Masukالفصل التاسع والعشرون :
لم تنم ليان تلك الليلة. رغم التعب الذي أثقل جسدها. ورغم الساعات الطويلة التي قضتها بين الملفات والحقائق والذكريات. إلا أن فكرة واحدة فقط كانت تسيطر عليها. أمها. كانت تنظر إلى الخريطة الموضوعة أمامها. كل بضع دقائق. وكأن المسافة ستتغير إذا نظرت إليها أكثر. أما البقية… فحاولوا الحصول على بعض الراحة قبل الانطلاق. لكن التوتر كان يملأ المكان. وقفت ليان قرب النافذة الصغيرة. تنظر إلى الظلام في الخارج. وتتساءل: كيف سيكون اللقاء؟ هل ستعرفها أمها فورًا؟ هل ستبكي؟ هل ستعتذر؟ أم أن السنوات الطويلة صنعت بينهما مسافة لا يمكن تجاوزها؟ “لم تنامي.” التفتت. فوجدت ريان يقف خلفها. يحمل كوبًا من القهوة. ابتسم ابتسامة خفيفة. ثم مد الكوب نحوها. وقال: “أعتقد أنك تحتاجين هذا.” ابتسمت دون أن تشعر. وأخذته منه. جلسا بصمت للحظات. قبل أن تقول: “أخاف.” نظر إليها ريان. ثم قال: “من ماذا؟” تنهدت. وقالت: “من أن أصل إليها…” “وأكتشف أنني لا أعرفها.” ساد الصمت. ثم قال ريان بهدوء: “أحيانًا لا نحتاج إلى معرفة الأشخاص.” “يكفي أن نحبهم.” شعرت ليان بأن قلبها هدأ قليلًا. وأدركت أن وجوده بجانبها أصبح يريحها أكثر مما تتوقع. أما في الطرف الآخر من الغرفة… فكان سامي مستيقظًا. ورغم أنه بدا منشغلًا بالخريطة… إلا أن عينيه ارتفعتا أكثر من مرة نحوهما. وكان الشعور ذاته يعود إليه. ذلك الشعور الذي حاول تجاهله مرارًا. لكنه لم يعد قادرًا على إنكاره. لكن لحظة الهدوء لم تدم طويلًا. فجأة دخل يوسف الغرفة بسرعة. وكان يحمل هاتفه بيده. نهض سامي فورًا. وقال: “ماذا حدث؟” أجابه يوسف: “وصلتني إشارة جديدة.” شعرت ليان بأن قلبها تسارع. أما ريان فوقف بجانبها. وقال: “من فارس؟” هز يوسف رأسه. “لا.” “من عادل.” ساد الصمت داخل الغرفة. تقدمت ليان خطوة. “عادل؟” أومأ يوسف. ثم فتح الرسالة. كانت قصيرة جدًا. لكنها كانت كافية لتغيير كل شيء. قرأ بصوت مرتفع: “إذا كانت ليان معكم… فأحضروها وحدها.” تجمد الجميع. أما ليان فشعرت بقشعريرة تسري في جسدها. قال سامي فورًا: “مستحيل.” رفع يوسف رأسه نحوه. أما سامي فأكمل: “لن تذهب وحدها.” لكن نادر قال: “ربما لا يقصد ذلك.” التفت الجميع إليه. فأكمل: “ربما يريد التأكد من أنها هي فعلًا.” شعرت ليان بأن التوتر ازداد. وقالت: “وأمي؟” ساد الصمت. ثم أشار يوسف إلى بقية الرسالة. كانت هناك جملة أخرى. لم ينتبهوا لها في البداية. قرأها ببطء: “لقد انتظرتك أمك طويلًا.” اختفت الأصوات من حول ليان. ولم تعد تسمع شيئًا. سوى تلك الكلمات. أمك. شعرت بأن عينيها امتلأتا بالدموع. أما ريان فاقترب منها. وقال بهدوء: “سنصل إليها.” رفعت رأسها نحوه. ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة. رغم كل شيء. وفي الجهة المقابلة… كان سامي يراقب المشهد بصمت. وعندما رأى تلك الابتسامة… شعر بشيء مؤلم داخله. شيء لم يعد يستطيع إنكاره. ليس بعد الآن. بعد ساعة… كانت السيارة تشق الطريق نحو الموقع المحدد. وكان الجميع صامتين. إلا ليان. كانت تنظر إلى الرسالة للمرة العاشرة. وكأنها تخشى أن تختفي الكلمات. وفجأة… قال يوسف: “وصلنا.” رفعت رأسها بسرعة. أما قلبها… فبدأ يخفق بعنف. لأنها رأت أمامها منزلًا قديمًا معزولًا. يقع بين الأشجار. هادئًا بشكل غريب. وكأنه ينتظرها منذ سنوات. أوقفت السيارة. ونزل الجميع. لكن قبل أن تخطو ليان خطوة واحدة… فُتح باب المنزل ببطء. وتجمدت في مكانها. لأن المرأة التي خرجت منه… لم تكن غريبة عنها. رغم مرور كل تلك السنوات. عرفتها فورًا. من عينيها. ومن ابتسامتها. ومن الدموع التي كانت تملأ وجهها. همست ليان بصوت مرتجف: “أمي…” بقيت ليان واقفة في مكانها. غير قادرة على الحركة. وكأن السنوات كلها تجمعت في تلك اللحظة. أما المرأة الواقفة أمامها… فكانت تبكي. تبكي دون أن تحاول إخفاء دموعها. خطت خطوة واحدة إلى الأمام. ثم خطوة أخرى. وقالت بصوت مرتجف: “ليان…” شعرت ليان بأن قلبها انكسر. لأنها لم تسمع أحدًا ينطق اسمها بهذه الطريقة منذ سنوات طويلة. وفجأة… ركضت. دون تفكير. دون تردد. ركضت نحوها. وارتمت بين ذراعيها. أغلقت والدتها ذراعيها حولها بقوة. وكأنها تخشى أن تختفي مرة أخرى. أما ليان… فلم تستطع التوقف عن البكاء. قالت بصوت متقطع: “لماذا؟” “لماذا تركتني؟” ارتجفت والدتها. وأغمضت عينيها. ثم قالت: “لم أتركك.” “أقسم لك أنني لم أتركك.” ابتعدت ليان قليلًا. ونظرت إلى وجهها. إلى ملامحها. إلى الشيب الذي بدأ يظهر بين خصلات شعرها. وأدركت فجأة… كم دفعت هذه المرأة من ثمن. قالت والدتها: “كنت أريد العودة.” “كل يوم.” “كل ليلة.” “لكنهم كانوا يراقبوننا.” “وكانوا ينتظرون أي خطأ.” شعرت ليان بالدموع تملأ عينيها من جديد. أما والدتها فأمسكت وجهها بين يديها. وقالت: “سامحيني.” “سامحيني لأنك كبرتِ بعيدًا عني.” ساد الصمت. أما ليان… فلم تجد الكلمات. لأن سنوات الغضب التي حملتها داخلها… بدأت تنهار واحدة تلو الأخرى. ومن خلف والدتها… خرج رجل من باب المنزل. توقفت ليان عن البكاء للحظة. ونظرت إليه. أما يوسف… فتجمد في مكانه. همس نادر: “عادل.” شعرت ليان بأن قلبها تسارع. لأنها أخيرًا ترى الرجل الذي قلب حياتها رأسًا على عقب دون أن تعرفه. اقترب عادل ببطء. وكانت ملامحه تشبه والدها بشكل صادم. حتى إن ليان شعرت للحظة أنها ترى شبحًا من الماضي. ابتسم ابتسامة حزينة. ثم قال: “مرحبًا يا أختي.” وتوقفت أنفاس ليان للحظة. لأنها أدركت أن عائلتها التي ظنت أنها فقدتها للأبد… كانت تقف أمامها أخيرًا. أما ليان… فرفعت نظرها نحو والدتها وعادل. وشعرت للمرة الأولى منذ سنوات طويلة… أنها لم تعد وحيدة. لكنها كانت تعلم أيضًا… أن أصعب جزء من الرحلة لم يبدأ بعد.الفصل الثلاثون :لكنها كانت تعلم أيضًا…أن أصعب جزء من الرحلة لم يبدأ بعد.مرّت دقائق طويلة.لم تستطع ليان خلالها الابتعاد عن والدتها.وكأنها تخشى أن تختفي مرة أخرى.أما والدتها…فكانت تنظر إليها وكأنها تحاول تعويض سنوات كاملة من الغياب.جلس الجميع داخل المنزل.وكان المكان بسيطًا.هادئًا.بعيدًا عن كل شيء.وكأنه بُني خصيصًا للاختباء.لكن ليان لم تعد تملك الصبر.التفتت نحو والدتها مباشرة.وقالت:“أريد الحقيقة كاملة.”ساد الصمت.أما عادل فأنزل نظره نحو الأرض.بينما تبادل يوسف وسامي النظرات.تنهدت والدتها ببطء.ثم قالت:“تستحقين ذلك.”