Share

الفصل التاسع

last update Petsa ng paglalathala: 2026-06-13 17:26:03

لم تنم رهف تلك الليلة.

رغم أن الساعة تجاوزت الثالثة فجرًا، كانت ما تزال جالسة فوق سريرها، تضم ركبتيها إلى صدرها وتحدق في الظلام.

كلما أغمضت عينيها، عاد إليها نفس المشهد.

نفس النظرة.

نفس الصوت.

ونفس السؤال.

"إنتي ليكي علاقة بالرسائل دي."

لم يكن اتهامًا.

ولم يكن سؤالًا عاديًا.

كان أشبه بيقين خرج من فم شخص لا يعرفها.

وهذا أكثر ما أخافها.

كيف استطاع أن يشعر بذلك؟

كيف نظر إليها وكأنه يرى ما تحاول إخفاءه منذ سنوات؟

أغلقت عينيها بقوة.

لكن الصورة لم تختفِ.

بل ازدادت وضوحًا.

آدم.

الرجل الذي لم تره من قبل.

والذي شعرت للحظة غريبة أنه يعرفها أكثر مما يجب.

تنهدت بضيق.

ثم مدت يدها نحو الدفتر الأسود الموضوع فوق الطاولة الصغيرة بجوار السرير.

ترددت لثوانٍ.

قبل أن تفتحه ببطء.

كانت آخر صفحة كتبت فيها قبل أسابيع.

كلمات غير مرتبة.

سطور متقطعة.

وأفكار كتبتها في ليلة سيئة.

مرت أصابعها فوق الحبر وكأنها تلمس ذكرى قديمة.

ثم همست:

– ليه حاسة إن كل حاجة بتخرج من إيدي؟

لم يجبها أحد.

كالعادة.

لكن هذه المرة كان الصمت أثقل من أي وقت مضى.

في الجهة الأخرى من المدينة...

كان آدم يقف أمام النافذة الزجاجية الممتدة من الأرض حتى السقف في شقته.

المدينة أسفل قدميه كانت مستيقظة رغم الوقت المتأخر.

أضواء السيارات.

إشارات المرور.

مبانٍ لا تنام.

لكن عقله كان في مكان آخر تمامًا.

على وجه فتاة دخلت غرفة الاجتماعات دون أن تقول شيئًا.

فتاة بدا عليها الارتباك أكثر من الذنب.

والخوف أكثر من الكذب.

وذلك تحديدًا ما جعله غير قادر على تجاهلها.

لو كانت تخفي شيئًا...

فهي لا تعرف كيف تخفيه جيدًا.

جلس على الأريكة.

أمسك هاتفه.

ثم فتح الملف الذي جمع فيه ملاحظاته خلال الأيام الماضية.

رسائل لم تُرسل

الكاتب مجهول.

نادين تخفي معلومات.

هناك شخص آخر خلف النصوص.

رهف مرتبكة بشكل غير طبيعي.

توقف عند الاسم الأخير.

رهف.

لم يكن يعرف عنها شيئًا تقريبًا.

لكن إحساسًا داخله أخبره أن الخيط الحقيقي يبدأ منها.

أغلق الهاتف.

وحاول إقناع نفسه أن الأمر مجرد فضول.

لكنه كان يعرف أنه يكذب.

منذ فترة طويلة لم يهتم بشخص أو بشيء إلى هذه الدرجة.

ومنذ فترة أطول لم يشعر أن هناك لغزًا يستحق أن يلاحقه.

في صباح اليوم التالي...

وصلت رهف إلى دار النشر مبكرًا.

أبكر من الجميع تقريبًا.

كانت تحتاج بعض الهدوء.

بعض الوقت لترتب أفكارها.

لكن بمجرد دخولها المبنى شعرت أن شيئًا تغير.

الأنظار.

الهمسات.

الوجوه.

كل شيء.

كأن وجودها أصبح ملحوظًا أكثر من المعتاد.

تجاهلت الأمر.

وتابعت طريقها نحو مكتبها.

لكن قبل أن تصل...

سمعت صوتًا يناديها.

– رهف.

التفتت.

كانت نادين.

تبدو مرهقة.

وتحت عينيها دوائر داكنة لم تكن موجودة قبل أيام.

اقتربت منها رهف.

– مالك؟

ابتسمت نادين ابتسامة باهتة.

– مفيش.

رفعت رهف حاجبها.

– دي أكتر كلمة كدابة في التاريخ.

