Masukالفصل التاسع عشر :القسم الرابع » إلى أين تهربين مني « تجمدت أماندا كلياً من شدة الرعب، وأصبحت أنفاسها محدودة ومختنقة أمام ضخامة جسده الذي حجب عنها الضوء والهواء كجدارٍ خرساني. شعرت بصلابة جلده الملتصق بها، وبأنفاسه اللاهبة، وبقسوة قبضته التي تحاصرها... كيف وجدها بهذه السرعة؟ وكيف يتصرف بهذه الوحشية وهو يلمسها كمسخٍ لا يمت للبشر بصلة؟! ثم صرخ بها بنبرةٍ حادة وميتة: «سآخذكِ معي إلى الجحيم!» ودفعها بقسوةٍ إلى الخلف بحركةٍ حادة لتسقط وسط ألسنة نيرانٍ اشتعلت من حولها، وهو يعلوها بثقله المهلِك، وعلى وجهه ابتسامةٌ مجنونة ومظلمة، بينما كانت هي تشعر بالنار تأكل جلدها وتحرق أنفاسها تحت بطشه... تحركت بألمٍ ورعب تحاول الابتعاد عن السعير، لتجفل أماندا فجأةً بعد أن خبطت يدها بالخشب الجانبي وتألمت بشدة، لتستيقظ منتفضةً برعبٍ جارف! اتسعت عيناها الخضراوان وتدحرجت أنفاسها المتسارعة كالطليق الهارب من الموت. كان صدرها يعلو ويهبط بفرقعةٍ مرعبة، وجبينها الناعم يتصبب عرقاً بارداً يلتصق بخصلات شعرها... أخذت تلتقط أنفاسها بذهول وهي تلتفت حولها بتوتر، لتدرك أخيراً أن كل ذلك الجحيم لم يكن سوى كابوسٍ أ
الفصل التاسع عشر:القسم الثالث على الجانب الآخر من المدينة، وفي عرض البحر الأفيح، كانت أماندا تراقب ضفاف المدينة البعيدة وهي تتلاشى رويداً رويداً خلف الأفق. كانت الأضواء تبدو من هذا البعد هادئة، جميلة، ورومانسية بشكلٍ مبالغ فيه... على عكس ناسها وطبيعتها القاسية التي يكتسحها الدم والظلم. تنهدت براحةٍ عميقة وهي تميل برأسها لترتكئ على القضبان الحديدية الباردة، تدخن سيجارةً وتفكر بما سيحدث بعدها؛ فحين هربت لم يكن لديها وقتٌ كافٍ لتحجز تذكرة طيران مباشرة نحو جنوب أفريقيا. كانت خطتها تعتمد على مغادرة الحدود الإقليمية لإيطاليا بحراً نحو اليونان، ومن هناك تحجز أول طائرة تُقلها نحو وجهتها النهائية... متعمّدة إبعاد فكرة "ماذا لو أمسك بي؟" عن رأسها كلياً؛ إذ لم تكن تعلم كم ساعة مرت بها في عرض البحر، فمنذ أن هربت كان الوقت عصراً، أما الآن فقد حلّ الليل وها هي تقبع في قلب الماء المظلم تحت سماءٍ داكنة. أخبر المهرب الجميع أن الرحلة ستستغرق ثلاثة أيام في هذا البحر الداكن الممتد. في بداية الأمر، شعرت أماندا بشكوكٍ وقلق، وظنت أنها قد تختلف معه وتقتله في وسط هذا البحر؛ لكن انطباعها الأول عن ذلك ا
الفصل التاسع عشر :القسم الثاني توقفت حشرجة الزئير في صدر كلاي فوراً، وسكن جسده المشتعل بين ذراعي إيفان كأنما كُسر فيه شريان الحياة،يتردد في أذنيه صدى كلماته كأنها مطرقة تهشم عقله: «كانت تعلم بوجود نفق وهربت منه.. بينما تضحك الان على استغفالك!». ضرب قبضة إيفان عنه ليغادر، نهض بخطواتٍ ثقيلة تتعدى حدود النذالة، دون أن ينطق بكلمة اعتذار أو يرفّ له جفن على افعاله البشاعة التي ارتكبها بحق والده، مخلفاً وراءه خنجر يقطر سموماً بقلب الرجل الذي انجبه ،الذي كان يبحث بخيبه بعيني ابنه عن اي لمحة تظهر اسفه ولو قليلاً، ولم تتردد في عينيه المحتقنتين بالدم أي ذرة ندم، ولا رمشة ذنب واحدة. ولم يكن ينظر نحوه حتى وكأنه لا شئ ،تجاوزهم بتلك البشاعة بجمودٍ ميت وجفافٍ مرعب كاشفاً عن وجهه الحقيقي لهم، واي شيطان هو يكون. التفت إيفان سريعاً نحو سيرجيو، وألقى نظرةً خاطفة يكسوها الذنب المكتوم. ونطق ليحرص ع تهدات النار التي اشتعلت بنبرة متوهجسة.. «اياك ان يوسوس لك الشيطان ان تحقد عليه او تزعل منه، انت تعلم كم يحبك لكنه ليس بوعيه الان.« والقى تحذير لماركو كي يرعى والده، ثم انطلق خلف كلاي بسرعةٍ حثيثة كظ
