LOGINهرلين
بقيت أبكي للحظات طويلة وأنا أتمسك بـ هيفان وكأنني أخاف أن يختفي إذا تركته. ذراعاه كانتا تحيطان بي بقوة ودفء، وصوت أنفاسه الهادئة قرب أذني جعل الخوف الذي مزقني قبل قليل يبدأ بالاختفاء تدريجيًا. حتى جوليا، التي كانت مذعورة منذ استيقظت في ذلك المكان، بدأت تهدأ أخيرًا. دفنت وجهي أكثر في صدره وأنا أتنفس بصعوبة: — “كنت خائفة…” خرج صوتي ضعيفًا ومكسورًا بطريقة جعلتني أكره نفسي قليلًا. لكن هيفان شدد ذراعيه حولي أكثر، وكأنه يريد أن يطمئنني دون كلمات. — “لن يلمسك أحد مجددًا.” قالها بصوته المنخفض والهادئ، لكنني شعرت بالقشعريرة تسري في جسدي من شدة الجدية في نبرته. رفعت عيني نحوه ببطء. كان شعره الأبيض مبعثرًا قليلًا، وبعض الثلج ما يزال عالقًا فوق كتفيه، بينما عيناه الزرقاوان كانتا مثبتتين عليّ بطريقة جعلت قلبي يرتجف. همست بخجل بعد لحظة: — “كنت أدعو لإلهة القمر أن ترسلك…” اتسعت عيناه قليلًا وكأنه لم يتوقع كلامي. أما أنا… فابتسمت بخفة رغم دموعي. — “وقد أرسلتك فعلًا.” ساد الصمت بيننا بعدها. لكنه لم يكن صمتًا مريحًا تمامًا. كان هناك شيء آخر في الجو. شيء جعل أنفاسي غير مستقرة، وجعل حرارة غريبة تنتشر داخل جسدي رغم برودة المكان. حاولت تجاهل ذلك الإحساس وأنا أبتعد قليلًا عنه، لكنني لاحظت فورًا تغير نظرته. تجمدت للحظة. لأنني أدركت أنه شعر بارتباكي. خفضت نظري بسرعة، بينما ازداد خجلي أكثر. حتى جوليا بدأت تتوتر داخلي: — “إنه يراقبنا…” لكن هيفان لم يقل شيئًا. فقط بقي ينظر إليّ بصمت طويل، وكأنه يحاول فهم ما يدور داخلي. ثم رفع يده ببطء، وأبعد خصلة شعر سقطت فوق وجهي. لمسته كانت خفيفة جدًا… لكن قلبي دق بقوة أكبر. رفعت عيني نحوه مرة أخرى دون وعي. قريب جدًا. ودافئ جدًا. ونظرته جعلت كل شيء حولي يختفي للحظة. قبل أن أستوعب ما أفعله… اقتربت منه بسرعة وطبعـت قبلة سريعة ومرتجفة على شفتيه. تجمد بالكامل. حتى أنا صدمت من نفسي فورًا. اتسعت عيناي بخجل ورعب وأنا أبتعد قليلًا: — “أنا—” لكنني لم أكمل. لأن هيفان رفع يده نحو وجهي مباشرة، ثم اقترب مني ببطء هذه المرة. وكأنه يمنحني فرصة للابتعاد. لكنني لم أتحرك. وعندها فقط… طبع قبلة هادئة وقصيرة على شفتي، مليئة بالمشاعر التي لم يعترف بها أيٌّ منا بعد. شعرت بقلبي يكاد يتوقف. بينما همست جوليا داخل رأسي بسعادة تكاد تنفجر: — “أخيرًا…” شعرت بي قشعريرة تسري في جسدي كله. لم اتوقع ان يقبلني. أغمضت عيني وأنا أغرق في ذلك الشعور الرائع. شعرت بيده داخل شعري تداعب فروت رأسي بلطف ،وهو يقبلني بهدوء وتئن وكأنه يتزوق كل سنتي متر من فمي. لكني تجمدت فجأة عندما شعرت بذالك الانتصاب يلمس خصري. ذلك الشئ الضخم. ابتلعت ريقي من مجرد التفكير بذلك. أما جوليا كان ألوعاب يسيل منها. يا إلهي .... كان هذا جنون. مع ذلك لم ابتعد. لكن فجأة شعرت بثقله يصبح فوقي وعيناه الزرقاوان مثبتتان على عيني وهو يثبتني تحته على السرير بوزنه. ثم قال بهدوء "هل أنتي متأكدة أنك تريدين ذلك... هرلين لا اريد أن آذيتك ." شعرت بقلبي يخفق بجنون . هل هو خائفة....