เข้าสู่ระบบ
«دموع صامتة رسمت طريقها بحرفية.. بعد صرخات متتالية إستمرت لساعات طويلة.. تشعر بروحها تنسحب رويدا من جسدها..
إلتقطت بعض الكلمات من همهمات مَن حولها الذى سيطر القلق عليهم..(لا نستطيع إيقاف النزيف...القلب ضرباته سريعة جدا ) فشعرت انها النهاية.. نهاية كل شئ كان يؤرقها..
نهاية عذاب إستمر طويلا ولم تستطع البوح بما يشوب قلبها.
كانت على يقين ان وجودها فى الحياة لسبب ما.. وما أن تحقق.. إذن حان وقت الرحيل.. ولكن عذرا ألن تتلقى نظير تحملها لكل ما مرت به؟
حتى لو نظرة ضئيلة لأعين طفليها.. نظرة تعلم انها لن تروى لهيب قلبها نظرة سريعة متلهفة حنونة.. نظرة أخيرة.
كأن الممرضة المجاورة لها قرأت ما يدور بخاطرها فنظرت لها بأسى وذهبت لتأتى لها بالطفلين ووضعتهما على صدرها..فأحتضنتهم أمهم بخفوت فقد خارت قواها ولا تتحمل المزيد من التعب مالت رأسها قليلا حتى طبعت قبلة على رأسيهما ثم اعادت رأسها مرة أخرى للخلف مع بسمة مرسومة على ثغرها تحمل من الالم الكثيير..
فكانت النهاية..
فماذا سيكون حال هاذان الطفلان..ما مصيرهما؟!
هل سيعيشا حياة هانئة كما توقعت أمهما..أم للحياة رأى آخر؟!
********
فى بيت كبير يتوسط حديقة مملوءة بأشجار الفاكهة ذات الرائحة الجميلة وأحواض الزرع ذو المنظر الرائع، بيت ذو الطابع الشرقي الأصيل مليء بالدفء والطمأنينة كحال بيوت أجدادنا جميعآ، تعيش عائلة الحاج رضوان الرجل الذي يحوى من الحكمة ما يحوى فالشيب الذي ملأ رأسه ولحيته الخفيفة ليس من فراغ فتعلم من الحياة الكثير، يترأس مائدة الإفطار كالعادة ومعه ولده محمود وزوجته حنان وابنتهما أميرة .
كسر هذا الصمت الذى يخيم على الاجواء وقع أقدام تهبط بهدوء..
إنه "خالد" الحفيد الأكبر للعائلة..نزول مهيب ومتزن..يتناسب تماما مع طول قامته..وعرض منكبيه..ملامحه الساكنة التى لا تستطيع من خلالها أن تخمن على أى حال يكون.
ألقى السلام على الجميع..انحنى قليلا مقبلا يد "جده" وجلس على كرسيه المعتاد بجانب الحاج رضوان..انتقل بنظره الى تلك الأميرة الساكنة التى تجلس بجوار والدتها فقال مشاكسا لها
:برنسيس البيت..مالك؟..لا أسكت الله لك حسا؟
تطلعت اليه بابتسامة رقيقة تعلم انه يريد مشاكستها كعادته..تعلم أيضا انه يعتبرها بمثابة أخته الصغرى..لكن لوالدتها رأى اخر..لكنه من الواضح انه يخصها وحدها.
لا تمام يا كبير..أنا كويسة بس تأثير النوم..إستنى بس عليا شوية كدة أفوق وهتلاقينى زى القرد قدامك..
اهداها خالد ابتسامة مرحة ثم اشار لها بيديه
:أنا كدة إطمنت عليكى
شرد "رضوان" قليلا وهو ينظر الى وجه خالد المبتسم..ملامحه التى تشبهه بحد لا يوصف..بشرته الحنطية..شعره الداكن..تفاصيل وجهه الهادئة والجذابة بآن واحد..حتى شخصيته تشكلت لتكون مضاهية له..