ضحكت نادين بخفة.

لكن الضحكة لم تصل لعينيها.

ثم قالت:

– محتاجين نتكلم.

شعرت رهف بانقباض داخل صدرها.

– عن إيه؟

– فوق.

في المكتب.

بعد دقائق...

كانت الاثنتان جالستين داخل مكتب نادين.

أغلقت الأخيرة الباب.

ثم ظلت صامتة لعدة ثوانٍ.

وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة.

أخيرًا قالت:

– آدم بدأ يدور ورا الرسائل بشكل جدي.

رهف لم تفاجأ.

لسبب ما كانت تتوقع ذلك.

– وبعدين؟

– وبعدين إنه مش هيسكت.

– وإنتِ خايفة من إيه؟

نظرت نادين إليها مباشرة.

– خايفة يوصل ليكي.

ساد الصمت.

لثوانٍ طويلة.

قبل أن تضحك رهف بسخرية.

– وأنا ليه أخاف؟

– لأنك مش مستعدة.

اختفت الابتسامة من وجه رهف.

– مستعدة لإيه؟

لكن نادين لم تجب.

بل أبعدت نظرها.

وهنا فقط...

بدأ القلق الحقيقي يتسلل إلى قلب رهف.

في نفس الوقت...

كان آدم يجلس داخل مكتبه.

وأمامه ملف جديد.

ملف يحمل اسمًا واحدًا فقط.

رهف.

وصلته بعض المعلومات البسيطة.

العمر.

الدراسة.

مكان العمل.

لا شيء مميز.

ولا شيء يفسر ما يشعر به.

لكن هناك صورة شخصية صغيرة مرفقة بالملف.

نفس الوجه الذي رآه بالأمس.

نظر إليها طويلًا.

ثم تنهد.

شيء ما لم يكن منطقيًا.

لو كانت هي الكاتبة...

فلماذا بدت خائفة؟

ولماذا تصرفت وكأنها لا تعرف شيئًا؟

أما إذا لم تكن الكاتبة...

فلماذا شعرت نادين بالتوتر لحظة دخولها؟

أغلق الملف.

ثم نهض من مكانه.

هناك شيء ناقص.

قطعة مفقودة من الصورة.

وعليه أن يجدها.

عند الظهيرة...

كانت رهف تجلس وحدها في الكافتيريا الصغيرة الخاصة بالدار.

تحاول التركيز في شاشة اللابتوب أمامها.

لكنها لم تكتب حرفًا واحدًا منذ أكثر من نصف ساعة.

كل أفكارها كانت تدور حول نفس الشيء.

آدم.

واللقاء القصير.

وكلام نادين.

ثم فجأة...

وضع أحدهم كوب قهوة على الطاولة أمامها.

رفعت رأسها باستغراب.

لتتجمد في مكانها.

آدم.

وقف أمامها بهدوء.

يرتدي قميصًا أسود بسيطًا.

ونفس النظرة الثابتة التي أربكتها بالأمس.

قال:

– أعتقد إنك محتاجة القهوة دي أكتر مني.

لثانية كاملة...

نسيت رهف كيف تتكلم.

تجمدت رهف للحظات وهي تنظر إلى كوب القهوة.

ثم رفعت عينيها ببطء نحو آدم.

لم تكن تتوقع أن تراه مرة أخرى بهذه السرعة.

ولا أن يقف أمامها بهذه البساطة وكأن لقاء الأمس لم يكن مليئًا بالتوتر والأسئلة.

قالت أخيرًا:

– شكرًا.

جلس آدم على الكرسي المقابل دون أن يطلب الإذن.

لكن طريقته لم تكن مستفزة.

بل هادئة على نحو غريب.

كأنه اعتاد أن يجلس أمام الناس ويقرأ ما لا يقولونه.

ساد صمت قصير.

قطعه آدم:

– واضح إنك مش مرتاحة.

عقدت رهف حاجبيها.

– حضرتك تعرفني من إمتى عشان تحكم إني مرتاحة أو لا؟

ظهرت ابتسامة خفيفة على طرف فمه.

– من امبارح.

– يوم كامل يعني؟

– أحيانًا ساعة واحدة بتكون كفاية.

شعرت رهف بالضيق.

ليس من كلامه.

بل من إحساسها أنه يلاحظ أشياء تحاول إخفاءها.

أمسكت الكوب بين يديها.