خائف ان يأذيتي. لكنه سأل أن كنت اريد ذلك أم لا. بحق السماء كان هذا أكثر شئ أريده في حياتي ولا أعرف لماذا. حدقت به ثم أومئت ببطء. ثم فجأة أخذ شفتي بقبله مئلمه ملئ بالمشاعر، وأشياء أخرى لم تقل قبله حملت الكثير. وأنا رغماً أن ذلك كان جنون. إلا أني شعرت بلذة .... غريبة ورائعة.من وجهة نظر زاك لم أستطع أن أشيح نظري عن الورقة. كانت بين أصابعي... لكنها شعرت وكأنها أثقل من جبل. "تعال وحدك غدًا عند شروق الشمس... إلى المكان الذي دفنّا فيه وعدنا." أعدت قراءة الجملة مرة... ثم مرتين... ثم للمرة العاشرة. لم تتغير. لم تكن خدعة. ذلك المكان... لا يعرفه سوى شخصين. أنا... وهو. أطبقت يدي على الورقة حتى تجعدت. "لماذا الآن...؟" همست بها. "بعد كل هذه السنوات..." رفع رأسي نحو السماء. القمر كان مكتملًا. تمامًا... كما كان في الليلة التي افترقنا فيها.بقيت واقفاً لمدة طويلة دون أن أشعر.إلي أن شعرت ببعض قطرات المطر الخفيف.مر نسيم الهواء البارد على وجهي.نضرت إلي الأفق لم يكن هناك سوى الفراغ. تنهدت ببطء. ثم بدأت أعود نحو القصر. كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. كانت الذكريات تلاحقني بلا رحمة. ضحكته... صوته... تحدياتنا بالسيوف. ووعدنا الصغير. "إذا افترقنا يومًا... سنعود دائمًا إلى هذه الشجرة." أغمضت عيني للحظة. "وأنت..." "...كسرت ذلك الوعد." --- وصلت إلى القصر بعد منتصف الليل. كان كل شيء هادئًا. الممرات خالية. والشموع تحترق بنورها الخافت. ظننت
من وجهة نظر زاك لم أعد أسمع شيئًا مما يدور حولي. المعالجون... الحراس... أصوات النقاش... كلها أصبحت بعيدة. عيناي بقيتا معلقتين على تلك الورقة المطوية داخل يدي. "اشتقت إليك..." همست بيني وبين نفسي بصوت يكاد لا يُسمع: "مستحيل..." ذلك الخط... وذلك الرمز... لا يمكن أن يكونا لشخص آخر. شعرت فجأة بيد دافئة تستقر فوق كتفي. التفت ببطء... كانت لينيا. كانت تنظر إلي بعينيها الحمراوين الممتلئتين بالقلق. ابتسمت ابتسامة صغيرة، بالكاد ظهرت. اقتربت أكثر، ثم رفعت يدها ولمست خدي برفق. "زاك..." همست. "أنت لست بخير." أغلقت عيني للحظة. "أنا..." تنهدت بصعوبة. "...سأكون بخير." هزت رأسها برفض. "لا تكذب علي." وضعت كلتا يديها على وجهي. "سنجدها." ابتسمت بحنان رغم الدموع التي لم تجف من عينيها. "لافندر قوية... إنها ابنتنا." "...وأنا متأكدة أنها تنتظرنا." لأول مرة منذ ساعات... شعرت بشيء يخفف ذلك الثقل داخل صدري. مددت ذراعي ببطء... وضممتها إلي. دفنت وجهي بين خصلات شعرها الفضي. رائحتها... رائحة المطر والورد الليلي... كانت دائمًا قادرة على تهدئ
