو صوته على الصقر في عرينه؟ تمنيتُ في تلك الثواني لو أن أمي الجشعة هنا لتنقذني من مخالبه التي أوشكت على تمزيقي. لكنه قال ببرود آمن مستفز: "لم أقصد الإهانة الشخصية... قصدتُ من الناحية الاقتصادية أن والدكِ أضاع فرصاً ذهبية لا تعوض، لأنه رفض الاستجابة لروح العصر وشروطه." "روح العصر؟!" سخرتُ منه بمرارة والدموع تترقرق في عيني: "تقصد تقبل الرشاوى وتمرير قروض المليارات بدون ضمانات للصوص المال العام؟ أهذه هي روح عصركم القذر؟! فياض كان أنقى من هذا الوحل..." "لا تنطق اسم أبي مجرداً من الألقاب والاحترام أمامي أو أمام أي أحد!" قاطعته بصراخ كاد يبكيني. "وبماذا أناديه إذن وهو ابن عمتي قبل أن يكون أبوكِ؟" سأل مستنكراً ومبتسماً. "العم فياض... لقد أصبح حماك الآن بفضل هذه الصفقة!""حاضر... حاضر يا بنت العم فياض،" قالها وهو يضحك بشدة، رغبة منه في إنهاء النزاع، ثم نهض من مقعده بخطوات بطيئة واثقة نحو السرير. انحنى فوقي بجسده الضخم، وضغط على رأسي بقوة نحو صدره العريض، قوة ألمت عنقي وجعلتني أستنشق رغماً عني رائحة عِطره الفرنسي الفاخر المخلوط برائحة التبغ الكثيفة. رفع وجهي بكفيه الثخينتين، وثبّت عينيه في عينيّ بجرأة قاتلة خالية من الخجل:
"أنتِ شهية ومثيرة... بريئة كالأطفال، وجميلة كهدف حاسم في الدقيقة تسعين من مباراة مصيرية."
حاولتُ الهروب من حصاره اللصيق ونظراته الجائعة بنبرة طفولية عفوية: "أنا أيضاً أحب كرة القدم... أشجع النادي الأهلي بشغف، وأنت؟"
"الأهلي بالطبع.""جيد..." تنفستُ الصعداء كمن نجا من فخ، وتابعت باندفاع غبي غير محسوب العواقب: "خطيبي السابق عمر كان يشجع الزمالك بتعصب أعمى، وكان بيننا الكثير من المشاحنات الصبيانية والنزاعات الحادة بسبب هذا الأمر التافه..."
تجمدت يدا شاهين الثخينتان على وجنتيّ فور سماع الاسم المشؤوم.. ما كان يجب عليَّ أن أذكر أسم حبيبي السابق بأي حال أمامه. اختفت النظرة الحالمة والابتسامة العذبة تماماً من وجهه، وتحولت عيناه الشاسعتان في ثانية واحدة إلى كتلتين من الجمر الحارق والشرر المتطاير. ضغط على فكي وأسفل ذقني بقوة غاشمة كادت تقتلع عظام وجهي، جعلت دموعي تنهمر رغماً عني من شدة الألم والذعر، وهتف بنبرة مخيفة كفحيح الأفاعي السامة التي توشك على بثر سمها في جسدي: "عمر؟! ذلك الخاسر اللعين لأنه فرّط في ثروة وامرأة مثلكِ... ولكن يبدو أن ظله القذر لا يزال ينام معنا في ذات الفراش وفي عقلكِ يا حنان! انطقي فوراً وبلا كذب... ما الذي يربطكِ بعمر حتى هذه اللحظة، وما الذي تلمحين إليه، وإلا قسمًا بيساري وباسمي "شاهين" لن تخرجي من هذه الغرفة حية الليلة!"شاهين عز الدينلطالما كنتُ نحساً ولا أنكر، نحساً لا رادع له ولا كوابح. لقد كنتُ لعنة مصبوبة على كل من اقتربتُ منه أو اقترب مني.. حتى حنان لم تسلم من ذلك النحس. النحسُ يُصيبهم والخير كله يتدفق عليّ، وكأنني أقتات على خرابهم لأشيد مجدي.