Share

88

last update publish date: 2026-05-26 05:20:54

هيفان

مرّ اليوم وكأنه سنة كاملة.

القصر كله كان غارقًا بصمت ثقيل…

حتى الخدم صاروا يمشون بهدوء وكأنهم يخافون أن يوقظوا الألم المنتشر بالمكان.

أما أنا…

فكنت ما أزال واقفًا أمام باب غرفة هرلين.

لم أتحرك.

لم أترك الباب ولو لثانية.

كل ما كنت أسمعه من الداخل…

كان بكاءها المتقطع.

وكل مرة كنت أسمعه…

كنت أشعر أن شيئًا يمزقني من الداخل.

اقترب أيان مني أكثر من مرة.

حاول يجبرني أرتاح.

— “ألفا… أنت لم تنم منذ يومين.”

لكني لم أجب.

بعد ساعات عاد مرة ثانية.

— “هي بحاجة أن تكون قوي… لا أن تنهار هنا.”

لكنني بقيت أحدق بالباب فقط.

حتى هيف داخلي…

كان صامتًا بطريقة مخيفة.

ولأول مرة…

لم أكن أسمع أي شيء داخلي سوى صوت بكاء هرلين.

ومع مرور الوقت…

صار الليل متأخرًا جدًا.

ثم أخيرًا…

انفتح الباب قليلًا.

رفعت رأسي فورًا.

لكنها لم تكن هرلين.

كانت لينيا.

أغلقت الباب خلفها بهدوء ثم اقتربت مني.

كانت ملامحها متعبة هي أيضًا.

لكنها قالت بصوت هادئ:

— “هرلين طلبت مني أقول لك إن تذهب كي تستريح.”

شددت فكي مباشرة.

— “لن أتركها.”

تنهدت لينيا بحزن.

— “هي لن تخرج أبدأ…”

ثم أضافت بعد تردد:

— “وأنت تقف هنا سوف توجعها أكثر.”

أخفضت عيني للحظة.

كنت أعرف…

أن هرلين قالت هذا فقط لأنها تعرف أنني لن أتحرك إلا إذا طلبت هي.

وبالنهاية…

استسلمت.

لأول مرة منذ سنوات…

مشيت نحو غرفتي وأنا أشعر أن خطواتي فارغة.

دخلت الغرفة ببطء.

كانت مظلمة…

وباردة…

وفارغة بشكل خانق.

حتى رائحتها لم تكن هنا.

اقتربت من السرير ثم جلست عليه بصمت.

وأخيرًا…

بعد ساعات من المقاومة…

استلقيت على ظهري وأنا أحدق بالسقف.

كل شيء كان يعاد برأسي.

بكاء هرلين…

خوفها…

وهي تقول: “أكرهك…”

أغمضت عيني بألم.

لكن بعد دقائق…

سمعت صوت الباب ينفتح بهدوء.

ظننت للحظة…

أنها هرلين.

نهض قلبي فورًا.

لكن الرائحة…

لم تكن رائحتها.

فتحت عيني مباشرة.

وفي اللحظة نفسها…

شعرت بجسد يقترب مني.

ثم استلقى أحدهم بجانبي ووضع رأسه على صدري.

تجمدت لثانية.

ثم التفت بسرعة.

كانت ليندي.

وخلال ثانية واحدة فقط…

انفجر غضبي.

دفعتها بقوة بعيدًا عني ثم أمسكت رقبتها بعنف.

شهقت بخوف وهي تنظر إليّ.

أما أنا فزمجرت بوجهها:

— “ماذا تفعلين هنا؟!”

كانت عيناي مليئتين بالغضب الحقيقي.

حتى هيف داخلي كان يزمجر بجنون.

ضغطت على رقبتها أكثر.

— “إذا اقتربتِ مني مرة أخرى سأقتلك.”

ارتجفت ليندي.

لكن بدل أن تخاف…

ابتسمت ببطء.

وهذا زاد غضبي أكثر.

— “أنت تكرهني لهذه الدرجة؟”

زمجرت ببرود قاتل:

— “أشمئز منك.”

تغيرت ملامحها للحظة.

لكنها همست بعدها:

— “إذًا أنت فعلًا أحمق…”

عبست وأنا أراقبها.

ثم قالت بهدوء:

— “لأنك حتى الآن تعتقد أننا نمنا معًا.”

تجمدت يدي حول رقبتها.

— “ماذا؟”

أبعدت يدي عنها ببطء وهي تسعل.

ثم جلست على السرير تنظر إليّ.

— “لم يحصل شيء أصلًا.”

شعرت أن أنفاسي توقفت.

اقتربت منها فورًا.

— “اشرحي.”

ابتسمت ببطء وهي تمسح رقبتها.

— “وضعت لك شيئًا بالعصير.”

اتسعت عيناي بغضب.

أما هي فأكملت وكأنها تتحدث عن لعبة.

— “وعندما خرجت من الحفل كنت أصلًا شبه فاقد للوعي.”

شعرت بالغثيان.

لكنها أكملت:

— “أخذتك لغرفتي…”

ثم رفعت كتفيها بلا مبالاة.

— “خلعت ثيابك… رتبت الفوضى… ونمت بجانبك.”

كانت تتكلم بهدوء مرعب.

أما أنا فكنت أشعر أن الغضب يحرق جسدي.

— “أنتِ مجنونة.”

ابتسمت بخفة.

— “ربما.”

ثم أكملت وهي تنظر بعيني مباشرة:

— “لكنني كنت أعرف أن هرلين ستصدق.”

شددت قبضتي بقوة حتى سمعت صوت عظامي.

أما هي فأكملت.

— “حتى عندما دخلت علينا بالمكتبة…”

ابتسمت بخبث.

— “كنت أقصد أن ترانا بنفسها.”

شعرت أن هيف داخلي يريد تمزيقها.

اقتربت منها ببطء مخيف.

— “أنتِ دمرتِها.”

لكن ليندي لم تبدُ نادمة.

بالعكس…

همست بهدوء:

— “لأنني أردتك لي.”

ثم أضافت:

— “وحتى لو أخبرت الجميع بالحقيقة…”

مالت برأسها بابتسامة باردة.

— “من سيصدقك الآن؟”

ساد الصمت للحظة.

ثم فجأة…

ابتسمت أنا.

لكنها لم تكن ابتسامة طبيعية.

كانت ابتسامة جعلت ليندي تتراجع للخلف لأول مرة بخوف حقيقي.

اقتربت منها أكثر وأنا أقول بصوت منخفض مرعب:

— “أنتِ لا تعرفين ماذا فعلتِ بنفسك.”

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قلب من جليد    223

    من وجهة نظر إيفان لم أعد أحتمل الجلوس مع أحد. منذ أن عرفت الحقيقة... منذ أن عرفت أن لافندر كانت أمامي طوال هذا الوقت... وأنا أشعر وكأن شيئًا ينهش قلبي ببطء. صعدت إلى أعلى برج في القصر. كان المكان هادئًا. لا يسمع فيه سوى صفير الرياح. جلست على حافة الشرفة الحجرية، وبيدي كأس ممتلئ. ارتشفت منه بصمت. ثم مرة أخرى. وأخرى... حتى لم أعد أشعر بطعم الشراب. داخل رأسي... كان كل شيء مختلطًا. صوتها... ابتسامتها... ضحكتها عندما ركبت على ظهر إيف لأول مرة. نظراتها الخجولة. وهي ترتب الورود. وهي تضحك مع إيفونا. ثم... تلك اللحظة. حين وقفت أمامي لتتلقى الخنجر بدلًا عني. أغمضت عيني بقوة. "إيفان..." سمعت صوت إيف داخل رأسي. "توقف عن جلد نفسك." لم أجبه. "هي ما زالت حية." "وسنعيدها." ضحكت بسخرية. "أعيدها؟" "وأين هي؟" "هل تعرف مكانها؟" صمت إيف. فتابعت وأنا أحدق في السائل داخل الكأس. "أنا ألفا..." "ومع ذلك..." "...لا أستطيع حماية أهم شخص في حياتي." "هذا ليس ذنبك." "بل هو ذنبي." رفعت رأسي نحو السماء. كان القمر مكتملًا. يضيء الل

  • قلب من جليد    222

    من وجهة نظر لينيا كانت قاعة العرش غارقة في صمت ثقيل. لم يعد أحد يجلس باسترخاء. الخرائط كانت مفروشة فوق الطاولة الطويلة، والرسائل تتكدس أمام الملك، بينما وقف القادة يناقشون احتمالات الهجوم القادم. كان الجميع يدرك... أن الأمر لم يعد يتعلق بخطف لافندر فقط. وقف زاك في مقدمة القاعة، ووجهه لم يفارق الجدية منذ عاد من لقائه بإيثان. تبادل نظرة مع الملك ألفرد، ثم قال بصوت هادئ لكنه حازم: "علينا أن نغير أولوياتنا." ساد الصمت. رفع الجميع أنظارهم إليه. أكمل: "حتى الأمس... كنا نظن أن مشكلتنا الوحيدة هي العثور على لافندر." توقف لحظة. ثم قال: "لكن هذا تغير." وضع يده على الطاولة. "الختم الإلهي... الذي صنعته الإلهة سيلين مع والدي كرستون قبل قرون..." "...قد انكسر." تغيرت ملامح الجميع. حتى ألفرد عقد حاجبيه. أما هيفان فقال بصدمة: "هل أنت متأكد؟" أغمض زاك عينيه للحظة. "رأيته بعيني." "ولم يكن مكسورًا فقط..." "...بل كان فارغًا." ارتجفت أصابعي دون أن أشعر. همست: "يعني..." رفع زاك نظره إلينا. "يعني أن آيروكا خرج." ساد صمت ثقيل. حتى الهواء بدا وكأنه توقف. قال أيان بصوت منخفض:

  • قلب من جليد    221

    من وجهة نظر لافندر تجمدتُ في مكاني. صوت الجرس الذي دوّى في أنحاء القرية لم يكن عاديًا. كان يحمل شيئًا... جعل حتى الهواء يبدو ثقيلاً. رفعت رأسي نحو إيثان. كان ينظر من النافذة، وعيناه تضيقان بتركيز. أول مرة... أراه بهذه الجدية. همست بخوف: "إيثان... ماذا يحدث؟" لم يجب مباشرة. ظل يراقب الخارج لثوانٍ طويلة. ثم قال بصوت منخفض: "هذا الجرس لا يُقرَع إلا إذا اقترب خطر من القرية." ارتجف قلبي. "هل... وجدونا؟" قلت وشرارة أمل داخل. لكن فجأة .. أدار وجهه نحوي بسرعة. "لا." قالها بحزم. "لو كانوا هم..." "...لما كان هناك وقت لدق الجرس." شعرت بقليل من الارتياح. لكن التوتر بقي يخنقني. فجأة... ارتفع صوت طرقات متتالية على الباب. دق... دق... دق... تقدم إيثان وفتح الباب بحذر. وقف في الخارج رجل مسن، لحيته بيضاء وظهره منحنٍ قليلًا. كان يلهث. "إيثان..." "اجتمع أهل القرية في الساحة." "قالوا إن شيئًا غريبًا حدث عند الحدود." تردد الرجل قليلا وهو ينظر إلى إيثان وكأنه يريد قول شئ. "هل هناك شيء آخر." تردد قليلاً قبل أن يقول. "اعتقد أنه عاد." تجم

  • قلب من جليد    220

    من وجهة نظر الملك نيروت كان الليل قد ابتلع مملكة الظل الأسود. السماء ملبدة بغيوم سوداء كثيفة، والرياح تعصف بأبراج القصر الحجري. وقف الحراس في مواقعهم كعادتهم... حتى... تجمد أحدهم فجأة. "مـ... ما هذا؟" رفع الجميع رؤوسهم. في منتصف ساحة القصر... بدأ الظلام يتجمع. لم يكن ضبابًا... ولا دخانًا. بل... ظلٌّ حي. دوامة سوداء ضخمة أخذت تكبر شيئًا فشيئًا، حتى غطّت أرض الساحة بالكامل. هبطت منها هالة جعلت الهواء نفسه يبدو أثقل. ارتجفت أيدي الحراس. وتراجع بعضهم خطوة دون وعي. "لا... لا يمكن..." همس أحد القادة وقد شحب وجهه. "هذه الهالة..." "...لم أشعر بها منذ مئات السنين." وفجأة... خرجت قدم من قلب الظلام. ثم الثانية. وببطء... ظهر رجل طويل القامة. شعره الأسود الطويل يلامس ظهره. عباءة سوداء تتحرك رغم أن الرياح توقفت تمامًا. وعينان... حمراوان بلون الدم. لكن أكثر ما أرعبهم... ذلك الظل الهائل خلفه. كأنه مخلوق عملاق يقف ملتصقًا بروحه. نظر إليهم بهدوء. ابتسم ابتسامة صغيرة. في اللحظة التالية... ركع أحد الحراس دون أن يشعر. ثم الثاني. ثم الثالث. حتى من حاول المقاومة... و