من وجهة نظر زاك كانت الغابة هادئة... هادئة أكثر مما يجب. حتى أصوات العصافير اختفت. لم يبق سوى وقع أقدامنا فوق الأوراق اليابسة. كان إيفان يسير رغم شحوب وجهه، بينما لوكا لا يبتعد عنه خطوة واحدة. أما أنا... فكان شعور ثقيل يضغط على صدري. كلما توغلنا أكثر... كلما أصبحت الرائحة مألوفة بطريقة أكرهها. همس لوكا داخل رأسي: "أبي... هناك شيء ليس طبيعيًا." أجبته: "أعرف." توقفت فجأة. رفعت رأسي ببطء. على جذع شجرة عملاقة... كان هناك رمز منحوت بخطوط دقيقة. توقف نفسي. "..." اقتربت منه دون شعور. مددت يدي ولمست الحفر القديم. همست بصوت بالكاد خرج: "مستحيل..." استدار الجميع نحوي. قال هيفان بقلق: "تعرف هذا الرمز؟" لم أجب. كنت أحدق فيه فقط. ذلك الرمز... كنت أنا وشخص واحد فقط نستخدمه عندما كنا صغارًا. علامة... لا يعرفها أحد. انخفض بصري. فرأيت ورقة بيضاء مثبتة بخنجر صغير أسفل الشجرة. نزعتها بسرعة. فتحتها... وبدأت أقرأ. > "عزيزي زاك..." > "أتمنى أنك تشتاق إلي كما اشتق إليك." > "وأتمنى... أنك لم تنسني." > "لكنني متأكد... أنك لم تنس." ارتجفت يدي. وسقطت الورقة قليلًا. هم
من وجهه نظر لافندر تجمّدت يدي فوق الصندوق. كانت خطواته تقترب... خطوة... ثم أخرى... حتى توقفت أمام باب الكوخ. حبست أنفاسي. "لا... لا يكتشفني..." التقطت الصندوق بسرعة وأعدته إلى مكانه كما كان، ثم أغلقت اللوح الخشبي بكل ما أملك من هدوء. في اللحظة نفسها... صدر صوت فتح الباب. دخل. كان يحمل بعض الحطب على كتفه. توقفت عيناه عليّ. بقي ينظر لثوانٍ. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "يبدو أنك لم تسمعي كلامي." تظاهرت بالهدوء. "كنت... أتمشى فقط." رفع أحد حاجبيه. "داخل الكوخ؟" ابتلعت ريقي. لعنته في داخلي... حتى الكذب لا ينفع معه. وضع الحطب قرب الموقد، ثم أشعل النار بحركة واحدة. جلس أمامها بصمت. الغريب... أنه لم يسألني شيئًا آخر. وكأنه... يعرف تمامًا ما كنت أفعله. بعد دقائق قال بهدوء: "هل رأيتِ شيئًا أعجبك؟" توقّف قلبي.شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدي. حاولت أن لا يتغير وجهي.أخذت نفس عميق قبل أنضر إليه ثم أجبته. "ماذا تقصد؟" ابتسم. "لا شيء." ثم عاد ينظر إلى النار. "لكن الفضول..." "...عادةً يقود صاحبه إلى الهاوية." شعرت بقشعريرة
من وجهه نظر لافندر رفعتُ نظري عنه وأنا أحاول أن أفهمه. كلما تحدث... شعرت أنه يعرف عني أكثر مما أعرف أنا عن نفسي. ابتلعت ريقي بصعوبة، ثم همست: "إذا... كنت تراقبني طوال هذا الوقت..." رفع عينيه إليّ وهو يحرّك الملعقة داخل القدر الصغير فوق النار. "...كيف عرفت أنني لافندر قبل حتى أن أتذكر أنا؟" ساد الصمت لثوانٍ. ثم ابتسم. لم تكن ابتسامة انتصار... بل ابتسامة شخص كان ينتظر هذا السؤال منذ سنوات. قال بهدوء: "لأنني لم أتوقف عن البحث عنك." اتسعت عيناي. أكمل وهو يسكب الحساء في وعاء خشبي: "في البداية... لم تكوني أنت هدفي." قطبّت حاجبي. "هدفي كان زاك." توقفت يده للحظة. "كان بيننا دين قديم... وثأر لم ينتهِ." ارتجفت أصابعي. "لكن..." رفع نظره نحوي. "ثم رأيت فتاةً بشعر اسود تعمل بين الأعشاب... تبتسم للناس رغم أنها كانت تحمل حزناً لا تفهمه." اقترب بخطوة. "راقبتها يوماً..." ثم ابتسم بخفوت. "ثم أسبوعاً..." "ثم شهراً..." أخفض رأسه وهو يضحك ضحكة قصيرة. "وفي لحظة... أدركت أنني لم أعد أراقبها لأجل زاك." شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. همس: "وقعت ف
