LOGIN144تجمد الدم في عروقي. رفعتُ رأسي ببطء نحو مصدر الطلقة... ثم انعقدت أنفاسي. كان يزن يقف أمام إحدى السيارتين السوداوين، قابضا على مسدسه بيده اليمنى، بينما وقف خلفه ريان وثلاثة من الحراس المدججين بالسلاح. لكن... لم يكن السلاح هو ما بث الرعب في قلبي.بل وجه يزن. تسمرت عيناي عليه. أين تلك الابتسامة الساخرة التي كانت لا تفارق شفتيه؟ أين تعليقاته المستفزة وضحكاته التي كانت تسبق أي حديث... اختفت...اختفت تماما... كانت ملامحه جامدة بصورة مرعبة، وعيناه غارقتين في سوادٍ لم أره فيهما قط. شعرتُ بقشعريرة باردة تزحف على طول ظهري. حتى يزن... تغير. إذن لم يكن ليث وحده من تبدل. بل إن هذا العالم ابتلعهم جميعا... بدأ يزن يقترب بخطوات هادئة، حتى خُيّل إليّ أن صوت حذائه فوق الرمال أعلى من نبضات قلبي.رفع المسدس ببطء، وأخذ يديره بين أصابعه أمام وجهه، ثم مرر فوهته على جانب خده في حركةٍ بطيئة، وكأنه يحاول أن يسيطر على غضبٍ يكاد يمزقه. لم ينطق. ظل ينظر إلينا فقط. ثم... هبطت عيناه إلى يد آدم... التي كانت لا تزال تقبض على يدي، وتخفيني خلف ظهره. ساد صمتٌ ثقيل. رفع بصره إليَّ من جديد، وقال بصوتٍ منخفض، لكنه كان أ
143توقفت سيارة الأجرة على جانب طريقٍ صحراوي مهجور، بعيدا عن صخب المدينة. لم يكن في المكان سوى أرضٍ قاحلة تمتد بلا نهاية، تتخللها بعض الصخور اليابسة وأعمدة إنارة متباعدة تلقي ضوءا باهتا على الطريق الخالي. كان السكون مخيفا... حتى إن صوت الريح وهي تجر ذرات الرمال فوق الإسفلت كان أوضح من أي صوتٍ آخر. شعرت بانقباضٍ غريب في صدري. لماذا اختار آدم هذا المكان تحديدا.. رفعتُ بصري أتأمل المكان من حولي. لا سيارات... لا منازل... لا بشر. لو حدث لي شيء هنا... فلن يسمع أحد صراخي... ابتلعتُ ريقي بصعوبة، ثم نزلت من سيارة الأجرة بعد أن دفعت للسائق أجرته. ما إن ابتعدت السيارة حتى شعرتُ بأن الصمت ازداد ثقلاً. رفعتُ رأسي... فوجدته. كان يقف بجوار سيارته، ينظر إلى الطريق منذ وقت طويل، وكأنه كان يعد الثواني انتظارًا لوصولي. وما إن وقعت عيناه عليَّ... حتى اندفع نحوي راكضا... توقف أمامي وهو يلهث، ثم أخذ يتفحص وجهي بعينيه، كأنه يتأكد أنني ما زلت على قيد الحياة. قال بصوتٍ امتلأ بالندم:ــ هل أنتِ بخير؟... أنا آسف. كل ما حدث كان بسببي. لو لم أتصل بكِ يومها... ولو لم أطلب مقابلتك...هززتُ رأسي بسرعة. لم أستطع أن أ
142فتحتُ عينيّ بصعوبة، وشعرتُ وكأن رأسي يزن أطنانا بقيت أحدق في سقف الغرفة لثوانٍ طويلة، عاجزة عن استيعاب أين أنا، حتى بدأت ملامح المكان تتضح أمامي شيئًا فشيئًا... هذه... غرفتي.غرفتي في مجمع تاج الفيروز... أطلقتُ زفرة متعبة، ثم حاولتُ الاعتدال في جلستي، لكن الألم الذي اجتاح جسدي أجبرني على التوقف. أغمضتُ عينيّ بقوة، وانتظرتُ حتى هدأت موجة الدوار قليلًا... ماذا حدث لي...همستُ بها لنفسي، بينما كنت أحاول الوقوف. وضعت قدمي على الأرض، لكن ساقي لم تقويا على حملي. اختل توازني، فاندفعت أتشبث بالطاولة المجاورة، إلا أن يدي اصطدمت بالمزهرية الموضوعة فوقها، فسقطت على الأرض وتحطمت، ناشرة شظاياها في أنحاء الغرفة. لم تمضِ سوى لحظات حتى فتح الباب على مصراعيه. دخلت أمينة مسرعة، وما إن رأتني حتى شهقت بفزع: ــ الحمد لله... الحمد لله أنكِ استيقظتِ يا ابنتي!أسرعت نحوي، وأمسكت بذراعي قبل أن أسقط، ثم ساعدتني على الجلوس فوق السرير. كانت تنظر إليَّ بعينين يملؤهما القلق، بينما سألتها بصوت خافت خرج بالكاد من بين شفتي:ــ ماذا... ماذا حدث لي؟تنهدت أمينة بحزن، وقالت:ــ كنتِ فاقدة الوعي منذ أول أمس. الطبيب ج
