تسجيل الدخولالفصل الثالث عشر
"إنتِ بتقولي إنك ما استلمتيش الظرف؟!" خرج صوت سليم مرتفعًا بصورة أربكت الجميع، بينما كانت عيناه مثبتتين على شاشة الحاسوب التي تعرض اللقطة المجمدة من الفيديو، تلك اللقطة التي تظهر يارا بوضوح وهي تمد يدها وتأخذ الظرف الأبيض من الرجل الذي يحمل ملامحه نفسها تقريبًا، أما يارا فكانت تنظر إلى الصورة وكأنها تراها للمرة الأولى في حياتها. قالت بصوت متوتر: "والله ما فاكرة." اقترب كريم من الشاشة أكثر. "الفيديو واضح يا يارا." هزت رأسها بعنف. "أنا مش بكذب." ثم أشارت إلى الصورة. "أنا فعلًا أخدت الظرف... بس مش فاكرة ده حصل إمتى." ساد الصمت. أما سليم فظل يحدق في اللقطة. يشعر بأن رأسه يكاد ينفجر. لأن جزءًا داخله كان يخبره أن أخاه لم يظهر في حياة يارا صدفة. بل كان يراقبها منذ فترة طويلة. فترة أطول مما يتخيل الجميع. وقبل أن يتكلم أحد... توقف الفيديو تلقائيًا. ثم ظهرت ثانية جديدة لم يلاحظها أحد من قبل. ثانية واحدة فقط. لكنها كانت كافية لتجميد الدم في العروق. لأن الظرف الذي أخذهـته يارا كان مكتوبًا عليه بخط واضح: "يفتح فقط إذا فقد سليم ذاكرته." ساد الصمت داخل الغرفة. صمت ثقيل. مرعب. أما يارا فشعرت أن أنفاسها اختفت تمامًا. قبل ذلك بثلاث سنوات... كانت علاقتها بسليم قد مرت بأشهرها الأولى بعد الزواج، وكانت الحياة بينهما مستقرة إلى حد كبير رغم انشغاله الدائم بالعمل، لكنه في تلك الفترة تحديدًا بدأ يتغير بصورة لم تفهمها. كان يعود متأخرًا. شاردًا. متوترًا. كثير الشرود. وكثير المراقبة لها. في إحدى الليالي استيقظت لتجده يقف أمام نافذة غرفتهما. ينظر إلى الشارع. وكأنه ينتظر شيئًا. اقتربت منه يومها. وقالت بنعاس: "سليم؟" التفت بسرعة. وكأنه لم ينتبه لوجودها. "صحيتي ليه؟" ضحكت. "أنا اللي أصحى ليه؟ إنت واقف كده من إمتى؟" أشاح بنظره نحو النافذة. "مفيش." اقتربت أكثر. ثم وضعت رأسها على كتفه. "في حاجة مضايقاك؟" صمت طويلًا. ثم قال: "لو في يوم حسيتِ إني بخبي عنك حاجة..." رفعت رأسها نحوه. "إيه؟" ابتسم وقتها. لكنه كان ابتسامـة حزينة. "اعرفي إني بعمل كده عشان أحميكي." لم تفهم قصده يومها. ولم تضغط عليه. أما الآن... فكانت تتمنى لو فعلت. عادت إلى الحاضر على صوت كريم. "إحنا لازم نعرف الظرف ده راح فين." نظر إليه سليم. "وده اللي هنعمله." ثم التفت إلى يارا. "حاولي تفتكري أي حاجة." أغلقت عينيها. وأخذت نفسًا طويلًا. ثم بدأت تحاول استرجاع تلك الفترة. الفيديو. الظرف. الرجل. أي شيء. أي تفصيل. لكن الذكريات كانت ضبابية. متكسرة. حتى لمعت صورة صغيرة فجأة داخل عقلها. صورة لمقهى. طاولة خشبية. وشخص يجلس أمامها. فتحت عينيها فجأة. "فاكرة!" قفز الجميع من أماكنهم. "إيه؟" قالتها ريم بسرعة. تنفست يارا باضطراب. "المقابلة." اقترب سليم منها. "مقابلة إيه؟" "أنا قابلته فعلًا." ساد الصمت. أما هي فأكملت: "كان قبل الحادث بفترة." "فين؟" "في كافيه قريب من شركتي." انعقد حاجبا كريم. "وإنتِ روحتي ليه أصلًا؟" أجابت وهي تحاول التذكر: "بعتلي رسالة." "مين؟" "كنت فاكرة إنها منك." نظر الجميع إلى سليم. أما هو فشحب