ستالينغراد

ستالينغراد

This is a 《من خيالي》 fanfiction

last updateLast Updated : 2026-07-17
By:  كاتبUpdated just now
Language: Arab
goodnovel4goodnovel
Not enough ratings
8Chapters
11views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

في شتاء عام 1940، وحين كانت مدينة "ستالينغراد" تغفو على بركان خامد قبل أن يلتهمها أتون الحرب العالمية الثانية، تلتقي خطوط القدر بين عالمين لا يلتقيان إلا في الخفاء. هو.. ضابط شاب ذكي، يعيش في الظلال كمحقق في "القلم السياسي السري" للاستخبارات العسكرية السوفيتية. مهمته ملاحقة الأسرار، كتم الأنفاس، وضمان الولاء المطلق للحزب. يرى العالم من خلال التقارير السرية والتحقيقات الجافة، ويحمل على عاتقيه ثقل أسرار دولة لا ترحم. هي.. فتاة مفعمة بالحياة رغم قسوة الواقع، تعمل في حانة منسية وسط أحياء المدينة الفقيرة والمهمشة. حانة يرتادها العمال، الجنود الفارين، والراغبون في نسيان بؤسهم اليومي. تمتلك ما لا يملكه رجال الاستخبارات: القدرة على قراءة وجوه البشر وسماع ما لا يُقال خلف الكؤوس.

View More

Chapter 1

"دفء تحت الصقيع"

البرد في أطراف ستالينغراد لم يكن يرحم أحداً، خاصة في ذلك الشتاء من عام 1940.

دفع ألكساندر رونين الباب الخشبي الثقيل للحانة، ودلف إلى الداخل مصحوباً بلفحة هواء صقيعية. لم يكن يرتدي بدبته العسكرية ولا معطفه الأسود الذي يثير الرعب؛ بل كان يرتدي رداءً صوفياً ثقيلاً وبسيطاً، جعله يبدو كأي عامل أو غريب يمر بالمدينة بحثاً عن ملاذ من الصقيع.

نزع قبعته ونفض عنها بقايا الثلج، ثم مسح المكان بعينين صقريتين حادتين. دربته الاستخبارات العسكرية، وتحديداً "القلم السياسي السري"، على قراءة المكان في ثوانٍ: أربعة عمال مخمورين في الزاوية، جندي يبدو فاراً من وحدته، ورائحة تبغ رخيص وفودكا رديئة تملأ الأجواء. تحرك بهدوء وجلس على طاولة خشبية منزوية في الطرف، متظاهراً بالإنهاك كأي زبون عادي.

من خلف المنضدة، تقدمت فتاة بخطوات هادئة. لم تكن هناك جلبة، ولم يكن هناك صراخ. كانت تحمل في يدها خرقاً قماشياً ومسحت به سطح الطاولة أمامه دون أن تنظر إلى وجهه في البداية.

"ماذا تطلب؟" سألته بصوت خفيض ونبرة جافة اعتادت على زبائن أطراف المدينة الخشنين.

رفع ألكساندر عينيه إليها. كانت إلينا.

لم يكن هناك أي مظهر للبهرجة فيها؛ وجهها شاحب من قسوة الشتاء، وشعرها معقود للإمام ب بساطة، لكن في عينيها كان هناك بريق غريب من الصمود والذكاء جعل دقات قلبه تضطرب للحظة. شعر الضابط الشاب، الذي أقسم على الولاء للحزب والشك في كل إنسان، بشيء غريب يتحرك داخله؛ شيء لم تدربه الاستخبارات على مواجهته أو تفسيره.

نظرت إلينا إليه أخيراً، التقت عيناها بعينيه الصقريتين. بالنسبة لها، هو مجرد زبون آخر، عابر سبيل متعب يلفه الغموض بردائه الصوفي. لم تكن تعلم، ولم يكن بإمكانها أن تخمن، أن هذا الشاب الجالس أمامها يملك تقارير قد تغير مصير أشخاص بأكملهم، وأن خطوته التالية ستغير حياتها هي شخصياً للأبد.

وقفت تنتظر جوابه، بينما كان هو يحاول استجماع هدوئه الدبلوماسي ليجيبها كزبون عادي ،التقت عيناه الصقريتان بعينيها، وقبل أن يخرج صوته، أجرى تصحيحاً سريعاً في حباله الصوتية. تذكر ألكساندر رونين تدريبات التمويه؛ فالنبرة الأنيقة والكلمات المنتقاة بعناية لطبقة الضباط والأرستقراطيين قد تقتله هنا في قاع المدينة.

تنحنح بخفة، ثم قال بصوت خشن ومبحوح، مقلداً جفاء عمال المصانع:

"كأساً من النبيذ الأحمر.. مع شطيرة برغر."

أومأت إلينا برأسها دون أن تبدي أي رد فعل غريب، فالزبائن هنا يأتوا بكل الأشكال والأصوات. التقطت خرقتها القماشية واستدارت لتوفر له طلبه، تاركة إياه في مواجهة دقات قلبه التي كانت أسرع من المعتاد، وتحت تأثير نظرتها التي اخترقت رداءه الصوفي دون أن تدري استدارت إلينا نحو المنضدة لتجهز الطلب، لكن ملامح وجهه وعيناه الصقريتان ظلتا عالقتين في ذهنها.

مسحت كأساً زجاجياً ببطء وهي تنظر إليه بطرف عينها، وقالت في نفسها: "من هذا الفتى ذو الوجه النظيف والملامح الهادئة لكي يأتي إلى هنا، حيث لا يرتاد المكان إلا التعساء والبؤساء؟ ملابسه صوفية وخشنة، لكن تفاصيله لا تشبههم أبداً".

