LOGIN86استمر السباق بينهما عدة مرات، وفي كل مرة كانت ليان تصل أولًا، فتقفز في مكانها بسعادة وهي ترفع ذراعيها عاليا: ــ فزت! قلت لك إنني سأفوز!هز يزن رأسه باستسلام، ثم قال وهو يضحك:ــ لا... لا يمكن. لا بد أنكِ تملكين قوة سحرية.ضحكت الصغيرة، ثم أمسكت بيده تشده نحو الأرجوحة: ــ عمو... ادفعني.جلس يزن خلفها، وأخذ يدفع الأرجوحة برفق، بينما كانت ضحكاتها الصافية تمتزج بصوت الهواء الذي يداعب الأشجار. و في تلك الأثناء، وقفت ستيلا بجوار ملاك، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة: ــ منذ سنوات... لم أسمع ضحكة طفل داخل هذا المنزل.نظرت ملاك إلى ابنتها بحنان، ثم قالت بصوت خافت:ــ إنها لا تضحك هكذا سوي في الأماكن التي تشعر فيها بالأمان.التفتت ستيلا إليها، ثم وضعت يدها فوق يدها برفق: ــ وستظل آمنة... ما دمتُ انا على قيد الحياة.ارتجفت شفتا ملاك قليلا، لكنها اكتفت بابتسامة امتنان. ومازال ليث يقف بعيدا، يراقب المشهد في صمت. حتب اقترب منه يزن وهو يمسح العرق عن جبينه، ثم قال ضاحكا:ــ هزمتني خمس مرات متتالية... هذه الطفله رائعه انا احببتها.. سأفكر ان انجب فتاه مثلها ابتسم ليث وهو يردد: ــ حقا..
85في المساء وقف آدم أمام الواجهة الزجاجية لمكتبه، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الغضب، بينما كان يضغط على شاشة هاتفه للمرة التي لم يعد يحصيها. رفعه إلى أذنه، وانتظر لثوانٍ... لكن الرد جاء كما في كل مرة. "الهاتف مغلق.".... أطبق فكيه بقوة، ثم أعاد الاتصال. مرة أخرى...ومرة أخرى...وفي كل مرة، لم يكن يسمع سوى الرسالة نفسها. اشتدت أنفاسه، وبدأت عروقه تنبض في عنقه بغضب واضح، قبل أن يصرخ فجأة:ــ اللعنة.. اللعنه عليكم جميعا القي الهاتف بكل ما أوتي من قوة، فاصطدم بالحائط، ثم سقط أرضا وتناثرت أجزاؤه في أنحاء المكتب. وفي اللحظة نفسها، طرق أحدهم الباب.... دخل المساعد بخطواتٍ هادئة، لكنه توقف فور أن رأى الهاتف المحطم، قال بحذر:ــ سيدي... وصلتني آخر الأخبار... ملاك أصبحت مع الدون طوال الوقت... ولا تخرج إلا برفقته أو مع رجاله. أما الطفلة، فقد نُقلت للإقامة داخل قصر كاستيللو بصورةٍ دائمة... وهناك أمر آخر... سارة بدأت العمل لدى داميان.وفجأة...ضرب آدم سطح المكتب بقبضته بعنف حتى اهتز كل ما فوقه: ــ اللعنة... كل خططي فشلت بسببه!دار حول المكتب بخطواتٍ سريعة، وهو يمرر يده بين خصلات شعره بعصبية.: ــ
84توقفت السيارات أمام مجمع تعليمي ضخم، امتدت مبانيه الحديثة على مساحةٍ شاسعة، تتوسطها حدائق خضراء واسعة، وأماكن مخصصة لألعاب الأطفال، بينما انتشرت الرسومات الملونة على الجدران، لتضفي على المكان روحًا مليئة بالحياة والبهجة. وما إن توقفت السيارة تماما، حتى فتحت ليان الباب ونزلت مسرعة، تركض بين الممرات الصغيرة وهي تضحك بسعادة غامرة: ــ أمي... انظري! أرجوحة!ثم ركضت نحو الناحية الأخرى وهي تشير بحماس:ــ وهناك ألعاب كثيرة... انظري... وانظري!وقفت ملاك تراقب ابنتها بابتسامة امتزجت بالحنين، بينما كانت عيناها تجولان في أنحاء المجمع. كان المكان فخما بصورةٍ لم تتوقعها... مبانٍ حديثة، وحدائق منظمة، وألعاب لا تُعد، وشاشات تعليمية، وملاعب واسعة للأطفال...ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تتمتم: "لا بد أن رسوم هذا المكان خيالية..."اقتربت منهم إحدى المشرفات بابتسامةٍ ودودة: ــ أهلا بكم... هل ترغبون في تسجيل الطفلة؟أومأت ملاك برأسها، ثم سألت بتردد:ــ عذرا... كم تبلغ رسوم الدراسة هنا؟فتحت المشرفة فمها لتجيب، لكنها لمحت ليث يقف غير بعيد، فنظر إليها نظرة حادة حملت تحذيرا صامتا... ففهمت مقصده على الفور، ثم