141أخذ ليث أول لقمة في هدوء. ظل يمضغها ببطء، دون أن تظهر على وجهه أي ملامح. لم أستطع أن أقرأ تعبيرا واحدا. مرت ثوانٍ بدت لي كأنها عمر كامل. ثم أخذ لقمةً ثانية. شعرت بشيء من الأمل يتسلل إلى قلبي. لو كان سيئا... لما أكمل. أليس كذلك.. ابتلعت ريقي، وانتظرت كلمته.وضع الشوكة فوق الطبق، ثم رفع عينيه إلي قال بهدوء:ــ أشعر... أن هناك شيئا ناقصا.توقف لثانية، ثم أردف:ــ أو ربما... هناك خطأ ما.انطفأ ذلك الأمل في لحظة. اتسعت عيناي، وبدأت الدموع تتجمع فيهما دون إرادة. لقد بذلت كل ما أملك... ركضت تحت الثلج...نزفت...استحممت مرتين...ثم وقفت ساعات أعد هذا الطبق... ولم يكن كافيا أيضا. حاولت أن أعض على شفتي حتى لا أبكي. لكن شهقة خافتة أفلتت مني. رفع رأسه فجأة. ثم ضرب الشوكة على الطاولة بصوتٍ حاد: ــ من سمح لكِ بالبكاء؟انتفض جسدي من نبرته الحاده فرمقني بنظرة باردة، وقال بحدة:ــ حتى البكاء... لا يكون دون إذني. امسحي دموعك.رفعت يدي المرتجفة، ومسحت وجهي بسرعة، لكن الدموع لم تتوقف. خرج صوتي متقطعا: ــ لماذا... تفعل بي هذا؟ابتلعـت شهقة أخرى، ثم أكملت بصعوبة:ــ أعلم أنني أخطأت في حقك كثيرا... لكن ه
140وقفت أمام باب المطبخ لثوانٍ، ثم أغلقت عيني. كنت أشعر أن ساقيّ لم تعودا تحملانني، وأن كل عضلة في جسدي تصرخ من شدة الإرهاق. وضعت كفي على الرخام البارد، وأطلقت زفرة طويلة. على الأقل...كنت مطمئنة على ليان. كانت سارة قد أخبرتني قبل عودتي إلى الشقة أنها مع ليان في القصر، ولن تتركني أقلق عليها هذه الليلة. قالت إن الصغيرة غفت بين ذراعيها، وإنها ستبقى بجوارها حتى تستيقظ. لولا ذلك... لكنت ركضت إليها الآن، مهما كان الثمن. ابتسمت ابتسامة باهتة سرعان ما اختفت.. اشتقت إليها...اشتقت إلى حضنها الصغير، وإلى صوتها وهي تناديني لكنني لم أكن أملك رفاهية التفكير. ليث ينتظر عشاءه. وأنا... كنت أعلم جيدا أنه لا يقبل التأخير للمرة الثانية. تنفست بعمق، ثم التفت إلى المطبخ. كان هادئا لا يُسمع فيه سوى صوت الثلاجة الكهربائية. فتحتها ببطء، وأخذت أبحث بين محتوياتها حتى وقعت يدي على قطعة سميكة من ساق العجل وضعتها فوق الطاولة، وأنا أتمتم:ــ حسنا.. لنبدأ.أحضرت لوح التقطيع، ثم أمسكت السكين. كانت يدي ما تزال ترتجف من شدة التعب، حتى إنني اضطررت إلى التوقف للحظة قبل أن أبدأ."تماسكي يا ملاك... لم يعد ينقصك سوى أن
139ظل ليث يحدق بي دون أن ينطق. لم تكن نظرة عابرة... بل كانت بطيئة، ثقيلة، تتحرك فوقي من رأسي حتى قدميّ الحافيتين، وكأنه يحصي كل أثرٍ تركه الطريق على جسدي. شعرت بالاختناق. لا أعرف لماذا... لكن نظراته وحدها كانت كافية لتجعلني أرغب في الاختفاء. لم يكن بحاجة إلى أن يتكلم أو يهددني، فوجوده وحده كان يفرض هيبته على المكان بأكمله. رفع يده أخيرا، وأشار إليّ بإصبعه: ــ اقتربي.ترددت. لم تكن المسافة بيننا تتجاوز بضع خطوات، لكنها بدت لي أطول من الطريق الذي ركضته قبل قليل. أخذت خطوة... ثم أخرى... حتى وقفت أمامه. رفع ذقني بعينيه، ثم عاد ينظر إلى وجهي وشعري المبتل، قبل أن يهبط ببصره إلى ملابسي... لم أكن أحتاج إلى مرآة لأدرك كيف أبدو... كنت أشبه بشخص خرج لتوه من كارثة... الوحل يغطي ملابسي... الدم الجاف يلطخ جبيني... شعري مبعثر... وقدماي الحافيتان ترتجفان من البرد حتى فقدت الإحساس بهما. قال أخيرا، بصوتٍ هادئ جعل معدتي تنقبض:ــ أنتِ قذرة جدا.خفضت رأسي تلقائيا... شعرت بالنفور من منظري أنا أيضا. لكن... ماذا كان بوسعي أن أفعل؟ لقد ركضت تحت الثلج... وسقطت... ونزفت... ووصلت إليه بالكاد. وفجأة دوّى صوته:







