INICIAR SESIÓNأسيرة في منزل الشيطان
كارلو صوت شفرات المروحية كان لا يزال يطن في أذنيّ كصدى بعيد، رغم أن المحركات قد خمدت منذ دقائق، ورغم أن أقدامي قد وطأت أرض قصر كالابريا الحجري الذي يقبع على حافة الجرف مثل صمت مرير. أغلقتُ الباب الخشبي الضخم خلفي بيدٍ مرتعشة قليلاً، ليس من الخوف، بل من الأدرينالين الذي لا يزال يجري في عروقي كحمم بركانية. ألقيتُ المعطف على كرسي جلدي عتيق، وتركتُ المسدس يلامس وسادة السرير الضخم الذي استقرت عليه. هي نائمة هناك، في المنتصف، على فراش من الحرير الأسود الذي يبدو غريباً على بشرتها الشاحبة. شعرها الاشقر متناثر على الوسادة البيضاء كفراشة محطمة الأجنحة، وصدرها يرتفع وينخفض بإيقاع بطيء ومنتظم فرضه المخدر الذي حقنتُها به. جلستُ على حافة السرير من جهة القدمين، ووضعتُ يديّ على ركبتيّ. لم أخلع سترتي بعد، لم أغلق عينيّ، لم أتنفس بعمق، كل تركيزي كان منصتاً لها، مراقباً كل نبضة، كل انقباضة عضلية صغيرة، كل همسة شفة قد تفلت منها في نومها. لم أكن أعرف لماذا أحضرتها هنا! العقل المنطقي، ذلك الجزء المتحجر مني الذي حكم العصابات والممرات السرية والمزادات الدموية لسنوات، كان يصرخ بأن الشريحة المدمرة كانت نهاية المطاف، كان يجب أن أتخلص منها، أن أنهي حياتها في شقتها الباردة، لكن الغريزة، ذلك الوحش الذي يسكن في صدري ولا يعرف الرحمة، كان لها رأي آخر. لقد رأتُها. رأيتُ كيف وقفت أمام فوهة مسدسي في ممر شقتها الضيق. لم ترتجف. لم تتوسل. حتى عندما كان الخوف يلمع في عينيها كبريق زجاجي تحت الضوء الخافت، كانت وقفتها ثابتة. ثباتها الانفعالي كان ما أثارني في البداية، ثم جعلني أشك، جعلني أشعر بالنشوة الشديدة لتحطيمها، معظم الناس ينهارون تحت وطأة التهديد المباشر. يبدؤون بالبكاء، بالتفاوض، بالكذب المتلعثم، بتقديم كل ما يملكون من أسرار صغيرة وكبيرة على طبق من فضة. هي؟ لم تقدم شيئاً. لقد حافظت على هدوئها كتمثال رخامي في مهب عاصفة. وعندما رفضت الاعتراف، عندما أصرّت على أنها لم تعرف شيئاً داخل الشريحة، لم أصدقها. لكنني، في تلك اللحظة بالذات، لم أعد أهتم بالحقيقة بقدر اهتمامي بها هي. نظرتُ إلى كفّي اليمنى. لا تزال آثار قبضتي على ذراعها محفورة في ذاكرة الجلد. تذكرتُ كيف حاولت التملص، كيف دفعت صدري، كيف حاولت الهرب رغم أن المسافة بين الموت والحرية لم تكن تتجاوز خطوة واحدة. كانت كقطة برية محاصرة في زاوية ضيقة: خائفة، لكنها ترفض أن تظهر انكسارها. وهذا بالضبط ما أشعل النار في داخلي. رغبة بدائية، قديمة، لم أختبرها منذ أن كنت طفلاً يشاهد الفريسة تهرب في الحقول الطينية. أردتُ أن أفترسها. لا بالمعنى المجازي فقط، بل بالمعنى الحرفي