Share

في كنفِ كراهيتك
في كنفِ كراهيتك
Author: Déesse

الفصل 1: الآثار

Author: Déesse
last update Petsa ng paglalathala: 2026-06-17 03:13:49

جوليا

تقرع قطرات المطر على زجاج المساحة المفتوحة كنداءٍ لا يكل، كتذكيرٍ أبدي بواقعٍ لا مفر منه. كل قطرة تبدو وكأنها تهمس بالكلمة ذاتها، بل تصرخ بها: لماذا، لماذا، لماذا. أحدق في شاشة حاسوبي، الأرقام ترقص أمام عينيّ كجنودٍ متمردين، تنساب من بين أصابعي دون أن يلتقطها عقلي المنهك. عالمي الآن، عالمي كله، يختصر في هذا المكتب الضئيل، في هذا الكرسي الذي يصدر صريرًا كلما تحركت، وفي المنظر الذي لا يغيب عن ناظريّ أبدًا: الباب الضخم المصنوع من خشب البلوط المعتق لمكتبه.

مكتبه. لورينزو.

لا يمر يوم دون أن تتسلل عيناي إليه، وكأنهما مرساة في بحر من الفوضى. ذلك الباب الثقيل يخفي وراءه رجلاً كان كل شيء بالنسبة لي، رجلاً تحول حبي له إلى سمٍّ يجرِي في عروقي. كل صباح، أدخل إلى هذا المكان وأنا أعلم أن اليوم سيكون نسخة من الأمس: نظراته الباردة، كلماته الجارحة، طلباته المستحيلة. ومع ذلك، لا أستطيع التوقف عن التفكير فيه. عنا. عن كل ما كان وما يمكن أن يكون.

الصوت المألوف للكعب العالي على الباركيه الرقائقي يجعلني أفزع من شرودي. إنها صوفيا، مساعدة المدير. ابتسامتها الدائمة تشبه شفرةً رفيعةً تخفي وراءها متعةً خفيةً بمشاهدة معاناتي. تقف أمام مكتبي، تنظر إليّ من علٍ، وتلقي كلماتها كحجرٍ في ماء راكد:

— روسي، السيد كونتي يطلبك. فورًا.

فمي يابس كالصحراء. أومئ برأسي فقط، لا أستطيع نطق كلمة. أنهض بحركة مفاجئة جدًا، وكأن جسدي يتحرك بإرادة غير إرادتي. أشعر بنظرات زملائي الجانبية تثقب مؤخرة رأسي، ذلك المزيج المقرف من الشفقة والفضول المريض. أنا الجديدة هنا، سدّة الفراغ، تلك المسكينة التي يبدو أن الرئيس التنفيذي يحمل لها ضغينة شخصية لا تفسير لها. هم لا يعرفون. لا يمكنهم أن يعرفوا. لا أحد يعرف الحقيقة سواي. وسواي.

الممر المؤدي إلى بابه يتحول في عينيّ إلى زقاقٍ من العار، كل خطوة فيه تخطو على شوك الماضي. أقرع الباب، ضربتين خفيفتين، كما علمتني الحياة أن أكون خفيفة، صغيرة، غير مرئية.

— ادخل.

صوته. خمس سنوات لم تغير فيه شيئًا. يخترق الخشب السميك ويصيبني في صميم روحي، ذلك المزيج المتفجر من المخمل والجليد. أمتلك أنفاسي وأدفع الباب.

لورينزو كونتي واقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، شبحه منحوت في الضوء الرمادي لميلانو. لا يستدير إليّ فورًا. يتركني في هذا الصمت الممتد لأبتلع خوفي، لأتأمل برودة الفخامة التي تحيط بي، لألاحظ - دون أن أستطيع منع نفسي - صورة الخطوبة الموضوعة بتأنٍ على مكتبه. ضحكة كالجرس، شعر أشقر يطير في مهب الريح. كيارا.

الألم حادٌ جدًا، مفاجئ جدًا، لدرجة أن أنفاسي تنحبس في صدري. كل مرة أراها، كل مرة أتذكر أنها ستكون زوجته، أشعر بأن سكينًا تُغرز في قلبي وتُلف ببطء. ولكنني لا أستطيع الكراهية. لا أستطيع إلا أن أحب. وهذا هو أغبى شيء في الأمر.

يستدير أخيرًا. عيناه، تلك العيون البنية العميقة لدرجة أنها تكاد تكون سوداء، ترتطم بي. لم يعد هناك أثر للشاب الحالم الذي أحببته. هناك بدلاً منه هذا الرجل الذي صقله النجاح والحقد، الذي تحولت ملامحه إلى أقنعة جامدة، ونظرته إلى ميزان يزن روحك قبل أن يحكم عليك.