وقالت:

– حضرتك دايمًا بتحلل الناس كده؟

– لا.

– أومال؟

– بس الناس اللي تلفت انتباهي.

ولأول مرة شعرت رهف أن قلبها اضطرب دون سبب واضح.

فخفضت نظرها سريعًا.

في الطابق العلوي...

كانت نادين تقف خلف الزجاج.

وترى الاثنين من بعيد.

شعرت بانقباض داخل صدرها.

هذا بالضبط ما كانت تخشاه.

أن يقترب آدم من رهف مباشرة.

كل شيء كان يمكن السيطرة عليه طالما بقيت هي الوسيط بينهما.

أما الآن...

فالوضع بدأ يخرج من يديها.

أخرجت هاتفها بسرعة.

ثم كتبت رسالة قصيرة.

لكنها حذفتها قبل الإرسال.

ثم كتبت أخرى.

وحذفتها أيضًا.

لم تكن تعرف ماذا تفعل.

لأن المشكلة لم تعد في الرسائل.

المشكلة أصبحت في الأشخاص.

في الكافتيريا...

سأل آدم فجأة:

– بتحبي الكتابة؟

رفعت رهف رأسها باستغراب.

– سؤال غريب.

– ليه؟

– لأننا في دار نشر.

– وده معناه إن الكل بيحب الكتابة؟

سكتت للحظة.

ثم قالت:

– لا.

– عشان كده سألت.

تنهدت رهف.

ثم أجابت:

– أيوه.

بحبها.

– من زمان؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

لأول مرة منذ بداية الحديث.

– من وأنا طفلة.

– وبتكتبي إيه؟

ترددت.

ثم قالت:

– أي حاجة.

قصص.

خواطر.

أفكار.

حاجات لنفسي.

هز آدم رأسه ببطء.

وكأنه كان ينتظر هذه الإجابة.

ثم قال:

– الحاجات اللي بنكتبها لنفسنا بتكون أخطر حاجة.

تجمدت رهف.

وشعرت أن الجملة أصابتها مباشرة.

كأنها لا تتحدث عن الكتابة.

بل عن دفترها الأسود.

عن كل ما أخفته داخله.

في تلك اللحظة...

دخل أحد الموظفين مسرعًا.

واتجه نحو رهف.

– الأستاذة نادين عايزاكي فوق.

نهضت رهف بسرعة.

شعرت بالراحة لأنها حصلت على فرصة للهروب من هذا الحوار.

لكن قبل أن تتحرك...

قال آدم:

– رهف.

التفتت نحوه.

– أيوه؟

نظر إليها لثوانٍ.

ثم قال:

– خلي بالك من الحاجات اللي بتسيبيها للناس.

لم تفهم قصده.

لكن طريقته جعلت الجملة تبدو كتحذير.

أو نصيحة.

أو ربما شيئًا بين الاثنين.

ثم غادرت.

بعد دقائق...

دخلت مكتب نادين.

وأغلقت الباب خلفها.

كانت نادين تسير ذهابًا وإيابًا.

في توتر واضح.

– كنتي قاعدة معاه ليه؟

سألتها مباشرة.

تفاجأت رهف.

– هو اللي جه قعد.

– واتكلم معاكي عن إيه؟

– كلام عادي.

رفعت نادين حاجبها.

– آدم عمره ما بيتكلم في كلام عادي.

– مش فاهمة.

اقتربت منها نادين.

– لازم تبقي بعيدة عنه.

شعرت رهف بالضيق.

– ليه؟

– عشان ده الأفضل.

– الأفضل لمين؟

صمتت نادين.

وهذا الصمت كان إجابة كافية.

في المساء...

عاد آدم إلى مكتبه.

لكن هذه المرة كان يحمل شيئًا جديدًا.

شعورًا مختلفًا.

كل ما رآه اليوم أكد له أمرًا واحدًا:

رهف ليست بعيدة عن الرسائل.

حتى لو لم تكن الكاتبة.

فهي جزء من الحقيقة.

جلس أمام مكتبه.

وأخرج نسخة مطبوعة من إحدى الرسائل.

ثم بدأ يقرأها مرة أخرى.

لكن هذه المرة...

توقف عند فقرة لم ينتبه لها من قبل.

"أحيانًا لا نخاف من أن يعرف الآخرون أسرارنا... بل نخاف أن يجدوا أنفسهم داخلها."

أعاد قراءة السطر مرة.

ثم مرتين.