وجهه. "يعني أخويا انتحل شخصيتي." هزت رأسها ببطء. "تقريبًا." ثم أضافت: "أنا افتكرته إنت." ازدادت ملامح سليم توترًا. لأنه فجأة شعر بشيء يشبه الغيرة. شعور سخيف في هذا التوقيت. لكنه كان حقيقيًا. حاول تجاهله. لكنه فشل. فسألها مباشرة: "قعد معاكي قد إيه؟" نظرت إليه باستغراب. "إيه؟" "قعد معاكي قد إيه؟" ضحك كريم فجأة. "يا سلام." رمقه سليم بنظرة حادة. أما يارا ففهمت السبب فورًا. ولأول مرة منذ فترة طويلة ظهر شبح ابتسامة صغيرة على شفتيها. "غيران؟" اختنق كريم من الضحك. بينما قال سليم بجدية: "جاوبي." ضحكت رغم التوتر. "حوالي عشر دقايق." "وقالك إيه؟" "مش فاكرة كله." ثم سكتت. وأكملت: "بس فاكرة إنه كان عارف عني حاجات كتير." اختفت الابتسامة من وجه سليم. وعاد القلق مجددًا. بعد ساعتين تقريبًا كانوا يجلسون في غرفة المعيشة يحاولون إعادة ترتيب الأحداث، بينما بدأ كريم بفحص كل الملفات الموجودة داخل الشريحة الإلكترونية، وأثناء البحث اكتشف ملفًا صوتيًا مخفيًا لم يفتح من قبل. نظر إليهم. ثم ضغط تشغيل. خرج تشويش لعدة ثوانٍ. ثم ظهر صوت رجل. صوت مألوف. صوت أخ سليم. ساد الصمت فورًا. وجاء صوته واضحًا: "لو وصلتوا للتسجيل ده... يبقى كل حاجة خرجت عن السيطرة." تسارعت نبضات الجميع. وأكمل الصوت: "أنا مش عدوكم." ضحك كريم بسخرية. "طبعًا." لكن التسجيل استمر. "وسليم هيعرف ده بنفسه قريب." نظر سليم إلى السماعة وكأنه يريد الدخول إلى التسجيل نفسه. ثم تابع الصوت: "الحادث مكانش المقصود بيه يارا." اتسعت عينا يارا. وأكمل الرجل: "ولا حتى سليم." تبادل الجميع النظرات. أما الصدمة الحقيقية فجاءت مع الجملة التالية. "الشخص اللي كان المفروض يموت يومها... كان أنا." ساد الصمت. ثم توقف التسجيل فجأة. وكأن أحدًا قطعه عمدًا. مرت دقائق طويلة دون أن يتكلم أحد. وأخيرًا قال كريم: "أنا مش فاهم حاجة." أما سليم فكان أكثرهم شرودًا. لأن كل ذكرى جديدة كانت تعيد تشكيل الماضي بالكامل. ثم قال فجأة: "هو بيهرب." نظروا إليه. "مين؟" "أخويا." انعقد حاجبا ريم. "من مين؟" سكت لحظة. ثم قال: "من نفس الشخص اللي بيطاردنا." ساد الصمت. لأن الفكرة كانت منطقية. ومرعبة في الوقت نفسه. حل المساء سريعًا، ومعه ازداد شعور الخطر الذي يحيط بهم، لذلك قرروا الانتقال إلى مكان آخر أكثر أمانًا، وبينما كان الجميع يستعد للمغادرة، دخلت يارا إحدى الغرف لجمع أغراضها. لكنها لم تنتبه إلى وجود سليم خلفها. حتى أغلق الباب. التفتت إليه. "في حاجة؟" نظر إليها طويلًا. ثم قال: "عايز أسألك سؤال." "اسأل." اقترب خطوة. "لو رجعت ذاكرتي كلها." شعرت نبضاتها تتسارع. وأكمل: "وطلعت نفس الشخص اللي كنتِ متجوزاه." سكت لحظة. "هتسامحيني على الفترة دي؟" تأثرت كلماته أكثر مما توقعت. وقالت بهدوء: "أنا عمري ما زعلت منك." ابتسم ابتسامة صغيرة. ثم همس: "كذابة." ضحكت بخفة. "شوية." لأول مرة اقترب منها بهذا الشكل منذ الحادث. حتى أصبحت المسافة بينهما قصيرة جدًا. وشعرت هي بارتباك واضح. أما هو فكان ينظر إليها بطريقة جعلتها تنسى كل شيء للحظة. كل الملفات. وكل المطاردات. وكل الأسرار. لكن اللحظة لم تكتمل. لأن