وضعت الشطيرة بجانب الكأس، وشعرت بابتسامة خفيفة تكاد ترتسم على شفتيها وهي تمضي بالأطباق نحوه، مستطردة في سرها: "هذا الشاب بدأ يروق لي" ،عادت إلينا إلى الطاولة، ووضعت الكأس والشطيرة بهدوء. كان ألكساندر يراقب حركاتها بدقة، مدركاً أن أي هفوة في الكلام قد تكشف خلفيته الأرستقراطية أو طبيعة عمله السري.

أمسك بالكأس، وحرك السائل الأحمر فيه قليلاً، ثم نظر إليها وقال بنبرته الخشنة المصطنعة:

"رائحته قوية.. من أي صنف هذا النبيذ؟"

كان السؤال عادياً، لكنه حمل في طياته حذراً شديداً؛ فهو يسأل ليتأكد إن كان محلياً أم مهرباً، كجزء من غريزته الأمنية، وفي نفس الوقت ليفتح معها حديثاً دون أن يثير الشكوك.

أرجعت إلينا خصلة من شعرها خلف أذنها، وثبتت نظرتها في عينيه الصقريتين. تقربت من الطاولة قليلاً، ومسحت حافتها بخفة في محاولة واضحة للفت انتباهه وإطالة أمد الوقوف أمامه. ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت بنبرة حملت دلالاً ذكياً:

"إنه نبيذ محلي من جنوب القوقاز.. قوي بما يكفي ليدفئ جسداً متعباً جاء من الصقيع، لكنه لا يُفقد العقل صاحبه.. إلا إذا كان صاحبه يريد ذلك."

رمت كلماتها الأخيرة بنظرة ذات معنى، وهي تتفحص وجهه النظيف الذي يختلف تماماً عن وجوه زبائن الحانة المعتادين، منتظرة رد فعله بفضول وشغف بدأ ينمو بداخلها

أرخى ألكساندر دفاعاته قليلاً بعد جوابها، وتذوق رشفة صغيرة من النبيذ. نظر إليها وقال، محاولاً الحفاظ على جفائه المصطنع لكن بنبرة اهتمام لم يستطع إخفاءها بالكامل:

"اممم.. إنه جميل يا سيدة.. عفواً، ما اسمكِ؟"

تقربت إلينا خطوة إضافية، ومالت برأسها قليلاً وهي تنظر إلى وجهه النظيف بعينين تلمعان بالفضول والذكاء. تابعت بصوت مدلل وناعم، حمل في طياته سخرية مبطنة من واقعها:

"إلينا.. إلينا سكتليكوڤ.. من الطبقة الميتة اجتماعياً."

رمت كلماتها الأخيرة كنوع من التحدي، لترى كيف سيتفاعل هذا الشاب الذي يبدو غريباً عن هذا البؤس مع حقيقة أصلها، بينما انطبع الاسم في ذاكرة الضابط المحترف كأهم معلومة سجلها طوال مسيرته ،تذوق ألكساندر الرشفة الأخيرة، ثم وضع الكأس وجسدُه يتأهب للرحيل قبل أن يفقد السيطرة على قناعه بالكامل. التفت إليها وقال بنبرة مقتضبة:

"شكراً على النبيذ."

ولكن، وبينما كان يهمّ بالنهوض من على الطاولة، تحركت يد إلينا لتلتقط الكأس الفارغ، فلامست أصابعها دفيء يده دون قصد. كانت لمسة عفوية، لكنها أحدثت مسّاً كهربائياً جمد كلاهما في مكانه لثانية.

لم تسحب إلينا يدها على الفور، بل رفعت عينيها إليه، وقالت بنبرة فضولية دافئة تحاول كسر جموده:

"هل تعمل هنا في المدينة.. أم خارجها؟"

ثبت ألكساندر نظقته على يدها الملامسة ليده، وشعر بضغط السؤال؛ فإجابته يجب أن تكون ذكية بما يكفي لإرضاء فضولها المتزايد، سحب ألكساندر يده ببطء وهدوء، محاولاً السيطرة على ملامح وجهه وجفاف صوته، ثم نظر في عينيها وقال:

"أنا هنا دائماً.. أعمل في المدينة كساعي بريد."

نظرت إلينا إليه، وتلاقت عيناهما في صمت ثقيل. تفحصت وجهه النظيف، ويديه اللتين لا تشبهان أيدي عمال البريد الذين يطحنهم الشارع وصقيع ستالينغراد، وكأن لسان حالها يقول: "هذا ليس عملك الحقيقي، وأنت لا تشبه الرسائل ولا الطوابع في شيء".

كان عدم تصديقها واضحاً في عينيها الذكيتين، ولكن.. ماذا بوسعها أن تفعل؟ في مدينة مثل ستالينغراد، لكل شخص سر يخبئه، والأسئلة الكثيرة قد تقود إلى الهلاك.

ابتسمت ابتسامة خفيفة تخفي خلفها شكوكها، وهزت كتفيها بقلة حيلة قائلة:

"ساعي بريد إذاً.. حسناً، أتمنى أن تحمل رسائلك دائماً أخباراً طيبة لأهل هذه المدينة."

انحنى ألكساندر برأسه قليلاً، وأعاد قبعته الصوفية ليداري جبهته، ثم قال بنبرة هادئة حملت هذه المرة دافئاً حقيقياً:

"شكراً لكِ سيدتي على هذه الليلة.. عمتِ مساءً."