— روسي.

لا يناديني باسمي الأول أبدًا. دائمًا لقبي، يُلقى كتحدٍ، كإهانة، كتذكير بأنني لست سوى موظفة عابرة في حياته.

— سيد كونتي.

— تقرير النشاط الفصلي. كان يجب أن يكون على مكتبي في التاسعة. الساعة الآن التاسعة وسبع دقائق.

صوته هادئ، ولكن كل كلمة تحمل وطأة اتهام. يريدني أن أرتجف، أن أتلعثم، أن أعطيَه ما يريد من ضعف.

— لقد... لقد حمّلته على نظام الإدارة المشتركة الليلة الماضية، سيدي. كما هو متفق عليه.

يتقدم بضع خطوات، ببطء. الفراغ في الغرفة يبدو وكأنه يتقلص حوله، وكأن جدران المكان تنحني لرغبته، وكأن الأكسجين نفسه يحترم حضوره.

— قلت على مكتبي، روسي. ليس ضائعًا في متاهات خادم. أريد ورقًا. أريد أشياء ملموسة. أتظنين أن لدي وقتًا للعب ألعاب التخمين مع مهاراتك الرقمية المحدودة؟

كل كلمة معايرة بدقة لإذلالي. أخفض عينيّ، راحتيّ تتعرقان. لأجلك. كل هذا، كان لأجلك. الترتيلة تتردد في رأسي، درعٌ واهنٌ أمام وابل كلماته.

— سأطبعه فورًا.

— فات الأوان. لدي موعد. ستعيدينه. يدويًا. تحليل مقارن مع بيانات السنتين الماليتين السابقتين، ليس فقط السنة الأخيرة. أريده غدًا صباحًا، الثامنة. هنا. على مكتبي.

إنها مهمة خمس عشرة ساعة. مهمة مستحيلة. أرفع عينيّ رغمًا عني.

— لكن... أرقام السنتين الماليتين السابقتين ليست في قاعدة بياناتي، لا أملك صلاحية الوصول إليها، أنا...

— جدي وسيلة، يقاطعني بصوت جليدي. لهذا أنت هنا، أليس كذلك؟ لتجدي حلولاً للمشاكل التي تسببتِ بها أنتِ بنفسك؟

التلميح واضح. الماضي. خيانتي المزعومة. ينظر إليّ، ينتظر ردة فعل، شرارة، علامة ضعف يمكنه سحقها تحت قدميه.

أضغط على أسناني بقوة حتى يؤلمني فكي. أخفض عينيّ مجددًا، خضوعٌ تعلّمته، ضروري لبقائي على قيد الحياة في هذا الجحيم اليومي.

— حسنًا، سيد كونتي.

يسقط صمتٌ ثقيل، مثقل بكل ما لم يُقل. بالحب الذي تحول إلى سم. بالحقيقة التي تحرق لساني. يدير ظهره، ينظر إلى المدينة مجددًا، وكأنني لم أعد موجودة.

— هذا كل شيء. اخرجي.

أنفذ. الباب يغلق خلفي بنقرة خافتة، كصوت إغلاق نعش. أبقى لحظةً ساكنة في الممر، ظهري ملتصق بالجدار البارد، أحارب لأتنفس طبيعيًا. ضحكات قادمة من غرفة الاستراحة تصل إليّ مكتومة. صوتٌ مرح، مألوف، يعلو على الآخرين.

— ...متأكدة تمامًا من لون الزهور؟ أعتقد أن الفاونيا الوردية والبيضاء...

كيارا.

---

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • في كنفِ كراهيتك    الفصل 36 – ليلة كل الهروب 1

    لورينزويطير الهاتف عبر الغرفة وينفجر على الحائط بصوت بلاستيك وإلكترونيات محطمة.— اللعنة!تسقط قبضتي على المكتب. ينفجر الألم في مفاصلي. هذا أفضل. يؤلمني. يذكرني أنني موجود. أنني حي. أنني لم أمت بعد من الغضب.ماتيو.ماتيو سورينتينو.الكلب المدلل. الوفي. الذي يدور حول جوليا منذ المراهقة كقمر صناعي حول كوكب. الذي ينتظر دوره. الذي يتربص بالثغرة.لقد تجرأ. تجرأ حقاً على تهديدي.أمشي في صالوني كوحش في قفص. منظر ميلانو، عادةً مهدئ، يسخر مني. المدينة هناك، بالأسفل، غير مبالية بغضبي. الناس يمضون في أعمالهم. يعيشون. يتنفسون. لا يعلمون أنني، لورينزو بروني، أفقد السيطرة.أفكر في صوته. الهادئ. الهادئ جداً. صوت رجل يظن نفسه مكلفاً بمهمة. المنقذ. الحامي. الذي سيجمع الأشلاء.أشلائي.لأن جوليا لي. كانت دائماً لي. منذ النظرة الأولى. منذ الليلة الأولى. إنها امرأتي. قصتي. هوسي.وهذا الحقير يسمح لنفسه...أتوقف أمام النافذة. انعكاسي في الزجاج يعيد لي صورة لا أحبها. ملامح مرهقة. عينان محمرتان. لحية نامية. لم