الذي يفهمه الوحش: أردتُ أن أملك كل ذرة فيها. أردتُ أن أكسر ذلك الجدار الجليدي الذي تبنيه حول نفسها، ليس لكي أراها تنهار، بل لكي أرى ما يكمن خلفه. أردتُ أن أمتلكها كما يملك التاجر قطعة نادرة، أو كما يملك الفارس أرضاً محتلة. لا شراكة، لا مساومة، سيادة مطلقة. وهنا بالذات، تشابكت الخيوط في رأسي. ثباتها الانفعالي، رفضها للكشف عن أي معلومة، قدرتها على التلاعب بالكلام دون أن ترتبك... كلها علامات مهنية. علامات جاسوسة مدربة. العقل الجنائي فيّ كان يحلل كل حركة: زاوية نظرتها عندما سألتها عن المال، سرعة ردها عندما اتهمتها بالتجسس، الطريقة التي حوّلت فيها الاتهام إلى اتهام عكسي ("أنت من أدخلني اللعبة"). نمطية. مصقولة. باردة. لو كانت مجرد فتااة عادية، لكانت قد بكت أو غضبت أو انفجرت. لكنها قاتلت بالسلاح الوحيد الذي تمتلكه: الصمت المدروس. كان هذا يثير غضبي. غضباً عميقاً، مسموماً، يتحول ببطء إلى رغبة في الانتقام. إذا كانت جاسوسة، فقد خانت المكان الذي وضعتُها فيه. اخترقت حدودي. لعبت بالنار حولي وأنا أظنها ماءً. والعقاب على الخيانة في عالمي واضح: الموت البطيء، أو الاعتراف الكامل، أو كليهما. لكن شيئاً ما كان يعطل تنفيذ العقاب. شيء أرقي. عندما كانت تنظر إليّ بعينين تلمعان بالتحدي حتى في لحظة اليأس، لم أكن أرى عدواً أريد التخلص منه. كنت أرى مرآة تعكس جزءاً مني أنا نفسي: ذلك الجزء الذي يرفض الانحناء، الذي يفضل الموت على الاستسلام، الذي يبني جدرانه من الصمت والكبرياء. لذلك، عندما حقنتُها بالمخدر، لم أفعلها بدافع الغضب فقط. فعلتها لأنني لم أكن أثق بنفسي لأتركها تمشي بعيداً. وفعلتها لأنني أردت أن أراها هنا، في ملجأي، تحت سقفي، حيث لا يمكن لأحد أن يصل إليها سواي. حيث لا يمكن لها أن تهرب مني، ولا من الحقيقة التي تخفيها. مددتُ يدي ببطء، وكأنني أخاف أن أوقظها، وكأنني أخاف أن أتراجع. لمسْتُ خصلة شعر سقطت على خدها. كانت باردة، ناعمة، تتناقض مع حرارة الجلد الذي يختبئ تحتها. أغمضتُ عينيّ للحظة. تذكرتُ رائحة شقتها: قهوة قديمة، وكتب، وخوف مختلط برائحة الياسمين الصناعي من العطر الرخيص. أدرتُ إبهامي على خدها بلطف لا يتناسب مع الرجل الذي يحمل مسدساً في حزامه ودماء على أحذيته، كانت متناقضة. كانت لغزاً، وكانت لي. "لماذا تقاومين ما هو حتمي؟" همستُ لنفسي، الصوت يخرج مبحوحاً، يبتلعه صمت القصر العتيق. "لو اعترفتِ، لكنتِ نلتِ رحمة سريعة. لكنكِ تختارين الحرب. وتختارين أن تكوني ملكي كرهينة قبل أن تكوني ضحية." فتحتُ عينيّ مجدداً. حدقتُ في خطوط وجهها وهي نائمة. حتى في الغياب، كانت هناك صلابة في فكها، في انحناءة حاجبيها، في الطريقة التي كانت تضغط بها شفتيها معاً كما لو كانت تكتم سراً أخيراً. هذا الثبات كان ما يجعلني أشك فيها. الجواسيس الحقيقيون لا ينكسرون. المحترفون يتحملون الضغط، يحسبون المخاطر، يلعبون الأدوار. لكنها... هل كانت محترفة فعلاً؟ أم أنها مجرد امرأة عادية صادفت ناراً أكبر منها، فقررت أن تقف بدلاً من أن تهرب؟ العقل المنطقي كان يميل للأول. الغريزة كانت تميل للثاني. والقلب، ذلك العضو الخادع الذي لم أعد أثق به، كان يريد أن يصدق أنها شيء آخر. شيء يستحق أن يُحفظ، لا أن يُسحق. سمعتُ خطوات متقاربة في الممر الحجري خارج الغرفة. ثقيلة، منتظمة، تتوقف عند الباب الخشبي المنقوش. ثلاث طرقات قصيرة. ثم صوت مألوف: "سيدي؟" لم أرفع بصري. "ادخل، ماركو." انفتح الباب بصرير خافت. دخل ماركو، حارسي الشخصي منذ عشر سنوات، وجهه يحمل ذلك التعابير الجامدة التي اعتدت عليها، لكن عينيه كانتا تبحثان عن أي إشارة مني قبل أن يتحدث. أغلق الباب خلفه، وتقدم بخطوتين، يده اليمنى ترتاح تلقائياً على مسدسه، رغم أننا في قلعة محصنة. "الجثة في المشرحة السفلية، سيدي. الرجل الذي حاول تهريب ملفات الشحنة وتورط بها جوليو، تم التأكد من هويته، لكن..." تردد ماركو للحظة، وهو يزن كلماته بعناية. "الدكتور فينتشي مصاب. سيارته تعرضت لحادث على الطريق الجبلي، وكسر في الذراع وفقدان للوعي. المشرف الطبي البديل غير متاح حتى الصباح. الفريق ينتظر الأوامر. لا يمكننا بدء التشريح دون خبير. الأثر الجنائي يحتاج توثيقاً دقيقاً قبل أن تتحلل العلامات." أغمضتُ عينيّ. فينتشي. الطبيب الشرعي الوحيد الذي أثق به في هذه المنطقة. الإصابة توقيت سيء، أو ربما توقيت مثالي حسب منظور القدر الملتوي الذي يحكم حياتي. فتحتُ عينيّ ببطء، ونظرتُ إلى ماركو. ثم عدتُ بنظري إلى السرير. إلى وجهها. إلى الشفاه التي كانت لا تزال مغلقة بإصرار، حتى في اللاوعي. "اخلوا المشرحة،" قلتُ بصوت هادئ، لكنه يحمل ثقل الأمر النهائي. "غطوا الجثة. أغلقوا الأبواب. لا يمس أحد شيئاً. لا يلمس أحد الأثر. لا يحرك أحد ورقة." تصلب ماركو قليلاً. "سيدي، التأخير قد يؤثر على..." قطعتُ كلامه بنظرة واحدة. رفعتُ يدي اليمنى، وأشرتُ بإصبعي نحو السرير، دون أن أنظر إليه. "التشريح سيؤجل. حتى تستيقظ طبيبتي الجميلة." صمت ماركو. لم يسأل. لم يعترض. في عالمي، الأوامر لا تُناقش، بل تُنفذ. لكنه فهم المعنى الضمني، كما فهمتُ أنا الرعب الذي قد يسببه هذا القرار لبقية الفريق. "طبيبتي". لم أقلها كلقب، قلتها كإعلان ملكية. كخط أحمر يُرسم بالدم حول هذا السرير، إذا كانت جاسوسة، فستكشفها مهاراتها، وإذا لم تكن، فستثبت براءتها أمامي. وفي كلتا الحالتين، هي التي ستتعامل مع الجثة، هي التي ستقرأ الجسد الميت