هاتف كريم رن فجأة في الخارج. ثم تبعه صوته المصدوم: "سليم!" اندفع الاثنان إلى غرفة الجلوس. فوجدوا كريم واقفًا أمام شاشة الحاسوب. وجهه شاحب. وعيناه متسعتان. قال سليم بسرعة: "في إيه؟" أشار كريم إلى الشاشة. "وصلنا تسجيل جديد." اقترب الجميع. وكان التسجيل من كاميرا مراقبة حديثة. حديثة جدًا. التاريخ... قبل ساعتين فقط. ضغط كريم تشغيل. فظهر رجل يسير داخل أحد المستودعات المهجورة. الرجل نفسه. أخ سليم. لكن الصدمة لم تكن فيه. بل في الشخص الذي كان يقف بجواره. شخص يعرفونه جميعًا. شخص كان معهم طوال الوقت. شخص لم يشكوا فيه لحظة واحدة. تجمدت ملامح ريم. وشحب وجه سليم. أما يارا فشعرت أن الأرض اختفت من تحت قدميها. لأن الشخص الذي ظهر واقفًا بجوار أخ سليم... كان كريم. نهاية الفصل الثالث عشرالفصل الحادي والأربعون"ليلى."ساد الصمت لثوانٍ، حتى خُيّل للجميع أن الضابط قد أخطأ في الاسم، أو أنهم أساؤوا السمع من شدة التوتر، لكن ملامحه الجادة لم تترك مجالًا لأي تفسير آخر.كانت يارا أول من تكلم.خرج صوتها ضعيفًا، يكاد يكون همسًا:"إنت... قولت مين؟"نظر إليها الضابط، ثم أعاد الكلمة بوضوح:"ليلى."شعرت يارا بأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها، ولولا أن سليم كان يقف بجوارها وأسندها بسرعة، لسقطت على الأرض.قالت وهي تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالدموع:"هي... عايشة؟"تنهد الضابط ببطء."اللي كلمني قال إن فيه بنت طلبت تقابلنا، وقالت إن اسمها ليلى."شهقت يارا وهي تمسك بذراع سليم بقوة."خدني لها... حالًا."قال الضابط:"اهدَي الأول، إحنا لسه منعرفش إذا كانت هي فعلًا ولا حد بينصب لنا فخ."لكن يارا لم تعد تسمع شيئًا.بعد سنوات من البحث...بعد الرسائل...والصور...والأسرار...أصبح الاسم الذي كانت تحلم بسماعه حقيقة.اقترب منها سليم وأمسك كفيها بين يديه."بصيلي."رفعت عينيها إليه.قال بهدوء:"هنروح سوا."أومأت وهي تحاول السيطرة على دموعها."بس أوعدني...""بإيه؟""لو طلع فخ... مش هتجازفي بنفسك.
الفصل الأربعون"اقتربتم أكثر مما ينبغي."لم تستوعب يارا الكلمات في البداية، وكأن عقلها رفض تصديقها، لكنها ما إن رأت ملامح الضابط الجامدة حتى شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها.قالت بصوت مرتجف:"بابا... اختفى؟"أومأ الضابط ببطء."الجيران سمعوا صوت تكسير قبل حوالي نص ساعة، ولما الشرطة وصلت كان البيت فاضي."هتفت وهي تتراجع خطوة:"لا... مستحيل."أمسك سليم بذراعها قبل أن تفقد توازنها."يارا... بصيلي."رفعت عينيها إليه، وكانت الدموع قد بدأت تتجمع فيهما.قال بهدوء:"هنروح حالًا.""لو حصله حاجة..."قاطعها بحزم:"مش هيحصله حاجة."ورغم أنه لم يكن يملك دليلًا يؤكد ذلك، إلا أن ثقته منحتها قدرًا بسيطًا من القوة.---وصلوا إلى المنزل بعد أقل من عشرين دقيقة.كان الشريط الأصفر يحيط بالمكان، وعدد من رجال الشرطة ينتشرون في الحديقة.دخلت يارا مسرعة.توقفت في منتصف الصالة.الأثاث مقلوب.إطار صورة مكسور على الأرض.والمكتبة الخشبية التي كان والدها يعتز بها قد أُفرغت محتوياتها بالكامل.همست:"بابا..."بدأت تتجول بين الغرف بجنون."بابا!"لكن لم يجبها أحد.دخلت غرفته.كان السرير مرتبًا.وساعته التي لا يخلعها أبد