  • في كنفِ كراهيتك    الفصل 35 – المرساة في العاصفة 3

    جولياتبيض مفاصل ماتيو حول الهاتف. أرى الغضب يصعد في عينيه. لكن صوته يبقى هادئاً. مسيطراً عليه.— أنت محق. لقد اختارتكِ. وانظر أين أوصلها ذلك. إلى جمع أشلاء حياتها في منتصف الليل. إلى الخوف من ظلها. إلى عدم القدرة على النوم دون كوابيس. أحسنت، لورينزو. لا بد أنك فخور بنفسك.— ليس عليَّ أن أبرر نفسي أمامك.— لا. ليس عليك أن تبرر. عليك فقط أن تختفي. هذا كل ما أطلبه منك.— وإذا لم أختفِ؟— إذن سنلتقي مجدداً. وصدقني، لا تريد أن نلتقي.التحدي في صوت ماتيو واضح. حاد. بلا استئناف.يضحك لورينزو مجدداً. لكن هذه الضحكة تبدو زائفة. مصطنعة.— تضحكني. هل تظن حقاً أنك تستطيع تخويفي؟ أنت؟ الولد اللطيف الذي لم ينجح في أي شيء في حياته؟— لا أحتاج إلى تخويفك. أحتاج فقط أن تعلم أنني مستعد لفعل أي شيء لحمايتها. أي شيء على الإطلاق. إذا كان ذلك يعني تدميرك، سأدمرك. إذا كان يعني السجن، سأذهب إلى السجن. لكن أنت، لن تقترب منها مجدداً. أبداً.الصمت على الطرف الآخر مختلف. أثقل. أكثر خطورة.

  • في كنفِ كراهيتك    الفصل 34 – المرساة في العاصفة 2

    جولياأبكي. مجدداً. لكن هذه المرة، دموع ناعمة. تطهر.— يجب أن تأكلي، يقول ماتيو. وتنامي.— لا أستطيع.— سأبقى. سأجبركِ على الأكل. سأنظر إليكِ نائمة. طالما تحتاجين.— وكيارا؟— سنتناوب. سنحميكِ. لن ندعكِ تسقطين.أضع رأسي على كتفه. ما زالت رائحته طيبة. ما زال هناك. منذ خمس عشرة سنة.— ماتيو؟ هل سأشفى يوماً؟يمرر يده في شعري. برفق.— ستتعلمين العيش معه. الشفاء هو تعلم حمل الجرح دون أن يعرفك. وهذا، ستصلين إليه. لأنكِ أقوى امرأة أعرفها.نبقى هكذا طويلاً. في صمت المطبخ. في ضوء الفجر.تصل كيارا بعد ساعة. ترى ماتيو. تفهم. تبتسم. تحضر القهوة. نتحدث عن أشياء عادية. نضحك حتى قليلاً. للمرة الأولى منذ أيام.ثم يرن هاتفي. أنظر إلى الشاشة.لورينزو.يتوقف قلبي. ثم يخفق بعنف.أنظر إلى ماتيو. أنظر إلى كيارا. يهتز الهاتف في يدي. ملحاً. عنيفاً.— لا تردي، تهمس كيارا.— سيعاود الاتصال، أقول. يعاود دائماً.