استدار ليمشي نحو الباب، لكن إلينا لم تشأ أن تنتهي الليلة عند هذا الحد. خطت خطوة خلفه، وتابعت بصوتها المدلل الذي يمزج بين الرجاء والفضول:

"متى أراك ثانية؟"

توقف ألكساندر عند العتبة، التفت إليها ونظر إلى عينيها لمرة أخيرة قبل أن يبتلعه ظلام الخارج. التمعت عيناه الصقريتان برغبة قوية في العودة، لكن واجباته السرية لا تمنحه رفاهية المواعيد. قال بصوت منخفض:

"لا أعرف.. ولكن سوف آتي حتماً."

دفع الباب الخشبي الثقيل واختفى في صقيع ستالينغراد، تاركاً خلفه في الحانة دفء كلماته الأخيرة، وشكوك إلينا التي بدأت تتحول إلى انتظار 

في صباح اليوم التالي، تلاشى دفء الحانة تماماً ليحل محله الصقيع الصارم 

كان ألكساندر رونين يقف بثبات في المكتب ذي الجدران الإسمنتية الباردة، مرتدياً بدلتّه العسكرية الرسمية التي تخفي خلفها الشاب الذي كان يرتدي الرداء الصوفي بالأمس. خلف المكتب الخشبي الضخم، كان يجلس قائده، العقيد ديمتري فاسيلييف؛ رجل خمسيني بوجه محفور من القسوة وعينين لا تعرفان الرحمة.

ألقى العقيد بملف جلدي أسود على الطاولة، وأحدث صوتاً ثقيلاً كسر صمت الغرفة، ثم نظر إلى ألكساندر وقال بنبرة حادة وصارمة:

"رونين.. لدينا معلومات شبه مؤكدة عن وجود خرق أمني خطير في أطراف المدينة. هناك شبكة من الجواسيس والخونة بدأوا يراسلون الألمان، وينقلون معلومات عن تحركات الجيش ومصانع الحديد في ستالينغراد."

أخذ العقيد نفساً عميقاً من سيجارته، وتابع وهو يشير إلى الملف:

"مهمتك الجديدة هي التغلغل في تلك الأحياء الفقيرة والمهمشة. أريدك أن تجمع معلومات دقيقة عن أي شخص يتردد على مراكز البريد، أو تظهر عليه علامات الثراء المفاجئ، أو يهمس في زوايا الحانات. ابحث عن الرؤوس الكبيرة التي تدير هذه المراسلات قبل أن تصل الرسائل إلى برلين."

ثبّت العقيد نظرته في عيني ألكساندر الصقريتين، وأضاف محذراً:

"استخدم كل الوسائل المتاحة، ولا تثق بأحد.. حتى ظلك. أي تهاون في هذه المهمة يعد خيانة عظمى للوطن وللحزب. هل الأمر واضح؟"

شعر ألكساندر ببرودة تسري في جسده؛ فالمهمة تقوده مباشرة إلى نفس المنطقة التي التقى فيها بـإلينا، وإلى نفس الحانة التي زعم بالأمس أنه يعمل فيها "كساعي بريد". وقف باعتدال، وضرب حذاءه العسكري بالأرض محيياً قائده، وقال بصوت حازم لا يشوبه أي تردد:

"واضح تماماً يا سيادة العقيد. سأبدأ في جمع المعلومات فوراً."

عاد ألكساندر إلى غرفته، خلع بدتّه العسكرية الرسمية ذات الأزرار النحاسية الصارمة، وارتد رداءه الصوفي الثقيل مجدداً. وضع القبعة على رأسه وسحبها إلى الأسفل قليلاً لتظلل عينيه الصقريتين. كان يبدو كأي مواطن عادي يسحق الفقر طموحه في أطراف المدينة، لكنه هذه المرة لم يكن يتحرك بدافع الفضول، بل بدافع مهمة أمنية خطيرة.

قبل أن يغادر، تفقد جيب رداءه الداخلي؛ تأكد من وجود "الكارنيه الأحمر"؛ تلك البطاقة الرسمية الصغيرة لرجال الاستخبارات السوفيتية والقلم السياسي السري. كان يعلم أن ستالينغراد باتت مغلقة بالكمائن العسكرية والدوريات التي تفتش كل عابر سبيل؛ ووجود هذا الكارنيه معه كان السلاح السحري الذي سيحميه من التوقيف أو المساءلة في حال اشتبهت به أي دورية تابعة للجيش، وسيسمح له بالعبور بحرية في ظلام الليل دون أن يضطر لكشف هويته للعامة.. أو لـإلينا.

أغلق معطفه الصوفي جيداً، وتنحنح ليضبط صوته الخشن المستعار، ثم انطلق في صقيع الشارع متوجهاً نحو الحانة 

أوقفت السيارة العسكرية ألكساندر في زقاق معتم يبعد خطوات قليلة عن الحانة. ترجل منها وهبط ثلج ستالينغراد يلسع وجهه، وأخذ يسير على الأقدام متدثراً بردائه الصوفي.

لم يكد يقطع أمتاراً قليلة حتى تجمّد الدم في عروقه؛ فعلى بعد مسافة قصيرة، كان هناك رجال دورية عسكرية قد طوقوا إلينا برفقة صديقة لها كانت معها. كانت ملامح الخوف والذهول واضحة على وجه إلينا وصديقتها، بينما كان الجنود يستجوبونهما بخشونة.

لم يتردد ألكساندر ثانية واحدة. تقدم بخطوات ثابتة وذهب إليها مباشرة دون أن يفصح عن هويته علناً أمام العامة.

حين اقترب، التفت إليه قائد الدورية بحدة مستعداً لتوبيخه، ولكن ما إن وقعت عينا القائد على معصم ألكساندر، حتى تجمد كلماته. كانت هناك ساعة يد مميزة وثمينة يرتديها ألكساندر—ساعة مخصصة فقط لضباط النخبة في الاستخبارات السوفيتية والقلم السياسي.