الفصل التاسع عشر :القسم الأول كان سيرجيو يذرع أرض مكتبه الواسع ذهاباً وإياباً، مشابكاً يديه خلف ظهره بجمودٍ يحاول به السيطرة على اضطراب أفكاره. القصر بأكمله بدا خالياً إلا من صمتٍ مسموم؛ فقد وجّه كل رجاله وحراسه ومجموعات البحث للانتشار في أرجاء المدينة، وعاد هو إلى هنا لينتظر أي خبرٍ ينتشله من هذا الكابوس. لم يكن سيرجيو يصدق حتى هذه اللحظة كيف تملصت منه تلك المرأة! كيف هربت في لحظةِ غفلةٍ لم تتجاوز الدقائق؟! كان الحراس يطوقون كل منفذٍ في الطوارئ، ولم يتركوها إلا حين طلبت دخول الحمام. وقبل أن تلمس قدمها العتبة، تفقد سيرجيو بنفسه الحمام والمساحات المجاورة للتأكد من خلوها كلياً، ومُنع أي شخصٍ من الاقتراب... لكنها دخلت ولم تخرج! حين طال صمتها، اقتحم المكان بنفسه ليبحث عنها، ولكن عبثاً... تبخرت كأنها لم تكن! للحظات، اعتصر الرعب قلب سيرجيو، تحسباً لرد فعل ابنه المجنون حين يستيقظ. كرس كل مجهود رجاله، استنفر الاتصالات، سخر كل نفوذه وسلطته ليفعل المستحيل ويمسح الشوارع بقعةً بقعة... لكن بلا جدوى. وفجأة، لمح من النافذة سيارة كلاي تقف عند المدخل الرئيسي باهتزازٍ حاد. انفتح الباب ليترجل م
الفصل الثامن عشر :القسم الثالث استيقظ كلاي على صوت صريرٍ حاد لصلب الباب وهو يُفتح ببطء، تلاه وقع خطواتٍ خفيفة ومحسوبة تقترب منه. فتح عينيه بجفونٍ ثقيلة؛ كان جسده مجهداً، وضغط الإصابة بكتفه وخاصرته يُرسل نكزاتٍ حارقة تشدّ على عضلاته مع كل حركة. اعتدل ببطء في جلسته كي لا ينفتح الجرح، لتلتقي عيناه المحتقنتان بإيفان وهو يجلس قبالته، يراقبه بصمتٍ مريب ونظراتٍ غائمة بجمودٍ مصنّع. مسح على وجهه بكفٍ ثقيلة ليطرد بقايا النوم عنه، فيما انحنى إيفان ومدّ له كأساً من الماء دون أن ينطق بكلمة. أزاح كلاي الكأس بيده بتشتت، وأشار بأصبعين مجهدتين نحو علبة السجائر المركونة. التقطها إيفان وأعطاه إياها، ثم سحب الولاعة واشعلها له، متطلعاً نحو الشرار المنتشر في العتمة. سحب كلاي نفساً عميقاً، ونفث الدخان الكثيف بنشوةٍ، ثم نطق بنبرة رجولية حادة خشنة يكسوها أثر النوم وجفاف الحلق: «أعطني الهاتف..» قلّب نظراته في حواف الغرفة المعتمة، وزفر بضيقٍ وهو يتفقد الإضاءة المتوارية خلف الستائر بعد أن ألقى نظرة سريعة على الساعة: «أوف.. كم الساعة؟ السابعة مساءً؟» نظر إلى إيفان باستغرابٍ دقيق، وقطب حاجبيه بمرارة و
الفصل الثامن عشر: القسم الثاني انزلق العالم من تحت قدمي أماندا كأنما انقطعت خيوطه فجأة. لم يكن سقوطاً عادياً، بل كان غرقاً متدرجاً في عتمةٍ هائلة وجديدة؛ انكمش الضوء في المكان حتى صار بؤرة ضيقة وذاب، وتلاشت ملامح إيفان وغضبه ليحل مكانهما طنينٌ معدنيٌّ صاخبٌ يعزف داخل رأسها كأنه صوت انفجار مكتوم. انحسر الهواء من أرجاء الصالة، وتخشب صدرها بعجزٍ مرعب بينما تسللت البرودة السريعة من طرف قدميها صعوداً إلى ساقيها، كأن سائل الجليد يحل محل دماء جسدها المجهد. سقط رأسها بثقلٍ على خشبة الطاولة، وانقطعت حواسها بالكامل لبضع ثوانٍ غابت فيها عن الوجود تماماً. بدأ سمعها يعود إليها تدريجياً عبر طبقاتٍ ثقيلة من الضباب؛ كان صوت إيفان يتسلل إلى أذنيها كأنه قادمٌ من جوف بئرٍ سحيق، يلعنها ويسبها بصوت خفيض مذعور، يحاول إيقاظها بهدوء حذر دون أن ينكشف أمرهما. كان يهز كتفها بأصابع ترتجف من فرط الهلع؛ فماذا سيقول لو رآهما أحد على هذه الحال؟! الباب مغلقٌ بإحكام، وهو محتجزٌ معها بمفردهما، وهي تمددت أمامه كجثةٍ هامدة غائبة عن الوعي! تضاعف توتره وتصاعدت دقات قلبه حين انتبه إلى أن جسدها لم يرتخِ كالنائم، بل ت







