تسجيل الدخولالملك كان اليوم قاسيًا بالفعل. من كلمات أمي المحذّرة كعادتها، إلى تذمّر زوجتي وإصرارها على مرافقتها إلى البحر، رغم أنها تعلم جيدًا أنني لا أحبّ أجواءه. لست رجل بحر… أنا ابن التراب؛ أهوى رائحة الأرض بعد المطر، وخضرة العشب، وامتداد الغابات التي لا تنتهي. لم أرد سوى شيء واحد… بعض الهدوء. أن أبتعد قليلًا عن ثقل القصر، عن الأصوات التي لا تناديني باسمي أبدًا، بل بلقب لا يشبهني . "جلالتك… سيدي… مولاي…" أريد فقط أن أكون ريان. زفرت بضيق، قبل أن يقطع أحد الحراس شرودي: "جلالتك، تم تنفيذ أوامرك. الملكة غادرت، وكل شيء جاهز كما طلبت." أومأت برأسي بهدوء. "حسنًا. يمكنك المغادرة." بقيت للحظة ساكنًا، أقاوم رغبة الخروج مع الحرس كالمعتاد. لكنني رفضت. أردت هذه المرة أن أتنفّس وحدي. فكرت في ركوب حصاني والذهاب إلى الغابة، لكن اجتماع كبار التجار في الغد أعادني إلى الواقع. اللعنة… حتى الهروب منه موقّت. خرجت من القصر دون وجهة واضحة. لا أعرف إلى أين أذهب، ولا ما أبحث عنه أصلًا. كم هو مثير للسخرية… لو سمعني أحدهم الآن لما صدّق أن هذا الرجل ملك. سلكت الممر الخلفي متجنبًا الحراس قدر الإمكان. لم أر
مرّ يومان، ولم يتغير شيء. ما زالت الملكة كما هي... جميلة إلى حدٍ يسرق الأنظار، لكنها باردة كتمثالٍ منحوت من الجليد. لا ابتسامة، ولا كلمة تحمل شيئًا من الدفء، فقط نظرات متعالية ونبرة آمرة لا تعرف اللين. أحيانًا... تراودني رغبة مجنونة في دفعها من شرفة غرفتها. أكره التعالي. وأكره تلك الطبقية التي تجعل بعض البشر يتصرفون وكأنهم خُلقوا من ذهب، بينما خُلق البقية من طين. لكن... ما هذا الهراء الذي أفكر فيه؟ إنها الملكة، وأنا مجرد خادمة. هل كان يُفترض بها أن تستعطفني حتى أقوم بعملي؟ تنهدت بعمق وأنا أزيح خصلةً من شعري خلف أذني. كلما حاولت إقناع نفسي بأن ما أشعر به مجرد عناد، ازددت اقتناعًا بالعكس. الغريب أنني قضيت اثنين وعشرين عامًا أخدم أمي، ولم أشعر يومًا بأنني مُهانة أو مُستغلة. كنت أفعل ذلك بمحبة، لأن العائلة لا تُخدم... بل تُحتضن. أما هنا... فكل انحناءة أشعر بها وكأنها تُنتزع من كرامتي انتزاعًا. هززت رأسي بقوة، وكأنني أطرد تلك الأفكار لن يفيدني التفكير. ما دمت داخل هذا القصر، فلا خيار أمامي سوى القيام بعملي. بدأت أرتب أدوات زينة الملكة بعناية، ثم علّقت الفسات
لم أتحرك في البداية. بقيت جالسة على طرف الفراش أحدق في الخادمة العجوز وكأنني لم أفهم ما قالته، أو لعلني كنت أحاول إقناع نفسي أنني لم أفهمه حقًا. الملك طلب رؤيتي. يا إلهي... تجمد لساني في فمي، وشعرت كأن برودة خفية تسللت إلى أطرافي حتى صارت أصابعي ترتعش فوق الغطاء. كنت أعلم أن شيئًا كهذا سيحدث منذ اللحظة التي التقت فيها عيناي بعينيه داخل غرفة الملكة، لكن سماع الأمر بصوت مسموع كان أشبه بحكم بالإعدام. "أسرعي يا فتاة." قالت العجوز بنفاد صبر وهي تضم يديها إلى صدرها. "لا تجعليه ينتظر أكثر." نهضت بصعوبة، وكأن جسدي صار أثقل من أن أحمله. عدلت فستاني المرتبك، ثم مررت كفي على ضفيرتي لأتأكد أنها ما تزال في مكانها، مع أنني لم أكن أدري لمَ أهتم بمظهري أصلًا وأنا ذاهبة إلى مصيري. خرجت خلف العجوز وأنا أجر قدمي جراً. كان القصر في تلك الساعة مختلفًا تمامًا عن النهار؛ أكثر هدوءًا، أكثر اتساعًا، وأكثر رعبًا. الممرات الطويلة المضاءة بالمشاعل بدت كأنها لا تنتهي، والظلال المرتسمة على الجدران كانت تجعل كل زاوية تبدو كمخبأ لشيء سيئ ينتظرني. "إلى أين تأخذينني؟" سألتها بصوت منخفض. لم تنظر إليّ وهي تجيب:
تسلّل بعض ضوء الشمس من شباك الغرفة، واختلط بضحكات صاخبة كانت تقترب من الباب. للوهلة الأولى، شعرت بالغرابة؛ أين أنا؟ وما كل هذا الصخب؟ تبا... لقد نسيت أنني في قصر المملكة. تململت بكسل، واضعة يدي أمام عيني لأحجب أشعة الشمس. كانت شمس الغروب. اقتربت بخطوات متثاقلة وفتحت الشباك بالكامل، حتى غمر نور الشمس أرجاء الغرفة. ثم رتبت شعري وفستاني على عجل، وخرجت. اعترضني صوت الفتيات اللواتي يتشاركن الغرفة معي، وهن مجتمعات في البهو. تجاوزتهن بابتسامة خفيفة، لكنهن لم يبدين أي ردة فعل، باستثناء واحدة سمعتها تتمتم بعدما ظنت أنني ابتعدت بما يكفي: "تظن نفسها صارت الأجمل لمجرد أنها استحمت من قذارتها..." فضحكت البقية. "اللعنة عليهن... متى قلت إنني الأجمل أصلًا؟" تمتمت مزمجرة. لكن، وعلى نحو غريب، تسللت إلى شفتي ضحكة خفيفة حين تذكرت نفسي أمام المرآة. في الحقيقة... لم أكن سيئة على الإطلاق. أكملت طريقي أتمشى في القصر، أتأمل كل تفصيلة فيه؛ علو السقف، زخارف الجدران، والرخام الممتد على كامل الأرض. واصلت خطواتي مترنحة، ورأسي يدور في كل الاتجاهات يتفحص المكان، إلى أن توقفت فجأة إثر اصطدام رأسي بشيء صلب. ا
قادنا الحراس إلى غرفة واسعة تقع على الجانب الأيمن من بهو القصر. لم أكن أظن أن مكانًا بهذا الجمال يمكن أن يوجد حقًا. كانت تفاصيل المعمار تحيط بي من كل جانب، فبقيت أتأملها بانبهار لم أستطع إخفاءه. لا شك أن أمي لاحظت ذلك، فقد بدا على وجهها شيء من الرضا، وكأن هذا وحده كافٍ ليؤكد لها أنها اتخذت القرار الصحيح. لكنها لا تعلم أنني، رغم كل هذا الجمال، تركت جزءًا مني خلفي... هناك، بين أزقة المدينة الفقيرة، حيث تعيش جدتي. كانت الغرفة شاسعة إلى حد يصعب تصديقه. للوهلة الأولى ظننتها جناحًا كاملًا لا غرفة واحدة. امتلأت بالنساء من مختلف الأعمار والملامح، غير أن شيئًا واحدًا جمع بين معظمهن؛ ذلك الأثر الذي يتركه الفقر على الوجوه مهما حاول أصحابه إخفاءه. تقدمت نحونا امرأة في مثل سن أمي تقريبًا، وطلبت منها أن تتبعها. هممت بالسير خلفهما، لكن امرأة أخرى، بدت خادمة كذلك، أوقفتني بإشارة خفيفة وأمرتني أن أتبعها. يا إلهي... منذ أن وطئت قدماي هذا القصر وأنا أشعر بشيء غريب. إحساس مبهم يرافقني في كل خطوة. شيء يبدو مألوفًا على نحو يربكني، وكأنني مررت به يومًا، أو حلمت به في زمن بعيد. لم أكن أملك تفسيرًا لذلك
مضى يومان تقريبًا، وخلالهما شعرتُ بأن رأسي على وشك الانفجار من فرط ما يعتصره من أفكار. يا إلهي، ماذا عليّ أن أفعل؟ وضعتني أمي أمام أمرٍ محتوم؛ لا أستطيع التراجع عنه، ولا أملك قبوله. إنها تمسك بماضيّ اللعين وتدفعني بيديها إلى مستقبلٍ مشؤوم. أطلقتُ تنهيدة مثقلة بالضيق، كأنها إعلانٌ صريح عن انفجار رأسي تحت ركام تلك الأفكار البائسة، غير أن صوتًا رقيقًا بدا مألوفًا اخترق المكان: "سيييل، أيتها الغبية!" تبا... إنها ماري. لا بد أنها جاءت لتكسر ما تبقى من رأسي بأخبارها ومغامراتها الحمقاء مع حبيبها المزارع. "ماذا؟" قلت بلا مبالاة. تقدمت نحوي بخطوات حذرة، ثم سألت بتردد: "هل صحيح ما يتداولونه في الحي؟" قطبت حاجبي بعدم فهم. "ماذا تقصدين؟" "يقولون إنكِ أنتِ ووالدتكِ ستنتقلان للخدمة في القصر... أخبريني أن هذا ليس صحيحًا." قفزت من مكاني مزمجرة: "تبا لك يا ماري! أنتِ تعلمين أن الأمر صحيح، وكأن الخيار بيدي أصلًا! أمي تريد نهايتي، ألا ترين ذلك؟" لكن نبرة صوتي خانتني في آخر الجملة، وانكسرت رغمًا عني، فتابعت بألم: "وجدتي... إلى أين سأخذها؟ لا يمكنني الابتعاد عنها، ولا أستطيع رميها في منزل عمت