عرفه قائد الدورية فوراً من الساعة. تفهم القائد اللعبة بذكاء العسكريين، ونظر إلى ألكساندر بنظرة شكر متبادلة، وكانوا يتحدثون بالنظرات الصامتة فيما بينهم لكي لا يكشفوا حقيقة رتبته وسريّة الأمر للعاملين في الشارع أو لـ إلينا.

أدار القائد وجهه متظاهراً بالجدية، وقال بنبرة مسموعة:

"مهلاً يا فتى.. أنت تعرف هذه الفتاة؟"

أجابه ألكساندر بصوته الخشن المستعار وبثقة وثبات:

"نعم.. إنها جارتي سيدي."

هز القائد رأسه وقال متراجعاً:

"حسناً.. انصرفوا."

كل هذا كان يحدث وسط ذهول تام وصدمة من إلينا وصديقتها، اللتين لم تستوعبا كيف استطاع هذا "ساعي البريد" البسيط، بكلمة واحدة ونظرة غامضة، أن يجعل قائد دورية عسكرية مرعب يتراجع ويطلق سراحهما بهذه السهولة!

تنفس ألكساندر الصعداء بعد انصراف الدورية، والتفت نحو الفتاتين اللتين كانتا لا تزالان تحت تأثير الصدمة.

نظرت إليه إلينا بعينين متسعتين من شدة الدهشة، وقالت بنبرة يملؤها الفضول والارتياب:

"مرحباً يا فتى.. كيف حالك؟ هل تعرف ذلك الضابط حقاً؟"

حافظ ألكساندر على بروده، وضبط حباله الصوتية ليعود إلى قناعه الخشن ونبرته البسيطة كساعي بريد، ثم أجابها مبتسماً بهدوء:

"مرحباً إلينا.. مرحباً سيدتي. نعم، في الحقيقة كنت أوصل له ليلة البارحة بعض الجرائد والرسائل الرسمية إلى مقره، لذا تذكر وجهي وتغاضى عنا."

نظرت إليه إلينا بتمعن، ورغم أن تبريره بدا منطقياً لساعي بريد، إلا أن النظرات الصامتة والمهابة التي رأتها بينه وبين قائد الدورية تركت في قلبها ألف علامة استفهام حول حقيقة هذا الفتى ذو الوجه النظيف ،

ابتسمت إلينا ابتسامة دافئة كأنها تحاول طرد بقايا الخوف الذي خلفته الدورية، وقالت بنبرة مدللة:

​"أنا أعزمك على كأس نبيذ وشطيرة برغر.. على حسابي هذه المرة."

​لم يتردد ألكساندر كثيراً؛ فالبقاء بالقرب منها كان يخدم مهمته السرية، ويقترب به أكثر من هذا الدفء الغريب الذي بات يجذبه نحوها. وافق الفتى برأسه، وبدأا يسيران جوار بعضهما البعض في الأزقة الموحلة لستالينغراد، تحت ندف الثلج المتساقطة.

​بينما كانا يقطعان الطريق، كانت إلينا تسرق النظرات إليه بين الحين والآخر؛ وجهه النظيف، هدوءه القاتل، وقوته الصامتة التي أنقذتها قبل قليل. كانت تنظر إليه وكأن هذا الفتى هو أفضل أحلامها، وكأنه معجزة حقيقية جاءت لها من السماء لتضيء عتمة حياتها بائسة والطبقة الميتة التي تعيش فيها.

​أما ألكساندر، فرغم عيناه الصقريتين اللتين لم تتوقفا عن مسح المحيط تحسباً لأي خطر، إلا أن يده داخل جيبه الصوفي كانت تلمس "الكارنيه الأحمر" بشعور بالذنب؛ فهو يعلم أن وجوده معها معجزة كاذبة، وأن أسراره قد تكون القنبلة التي ستدمر هذا الحلم في أي لحظة ،

دفَعا الباب الخشبي ودخلا إلى الحانة، ومع مرور الوقت، بدأ الزبائن يتدفقون إلى الداخل هرباً من صقيع ستالينغراد. انبعثت الموسيقى الدافئة لتبدد الصمت الموحش، وضجّ المكان بأصوات الكؤوس وهمسات العمال المخمورين.

وسط تلك الفوضى والصخب، كان المشهد داخل قلب إلينا مختلفاً تماماً؛ فقد تربع فيه هذا الفتى ذو الوجه النظيف بجداره. كانت نظراتها المليئة بالشغف والاهتمام تفضحها بين الحين والآخر، الأمر الذي جعل صديقتها، التي تقف قريباً منهما، تلاحظ هذا التعلق السريع.

بدأت الصديقة تتحرك بحذر وتدير الحوار بذكاء، محاولةً بكل الطرق أن تخفي مشاعر إلينا الجارفة عن الفتى، حتى لا يلاحظ نظراتها الهائمة أو يشعر بمدى تأثيره السريع عليها منذ اللقاء الأول، خوفاً من أن يسيء فهم اندفاعها أو يبتعد. أما ألكساندر، بعينيه الصقريتين، فقد كان يراقب كل شاردة وواردة، محاولاً الاستمتاع بهذا الدفء النادر مع الحفاظ على قناعه وسريّته ،

أدركت صديقتها بعد محاولات مستميتة أنه لا فائدة ترجى؛ فـ إلينا قد شربت حبه بجدّ ووقعت في شباكه بالكامل، ولم تعد قادرة على إخفاء نظراتها الهائمة ولا لهفتها.