ثم ثلاثًا.

شعر بقشعريرة تسري في جسده.

لأن هذا بالضبط ما كان يحدث معه.

هو لم يكن يبحث عن الكاتبة فقط.

بل كان يبحث عن السبب الذي جعله يرى نفسه في كلمات شخص مجهول.

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الاربعون

    بدأ الشرخ يمتد عبر السقف ببطء.في البداية كان مجرد خط رفيع، بالكاد يُرى وسط الخرسانة القديمة.ثم اتسع.وتشعب.وكأن قوة هائلة تضغط من الأعلى.تراجع سامر خطوة إلى الخلف، بينما رفع سلاحه نحو السقف بشكل غريزي.أما رهف فلم تستطع أن تبعد عينيها عن كريم.لأنها لم تره هكذا من قبل.منذ أن استعادته...منذ أن بدأت تتذكر أجزاء من الماضي...رأته غاضبًا.رأته حزينًا.ورأته خائفًا عليها.لكنها لم تر الرعب في عينيه إلا الآن.رعبًا حقيقيًا.عميقًا.كأنه عاد فجأة إلى أسوأ يوم في حياته.همست:— من هي ليلى؟لم يجب.ظل ينظر إلى السقف فقط.وكأنه يعلم جيدًا ما الذي سيحدث بعد ثوانٍ.ثم قال بصوت خافت:— الشخص الذي كان يجب أن يموت بدلًا منك.شعرت رهف وكأن الكلمات صفعتها.لكنها لم تحصل على فرصة للسؤال.لأن جزءًا من السقف انهار فجأة.وتساقطت قطع الخرسانة فوق الأرض.وسط سحابة كثيفة من الغبار.وللحظة لم يرَ أحد شيئًا.---عندما بدأ الغبار يتلاشى...ظهرت هيئة امرأة.كانت تقف فوق بقايا الخرسانة المنهارة وكأن سقوطها من الطابق العلوي لم يكلفها أي جهد.امرأة في منتصف الثلاثينات تقريبًا.شعر أسود طويل.ملامح هادئة.وجمي

  • رسائل لم تُرسل   الفصل التاسع و الثلاثون

    للحظات طويلة لم يستطع أحد الكلام.بقيت رهف تحدق في الشاشة وكأن عقلها يرفض تفسير ما تراه عيناها.المرأة الواقفة أمام المبنى لم تكن تشبهها فقط.لم تكن قريبة الشبه منها.كانت هي.بنفس الملامح.بنفس لون العينين.حتى الانحناءة الخفيفة في الكتف الأيسر كانت موجودة.تفصيلة صغيرة لم يلاحظها أحد من قبل، لكنها كانت تعرفها جيدًا.شعرت وكأنها تنظر إلى انعكاسها في مرآة حية.لكن انعكاسًا يمتلك حياة مستقلة.وابتسامة أكثر برودة.وأسرارًا أكثر ظلمة.قطعت أنفاسها بصعوبة.— من هذه؟لم يجب أحد مباشرة.نظر سامر إلى كريم.بينما ظل كريم يراقب الشاشة بصمت طويل.صمت جعل القلق يتضاعف داخلها.ثم قال أخيرًا:— كنت أتمنى ألا نصل إلى هذه اللحظة أبدًا.التفتت إليه بسرعة.— من هي؟رفع عينيه إليها.وفي نظرته شيء من الذنب.شيء لم تره من قبل.— اسمها نور.ساد الصمت.— نور؟— كانت أول ناجحة.شعرت رهف بقشعريرة تسري في جسدها.— أول ناجحة في ماذا؟ابتسم سامر بسخرية مريرة.— في العودة من الموت.انكمش قلبها داخل صدرها.وكأن الكلمات تحولت إلى جليد.قالت بصوت مرتجف:— تقصد أنها...— كانت أول محاولة.أكمل كريم بهدوء.ثم أضاف:—