كما قرأت عينيّ في شقتها. هي التي ستدخل عالمي من بابه الأمامي، لا من الخلف. "نعم، سيدي"، همس ماركو، وانحنى برأسه خطوة للخلف، ثم غادر الغرفة ببطء، مغلقاً الباب وراءه برفق شديد، وكأنه يخاف أن يزعج نومها. عادت الصمت يلف الغرفة. أثقل من قبل. أكثر كثافة. جلستُ هناك، أراقب صدرها يرتفع وينخفض. المخدر كان قوياً، لكنه ليس ساماً. ستستيقظ خلال ساعات. ستشعر بالثقل أولاً، ثم بالدوار، ثم بالوعي الحاد الذي سيضربها كالصاعقة. وستعرف، في تلك اللحظة، أنها لم تعد في شقتها. أنها لم تعد في مدينتها. أنها في قلعتي. في عالمي. حيث القواعد تُكتب بيدي، حيث الهروب خيال، حيث كل نفس تأخذه هو بإذني. مددتُ يدي مرة أخرى، هذه المرة لمستُ معصمها. النبض كان قوياً. منتظماً. الحياة لا تزال تدفع فيها بعناد. ابتسمتُ، ابتسامة باهتة، غير مرئية لأحد غيري. "استيقظي، إيلارا"، همستُ. "اللعبة لم تنتهِ، لقد بدأت للتو."الفصل السابع والخمسونحضن دافئإيلاراتراجع أخيراً بتردد واضح، لكنه لم يغادر الحمام تماماً. وقف عند الباب نصف مغلق، ظهره لي، يعطيني خصوصية نسبية. خلعتُ الرداء الحريري ببطء مؤلم، وانزلقتُ في الماء الدافئ. الدفء غمرني فوراً، يرخي العضلات المتيبسة، يذيب بعض الجليد في روحي المتعبة. أغمضتُ عينيّ، وتركتُ الرائحة الهادئة تأخذني بعيداً لدقائق.بعد دقائق قليلة، سمعتُ خطواته تقترب بهدوء. فتحتُ عينيّ، فرأيته يجلس على حافة الحوض مباشرة، يمسك إسفنجة ناعمة مبللة. "سأغسل شعركِ... لا تجهدي نفسكِ.""ابتعد عني..." همستُ، لكن صوتي خرج ضعيفاً.لكنه لم يستمع. غمر الإسفنجة في الماء، وبدأ يمررها بلطف شديد على كتفيّ العاريين، حركات بطيئة دائرية، حذرة كأنه يخشى أن يحطمني بأي لمسة. لم تكن لمسته شهوانية هذه المرة، بل حنونة عميقة، مليئة بالندم والخوف من الفقدان.أصابعه القوية دلكت رقبتي بلطف، تنزع التوتر المتراكم لأسابيع، ثم انتقلت إلى شعري، يغسله ببطء، يدلك فروة رأسي بأطراف أصابعه بطريقة تجعلني أرتجف. كان قريباً جداً، أنفاسه الدافئة تلامس بشرتي المبللة، صدره يرتفع وينخفض ببطء.ارتجفتُ، جزء مني يريد أن يذوب في
الفصل السادس والخمسونظلال الانهيارإيلاراالظلام كان كثيفاً، ثقيلاً، يضغط على صدري كأن يداً حديدية تحاول خنق ما تبقى من حياتي. سمعت أصواتاً مشوشة تتردد في أذنيّ كصدى بعيد، ثم شعرت بأصابع باردة تمسك معصمي. حاولتُ فتح عينيّ، لكن الجفون كانت ثقيلة كالرصاص.جسدي يئن من الألم الخفيف الذي ينتشر في كل مفصل، معدتي فارغة تماماً كأنها حفرة سوداء، والدوار يدور في رأسي كعاصفة لا تهدأ.كيف وصلتُ إلى هذا الحال؟ كنتُ أعاقب نفسي بصمت منذ أسابيع، أرفض الطعام يوماً بعد يوم، أترك الجوع يأكل مني حتى أصبحتُ ظلاً شاحباً من الفتاة التي كنتُها. الآن، أنا ملقاة هنا، على حافة الانهيار، في قصر هذا الرجل الذي يحبّني بطريقة تدمّرني."نبضها ضعيف جداً... ضغط الدم منخفض... تحتاج تدخلاً فورياً." كان الصوت مألوفاً، يحمل نبرة مهنية هادئة. رفعتُ جفوني بصعوبة بالغة، والضوء الخافت في الغرفة أذى عينيّ المحتقنتين.كان الطبيب أليساندرو يقف بجانب السرير، معطفه الأبيض النظيف يلمع تحت ضوء المصباح العتيق. عرفته فوراً. كيف لا أعرفه؟ عملنا معاً لأشهر طويلة في برج الطبي، في الجناح السري الذي يعالج إصابات "رجال المهام" كما يسميهم
الفصل الخامس والخمسونحدود مكسورةكارلوخرجتُ من اجتماع القادة وقلبي يغلي كبركان على وشك الانفجار. كلمات إيلارا كانت لا تزال تدوي في أذنيّ مثل صدى رصاصة قريبة: "أشعر أنني فريسة ضعيفة في وسط وحوش جائعة..." كيف سمحتُ لهذا يحدث تحت سقف قصري؟ أنا كارلو، الرجل الذي يحكم الظلال والدم والموت، فشلتُ فشلاً ذريعاً في حماية الفتاة الوحيدة التي تضيء عالمي المظلم الذي لا يرحم.مشيتُ في الممر الطويل بين الجدران الحجرية المزخرفة بزخارف قديمة، خطواتي ثقيلة تكاد تثقب السجادة الفارسية الفاخرة التي كانت تُغطي الأرضية. ماركو يتبعني صامتاً كالظل، يعرف تماماً متى يبقي فمه مغلقاً ولا يتدخل. توقفتُ أمام باب غرفتها. أشرت له برأسي لينتظرني، يدي ارتجفت للحظة واحدة قبل أن أمسك المقبض البارد. لم أطرق. هذا قصري، وهي... هي جزء من روحي، حتى لو كانت تكرهني الآن وتراني عدوها الأول.دخلتُ بهدوء. الغرفة كانت مضاءة بضوء خافت من مصباح واحد على المنضدة الخشبية العتيقة، يلقي ظلالاً طويلة مرعبة على الجدران.إيلارا كانت جالسة على حافة السرير الكبير، ظهرها لي، شعرها الطويل الداكن منسدلاً على كتفيها كشلال من الحرير المتعب الذي
الفصل الرابع والخمسونحدوديكارلووقفتُ أمامها في مكتبي الخاص، وجسدها قريب مني إلى درجة أنني أستطيع أن أشم رائحة شعرها المرهق الذي يحمل أثر يوم طويل من العمل الشاق في البرج الطبي.رائحة الصابون الطبي النقي المختلطة بعطرها الخفيف الذي طالما أسكر حواسي وأذاب صلابتي الداخلية. حاولتُ بكل ما أوتيت من قوة أن أجعل الجو بيننا لطيفاً هادئاً، أن أمحو هذا الفتور القارس الذي يلف علاقتنا كالضباب الكثيف الذي يخنق الروح. ابتسمتُ ابتسامة هادئة نادرة، ابتسامة لا أظهرها إلا لها وحدها، ولطفتُ صوتي قدر الإمكان، ومسحتُ بإبهامي على ظهر يدها بلطف شديد، كأنني أخشى أن تتحطم إن ضغطتُ أكثر من ذلك.لكن إيلارا حاولت أن تبتعد، سحبت نفسها بلطف لكن بحزم واضح، محاولة الانسحاب من بين يديَّ خطوة صغيرة إلى الخلف. شعرتُ بقلبي ينقبض ألماً حاداً. هذا الابتعاد البسيط كان أقسى من أي طعنة. أنا الذي اعتدتُ على السيطرة التامة، أصبحتُ أرى في عينيها تردداً ومقاومة تجعلني أشعر بالعجز لأول مرة في حياتي.لا أستطيع تحمل فكرة أنها بعيدة عني بهذا الشكل المؤلم. الفتور الذي يسود بيننا يقتلني ببطء أشد وأقسى من أي رصاصة اخترقت جسدي في المع