أفاق من شروده قائلا
: إيه أخبار الفرع الجديد يا خالد ؟ خلصتوا ولا لسة...الافتتاح قرب؟
رد خالد بثقته المعتادة
: مش عايزك تقلق يا حاج..كل حاجة تمام.. فاضلنا بس شوية حاجات بسيطة.. هنخلصها إن شاء الله قبل الإفتتاح.
ثم ترك ما بيده لينظر الى جده يسأله
بس حضرتك ما قولتلناش يا جدى مين حيدير الفرع الجديد؟
تحفز محمود ليؤكد على سؤال خالد متطلعا لمعرفة من سيترك الإسكندرية ويذهب الى القاهرة متوليا أمر الفرع الجديد..
أيوة صح يا بابا لحد دلوقتى مقولتلناش مين هيمسك فرع القاهرة؟
لم ينظر لهم وتكلم وهو يلوك الطعام بفمه
:- هتعرفوا بعدين..
دخل حسن بمظهره الجذاب وطلته المرحة كحال صاحبها قائلا بتأثر يبدو كمن يقوم بعمل درامى مسرحى:
إمتى يا بشر..إمتى هتعملولى حساب وتستنونى على الفطار..محدش بيحس بيا أبدا..
ثم التفت الى والدته مستطردا تلك المسرحية
وإنت يا ست الحبايب..معندكيش عيال علشان تحسى بيا..
ضحكت حنان على مشاغبة إبنها ونظرت له بحب
صباح الخير والهنا على قلبك يا حبيبى.. يلا أقعد إفطر..عملتلك "الاومليت" اللى بتحبه.
أرسل لها قبلة على الهواء وعلامة السعادة مرسومة على وجهه بعدما وجد طبقه المفضل أمامه.
مال قليلا على خالد الذى جلس بجواره بتوجس:
تفتكر يا كبير إن هيبتى هتضيع بين الموظفين لو شافونى وانا باكل "الاومليت"..
تطلع له خالد ببرود بعدما إستطاع أن يخفى إبتسامته التى كادت أن تظهر جليا على وجهه:
ممكن تبقى تقولى إنت بتقوم فايق كدة إزاى على الصبح؟!
إبتسم حسن بثقة وألقى عليه نظرة جانبية ثم قال:
:- أسرار حربية..
نظر اليه خالد بتهكم وقال وهو يتخلى عن مقعده متوجها للخارج:
:- خلص فطارك بسرعة يلا..عندنا شغل كتير فى الشركة
هز"حسن" رأسه بالموافقة وهو يلتقط ذلك الأومليت سريعا.
:- وراك يا كبير.
ألقى عليهم السلام وإنطلق سريعا خلف ابن عمه وصديقه المقرب..و بمثابة أخيه الذى يعتبره قدوته بالحياه.
إستأذنت أميرة بعد أن قبلت رأس أبيها وجدها لتخرج الى جامعتها..وحنان أيضا قامت لتنهى بعض الاعمال لديها..
إنفرد محمود بوالده فسأله بفضول
:-هو ليه يا بابا حضرتك مش حتخلى حسن يدير فرع القاهرة؟
تطلع له الحاج رضوان بهدوء:
-ماتستعلجش على تفرقتهم يا محمود..شايفهم سند قوى لبعض..
صمت قليلا ليكمل بشرود:
محتاجين وقت طويل علشان يستقل كل واحد بنفسه..لسة المشوار طويل..
ليسأل بفضول واستغراب:
معلش يا بابا..يمكن حسن لعبى ومش جد ومايؤتمنش على شغل..
بس خالد!! دة قدر يطور الشركة وبقت مجموعة والكل يشهد بكدة.
سادت ملامح غاضبة على وجه الحاج رضوان..يحاول من سنين مضت معرفة سبب توتر علاقة محمود وولده بهذا الشكل المزرى..يتسائل ما الذى جعل علاقتهما سيئة لهذا الحد بل تكاد تكون منعدمة..سؤال يلح عليه لمعرفة إجابة واضحة وصريحة له..لماذا؟!..حسنا ليس الآن.