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الثامن و الثلاثون

    لم تتحدث رهف.كانت جالسة في مكانها، تحدق في كريم وكأنها تراه للمرة الأولى.وربما كانت كذلك بالفعل.ليس لأنه تغير.بل لأنها بدأت ترى أجزاءً منه لم تكن تعرف بوجودها.أجزاء أخفاها عنها الجميع... أو أخفاها الزمن نفسه.خارج النوافذ كان المطر يزداد قوة، بينما داخل الشقة بدا الهواء أثقل من أن يُتنفس.قال سامر أخيرًا:— أخبرها بالباقي.ظل كريم صامتًا للحظات.ثم جلس على المقعد المقابل لرهف.ببطء شديد.وكأن أي حركة مفاجئة قد تجعل كل شيء ينهار.رفع عينيه إليها.ولأول مرة منذ التقيا من جديد، لم تحاول نظراته الاختباء خلف أي شيء.لا أسرار.لا أقنعة.لا أكاذيب مريحة.فقط الحقيقة.الحقيقة كما هي.مؤلمة.وقاسية.ومتأخرة.قال بصوت منخفض:— عندما بدأ المشروع لم يكن هدفه السيطرة على الذكريات.كان هدفه إنقاذها.عقد سامر ذراعيه ساخرًا.— وهذه هي الكذبة التي كنت ترددها دائمًا.لكن كريم تجاهله.وأكمل كلامه وهو ينظر إلى رهف فقط.— قبل سبع سنوات حدثت كارثة داخل المختبر.تجمد شيء داخل رهف.سبع سنوات.هذا الرقم شعرت أنها سمعته من قبل.في مكان ما.في حلم.أو ذكرى لم تكتمل.— كنتِ هناك.قالها كريم بهدوء.— وأنا كن

  • رسائل لم تُرسل   الفصل السابع و الثلاثون

    الشقة رقم 17تجمد الزمن لثانية واحدة.الرجل الذي فتح الباب ظل واقفًا مكانه، وعيناه متسعتان بشكل واضح، كأنه رأى شخصًا لم يكن من المفترض أن يراه مجددًا.أما رهف، فشعرت بأنفاسها تتسارع.كانت تتوقع الكثير خلف هذا الباب.معلومات.إجابات.خيوطًا تقودها إلى كريم.لكنها لم تتوقع تلك النظرة.نظرة الخوف.الخوف الحقيقي.تراجع الرجل خطوة إلى الخلف دون وعي.ثم قال بصوت خرج مبحوحًا:— مستحيل...عقدت رهف حاجبيها.— تعرفني؟ساد الصمت.ثوانٍ طويلة مرت قبل أن يجيب.— كان المفروض إنك...وتوقف.كأنه ابتلع بقية الجملة في اللحظة الأخيرة.كان المفروض أنها ماذا؟تموت؟تختفي؟تنسى؟لم تعرف.لكنها رأت الإجابة في عينيه قبل أن ينطق بها.---استجمع الرجل نفسه بسرعة.وعادت ملامحه جامدة.باردة.مدروسة.كأن الانفعال الذي ظهر قبل لحظات لم يكن موجودًا أصلًا.ثم قال:— مين حضرتك؟كادت رهف تضحك.السؤال جاء متأخرًا جدًا.قالت وهي ترفع الصورة القديمة أمامه:— أعتقد إننا نقدر نوفر على بعض مرحلة التمثيل.تغير لون وجهه مجددًا.بشكل طفيف.لكنها لاحظته.لاحظت أيضًا كيف انتقلت عيناه بسرعة إلى الصورة.ثم إلى الدفتر الموجود تحت ذ

  • رسائل لم تُرسل   الفصل السادس و الثلاثون

    حين أُغلقت الرسائللم يحدث شيء.على الأقل… هذا ما ظنته رهف في البداية.لا انفجار.لا ضوء أبيض يبتلع العالم.لا أصوات غامضة تأتي من الفراغ.فقط صمت.صمت عميق لدرجة أنها سمعت نبض قلبها بوضوح.ثم فتحت عينيها.---كانت مستلقية فوق سرير.سقف أبيض.ستائر تتحرك مع الهواء.ورائحة مطهرات خفيفة.للحظة واحدة فقط…شعرت أن كل ما حدث كان حلمًا.كابوسًا طويلًا وانتهى.لكن الشعور اختفى سريعًا.لأنها انتبهت لشيء أهم.كانت وحدها.---جلست ببطء.ألم خفيف ضرب رأسها.وكأن عقلها يحاول إعادة ترتيب نفسه.نظرت حولها.غرفة بسيطة.نافذة.خزانة صغيرة.كرسي بجوار السرير.ولا شيء آخر.ولا أحد.---"كريم؟"خرج الاسم من شفتيها تلقائيًا.ثم تجمدت.لماذا نادت عليه أولًا؟لماذا لم تسأل أين هي؟أو ماذا حدث؟لماذا كان أول شيء بحثت عنه هو هو؟الباب انفتح فجأة.ودخلت امرأة في منتصف الأربعينات.ترتدي معطفًا أبيض.ابتسمت عندما رأت رهف مستيقظة."أخيرًا."رهف عقدت حاجبيها."أنا فين؟"المرأة اقتربت."في المستشفى.""ليه؟"ترددت المرأة للحظة.ثم قالت:"اتعرضتي لحادث من أسبوعين."أسبوعين؟شعرت رهف بأن قلبها توقف."مستحيل."---الم