  • في كنفِ كراهيتك    الفصل33– المرساة في العاصفة 1

    جوليايرن هاتفي، مزقاً صمت الفجر. أنتفض ضد كيارا التي نامت بجانبي على الأريكة، منهكة من نوبة بكائي. تعرض الشاشة اسماً يجعلني أبكي مجدداً فوراً.ماتيو.صديقي المفضل. صخرتي. الرجل الوحيد الذي ما زلت أثق به.أرد، صوتي مكسور.— ألو؟— جوليا؟صوته عميق. قلق. يعلم دائماً. لطالما علم. حتى على بعد كيلومترات، حتى دون رؤيتي، يشعر عندما أكون بخير. هذا ما بيننا. اتصالنا.— ماتيو...— أنتِ لستِ بخير. أسمع ذلك. ماذا حدث؟أريد الرد. أريد أن أخبره. لكن الكلمات عالقة. ثقيلة جداً. قذرة جداً. حميمية جداً.— جوليا، أنا أستمع لكِ. تحدثي إليّ. أنا هنا.— أنا... لا أعرف من أين أبدأ.— من البداية. أو من النهاية. لا يهمني. لكن تحدثي إليّ.أغلق عينيّ. يغلفني صوته. يذكرني بمن كنت قبل لورينزو. يذكرني أن هناك ما زال رجالاً طيبين. رجالاً لا يكذبون. رجالاً لا يضربون.— حلمت بكابوس، أنهي بالقول. كابوس فظيع.— احكي.— كان هناك. لورينزو. كان يطلب المغفرة. كان يقبلني. كان... كان يمارس الحب معي. كان رائعاً. كان كما في السابق. ثم... تحول إلى وحش. وحش المكتب. كان يقول لي إنه يكرهني. كان يمزقني بمخالبه.أتوقف لحظة. صوتي لم

  • في كنفِ كراهيتك    الفصل 32 – عناق الظلال 3

    جوليا— أحبكِ، أجيب بين قبلتين. أحبكِ كثيراً.يرفعني. تلتف ساقاي حول خصره. أشعر بعضوه المنتصب ضدي، عبر القماش الرقيق لقميص نومي. يحملني إلى السرير. يضعني كأنني ثمينة. هشة. محبوبة.ينحني عليّ. يقبل رقبتي. كتفي. بداية ثدييّ. يسحب القماش، يكشف جلدي، يضع فمه حيث اللحم أطرى.— اشتقتُ لكِ كثيراً، يهمس على جلدي. كثيراً.أبكي. أبكي من الفرح. أبكي من الارتياح. خمس سنوات من الانتظار. خمس سنوات من التضحية. خمس سنوات من حمل هذا السر وحدي. وهناك، كل شيء يمحى. كل شيء يشفى.يصعد نحو فمي. يقبلني مجدداً. أبطأ. أعمق. تنزلق يده بين فخذيّ. تجد أصابعه الرطوبة، الدفء، هذه الحاجة التي لديّ له، دائماً، رغم كل شيء.— أنتِ مبتلة من أجلي، يهمس. بعد كل هذا الوقت. بعد كل ما فعلته. أنتِ مبتلة من أجلي.— أنا مبتلة من أجلك، نعم. لا أستطيع منع نفسي. لم أستطع أبداً.يبتسم. تلك الابتسامة التي أحبها. التي تقول أنتِ لي. التي تقول أريدكِ. التي تقول لا شيء آخر موجود.يدخل فيّ. برفق. بعمق. أصرخ. أصرخ باسمه. أصرخ كالمعذبة. خمس سنوات بدونه. خمس سنوات من الحلم بهذا. وهناك، هو هناك، في داخلي، في بيتي، في وطننا.— جوليا... جوليا

  • في كنفِ كراهيتك    الفصل 31 – عناق الظلال 2

    لورينزوأكره جسدي. أكره حواسي. أكره هذه الذاكرة الحيوانية التي ترفض النسيان."لا تستحق حبك." أكررها كمانترا. "خانتك. اختارت المال. دمرت حياتك."لكن الغضب لا يأتي. أو بالأحرى، يأتي، لكنه هش، مسامي، تخترقه أشياء أخرى. هذا الشيء اللعين الذي أرفض تسميته.أنا منتصب. هذا مثير للشفقة. أنا منتصب وأنا أفكر فيها. في فمها. في ساقيها. في تلك الطريقة التي كانت تنظر بها إليّ عندما كنت داخلها، عيناها مفتوحتان، وكأنها تريد نقش كل ثانية في ذاكرتها."أنت مثير للشفقة، لورينزو."أضع يدي على عضوي. لا ينبغي. أعلم أن لا ينبغي. لكنه أقوى مني. أفكر فيها. فيها عارية. فيها مقدمة. فيها تصرخ باسمي.تتحرك يدي. ببطء. أغلق عينيّ. أراها. إنها هناك، راكعة أمامي. فمها مفتوح. لسانها. عيناها مرفوعتان نحوي، رطبتان، واعدتان.— جوليا...أهمس باسمها كالأحمق. كالمراهق. كالمغفل الذي لم يشف قط.تتسارع يدي. أفكر في تلك الليلة، الأخيرة. ليلة الخيانة. مارسنا الحب طوال الليل. طوال الليل اللعين. لم أكن متعباً. لم أكن شبعاناً. أردت المزيد. دائماً. كانت تضحك، تقول أنني لا أشبع، أنني سأقتلها. كانت تقول ذلك وهي تضحك، وهي تجذبني إليها، و

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status