كانت البداية مبكرة للغاية؛ لم يكد جسدي الصغير يخرج إلى النور حتى طُلقت أمي من أبي مباشرة في ذات الليلة. حملتني رضيعاً يصرخ، ومضت بي إلى منزل جدي "عز الدين"، ألقتني هناك على عتباتهم وولت مدبرة، وكان هذا أفضل وأكرم ما فعلته في حياتها برمتها. فحتى إنجابي ومجيئي إلى هذا العالم كان خطأً فادحاً لا يُغتفر، خطأً مني أنا تحديداً وليس من أبي فحسب.أبي لم يتزوجها حباً؛ بل تزوجها لأنها كانت عنساً قبيحة الشكل، سليطة اللسان، ولكنها ثرية للغاية. ورغم ذلك، كانت حريصة أشد الحرص على مالها، شحيحة بقبضتها، فلم تنوّل أبي مبتغاه ولم تمنحه مفاتيح خزائنها، فسرعان ما هجرها غاضباً، وسرعان ما هجرتني هي الأخرى تبعاً له. وأنا اليوم شاكر كل الشكر لجحودها ذاك؛ فلولاه لتذوقتُ مرار اليتم والذل باكراً، ولم أكن لأنعم بطفولة سوية تذكرني أيامها البهية بحناني المقيم.كنتُ طفلاً مدللاً لأقصى ا
عمر عبد المولى.كانت حنان تقف هناك بلا مساحيق تجميل، ولا بأردية لا تفضل ارتداءها إلا إرضاءً لبروتوكولات الحياة الأرستقراطية الجديدة التي فُرضت عليها فرضاً؛ جلباب حريري فيروزي اللون، فضفاض يغطي جسدها بالكامل، وشعرها الغجري طليق ثائر على كتفيها، وليس مثبتاً بمائة دبوس من المجوهرات كما كانت تبدو في الحفل الباذخ قبل ساعات قليلة.لم تكن تلك الهيئة البسيطة المباغتة هي التي انتظرتُ رؤية زوجة رجل فاحش الثراء عليها؛ فقد انتظرتُ —في مخيلتي المريضة— رؤيتها مكسوة بالمجوهرات المكلفة، والملابس العارية الفاخرة التي تظهر مفاتنها المنسية؛ تلك المفاتن التي لا تفارق خيالي ولا تفك أسر عيني. فلقاءاتنا القديمة الساخنة في غرفتي المتواضعة بمصر، وتحت سقفها المتشقق، كانت هي سكني وملاذي الوحيد من الضيق والفقر والعدم الذي شمل حياتي كلها وتمدد فيها منذ فراقها.نظرتْ إليّ حنان بنفس نظرة التقزز والازدراء القديمة، كأنها تطالع حشرة ضالة اقتحمت ردهة قصرها، إنما لم تستطل نظراتها تجاهي كالعادة، وعادت فوراً بكليتها للزوج المحمول على أكتاف الحرس بدمائه وثمالته. طلبت من الرجال بصوت باكٍ مخنوق بالعبرات أن يمددوه على أريكة مخ
عمر عبد المولى.سارعتُ بالتقدم إليه لأبرئ ساحة حنان وأدافع عن كبريائي، إنما تعس الحظ كان لي بالمرصاد كما اعتدتُ دائماً منذ أن تركتني. فما إن خطوتُ خطوة واحدة تجاهه، حتى راحت قدمي اليمنى في رحلة تزحلق عنيفة على الإسفلت المبتل، وسقطتُ أنا على ظهري كحمار أعنته الحمولة الزائدة!انفجر شاهين ضاحكاً على حالي المخزي، وتقدم مني وهو يغالب قهقهاته ليعاونني على النهوض. إنما باءت محاولاته بالفشل الذريع؛ لأن وزني يفوق وزنه بأرطال عديدة. لكنه لم يستسلم، وسحبني بقوة غاشمة كادت أن تخلع كتفي الأيمن من موضعه.. ويزعم بعد كل هذه القوة أنه مريض!