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الخامس و الثلاثون

    الضوء ما اختفاش.بس سكن.زي ما يكون المكان أخد نفس طويل وقرر ما يطلّعوش.رهف فتحت عينيها ببطء.المرة دي مفيش مرايات.ولا ممرات.ولا أصوات بتتكلم من الجدران.بس في إحساس واحد واضح…إن كل حاجة اتغيّرت من غير ما تتحرك.---كانت واقفة في شارع عادي جدًا.إضاءة صفراء من أعمدة قديمة.ناس ماشية.عربيات.صوت مدينة.حياة شكلها طبيعي.بس فيه حاجة مش مظبوطة.كأنها مش داخلة في الصورة… هي مجرد واقفة جنبها.---بصّت حواليها."كريم؟"---مفيش رد.لكن في جيبها…ورقة.---طلعتها ببطء.مكتوب عليها بخط إيدها هي:"لو وصلتي هنا… ما تدوريش عليه. هتلاقيه لما تبطلي تدوري."---سكتت.وبصّت للورقة."أنا اللي كتبت ده؟"---وفجأة…إحساس خفيف على إيدها.دفي.مش مرعب.مألوف.---رفعت عينها.كريم واقف على بعد خطوات.بس المرة دي…مش زي قبل.مش متقطع.مش ظل.حقيقي.هادئ.وبيتنفس زيها بالظبط.---ابتسم."أخيرًا خرجتي من الرسالة."---رهف بصت له بحذر."إحنا خرجنا من إيه بالظبط؟"---كريم هز كتفه."من النسخ اللي كانوا بيكتبونا."---سكت لحظة.وبعدين قال:"دي أول مرة نبقى إحنا اللي بنختار الجملة اللي بعدها."---الصمت وقع

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الرابع عشر

    ساد الصمت داخل المكتب.صمت ثقيل.كأن الزمن توقف للحظة.كانت رهف تحدق في الصورة دون أن ترمش.عيناها مثبتتان على المرأة الواقفة بجوار والدها.نفس شكل العينين.نفس ابتسامة الجانب الواحد.حتى طريقة الوقوف كانت متشابهة بشكل مخيف.شعرت وكأنها تنظر إلى نفسها...لكن بعد عشر سنوات.أو ربما إلى شخص ينتمي لها

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الثالث عشر

    لم تخبر رهف أحدًا.لا نادين.ولا والدتها.ولا حتى نفسها بالحقيقة كاملة.منذ أن قرأت رسالة والدها، وهي تشعر وكأن شيئًا تغير داخلها.ليس العالم من حولها.بل هي.كأنها كانت تعيش طوال السنوات الماضية فوق أرض مستقرة، ثم اكتشفت فجأة أن كل شيء تحت قدميها مجرد طبقة رقيقة تخفي هوة عميقة.كانت الساعة تقترب م

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الثاني عشر

    ظل الظرف بين يدي رهف لعدة دقائق.دقائق كاملة مرت دون أن تتحرك.ودون أن تفتح الرسالة.كانت تحدق فقط في اسمها المكتوب بخط والدها.نفس الخط الذي كانت تراه في دفاتر المدرسة عندما يوقع لها على أوراق الامتحانات.نفس الخط الذي كتب به بطاقات أعياد ميلادها.نفس الخط الذي اختفى من حياتها يوم رحل.شعرت أن أصا

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الحادي عشر

    لم تستطع رهف إخراج اسم والدها من رأسها طوال الليل.حسام الشاذلي.الاسم نفسه الذي كانت تكتبه في الأوراق الرسمية منذ طفولتها.الاسم نفسه الذي نادته آلاف المرات.لكن لأول مرة تشعر أنها لا تعرف صاحبه حقًا.كيف يمكن لإنسان أن يعيش مع شخص سنوات طويلة ثم يكتشف بعد رحيله أنه كان يخفي حياة كاملة؟كانت الساع

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status