ظل الضابط يحدق في شاشة الهاتف لثوانٍ، بينما خيم صمت ثقيل على أرجاء المخزن، وكأن الجميع توقف عن التنفس في انتظار أن ينطق أحدهم بكلمة تنفي ما رأوه للتو.كانت الرسالة قصيرة...لكنها كانت كافية لتقلب كل شيء."تأخرتم... لقد وصلت إلى ليلى قبلكم."انتزعت يارا الهاتف من يد الضابط دون أن تشعر.قرأت الرسالة مرة ثانية...ثم ثالثة...وأخيرًا رفعت رأسها وهي تتمتم:"يعني... ليلى عايشة."قال الضابط بحزم:"ما نستنتجش حاجة بسرعة."التفتت إليه بعينين دامعتين."لو كانت..." ابتلعت غصتها، "لو كانت ماتت... مكنش كتب كده."لم يجد الضابط ردًا.لأن الاحتمال الذي تحاول التمسك به كان منطقيًا.اقترب سليم منها بهدوء، وأخذ الهاتف من يدها قبل أن تضغط على أي شيء قد يمحو دليلًا مهمًا.قال بصوت منخفض:"هنلاقيها."نظرت إليه.لم يكن يعدها وعدًا فارغًا.بل كان يتحدث بثقة جعلت قلبها يهدأ قليلًا.تنهدت وهي تخفض رأسها.فربت برفق على كتفها.ولأول مرة منذ ساعات...لم تبتعد.---بدأ رجال الشرطة بتفتيش المخزن مرة أخرى، لكن هذه المرة بدقة أكبر.اقترب أحدهم من الضابط."يا فندم.""ها؟""في آثار تراب جديدة عند الباب الخلفي."تحرك ال
"قبل الحادث... أنا كنت رايح المخزن ده... عشان أقابل كامل عزام."لم يكن وقع الجملة أقل من صدمة أصابت الجميع بالشلل للحظات، حتى إن يارا نسيت أن تتنفس وهي تحدق في وجه سليم الذي بدا شاحبًا على غير عادته، بينما كانت عيناه مثبتتين على المفتاح القديم وكأنه يحمل بين طياته جزءًا ضائعًا من ذاكرته.قطع الضابط الصمت أولًا وهو يسأله بلهجة جادة:"إنت متأكد من اللي بتقوله؟"أغمض سليم عينيه لثوانٍ، ثم قال بصوت هادئ لكنه واثق:"مش فاكر كل التفاصيل... لكن متأكد إن المخزن ده كان آخر مكان كنت رايح له قبل الحادث، وكامل عزام هو اللي طلب يقابلني."تبادل الجميع النظرات.قال يوسف:"يبقى مفيش وقت نضيعه."التفت الضابط إلى رجاله."جهزوا العربيات... هنطلع حالًا."---بعد أقل من أربعين دقيقة كانت السيارات تقف أمام مبنى صناعي قديم يقع في أطراف المدينة، وقد بدت المنطقة مهجورة تمامًا، فلا أصوات سوى صفير الرياح وهي تصطدم بالأبواب الحديدية الصدئة، ولا ضوء إلا أعمدة الإنارة المتباعدة التي بالكاد تكشف معالم المكان.ترجل الجميع من السيارات.ورفعت يارا رأسها تتأمل المبنى الذي بدا كأنه لم يدخله أحد منذ سنوات.قالت بصوت منخف
"ده... كان شغال عند والدي."ساد الصمت داخل مكتب الضابط، ولم يجرؤ أحد على مقاطعة سليم، بينما بقي هو يحدق في الصورة القديمة وكأنها أيقظت جزءًا آخر من ذاكرته، وقد شحب وجهه بصورة أثارت قلق الجميع، حتى يارا اقتربت منه بخطوات مترددة وهي تراقب ملامحه التي تغيرت فجأة.قالت بصوت منخفض:"إنت متأكد؟"أخذ نفسًا عميقًا، ثم أومأ ببطء."أيوة... مش فاكر اسمه، لكن وشه مستحيل أنساه."أخذ الضابط الصورة من يده سريعًا."كان بيشتغل إيه عند والدك؟"أغمض سليم عينيه محاولًا استرجاع المزيد.مرت ثوانٍ طويلة قبل أن يجيب:"مش مجرد موظف."نظر الجميع إليه.فأكمل:"كان أقرب واحد لوالدي... وكان مسؤول عن أغلب شغله."