  • قلب من جليد    219

    من وجهة نظر لافندر لم أستطع النوم. رغم دفء المنزل... ورغم هدوء القرية... كان هناك شيء في داخلي لا يهدأ. وقفت أمام النافذة، أتأمل الأضواء الصغيرة المنبعثة من البيوت الخشبية. ضحكات أطفال. رائحة خبز طازج. ونساء يتحدثن أمام منازلهن. كل شيء... بسيط. ودافئ. وكأن هذه القرية معزولة عن كل الحروب التي عرفتها. طرقات خفيفة على الباب قطعت شرودي. "ادخل." فتح الباب بهدوء. كان إيثان يحمل صينية عليها كوب شاي وبعض الخبز الساخن. اقترب ووضعها على الطاولة. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "ظننت أنك لم تنامي." جلست على طرف السرير. "لم أستطع." ساد الصمت بيننا للحظات. ثم نظرت من جديد نحو القرية. وسألته بهدوء: "ما اسم هذه القرية؟" اقترب ووقف بجانب النافذة. "ليست لها شهرة كبيرة." "تقع قرب حدود مملكة الظل الأسود." تأملت البيوت مرة أخرى. "غريبة..." نظر إليّ. "ماذا؟" ابتسمت بخفة. "الجميع هنا يعامل بعضه بلطف." "لا أحد يبدو خائفًا." تنهد إيثان. "لأن أغلب من يعيش هنا..." "...هم أشخاص فقدوا بيوتهم." التفت إليه. "هاربون من الحروب." "أيتام." "أرامل." "أشخاص لم يعد لديهم مكان آخر." خفض

  • قلب من جليد    218

    من وجهة نظر لافندر لم أكن أعرف كم مرّ من الوقت. جلست بصمت قرب نافذة الكوخ، أحدق في الغابة الممتدة أمامي. كل شيء هادئ... هادئ إلى درجة مخيفة. لكن قلبي... لم يعرف الهدوء منذ أن استعدت ذاكرتي. إيفان... أمي... أبي... هرلين... الجميع... هل ما زالوا يبحثون عني؟ أم أنهم فقدوا الأمل؟ شعرت بغصة تخنقني، وأخفضت رأسي. وفجأة... انفتح باب الكوخ بقوة. "لافندر!" رفعت رأسي بسرعة. دخل ، وكان يتنفس بسرعة وكأنه ركض مسافة طويلة. لكن أكثر ما أخافني... هو أنه لم يكن يبتسم. لأول مرة منذ عرفته... كان القلق واضحًا في عينيه. وقبل أن أنطق بحرف... وصل إليّ بخطوتين فقط، وضمني بقوة إلى صدره. تجمدت مكاني. "أ... أنت؟" كنت أشعر بسرعة نبضات قلبه. وهو يردد بصوت منخفض: "الحمد لله..." "...وصلت في الوقت المناسب." رمشت بعدم فهم. ثم دفعت صدره بخفة حتى ابتعد خطوة "ماذا حدث؟" رفع رأسه نحو النافذة، وكأنه يتأكد من شيء. ثم قال بسرعة: "علينا المغادرة." اتسعت عيناي. "الآن؟" أومأ. "فورًا." بدأ يجمع بعض الأغراض الموجودة في الكوخ. لم أفهم شيئًا. فسألته بتردد: "هل... هل وجدني أهلي؟" توقف لل

  • قلب من جليد    181

    من وجهة نظر أنجلي لم أستطع إخراج ما قرأته من رأسي. منذ أن وجدت ذلك الكتاب... وأنا أفكر بالأمر نفسه. "قد تحاول روح شخص راحل إيصال شيء لم تستطع قوله قبل موتها..." أغلقت عيني للحظة. هل هذا ما يحدث معي؟ هل تلك الذكريات ليست ذكرياتي أصلًا؟ هل أرى حياة شخص آخر؟ لكن لماذا أنا؟ ولماذا ا

  • قلب من جليد    180

    من وجهة نظر زاك كانت مكتبة القصر هادئة كعادتها. أشعة الغروب الأخيرة كانت تتسلل عبر النوافذ الطويلة. أما أنا... فكنت أقف أمام أحد الرفوف أقلب كتابًا دون أن أقرأ حرفًا واحدًا منه. لأنني كنت أنتظر شخصًا معينًا. إيفونا. إذا كانت تريد أن تصبح جزءًا من عائلتي... فمن حقي أن أعرفها جيدًا. تنهدت به

  • قلب من جليد    179

    من وجهة نظر هرلين حل الليل أخيرًا فوق سيلينورا. وكانت المملكة تبدو هادئة بشكل جميل تحت ضوء القمر الفضي. وقفت عند شرفة الغرفة. أراقب الأضواء البعيدة. وأستمع إلى أصوات الليل الهادئة. الهواء كان لطيفًا. يحمل معه رائحة الأشجار والزهور القادمة من حدائق القصر. أما جوليا... فكانت مسترخية داخل رأس

  • قلب من جليد    178

    من وجهة نظر لوكا كان الجميع ما يزالون جالسين في القاعة. يتحدثون ويضحكون. أما أنا... فلم أكن أسمع نصف ما يقال. لأن عيني كانت تعود إليها كل دقيقة. إيفونا. كانت جالسة قرب أنجلي. تتكلم مع إحدى الخادمات. وكلما التقت أعيننا... تحمر وجنتاها بسرعة. فيبتسم أرون داخل رأسي.قال أرون:" إلى متى ستبقى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status