شعرت ليان بأن قلبها تسارع.أما والدتها فأكملت:“بعد اختفاء والدك…”“اعتقدت أنه مات.”“مثل الجميع.”ارتجفت أنامل ليان.“لكن بعد ثلاث سنوات…”“وصلتني رسالة.”تجمد الجميع.حتى سامي.قالت ليان بسرعة:“من أبي؟”أومأت والدتها.شعرت ليان بأن أنفاسها توقفت.أما والدتها فأكملت:“كان حيًا.”“ومصابًا.”“ومطاردًا.”ساد الصمت داخل المنزل.أما عادل…فأغمض عينيه.وكأنه عاد إلى تلك الأيام من جديد.قالت والدتها:“أراد أن يعود.”“لكنه لم يستطع.”“لأن الأشخاص الذين كانوا يلاح
الفصل التاسع والعشرون : لم تنم ليان تلك الليلة.رغم التعب الذي أثقل جسدها.ورغم الساعات الطويلة التي قضتها بين الملفات والحقائق والذكريات.إلا أن فكرة واحدة فقط كانت تسيطر عليها.أمها.كانت تنظر إلى الخريطة الموضوعة أمامها.كل بضع دقائق.وكأن المسافة ستتغير إذا نظرت إليها أكثر.أما البقية…فحاولوا الحصول على بعض الراحة قبل الانطلاق.لكن التوتر كان يملأ المكان.وقفت ليان قرب النافذة الصغيرة.تنظر إلى الظلام في الخارج.وتتساءل:كيف سيكون اللقاء؟هل ستعرفها أمها فورًا؟هل ستبكي؟هل ستعتذر؟أم أن السنوات الطويلة صنعت بينهما مسافة لا يمكن تجاوزها؟“لم تنامي.”التفتت.فوجدت ريان يقف خلفها.يحمل كوبًا من القهوة.ابتسم ابتسامة خفيفة.ثم مد الكوب نحوها.وقال:“أعتقد أنك تحتاجين هذا.”ابتسمت دون أن تشعر.وأخذته منه.جلسا بصمت للحظات.قبل أن تقول:“أخاف.”نظر إليها ريان.ثم قال:“من ماذا؟”تنهدت.وقالت:“من أن أصل إليها…”“وأكتشف أنني لا أعرفها.”ساد الصمت.ثم قال ريان بهدوء:“أحيانًا لا نحتاج إلى معرفة الأشخاص.”“يكفي أن نحبهم.”شعرت ليان بأن قلبها هدأ قليلًا.وأدركت أن وجوده بجانبها أصبح يريح
الفصل الثامن والعشرون : “عادل ليس من يجب أن تبحثوا عنه.”بقيت ليان تحدق في الورقة.غير قادرة على فهم المقصود.أما يوسف…فشحب وجهه أكثر.وكأنه فهم شيئًا لم يفهمه الآخرون.قالت ليان بسرعة:“من إذًا؟”لكن يوسف لم يجب.بل أخذ الورقة.وأعاد قراءتها للمرة الثالثة.ثم قال:“كنت أخشى هذا.”شعرت بأن قلبها تسارع.أما سامي فقال بحدة:“تكلم.”رفع يوسف رأسه ببطء.ثم قال:“لأن عادل لم يكن يومًا الهدف.”ساد الصمت.أما ليان فشعرت بأن أعصابها توشك على الانهيار.“إذن من الهدف؟”نظر يوسف إليها مباشرة.ثم قال:“والدتك.”تجمد الجميع.حتى سامي.حتى نادر.شعرت ليان بأن الأرض اختفت من تحت قدميها.“أمي؟”أومأ يوسف.ثم أكمل:“منذ البداية.”“الملف كان مهمًا.”“والمشروع رقم ١٧ كان مهمًا.”“لكن والدتك كانت تملك شيئًا أخطر من كل ذلك.”عقدت ليان حاجبيها.“ماذا كانت تملك؟”تنهد يوسف.ثم قال:“الحقيقة.”ساد الصمت.أما نادر فأخفض رأسه.وكأنه يعرف أن وقت الأسرار انتهى.قال يوسف:“والدك لم يسرق الملف ليحمي نفسه.”“بل سرقه ليحمي والدتك.”ارتجفت أنامل ليان.أما سامي فظل صامتًا.وكأنه يسمح ليوسف بقول كل شيء أخيرًا.“لأن و