83ساد الصمت أرجاء المكتب، ولم يكن يُسمع سوى صوت أنفاس ملاك المنتظمة وهي لا تزال غارقة في إغمائها فوق الأريكة... وقف ليث غير بعيد عنها، يحدق في وجهها الشاحب بصمتٍ طويل. كانت آثار الدموع لا تزال عالقة على وجنتيها، حتى وهي فاقدة للوعي، وكأنها لم تتوقف عن البكاء إلا بعدما أنهكها الألم... شدَّ على فكيه بقوة، ثم أشاح ببصره عنها، محاولا أن يخفي القلق الذي أخذ يتسلل إلى قلبه... أما يزن، فكان يقف أمام شاشات كاميرات المراقبة، يعيد تسجيلات الكاميرات مرة تلو الأخرى، بينما وقف ريان إلى جواره وفجأة... ضرب يزن المكتب بقبضته بقوة، وصاح بغضب:ــ ما الذي يحدث مع رجالك يا ريان؟! منذ متى أصبح هذا الإهمال مقبولا؟! تُختطف طفلة من أمام الشركة، ولا يرى أحد شيئا؟!ظل ريان صامتا، دون أن يرفع رأسه. فاقترب منه يزن، وقال بحدة:ــ إن كنت قد أصبحت عاجزا عن إدارة رجالك، فأخبرنا بذلك منذ الآن.خفض ريان بصره إلى الأرض، وقال بصوت منخفض:ــ نحن نبحث عنها في كل مكان... وسنعثر عليها، مهما كلف الأمر.وقبل أن يرد يزن... شهقت ملاك فجأة، وفتحت عينيها بفزع، ثم اعتدلت جالسة وهي تنظر حولها بذعر: ــ ليان...!نهضت مسرعة وهي تبكي
82اخرج علبة هدايا صغيرة، وظلت تحدق بها لحظات، وكأنها تجمع شجاعتها... تقدمت نحو مكتبه بخطوات مترددة. أما ليث، فقد ظل يراقبها في صمت، وقد عقد حاجبيه باستغراب، وهو يتابع ارتجاف أصابعها وهي تضع العلبة أمامه فوق المكتب. لم تستطع النظر إليه، وظلت عيناها معلقتين بالعلبة وهي تقول بصوت خافت يكاد لا يُسمع:ــ هذه... هدية عيد ميلادك.ساد الصمت. ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم أضافت وهي لا تزال تتجنب النظر إلى عينيه:ــ واعتبرها... شكرا لأنك تلقيت الضربة بدلا من ابنتي بالأمس... كل عام... وأنت بخير.تجمد ليث في مكانه. لم يتحرك... ولم يمد يده نحو الهدية. ظل ينظر إليها بذهول، وكأن كلماتها سلبته القدرة على التفكير."لقد تذكرت.. بعد كل تلك السنوات... وبعد كل ما حدث بينهما... ما زالت تتذكر يوم ميلاده.... ارتفع وهبط صدره ببطء، بينما أخذت عيناه تتنقلان بينها وبين علبة الهدية. أما ملاك، فلم تنتظر سماع أي رد. استدارت بسرعة، وغادرت المكتب، وأغلقت الباب خلفها بهدوء. وبقي ليث وحده.ظل يحدق في الباب الذي خرجت منه طويلا، ثم أعاد بصره إلى العلبة الصغيرة... مد يده إليها ببطء شديد، لكنه تردد قبل أن يلمسها، وأخيرًا...الت
81وفي صباح يوم جديد كانت ريم تجلس خلف مكتبها في الشركة، غارقة وسط أكوامٍ من الأوراق والملفات التي تراجعها بتركيز، بينما بدت علامات الإرهاق واضحة على وجهها. فجأة، انفتح الباب بهدوء، ودلف يزن بخطواته الواثقة الصامتة، مرتديًا بدلته الرسمية بكامل أناقته. لم يمنحها فرصة للانتباه، بل تقدم نحوها مباشرة من الخلف، ولف ذراعيه القويتين حول خصرها، محتضنا إياها بقوة، ثم انحنى وطبع قبلة دافئة ورقيقة على عنقها من الخلف.... انتفض جسد ريم بتوتر شديد، وامتدت يداها تحاولان إبعاد ذراعيه برفق، وهي تلتفت برأسها يمينا ويسارا بخوف، وقالت بصوت خافت مرتجف:ــ سيدي... أرجوك ابتعد، قد يدخل أحد الموظفين فجأة ويرانا بهذا الوضع لم يعر يزن كلماتها اهتماما، بل شدد ذراعيه حول خصرها، وجذبها إليه أكثر حتى التصق ظهرها بصدره، وقال بنبرة رجولية منخفضة، امتزجت بالعتاب:ــ لماذا تبتعدين عني هكذا؟ لقد انشغلت عنكِ خلال الفترة الماضية بسبب مشاكل العمل ... أخبريني، ألم أشتقتي إلي؟ ابتلعت ريم غصتها، وأطرقت برأسها نحو الأرض، وقد اختلط توترها بمشاعرها المعقدة تجاهه، ثم همست بصوت متهدج:ــ بل... اشتقت إليك كثيرا ما إن نطقت بتلك