LOGINمن وجهة نظر أنجلي
بعد انتهاء العشاء... طلبت مني أمي مساعدتها في شيء. كانت قد عادت إلى غرفة العمل الخاصة بها. وهي الغرفة التي تمتلئ دائمًا بالجرار الزجاجية والأعشاب والكتب القديمة. حتى أن رائحتها كانت دائمًا مزيجًا غريبًا بين الزهور والسحر. وقفت أمام الباب. "ماذا تحتاجين؟" رفعت أمي رأسها من فوق الطاولة. ثم أشارت إلى أحد الرفوف المرتفعة "أحضري كتب السحر القديمة." تنهدت. "كلها؟" ابتسمت. "تقريبًا." أطلقت أنينًا متذمرًا. فضحكت أمي. بعد دقائق... كنت أحمل كومة كتب تكاد تحجب رؤيتي. "أمي..." تمتمت. "هذه جريمة." "لا تبالغي." قالت بهدوء. لكن قبل أن أصل إليها... اصطدمت قدمي بطرف السجادة. "آه!" وفقدت توازني. وسقطت الكتب كلها على الأرض. تناثرت الأوراق في كل مكان. وأطلقت تنهيدة طويلة. "ممتاز." جلست على الأرض أبدأ بجمعها. لكن فجأة... لفتت نظري ورقة قديمة. كانت مختلفة عن البقية. اصفر لونها بسبب الزمن. وفي وسطها رسم لفتاة. فتاة جميلة بشعر اسود وابتسامة مشرقة. لكن لم تكن ملامحها واضحه. تحت الرسم... كان هناك اسم واحد. لكن لم يكن واضح. رمشت عدة مرات. ثم رفعت الورقة أكثر. "لافندر؟" تمتمت. لا أعرف لماذا. لكن الاسم أعطاني ذلك الشعور نفسه. الشعور الغريب الذي أحسست به عندما سمعت اسم إيفان. وكأن شيئًا ما يحاول الوصول إلي. لكنني لا أستطيع الإمساك به. بعد أن جمعت الكتب... دخلت غرفة أمي. وضعتها فوق الطاولة. ثم بقيت واقفة مكانها. لاحظت أمي ذلك فورًا. "ما الأمر؟" ترددت للحظة. ثم رفعت الورقة. "وجدت هذه." لثانية واحدة فقط... تجمدت أمي. رأيت ذلك بوضوح. اختفت الابتسامة من وجهها. وتوسعت عيناها قليلًا. ثم... اختفى كل شيء. وعادت ملامحها طبيعية. لكنني كنت أعرفها جيدًا. لقد رأت شيئًا صدمها. "من هذه؟" سألت بهدوء. نظرت إلى الورقة. ثم إلي. وببطء... نهضت من مكانها. اقتربت مني. وأمسكت وجهي بين يديها. كانت عيناها دافئتين. لكنني رأيت شيئًا آخر داخلهما. خوفًا. أو حزنًا. لم أستطع التحديد. ابتسمت بحنان. "لا تفكري كثيرًا." عقدت حاجبي. "لكن—" قاطعتني بلطف. "اسمعيني." ربتت على خدي. "مهما حصل." ابتسمت أكثر. "أنتِ ابنتي." توقفت أنفاسي للحظة. "وستبقين ابنتي." رمشت بحيرة. لأن ردها لم يجب على سؤالي أصلًا. لكنه جعل قلبي يهدأ بطريقة غريبة. فعانقتها. وعانقتني بقوة. أكثر من المعتاد. وكأنها تخشى أن أختفي. لاحقًا... عدت إلى غرفتي. وأغلقت الباب خلفي. ثم استلقيت فوق سريري. أحدق في السقف. والاسم ما زال يدور في رأسي. لافندر. من تكون؟ ولماذا شعرت أمي بتلك الصدمة؟ ولماذا أشعر أن الاسم مهم؟ تنهدت. ثم أغمضت عيني. محاولة التخلص من الأفكار. لكن بدلًا من ذلك... ظهر وجه آخر في رأسي. فتحت عيني فورًا. ثم جلست مستقيمة. "ماذا؟" همست لنفسي. لماذا أفكر فيه؟ ذلك الألفا الغريب. إيفان. تذكرت عينيه الزرقاوين. ونظرته الغريبة. والطريقة التي كان يحدق بها وكأنه يعرفني. فشعرت بحرارة خفيفة في وجهي. "هذا غريب." تمتمت بسرعة. "غريب جدًا." لا أعرفه أصلًا. رأيته اليوم فقط. فلماذا لا أستطيع التوقف عن التفكير به؟ وفجأة... انفتح الباب بعنف. شهقت. بينما دخلت إيفونا كالإعصار المعتاد. ثم قفزت فوق السرير مباشرة. "أنجلييي!" تأوهت. "الباب موجود لسبب." لكنها لم تسمعني أصلًا. بل أمسكت وسادة وعانقتها. وكانت عيناها تلمعان. عرفت تلك النظرة. وهذا لم يكن خيرًا. "ماذا الآن؟" وضعت يدها فوق قلبها. "لوكا." أغمضت عيني. طبعًا. لوكا. من غيره؟ لا أنكر أنه شخص جيد وأيضا كثيرا من فتيات المملكة اعجبو به! "هل رأيتِه؟" سألت بحماس. "طويل." "نعم." "وسيم." "نعم." "قوي." "نعم." "وشعره الرمادي رائع. ضحكت رغماً عني. فأشارت نحوي بإصبعها. "أنا جادة." "وأنا لم أقل شيئًا." استلقت بجانبي. ثم تنهدت بسعادة. "غدًا سأذهب إلى معبد إلهة القمر." التفتُّ إليها. "حسنًا؟" ابتسمت بخبث. "وسأتمنى أن يكون بيني وبينه نصيب." انفجرت ضاحكة. أما هي فعبست. "لماذا تضحكين؟" "لأنكِ وقعتِ بسرعة قياسية." شهقت. "الحب لا يعرف الوقت." ضحكت أكثر. فرمتني بالوسادة. وبدأنا نتشاجر كالأطفال. لكن بينما كانت إيفونا تتحدث بلا توقف عن لوكا... كنت شاردة. في مكان آخر. في عينين زرقاوين. وفي اسم غريب... وفي شعور لم أفهمه. شعور كان يزداد قوة كلما حاولت تجاهله. وكأن شيئًا ما... أو شخصًا ما... كان يقترب من قلبي ببطء. .من وجهة نظر إيفان لم أعد أحتمل الجلوس مع أحد. منذ أن عرفت الحقيقة... منذ أن عرفت أن لافندر كانت أمامي طوال هذا الوقت... وأنا أشعر وكأن شيئًا ينهش قلبي ببطء. صعدت إلى أعلى برج في القصر. كان المكان هادئًا. لا يسمع فيه سوى صفير الرياح. جلست على حافة الشرفة الحجرية، وبيدي كأس ممتلئ. ارتشفت منه بصمت. ثم مرة أخرى. وأخرى... حتى لم أعد أشعر بطعم الشراب. داخل رأسي... كان كل شيء مختلطًا. صوتها... ابتسامتها... ضحكتها عندما ركبت على ظهر إيف لأول مرة. نظراتها الخجولة. وهي ترتب الورود. وهي تضحك مع إيفونا. ثم... تلك اللحظة. حين وقفت أمامي لتتلقى الخنجر بدلًا عني. أغمضت عيني بقوة. "إيفان..." سمعت صوت إيف داخل رأسي. "توقف عن جلد نفسك." لم أجبه. "هي ما زالت حية." "وسنعيدها." ضحكت بسخرية. "أعيدها؟" "وأين هي؟" "هل تعرف مكانها؟" صمت إيف. فتابعت وأنا أحدق في السائل داخل الكأس. "أنا ألفا..." "ومع ذلك..." "...لا أستطيع حماية أهم شخص في حياتي." "هذا ليس ذنبك." "بل هو ذنبي." رفعت رأسي نحو السماء. كان القمر مكتملًا. يضيء الل
من وجهة نظر لينيا كانت قاعة العرش غارقة في صمت ثقيل. لم يعد أحد يجلس باسترخاء. الخرائط كانت مفروشة فوق الطاولة الطويلة، والرسائل تتكدس أمام الملك، بينما وقف القادة يناقشون احتمالات الهجوم القادم. كان الجميع يدرك... أن الأمر لم يعد يتعلق بخطف لافندر فقط. وقف زاك في مقدمة القاعة، ووجهه لم يفارق الجدية منذ عاد من لقائه بإيثان. تبادل نظرة مع الملك ألفرد، ثم قال بصوت هادئ لكنه حازم: "علينا أن نغير أولوياتنا." ساد الصمت. رفع الجميع أنظارهم إليه. أكمل: "حتى الأمس... كنا نظن أن مشكلتنا الوحيدة هي العثور على لافندر." توقف لحظة. ثم قال: "لكن هذا تغير." وضع يده على الطاولة. "الختم الإلهي... الذي صنعته الإلهة سيلين مع والدي كرستون قبل قرون..." "...قد انكسر." تغيرت ملامح الجميع. حتى ألفرد عقد حاجبيه. أما هيفان فقال بصدمة: "هل أنت متأكد؟" أغمض زاك عينيه للحظة. "رأيته بعيني." "ولم يكن مكسورًا فقط..." "...بل كان فارغًا." ارتجفت أصابعي دون أن أشعر. همست: "يعني..." رفع زاك نظره إلينا. "يعني أن آيروكا خرج." ساد صمت ثقيل. حتى الهواء بدا وكأنه توقف. قال أيان بصوت منخفض:
من وجهة نظر لافندر تجمدتُ في مكاني. صوت الجرس الذي دوّى في أنحاء القرية لم يكن عاديًا. كان يحمل شيئًا... جعل حتى الهواء يبدو ثقيلاً. رفعت رأسي نحو إيثان. كان ينظر من النافذة، وعيناه تضيقان بتركيز. أول مرة... أراه بهذه الجدية. همست بخوف: "إيثان... ماذا يحدث؟" لم يجب مباشرة. ظل يراقب الخارج لثوانٍ طويلة. ثم قال بصوت منخفض: "هذا الجرس لا يُقرَع إلا إذا اقترب خطر من القرية." ارتجف قلبي. "هل... وجدونا؟" قلت وشرارة أمل داخل. لكن فجأة .. أدار وجهه نحوي بسرعة. "لا." قالها بحزم. "لو كانوا هم..." "...لما كان هناك وقت لدق الجرس." شعرت بقليل من الارتياح. لكن التوتر بقي يخنقني. فجأة... ارتفع صوت طرقات متتالية على الباب. دق... دق... دق... تقدم إيثان وفتح الباب بحذر. وقف في الخارج رجل مسن، لحيته بيضاء وظهره منحنٍ قليلًا. كان يلهث. "إيثان..." "اجتمع أهل القرية في الساحة." "قالوا إن شيئًا غريبًا حدث عند الحدود." تردد الرجل قليلا وهو ينظر إلى إيثان وكأنه يريد قول شئ. "هل هناك شيء آخر." تردد قليلاً قبل أن يقول. "اعتقد أنه عاد." تجم
من وجهة نظر الملك نيروت كان الليل قد ابتلع مملكة الظل الأسود. السماء ملبدة بغيوم سوداء كثيفة، والرياح تعصف بأبراج القصر الحجري. وقف الحراس في مواقعهم كعادتهم... حتى... تجمد أحدهم فجأة. "مـ... ما هذا؟" رفع الجميع رؤوسهم. في منتصف ساحة القصر... بدأ الظلام يتجمع. لم يكن ضبابًا... ولا دخانًا. بل... ظلٌّ حي. دوامة سوداء ضخمة أخذت تكبر شيئًا فشيئًا، حتى غطّت أرض الساحة بالكامل. هبطت منها هالة جعلت الهواء نفسه يبدو أثقل. ارتجفت أيدي الحراس. وتراجع بعضهم خطوة دون وعي. "لا... لا يمكن..." همس أحد القادة وقد شحب وجهه. "هذه الهالة..." "...لم أشعر بها منذ مئات السنين." وفجأة... خرجت قدم من قلب الظلام. ثم الثانية. وببطء... ظهر رجل طويل القامة. شعره الأسود الطويل يلامس ظهره. عباءة سوداء تتحرك رغم أن الرياح توقفت تمامًا. وعينان... حمراوان بلون الدم. لكن أكثر ما أرعبهم... ذلك الظل الهائل خلفه. كأنه مخلوق عملاق يقف ملتصقًا بروحه. نظر إليهم بهدوء. ابتسم ابتسامة صغيرة. في اللحظة التالية... ركع أحد الحراس دون أن يشعر. ثم الثاني. ثم الثالث. حتى من حاول المقاومة... و
من وجهة نظر لافندر لم أستطع النوم. رغم دفء المنزل... ورغم هدوء القرية... كان هناك شيء في داخلي لا يهدأ. وقفت أمام النافذة، أتأمل الأضواء الصغيرة المنبعثة من البيوت الخشبية. ضحكات أطفال. رائحة خبز طازج. ونساء يتحدثن أمام منازلهن. كل شيء... بسيط. ودافئ. وكأن هذه القرية معزولة عن كل الحروب التي عرفتها. طرقات خفيفة على الباب قطعت شرودي. "ادخل." فتح الباب بهدوء. كان إيثان يحمل صينية عليها كوب شاي وبعض الخبز الساخن. اقترب ووضعها على الطاولة. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "ظننت أنك لم تنامي." جلست على طرف السرير. "لم أستطع." ساد الصمت بيننا للحظات. ثم نظرت من جديد نحو القرية. وسألته بهدوء: "ما اسم هذه القرية؟" اقترب ووقف بجانب النافذة. "ليست لها شهرة كبيرة." "تقع قرب حدود مملكة الظل الأسود." تأملت البيوت مرة أخرى. "غريبة..." نظر إليّ. "ماذا؟" ابتسمت بخفة. "الجميع هنا يعامل بعضه بلطف." "لا أحد يبدو خائفًا." تنهد إيثان. "لأن أغلب من يعيش هنا..." "...هم أشخاص فقدوا بيوتهم." التفت إليه. "هاربون من الحروب." "أيتام." "أرامل." "أشخاص لم يعد لديهم مكان آخر." خفض
من وجهة نظر لافندر لم أكن أعرف كم مرّ من الوقت. جلست بصمت قرب نافذة الكوخ، أحدق في الغابة الممتدة أمامي. كل شيء هادئ... هادئ إلى درجة مخيفة. لكن قلبي... لم يعرف الهدوء منذ أن استعدت ذاكرتي. إيفان... أمي... أبي... هرلين... الجميع... هل ما زالوا يبحثون عني؟ أم أنهم فقدوا الأمل؟ شعرت بغصة تخنقني، وأخفضت رأسي. وفجأة... انفتح باب الكوخ بقوة. "لافندر!" رفعت رأسي بسرعة. دخل ، وكان يتنفس بسرعة وكأنه ركض مسافة طويلة. لكن أكثر ما أخافني... هو أنه لم يكن يبتسم. لأول مرة منذ عرفته... كان القلق واضحًا في عينيه. وقبل أن أنطق بحرف... وصل إليّ بخطوتين فقط، وضمني بقوة إلى صدره. تجمدت مكاني. "أ... أنت؟" كنت أشعر بسرعة نبضات قلبه. وهو يردد بصوت منخفض: "الحمد لله..." "...وصلت في الوقت المناسب." رمشت بعدم فهم. ثم دفعت صدره بخفة حتى ابتعد خطوة "ماذا حدث؟" رفع رأسه نحو النافذة، وكأنه يتأكد من شيء. ثم قال بسرعة: "علينا المغادرة." اتسعت عيناي. "الآن؟" أومأ. "فورًا." بدأ يجمع بعض الأغراض الموجودة في الكوخ. لم أفهم شيئًا. فسألته بتردد: "هل... هل وجدني أهلي؟" توقف لل
هرلين استيقظتُ مع أول خيوط الصباح الهادئة. كان ضوء الشمس الخافت يتسلل بين الأشجار ويدخل إلى المعبد القديم ببطء، بينما صوت العصافير ملأ المكان بعد ليلة طويلة بدت وكأنها حلم. رمشت بتعب خفيف. ثم شعرت بشيء دافئ يحيطني. ابتسمت فورًا عندما رأيت ذراع هيفان ملتفة حول خصري بقوة حتى أثناء نومه. وكأنه خا
هرلين خرجنا أخيرًا من عالم الأرواح. وما إن صعدت آخر درجة من ذلك الدرج الطويل حتى شعرت وكأنني أتنفس من جديد. الهواء البارد الحقيقي. رائحة الغابة. وصوت الرياح بين الأشجار. كل شيء بدا مختلفًا الآن. أكثر دفئًا. أكثر حياة. التفتُّ خلفي ببطء نحو لينيا، وما زلت غير مصدقة أنها تمشي معنا فعلًا. ل
زاك لم أستطع التوقف عن ضم لينيا إليّ. حتى بعد أن عادت… حتى بعد أن شعرت بأنفاسها الدافئة على صدري… كان جزء مني خائفًا أن تختفي فجأة لو تركتها. مرت سنوات طويلة منذ آخر مرة استطعت لمسها هكذا. سنوات من الوحدة. من الألم. من الاستيقاظ كل ليلة وأنا أتذكر كيف ماتت بين ذراعي. لكنها الآن هنا. حقًا
هرلين اشتعلت الشجرة الفضية فجأة بضوء قوي… ضوء لدرجة أن عالم الأرواح كله أصبح أبيض للحظات. حتى الأرواح التي كانت تطفو حولها بدأت تدور بسرعة، وكأنها تستجيب لشيء مقدس. رفعت رأسي ببطء وأنا أضم هيفان الفاقد للوعي بين ذراعيّ. وكان قلبي ينبض بسرعة من الخوف عليه. لكن فجأة… شهق زاك بصوت مرتجف. التف