​ولكن، ماذا عن ذلك الفتى ذو الطابع الخفي؟ ما الذي كان يحمله ألكساندر رونين بداخله تجاهها؟

​خلف ذلك القناع الخشن والصوت المبحوح، وخلف عينيه الصقريتين اللتين اعتادتا رصد الأعداء والخونة، كان هناك صراع طاحن يمزق أحشاء الضابط السري. لأول مرة في حياته، شعر ألكساندر أن جدار بروده العسكري يتشقق. نظرات إلينا الدافئة، وبراءتها الممزوجة بذكاء الطبقات المسحوقة، بدأت تتسلل إلى أعماقه وتوقظ في قلبه مشاعر ظن أن "القلم السياسي" قد أماتها فيه للأبد.

​كان يحمل لها إعجاباً حقيقياً وخوفاً جارفاً في آن واحد. أحس برغبة عارمة في حمايتها، ليس فقط من دوريات الجيش وقسوة ستالينغراد، بل من نفسه ومن كذبته أيضاً. كان ينظر إليها ويشعر بوخز الذنب؛ فكل دقة قلب دافئة تجاهها كانت تقابلها برودة "الكارنيه الأحمر" في جيبه، ليذكره بمهمته: إنه هنا ليتجسس، ليتغلغل، وليبحث عن الخونة.. وهي، باسمها وعائلتها، قد تكون جزءاً من هذا الملف الأسود دون أن تدري.

​لقد بدأ يقع في حبها حقاً، لكنه حب يحمل طعم الخطر، ويخفي وراءه عاصفة قد تدمر عالم إلينا الصغير في أي لحظة

تغير إيقاع الموسيقى في الحانة فجأة، وانتقلت الأنغام من الألحان الروسية الحزينة إلى معزوفة إيطالية حيوية لرقصة شهيرة مليئة بالحياة والجرأة. امتدت الطاقة في أرجاء المكان، وتحرك زبائن الحانة مع الإيقاع.

بشكل مفاجئ وغير متوقع، تملكت الموسيقى من ألكساندر—ربما هرباً من أفكاره وصراعه الداخلي، أو رغبة منه في الاندماج التام مع أجواء المكان كأي شاب عادي. خطا خطوات واثقة نحو حلبة الرقص، ودخل الدائرة. وفي تلك اللحظة، تقدمت نحوه فتاة أخرى من رواد الحانة، شابة غريبة تشع حيوية، ومدت يدها إليه، فاستجاب لها وبدأ يراقصها ببراعة لافتة لا تشبه أبداً خمول عمال البريد.

على الجانب الآخر، تجمدت إلينا في مكانها. كانت تنظر إلى المشهد والدم يغلي في عروقها؛ رأت يد الفتاة الغريبة تلامس رداءه الصوفي، ورأت عينيه الصقريتين تتابع حركات الرقصة. في تلك الثواني، كانت إلينا تموت غيرة، وشعرت بنار تحرق صدرها. لم تكن هذه مجرد غيرة عابرة، بل كانت غيرة امرأة رأت حلمها الوحيد والمعجزة التي هبطت إليها من السماء تتراقص بين يدي امرأة أخرى.

لم تتحمل إلينا المشهد لثانية إضافية. تراجعت خطوة إلى الخلف، وضغطت على طرف مئزرها بقوة، ثم استدارت فجأة وتوجهت نحو المطبخ الخلفي للحانة وهي تحبس دموع القهر والغيرة، تاركة صديقتها تنظر خلفها بقلق ،في المطبخ الخلفي المظلم، كانت إلينا تلتقط أنفاسها المتسارعة، وصوت الموسيقى الإيطالية الصاخبة يلاحقها كأنه يسخر من مشاعرها. كانت الغيرة تنهش قلبها، وبدت لها تلك اللمسات والضحكات بين الفتى وتلك الفتاة الغريبة كطعنات متتالية.

حسمت إلينا أمرها بسرعة، وقررت الرحيل فوراً؛ فهي لا تطيق رؤية حبيبها—الذي تربع في قلبها بجدارة—في هذا الوضع مع امرأة أخرى. لم تكن تحتمل دور المتفرجة على معجزتها وهي تضيع منها.

مسحت دمعة هربت من عينيها بكبرياء، ثم التفتت إلى صديقتها وقالت بنبرة حاسمة وصوت يرتجف رغماً عنها:

"أنا مغادرة يا ناديا.. لن أبقى هنا دقيقة واحدة أخرى."

حاولت صديقتها الإمساك بيدها لتهدئتها:

"إلينا، انتظري! إنها مجرد رقصة، هو لا يعرفها حتى!"

لكن إلينا نفضت يدها بلطف، وارتدت معطفها القديم بسرعة، متوجهة نحو الباب ،لم تكن إلينا ترى أمامها سوى ضباب دموعها. شقت طريقها وسط الحشود المتمايلة، عازمةً على الهروب من تلك الحانة ومن عينيها اللتين لم تتحملا رؤية "معجزتها" تلامس امرأة أخرى. كانت يداها ترتجفان وهي تقترب من الباب الخشبي الثقيل، تتوق إلى ملمس الصقيع في الخارج ليمحو حرارة الغيرة التي تسري في عروقها.

وقبل أن تضع يدها على مقبض الباب، شعرت بقبضة قوية، دافئة، وحازمة تحيط بمعصمها. توقفت إلينا، وتصلب جسدها. التفتت لتجد ألكساندر أمامها، وقد تخلى تماماً عن تلك الفتاة التي كانت ترقص معها في لحظات.

كانت نظراته هذه المرة مختلفة؛ لم تكن تلك النظرات التي يوزعها كأي غريب، بل كانت نظرة حارقة مليئة بالشغف والتملك، وكأنه يقول لها إنها الوحيدة التي تهمه في هذا المكان المزدحم.