من وجهة نظر لافندر أول شيء شعرت به... كان شيئاً يمر بين خصلات شعري برفق. تجمد جسدي. وقبل أن أفتح عيني... سمعت صوتاً هادئاً. "استيقظتِ أخيراً..." فتحت عيني ببطء. أول شيء رأيته... كان هو. يجلس على طرف السرير، ينظر إليّ بابتسامة هادئة، بينما كانت أصابعه تلعب بخصلات شعري الأسود الطويل وكأنها أثمن شيء يملكه. ارتجف جسدي كله. ابتعدت بسرعة حتى التصق ظهري برأس السرير. راقبني بصمت. ثم ابتسم أكثر. "صباح الخير... يا أميرتي." لم أستطع الرد. كلما نظر إليّ... كنت أشعر بذلك الخوف نفسه. ليس لأنه كان يصرخ... ولا لأنه كان يؤذيني... بل لأن هدوءه كان مرعباً. كان ينظر إليّ وكأنني شيء يخصه منذ زمن طويل. نهض بهدوء. وقال: "الماء ساخن." رمشت باستغراب. أشار إلى باب صغير في زاوية الكوخ. "اذهبي واستحمي." ثم نظر إلى الفستان الموضوع فوق السرير. كان فستاناً بلون البنفسج الداكن، مزيناً بخيوط فضية رقيقة. "ارتديه." حدقت بالفستان. "...من أين أتيت به؟" ابتسم. "صممته من أجلك." توسعت عيناي. حتى المقاس... كان مناسباً تماماً. وكأنه يعرف كل تفصيل في جسدي. شعرت بقشعريرة تسري في ظهري. اس
من وجهة نظر إيفان لم أعرف منذ متى وأنا أمشي. ولا إلى أين. كل ما أعرفه أنني خرجت من المملكة. وتركت الجميع خلفي. لم أعد أستطيع البقاء هناك. كل زاوية كانت تذكرني بها. كل صوت. كل مكان. كل شيء. كانت لافندر في كل مكان... إلا أنها لم تعد موجودة. واصلت المشي بين الأشجار بصمت. لكن كلما حاولت ال
من وجهة نظر هرلين لم أعد أحتمل رؤية الجميع بهذه الحالة. كان الحزن في كل مكان. في عيون لوكا. في دموع لينيا. في صمت إيفان . والباقين. وفي ذلك الفراغ المخيف داخل عيني إيفان. حتى المملكة نفسها بدت وكأنها تبكي. والجنود و الذين نجوا كانوا ينظرون إلى الأرض بصمت. لا أحد يتحدث. لا أحد
من وجهة نظر هيفان استيقظت وأنا أشعر بي ألم يعصر جسدي . لكن رغم كل ذلك كنت ابحث عنها هرلين لكنها لم تكن بقربي. رمشت وأنا أحاول النهوض لكن والدة هرلين اسعرت لي إيقافي. -"ألفا مذالت لم تتعافى لا تتحرك." قالت وهي تحاول جعلي استلقي مجددا لكن لم استطيع كان يجب أن اطمنئن أن هرلين بخير. نهض بصعوبة رغ
الراوي كان إيفان جالسًا على الأرض. لا يسمع شيئًا. ولا يرى شيئًا. كأن الزمن توقف حوله. كانت لافندر ممددة أمامه بلا حراك، وشعرها الأسود الطويل منتشر حولها مثل الليل. مرت دقيقة. ثم أخرى. لكن كل دقيقة كانت تبدو له كأنها ساعات طويلة. حتى إيف، ذئبه الداخلي الذي لا يتوقف عن الكلام والسخرية عادة،