الفصل الثالث والخمسونالغيرة المشلولةكارلوالأيام الماضية مرت عليّ كالجحيم الحقيقي، جحيم لا ينطفئ، يحرق الروح قبل الجسد. لم أنم ليالٍ كاملة منذ ذلك الشجار اللعين.كلما أغمضت عينيّ، عاد المشهد يلعقني كالنار: إيلارا تنهار على السرير كأن جسدها فقد كل قوة، دموعها الحارة تحرق خديها، وصوتها المكسور يتردد في أذنيّ وهي تهمس "كيف خالفتَ الوعد؟" ثم يأتي الدفتر الجلدي الأسود بين يديّ، كلماتها بخط يدها الجميل عن إنزو، عن هدوئه، عن حنانه الذي لا يحمل تملكاً وحشياً، عن رغبتها في الهروب مني، عن أنني أخيف روحها وأملأ جسدها فقط. كيف خلقتُ هذه المشكلة الكبيرة بيننا؟ أنا الذي كنت أحميها بكل ما أملك، أملكها، أجعلها ملكتي في عالمي المظلم المليء بالدم والخيانة. كنت أرى فيها النور الوحيد، المستقبل الذي يستحق أن أقاتل من أجله، وفجأة أصبح كل شيء رماداً بارداً. الفتور الذي يلفنا الآن يقتلني ببطء. أتذكر ليالينا معاً، جسدها يرتجف تحتي، عيناها مغمضتان بشوق، همسها "كارلو" وهي تتمسك بي كأنني حبل النجاة الوحيدة. الآن، كل ذلك تحول إلى ذكريات مؤلمة تطعنني في كل لحظة.أنا زعيم مافيا. من المفترض ألا أثق بأحد ثقة عمي
الفصل الثاني والخمسونمجرد نزوةإيلاراالأيام السابقة لم تكن مجرد أيام عادية، بل كانت كالأثقال الثقيلة التي تُلقى على صدري واحدة تلو الأخرى، تسحق ما تبقى من قوتي.كنتُ مشغولة طوال الوقت، أغرق نفسي في العمل داخل البرج الطبي كأن العمل هو الملاذ الوحيد الذي يبقيني على قيد الحياة.أستيقظ قبل الفجر، أرتدي ردائي الطبي بيدين مرتجفتين قليلاً، وأتوجه إلى هناك وكأنني أهرب من نفسي. الجولات الصباحية على المرضى، فحص الجرحى الذين عادوا من مهمات دموية، تعديل الجرعات، مراقبة العلامات الحيوية، كتابة تقارير مفصلة لا تنتهي.أجري عمليات طارئة، أنظف الجروح، أطمئن على المصابين، وأستمع إلى شكاواهم بتركيز مصطنع. الممرضات ينظرن إليّ أحياناً بفضول أو قلق، لكنني أتجاهل النظر ات وأغوص أكثر في الروتين.لكن حتى في أشد لحظات الإرهاق، كان الفتور بيني وبين كارلو يلاحقني كظل أسود. لم يعد هناك ذلك الحضن الدافئ الذي يلفني بعد يوم طويل، لم تعد كلماته "أنتِ لي" تُطفئ الظلام الذي يعيش داخلي.كل شيء أصبح بارداً، سطحياً، رسمياً كأننا نتبادل كلمات قليلة ضرورية فقط. أشعر أنني مجرد نزوة عابرة له، جسد يلجأ إليه في لحظات الرغبة ث