أمام ذهول الحاضرين، وبصمتٍ لم يقطعه سوى توقف إيقاع الموسيقى الصاخبة وتحولها إلى لحنٍ هادئ وشجيّ، جذبها ألكساندر بخفة نحو وسط الحانة. لم يتحدث، لكن يده استقرت بثقة على خصرها، مقرباً إياها منه لتبدأ في الرقص معه.

سقطت دموع إلينا رغماً عنها، تلك الدموع التي حاولت كتمانها، وهي تنظر في عينيه الصقريتين اللتين لانتا تماماً أمام ضعفها. همس ألكساندر بصوتٍ خافت، لا يسمعه سواها وسط ضجيج الحانة:

"لا ترحلي.. أنتِ الوحيدة التي تملك هذا الحق."

في تلك اللحظة، وسط الرقصة، لم تعد إلينا تشعر بالبرد، ولا بالغيرة، ولا حتى بكونها من "الطبقة الميتة اجتماعياً". كانت فقط تشعر بقلبها يخفق بقوة أمام الفتى الغامض الذي غزا عالمها في ليلة باردة في ستالينغراد، وبدأت تدرك أن هذا التلامس هو بداية لشيءٍ أكبر.. شيء أخطر مما يمكن لأي منهما تخيله،أغمضت إلينا عينيها لثوانٍ، واستسلمت تماماً ليده التي تحيط بخصرها. ومع النغمات الشجية، بدأت تتراقص كالأميرات اللواتي قرأت عنهن في روايات ما قبل الثورة؛ تتمايل بخفة ودلال، وتتحرك في حلقة الرقص كأنها ترقص الرقصة الأخيرة في حياتها الليلة، وكأن ستالينغراد كلها بصقيعها وحروبها قد اختفت، ولم يتبقَ في الوجود سوى هما الاثنين.

كانت عيناها اللامعتان بالدموع والفرح تقول كل شيء.. لقد فضحت ملامحها ذلك الانتصار الأنثوي الصغير، وكأن لسان حالها يصرخ بزهو: "لقد أمسكتُ بالفتى.. ذلك الفتى مفرط الدلال الذي هواه أنس الليالي وسرق قلبي من اللمسة الأولى".

كان ألكساندر يتابع حركاتها، ويرى هذا التحول الساحر من الغيرة الحارقة إلى السعادة المفرطة. ولأول مرة منذ سنوات طويلة، اختفت القسوة من وجه الضابط الصارم؛ نظر إليها وانطلقت من شفتيه ضحكة خفيفة، دافئة وحقيقية.