قلتُ له متوسلاً وأنا أتحامل على جسدي:"إنها تحبك أنت يا سيد شاهين.. تحبك أكثر مما أحبتني يوماً. حنان لا تتحمل أي ضغط، وهي تعيش في ضغط دائم ومثير معك."رد وهو يجذبني:"ليس الآن يا عمر.. هيا ساعدني لتنهض.. تباً كم يبلغ وزنك اللعين؟!"تابعتُ وأنا على الأرض:"حنان لا تحاول إسعاد أحد.. حنان تستحوذ على الرجل فحسب وتطوعه ليكون المخلوق الذي تريده هي! ليس في وسعك ترويضها بل هي من تروضك.. هل تفعل ذلك معك الآن؟"فجأة، انزلقت يده عن يدي، وبدا على وجهه الكدر والهم الشديد؛ وحينه
عمر عبد المولى استجمعتُ آخر نبتة شجاعة نمت بداخلي وشاخت بهجر حنان، وقلت بصوت مرتجف:"سيد شاهين.. هل لي أن أسألك أنا هذه المرة؟""بالطبع يا عزيزي.""هل أنت.. هل أنت سعيد مع حنان؟"قام عن الكرسي في بطء، وتمشى لخطوات واضعاً كفيه على فخذيه وحتى ركبتيه بتألم كاشف لشيخوخته؛ فقد كان يتنهد بعمق ويكتم آلام جسده المتهالك. أما عيناه الشاخصتان فقد ارتكزتا على القمر المكتمل في تلك الليلة، ثم قال بنبرة دافئة:"نعم.. سعيد كل السعادة. لم أكن بتلك السعادة منذ سنوات عديدة؛ منذ عملت كمراسل حربي لأول مرة في حياتي ووقفت أمام الكاميرا.. حنان هي الكاميرا يا عمر! وكأنها مبرمجة لترى في داخلي ما لا يراه أحد سواها، حتى أنا.. ترى فيّ أشياء ظننتُ أنني فقدتها وضاعت مع العمر، إنما هي تستعيدها بكل سهولة. معها أشعر أنني شاب في العشرين من عمري، أمامي العالم أجمع لأخوضه وأفتحه.. فقد شختُ باكراً لأكون (شاهين عز الدين).. ومع حنان، أنا أعوض كل ما فاتني."سألته بمرارة:"وما الذي قد يفوتك وأنت تملك كل شيء في هذا العالم؟"أجاب وهو يلتفت إليّ:"الحياة الطبيعية يا عمر.. امرأة تحبك لشخصك وتتفانى لإرضائك، بينما أنت مجرد وغد متك
عمر عبد المولى.تركني شاهين وابتعد عن السياج الحديدي، متجهاً بخطوات متثاقلة نحو المقاعد المصفوفة على طول الرصيف المحاذي للمحيط. انحاز لمقعد ذي قوائم حديدية مدهونة بالأزرق، مبطن بقطاعات طولية من خشب السنديان تضمن جلسة مريحة. جلس عليه بثقل هائل، وبدا أن هواء البحر الممتزج بالرطوبة قد زاد من حدة ثمالته وسكره.في تلك اللحظة، تمنيتُ من كل قلبي أن يقرر العودة سريعاً إلى حنان قبل أن يسقط صريعاً أمامي وأُتهم أنا بقتله! هذا الخاطر المرعب كان يتآكلني من الداخل منذ أن رأيته برفقتها في الحفل؛ إذ حدثتني نفسي اللئيمة أنه لو تعثر هذا العجوز بحجر في الطريق، سأكون أنا المتهم الأول بنقل ذلك الحجر ليغدو أسفل قدميه. فأنا المدان دوماً في رواياتهم؛ خطيب الزوجة السابق الذي ظهر فجأة من العدم في اجتماع عمل، ثم في حفل باذخ لا ناقة له فيه ولا بعير.اقتربتُ منه والوجل يخلع قلبي، وقلت بقلق مصطنع:"هل أنت بخير يا سيد شاهين؟"التفت إليّ بعينيه الزائغتين وسألني فجأة:"بماذا كانت تدللك حنان؟"امتعضتُ من أسئلته السخيفة التي تنبش في قبرها، والتوى فمي بحنق مكتوم، إنما قلت في النهاية:"لا شيء.. لم تكن تدللني.""وأنت.. بم