سأل يوسف بقلق:"يعني مدير أعماله؟"هز سليم رأسه."تقريبًا."ثم وضع يده فوق جبينه عندما شعر بوخزة مؤلمة داخل رأسه.اقتربت يارا منه فورًا."كفاية... متضغطش على نفسك."رفع عينيه إليها.ولم يكن يرى سوى خوفها عليه.ابتسم ابتسامة خفيفة رغم الألم.وقال:"أنا كويس."لكنها لم تقتنع.وضعت يدها على ذراعه وقالت بنبرة حازمة:"مش لازم تفتكر كل حاجة النهارده."نظر إليها الضابط ثم قال:"هي معاها حق."جلس سليم ببطء، بينما
"ريم."ظل الاسم أمام أعينهم لعدة ثوانٍ دون أن ينطق أحد بحرف واحد، بينما كانت يارا تمسك بالورقة ويداها ترتجفان، ثم رفعت رأسها ببطء نحو سليم، فوجدته يحدق في التوقيع بنفس الصدمة، وكأنه يحاول الربط بين الفتاة التي ظهرت في المستشفى قبل ساعات وبين الرسالة التي وصلت إلى المنزل في منتصف الليل.قال يوسف بعدما أخذ الورقة منها:"دي أكيد مش صدفة."أجابه سليم وهو يمد يده ليأخذ الرسالة مرة أخرى:"ولا أنا مصدق إنها صدفة."ثم قلب الورقة بين أصابعه أكثر من مرة، وقال:"الورقة جديدة... والحبر لسه واضح... يعني الرسالة اتكتبت من وقت قريب."اقترب الضابط منها بعدما استدعاه يوسف هاتفيًا، وألقى نظرة سريعة عليها، ثم قال:"يبقى اللي كتبها كان واقف هنا من وقت قليل."نظرت يارا إلى الحديقة الممتدة أمام المنزل، وكان الظلام لا يزال يسيطر عليها، بينما تتحرك الأشجار مع الهواء الخفيف، فشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.همست:"يعني كان بيراقبنا."نظر إليها سليم فورًا، ثم قال بحزم:"ومن النهارده محدش هيخرج لوحده."اعترضت بسرعة:"أنا مش طفلة."ابتسم ابتسامة صغيرة رغم التوتر."وأنا ما قلتش إنك طفلة.""أمال؟"اقترب منها قليلًا.
"مين الراجل ده؟!"خرج صوت يارا مرتجفًا وهي تنظر إلى الرجل الواقف بجوار السيارة السوداء أسفل المبنى، بينما كان سليم يحدق فيه بعينين ضيقتين محاولًا تذكر أي شيء عنه، أما كريم وريم فقد تجمدا في مكانهما.ولم يدم الصمت طويلًا.لأن الرجل رفع هاتفه ببطء.ثم وضعه على أذنه.وفي اللحظة نفسها...رن هاتف سليم.
"إنت؟!"خرجت الكلمة من فم سليم بصدمة حقيقية وهو ينظر إلى شاشة الحاسوب، ثم رفع عينيه ببطء نحو كريم الذي تجمد مكانه تمامًا، وكأن الدم انسحب من وجهه دفعة واحدة.أما يارا فلم تستطع استيعاب ما تراه.الصورة واضحة.لا يوجد تشويش.ولا خطأ في التوقيت.كريم كان يقف بالفعل بجوار شقيق سليم.وفي مكان واحد.وقبل
"إنت بتقول إن بابا كان خايف عليّا من إيه؟!"خرج صوت يارا مرتفعًا ومختنقًا في الوقت نفسه، بينما كانت عيناها مثبتتين على يوسف وكأنها تنتظر منه أن يتراجع عن كلماته ويخبرها أنه أخطأ، لكن ملامحه الجادة لم تتغير.ساد صمت ثقيل داخل الغرفة.أما سليم فكان ينظر بينهما دون أن يقطع كلامهما.قال يوسف بهدوء:"أن
"إيه علاقة بابا بالموضوع؟!"خرج صوت يارا مرتفعًا وممتلئًا بالصدمة وهي تنظر إلى الهاتف في يد سليم وكأنها تنتظر أن يعود يوسف للرد، لكن الخط انقطع بالفعل، ولم يبقَ في الغرفة سوى الصمت الثقيل ونظرات متبادلة يسيطر عليها التوتر وعدم الفهم.أما سليم فكان لا يزال ينظر إلى شاشة الهاتف.والألم داخل رأسه يعود