لم يكن يريد في تلك اللحظة أن يكسر فرحتها، ولم يشأ أن يطفئ ماء وجهها أو يذكرها بالواقع المرير. أراد فقط أن يمنحها—ويمنح نفسه—هذه الليلة الاستثنائية، متناسياً لبعض الوقت "الكارنيه الأحمر" القابع في جيبه، والمهمة الخطيرة التي تنتظره في الصباح.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
8 Chapters
"دفء تحت الصقيع"
البرد في أطراف ستالينغراد لم يكن يرحم أحداً، خاصة في ذلك الشتاء من عام 1940.دفع ألكساندر رونين الباب الخشبي الثقيل للحانة، ودلف إلى الداخل مصحوباً بلفحة هواء صقيعية. لم يكن يرتدي بدبته العسكرية ولا معطفه الأسود الذي يثير الرعب؛ بل كان يرتدي رداءً صوفياً ثقيلاً وبسيطاً، جعله يبدو كأي عامل أو غريب يمر بالمدينة بحثاً عن ملاذ من الصقيع.نزع قبعته ونفض عنها بقايا الثلج، ثم مسح المكان بعينين صقريتين حادتين. دربته الاستخبارات العسكرية، وتحديداً "القلم السياسي السري"، على قراءة المكان في ثوانٍ: أربعة عمال مخمورين في الزاوية، جندي يبدو فاراً من وحدته، ورائحة تبغ رخيص وفودكا رديئة تملأ الأجواء. تحرك بهدوء وجلس على طاولة خشبية منزوية في الطرف، متظاهراً بالإنهاك كأي زبون عادي.من خلف المنضدة، تقدمت فتاة بخطوات هادئة. لم تكن هناك جلبة، ولم يكن هناك صراخ. كانت تحمل في يدها خرقاً قماشياً ومسحت به سطح الطاولة أمامه دون أن تنظر إلى وجهه في البداية."ماذا تطلب؟" سألته بصوت خفيض ونبرة جافة اعتادت على زبائن أطراف المدينة الخشنين.رفع ألكساندر عينيه إليها. كانت إلينا.لم يكن هناك أي مظهر للبهرجة فيها؛ وج
last updateLast Updated : 2026-07-11
Read more
"سقوط القناع"
انتهت الموسيقى، لكن الصدى ظل يتردد في زوايا الحانة الدافئة. انسحب ألكساندر وإلينا من حلبة الرقص وجلسا في ركن منعزل، بعيداً عن أعين الفضوليين. كانت أنفاس إلينا متسارعة، ليس فقط بسبب المجهود، بل بسبب تلك المشاعر الجارفة التي اجتاحتها؛ كانت تشعر بأنها قريبة جداً من فك لغز هذا الفتى، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن يتبخر كدخان السجائر في ليل ستالينغراد.ساد الصمت بينهما للحظات، صمت لم يكن ثقيلاً بل كان مليئاً بالأسئلة المعلقة. وضع ألكساندر كأسه على الطاولة الخشبية، ونظر إلى يده التي كانت قبل قليل تحيط بخصرها، ثم رفع عينيه الصقريتين ليلتقي بنظراتها. كان يعلم أن اللعبة أصبحت خطيرة، فالمشاعر في عمله هي الثغرة الأولى التي تقود إلى الرصاصة الأولى.كسرت إلينا الصمت، مالت برأسها قليلاً وقالت بنبرة خافتة تحمل مزيجاً من الذكاء والدلال:"ساعي البريد الذي يراقص الفتيات كالأميرات، ويأمر قادة الدوريات العسكرية بنظرة عين.. من أنت حقاً يا ألكساندر؟"سؤالها نزل عليه كالصفعة الباردة، ليعيده فوراً إلى أرض الواقع، وإلى ملف القائد ديمتري فاسيلييف الأسود الذي ينتظره في الصباح ،ابتسم ألكساندر ابتسامة هادئة حملت ال
last updateLast Updated : 2026-07-11
Read more
واقع مؤلم
لم يكد ألكسندر ينهي جملته التحذيرية، حتى انفتح باب الحانة الخشبي بقوة، واندفعت برودة الليل العاصف إلى الداخل، ومسحت معها كل صخب المكان في ثانية واحدة.دخل ثلاثة ضباط من الشرطة العسكرية السوفيتية، تتقدمهم ملامح صارمة وقاسية. صرخ قائد الدورية بصوت جهوري:"الجميع يظل في مكانه! تفتيش مفاجئ للهويات والأوراق الثبوتية. أي شخص لا يملك تصريح عمل ليلي أو بطاقة عسكرية سيُساق فوراً للتحقيق بتهمة التهرب من الخدمة!"دب الذعر في الحانة. التفتت إلينا بوجل نحو والدها، وتذكرت فجأة أنه غادر المصنع اليوم دون أن يختم تصريح خروجه الليلي بسبب العجلة، وفي هذا الوقت من عام 1940، خطأ كهذا قد يودي بصاحبه إلى معسكرات العمل الشاق (الغولاق) بتهمة التخريب أو التقاعس."بطاقتك يا عجوز!"استيقظت إلينا من أفكارها على صوت الضابط وهو يقف فوق رأس والدها، وعيناه تتفحصان ملابسه الملوثة بالرماد بشك.بدأ الوالد يتحسس جيوبه بارتباك واضح، محاولاً العثور على عذر: "أنا أعمل في مصنع الحديد.. لقد نسيت.."قاطعه الضابط بخشونة وهو يمسك بكتفه: "نسيت؟ لا توجد أعذار في ستالينغراد. قف وتحرك معنا!"وقفت إلينا غريزياً لتدافع عن والدها، لكن
last updateLast Updated : 2026-07-12
Read more
رصاصة في عتمة الصقيع
لم يعد الخطر مجرد تخمينات، ولم تعد الحرب طبولاً تُدق في الأفق البعيد؛ لقد وصلت الجحيم إلى قلب ستالينغراد.في شتاء عام 1942، انشقت السماء عن هدير مرعب لطائرات "اللوفتوافه" الألمانية. في ثوانٍ معدودة، تحولت المدينة الجميلة، بشوارعها العتيقة ومصانعها الشامخة، إلى مسرح من الركام والنيران. سقطت القذائف كالمطر لتذيب الثلوج المتركمة، واختلط صراخ الأطفال والنساء بدوي المدافع، وبدأت الملحمة الأكثر شراسة في التاريخ.داخل المستشفى الميداني القريب من الخطوط الأمامية، كان الوضع يفوق الوصف. امتلأت الممرات بأشلاء الجنود والجرحى، وكانت رائحة الدم والبارود تخنق الأنفاس وسط أجواء الصقيع القارس. وسط هذا الذهول والدمار، لم تكن إلينا تلك الفتاة الخجولة التي تخشى الأصوات المرتفعة؛ بل كانت تتحرك كالملاك الثائر برباطة جأش أدهشت الجميع.ثوبها الأبيض الذي طالما تعهد ألكسندر بالحفاظ عليه ناصعاً، تلطخ بالدماء والرماد منذ الساعة الأولى للقصف. كانت تضمد الجراح، تثبت الأطراف المكسورة، وتهمس بكلمات الأمل في آذان الجنود المنازعين. عندما هزت قذيفة عنيفة أركان المستشفى وتناثر زجاج النوافذ ليدخل هواء الشتاء المتجمد، لم