عمر عبد المولىترك شاهين تحديقه في المحيط تماماً، واستعاض عنه بتصويب عينيه الثعبانيتين نحوي، وقال مفككاً عقدي:"أنت طامع يا عمر.. وطمعك يكمن في أشياء لا يصح لأمثالك الطمع بها من الأصل؛ لأنها تحمل مقاييس محددة وثابتة، وغير قابلة للتمدد لتناسب رغباتك."في الواقع، لم أفهم مطلقاً ما الذي كان يرمي إليه شاهين بكلماته الفلسفية المعقدة تلك، فقلت مدافعاً عما أعرفه عن نفسي:"أنا لم أطمع يوماً في شيء ليس من حقي."ابتسم لي شاهين بابتسامة تفيض بالأسى على حالي وعلى غبائي في آنٍ واحد؛ لأنه أدرك فوراً أنني أجهل ما يعنيه، وقال موضحاً بلهجة الأستاذ المصحح:"الطمع المحمود والمنطقي يا عمر يكون في السعي نحو وظيفة أفضل.. نقود أكثر.. إنما البحث عن إنسان أفضل فهذا هو الغباء والدحض بعينه؛ فلن تجد الإنسان الأفضل على الإطلاق أبداً. أنت كنت مجرد شاب منبوذ في محيطك، وفجأة أعجبت بك أميرة متمردة مثل حنان.. في تلك اللحظة ارتفع سقف طموحك بشكل مرضي لأنك لم تعد تشعر بالنبذ والعقد كما السابق، ولذلك اتجهت فوراً إلى المقامرة."قاطعته بحنق:"أنا لم أقامر يوماً في حياتي!"بدا عليه الضيق الشديد من قلة حيلتي، وقال متأففاً بسأ
حنان فياض.بحق الله، هذا الرجل مجنون رسمي! يتحول من النقيض إلى النقيض تماماً في أقل من ثانية واحدة. قلتُ في ضيق ونفاد صبر، متأزمة من تفاصيل حياتي بأكملها معه:"ولماذا أناديه من الأصل يا شاهين؟ الرجل يجلس أمامي في مكتبه ويمارس عمله... ثم إنني لا أعرف اسمه حتى اللحظة."قال بثقة مرعبة:"طلعت محسن.""م
حنان فياض.وأخيراً... انطلقت ضحكاتنا معاً في أرجاء الشقة الساكنة؛ فقد نسيتُ حقاً آخر مرة ضحكنا فيها سوية من قلوبنا. كان يجد أن بلوزتي الحريرية المبتلة سخيفة ومزرية، وامتدت أصابعه الغليظة مع ملامحه العابثة غير المبالية بما افتقده من أنوثتي، وتخللت أزرار بلوزتي لتسلتها وتنزعها عن جسدي برفق، وقبل أن ي
حنان فياض. رفع شاهين الزجاجة ليشرب دفعة أخرى وعيناه لا تفارقاني؛ وحينها، تملكني جنون الشك، وقررتُ أن أقيء بكل ما يجيش في صدري من موبقات وأفكار مسمومة دفعة واحدة ودون تجميل:"عطيات تغار من وجودنا سوية كزوجين في القصر... ودوماً، وفي كل مناسبة، تسعى بكل الطرق لتفريقنا وإبعادك عن غرفتي، وأنت —للغرابة—
حنان فياض.ترك يدي على الفور، وتولى عني في سقم وضيق، ليراقب بدوره الأدوار المتلاحقة من وراء البنيل الزجاجي للمصعد الكهربائي. اللعنة! بدأتُ أشعر بقرصات الخوف تتسلل إلى أحشائي؛ نحن نمضي منذ وقت طويل داخل هذا المصعد العجيب الصاعد بسرعة، تـُرى كم من الطوابق تملك تلك البناية الشاهقة في أبو ظبي؟وأخيراً.