الفصل السابع والعشرون : شعرت ليان بأن الورقة سقطت من بين أصابعها.أما قلبها…فشعر وكأنه توقف عن النبض.“أمي…”خرجت الكلمة منها كهمسة ضعيفة.غير مصدقة ما تقرأه عيناها.التقط ريان الورقة من الأرض.وأعاد قراءتها بنفسه.ثم رفع رأسه نحو يوسف.وقال:“هل هذا حقيقي؟”لكن يوسف لم يجب.لأن الصدمة كانت واضحة على وجهه هو الآخر.أما نادر…فجلس بصمت.وكأنه كان يخشى هذه اللحظة منذ سنوات طويلة.أمسكت ليان الورقة مجددًا.وأكملت القراءة.كانت هناك كلمات أخرى أسفل الجملة.كلمات لم تلحظها من شدة صدمتها.ارتجفت أناملها وهي تقرأ:“إذا وصلتِ إلى هذه المرحلة…”“فهذا يعني أن سامي نجح.”التفتت فورًا نحو سامي.أما هو فأخفض رأسه.وكأنه لا يريد النظر إلى عينيها.تابعت القراءة.“وأعلم أنكِ غاضبة.”“وأعلم أنكِ تشعرين بأنني تخليت عنك.”“لكنني لم أفعل.”“كنت أراقبك طوال هذه السنوات.”شعرت ليان بأن الدموع بدأت تتجمع في عينيها.أما ريان فبقي إلى جانبها بصمت.دون أن يقاطعها.ثم توقفت عند السطر الأخير.السطر الذي جعل الجميع يتجمد في أماكنهم.“إذا أردتِ العثور عليّ… فابحثي عن عادل.”ساد الصمت داخل الغرفة.أما يوسف…فشحب
الفصل السادس والعشرون :“إذا كان عادل ما زال حيًا… فلا بد أن فارس وجده بالفعل.”بقيت كلمات يوسف تتردد داخل الغرفة.أما ليان فشعرت بأن رأسها يكاد ينفجر من كثرة الأسرار.عادل.فارس.والدها.والدتها.المشروع رقم ١٧كل شيء أصبح متشابكًا بطريقة لم تعد قادرة على فهمها.أغلقت الدفتر ببطء.ثم ابتعدت عن الطاولة.كانت تحتاج إلى الهواء.إلى لحظة واحدة لا تسمع فيها اسمًا جديدًا أو سرًا جديدًا.خرجت من الغرفة دون أن تتكلم.ولم تلاحظ أن أحدًا تبعها.سارت في الممر الحجري الطويل.حتى وصلت إلى نهاية النفق.وهناك…جلست على إحدى الدرجات القديمة.وأغمضت عينيها.لأول مرة منذ بدأت رحلتها…شعرت بالتعب.تعب حقيقي.ليس من الخوف.بل من الحقيقة.“أعرف هذا الشعور.”فتحت عينيها بسرعة.فوجدت ريان يقف أمامها.يحمل زجاجة ماء صغيرة.ويمدها نحوها.ابتسم ابتسامة خفيفة.وقال:“خذي.”ترددت للحظة.ثم أخذتها منه.جلس بجانبها.دون أن يسأل.ودون أن يضغط عليها بالكلام.وهذا بالضبط ما احتاجته.شخص لا يطلب منها أن تكون قوية.ولا يخبرها أن كل شيء سيكون بخير.فهي لم تعد تصدق هذه الجملة أصلًا.قالت بعد صمت طويل:“أشعر أنني لا أعرف
الفصل الخامس والعشرون : “لا…”خرجت الكلمة من فم ليان كهمسة مرتجفة.أما الجميع فالتفتوا إليها بسرعة.كانت لا تزال تحدق في الصورة.لكن هذه المرة…لم تكن تنظر إلى فارس السالم.ولا إلى الرجل الواقف بجانبه.بل إلى شيء آخر.شيء صغير في الخلفية.اقترب سامي منها.وقال:“ماذا رأيتِ؟”رفعت الصورة ببطء.وأشارت إلى مبنى بعيد يظهر خلف الرجلين.ثم قالت:“هذا المكان…”عقد يوسف حاجبيه.وأخذ الصورة من يدها.لكن ما إن وقعت عيناه على المبنى…حتى شحب وجهه.قال نادر بقلق:“ماذا هناك؟”لكن يوسف لم يجب.بل ظل يحدق في الصورة.وكأنه رأى شبحًا من الماضي.ثم همس:“هذا مستحيل.”شعرت ليان بأن قلبها بدأ يخفق بعنف.وقالت:“أنا أعرف هذا المكان.”التفت الجميع إليها.أما هي فأكملت:“لقد رأيته من قبل.”ساد الصمت داخل الغرفة.ثم قالت:“عندما كنت صغيرة…”“كانت أمي تأخذني إليه.”اتسعت عينا سامي.أما نادر فتراجع خطوة للخلف.وقال:“هذا غير ممكن.”عقدت ليان حاجبيها.“لماذا؟”أجاب يوسف أخيرًا:“لأن ذلك المكان احترق قبل عشرين سنة.”تجمدت في مكانها.أما قلبها…فشعر وكأنه توقف عن النبض.لأنها كانت متأكدة من شيء واحد.إذا كان ال