last updateLast Updated : 2026-07-12
Read more
زهور بين الأنقاض
كان شتاء عام 1945 يحمل معه رائحة مختلفة... لم تكن رائحة الموت والخوف كما في السنوات السابقة، بل كانت رائحة النصر الوشيك الذي ينذر بالهزيمة الساحقة للجيش الألماني النازي.لقد أطبق الزمهرير الروسي القارص فكه على قوات العدو. في ساحة المعركة المحيطة بمصنع الحديد والصلب، تحولت جبهة الألمان إلى مقبرة من الجليد؛ فالبرد الشديد وصل إلى درجات غير مسبوقة تسببت في تجمد وقود الدبابات والمجنزرات الألمانية داخل خزاناتها، لتتوقف آلاتهم الحربية المرعبة عن الحركة تماماً، وتتحول إلى كتل حديدية باردة لا نفع منها، بينما انخفضت عزيمة جنودهم الذين أنهكهم الجوع والصقيع.من فوق أسوار المصنع، التفت ديميتري (والد إلينا) إلى العمال والجنود المحيطين به، وأشار بيده نحو الساحة قائلاً بنبرة فخر: "انظروا إليهم! الحديد الذي صنعناه بصبرنا أقوى من نيرانهم... الشتاء يلتهمهم الآن!"وفي تلك اللحظة الحاسمة، دوت أصوات محركات المدرعات السوفيتية التي لا توقفها الثلوج. انشق خط الأفق عن كتيبة ألكسندر المندفعة بقوة كإعصار أبيض. كان ألكسندر يقف في مقدمة مدرعته القيادية، معطفه الأسود يتطاير مع الرياح الثلجية، وعيناه تلمعان ببريق ال
last updateLast Updated : 2026-07-12
Read more
فراشة ستالينغراد
استمر في السير بجانب البروفيسور إيفان حتى بوابات المحطة الخارجية، حيث ودعه بوعدٍ قاطع باللقاء مجددًا فور استقرار الأمور. لم يكن هناك متسعٌ من الوقت لإضاعته؛ فالشوق الذي كبحه ألكسندر لسنوات خلف جدار الواجب العسكري، كان ينبض الآن بعنف في صدره، يدفعه نحو القطار المتجه جنوبًا... نحو ستالينغرادطوال الرحلة نحو الجنوب، كان مشهد الأرض يتغير تدريجيًا. لم تعد هناك غابات الشمال الكثيفة ولا ثلوج النرويج؛ بل حلت محلها السهول الروسية الواسعة التي بدأت تنفض عنها غبار الحرب. من نافذة القطار، كان ألكسندر يرى القرى والبلدات وهي تنفض الأنقاض، والناس يبنون بيوتهم من جديد، والأطفال يركضون في حقول القمح الصيفية بعد أن غابت الطائرات وهدأت المدافع.كان يرى في كل حجر يُرفع، وفي كل ابتسامة تُولد على وجوه العائدين، صدىً لانتصاره ونضاله.وعندما أعلن سائق القطار الاقتراب من محطة ستالينغراد، وقف ألكسندر وضغط بقبضته على الحقيبة الجلدية. قلبه لم يكن يخفق فحسب، بل كان يرتجف بلهفة لم يعهدها حتى في أحلك ساعات التخطيط للمعارك ،ترجل ألكسندر من القطار ليرى ستالينغراد؛ المدينة التي تركها حطامًا متفحمًا وجبالًا من الركام.
last updateLast Updated : 2026-07-17
Read more
نحو ليلة دافئة
سارت إلينا بجانب ألكسندر، والبهجة تملأ محياهما بعد تلك اللحظات الدافئة في الحقول. غادرا السهول المفتوحة وعادا إلى أطراف المدينة، متوجهين نحو زقاق هادئ نجا بأعجوبة من الدمار الشامل. هناك، كانت تتدلى لافتة خشبية صغيرة نُقش عليها بخط يدوي أنيق اسم دكان السيدة إيفان لحياكة الفساتين والأقمشة.كانت السيدة إيفان امرأة طيبة في الستين من عمرها، خفيفة الظل وسريعة الحركة، تشتهر بضحكتها الصافية وبأناملها السحرية التي حوّلت قطع القماش البسيطة إلى فساتين تمنح الفتيات الأمل في أحلك ظروف الحرب.دفع ألكسندر الباب الخشبي الذي أصدر صريرًا مألوفًا، فامتزجت في استقبالهما رائحة الأقمشة القطنية الجديدة والكتان، ونسمة خفيفة من عطر الياسمين الذي اعتادت السيدة إيفان وضعه في زوايا الدكان.كانت السيدة إيفان تنحني على طاولة خشبية كبيرة، تضع اللمسات الأخيرة على فستان ربيعي زاهي الألوان. ما إن رأت ألكسندر يقف عند الباب بقامته المهيبة وهدوء ملامحه، حتى أفلتت مقصها الحديدي ليرتطم بالطاولة، واتسعت عيناها بذهول وفرحة عارمة."ألكسندر! يا إلهي... أيها البطل الصغير!"صاحت بنبرة دافئة واندفعت نحوه لتغمره بعناق أموي حار، كا
last updateLast Updated : 2026-07-17
Read more
تحت حراسة النجوم الصافية
بعد أن انتهت هذه الأمسية الدافئة التي أعادت لروحهما نبض الحياة، ودّع ألكسندر وإلينا السيدة إيفان بعبارات ملؤها الامتنان والوعود بلقاءات قريبة مبهجة.خرج الاثنان إلى شوارع ستالينغراد التي غلفها سكون الليل الجميلسار ألكسندر وإلينا جنباً إلى جنب في الأزقة الهادئة. لم يكن الليل في ستالينغراد مظلماً وموحشاً كما كان في أيام الحصار؛ بل كانت فوانيس الشوارع التي أُعيد تشغيلها حديثاً تبدد العتمة برفق، وكأنها ترسم لهما طريقاً آمناً نحو الغد.ساد بينهما صمتٌ حميمي مريح، تتخلله نسمات الصيف العليلة وصوت خطواتهما المنتظمة على الحجارة المرصوفة. كانت يد إلينا دافئة في يده، تشعره بحقيقة وجودها بعد أن كانت مجرد طيف يزوره في مناماته بين الثلوج.عند وصولهما إلى عتبة بيتها، توقفا والتفتت إلينا نحوه، عيناها تعكسان ضوء النجوم الدقيق."شكراً لك على هذا اليوم يا ألكسندر... لقد أعاد إليّ روحي التي ظننتها تاهت في الحرب."ابتسم ألكسندر وانحنى ببطء ليطبع قبلة دافئة على جبينها وقال بصوت خفيض يملؤه السكون:"بل شكراً لانتظاركِ الذي أبقاني حياً يا إلينا. اذهبي وارتاحي الآن، فغداً ينتظرنا يومٌ جديد سنبدأ فيه ببناء كل
last updateLast Updated : 2026-07-17
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status