قال محاولا السيطرة على غضبه رغم الحدة التى كست نبرة صوته:
خالد عمره ما كان لوحده..دايما حسن جانبه..سند ليه..مش عارف انت ليه دايما مستهتر بابنك بالشكل دة..لازم تعرف إن حسن رضوان له إسم ووضع فى السوق..مش هين ابدا على فكرة..
ولازم تتعامل مع دة بمزاجك أو غصب عنك..
حاول إنهاء هذا الحوار المثير للأعصاب..فتابع بهدوء
على العموم...اللى حيتولى فرع القاهرة مننا مش غريب..لما تعرفه
هتتأكد من دة
نهض من مجلسه متجها الى غرفته تاركا محمود شاردا بكلمات والده.
******************
دلف خالد الي الشركة بهيبة طاغية يرتدي بدلته الكلاسيكية رمادية اللون وقميص من اللون الابيض كقلب صاحبه ... استطاع خلق كثير من مشاعر الود بداخل المؤسسة فكثير من الحب بجانب الانضباط في العمل يحقق نجاحا منشودا، معادلة ليست بالهينة ابدا ،تعب كثيرا كي يحققها ولكنه نجح بالفعل فللبساطة سحر خاص لا يتقنه الكثير ....
القي التحية علي الجميع ودخل مكتبه خلفه سكرتيرته تملي عليه جدول اعماله اليومي اشار لها بالخروج بعد ان انتهت علي ان تحضر له فنجان القهوة خاصته اتجه الي النافذة ظل ينظر منها قليلا حتي انتبه لصوت احدهم فمن يستطيع اقتحام مكتبه الا ذلك المشاغب، ابتسم ثم التفت اليه قائلا
:- مفيش فايدة أبدا فيك..يابنى مش قولتلك كذا مرة تخبط على الباب قبل ما تدخل..مش زريبة هى..
ضحك حسن و أكمل طريقه إليه
هو فعلا مفيش فايدة.. انت ما بتزهقش يا خالد..كل يوم تقولى نفس الكلام؟!
رسم خالد الجدية على ملامحه بصعوبة تحرك ببطء الى مكتبه وجلس خلفه على ذلك الكرسى الكبير بعض الشئ
:- قولى يا حسن عايز إيه..عندنا شغل كتير
مال قليلا أمامه قائلا
مش ناوى تجيبلى حتة كراميل زى اللى قاعدة عندك برا دى
حدقه خالد بنظرة شرسة ليكمل حسن بتهكم
ماتبصليش كدة..انت مش حاسس بيا يا كبير..البلوة اللى انت بالينى بيها دى نظراتها مريبة جدا..دة انا بخاف منها وربنا..
ربنا يسامحك إنت السبب..
كتم خالد ضحكته بصعوبه فلا يفشل هذا المشاكس دوما من رسم البسمة على وجهه..متابعا اياه وهو متجها الى الخارج..التفت اليه حسن ليسأله ببعض الجدية:
:- إنت مش هتعمل إجتماع قبل إفتتاح الفرع الجديد؟
:-بعد يومين بمشيئة الله وجدى وعمى محمود هيكونوا موجودين
أمأ له حسن متفهما وإنصرف الى مكتبه.
************
فى مكان هادئ يختلف تماما عن حال البحر المطل عليه..حيث تتلاطم الأمواج معلنة عن بداية فصل الشتاء..وما أدراك وما الشتاء بالأسكندرية..تحتضن زخات المطر شوارعها..تعلن عن تمرد جوها..مع سحابة غائمة ترتمى بأحضان سماءها فتشملها الأخرى بقوتها كأن غيابهما طال طويلاً.
وقفت نور بشرفة غرفتها تتطلع لذلك المشهد التى باتت تعشقه..يجول بخاطرها بعض ذكرياتها القديمة مع جدها لأمها عندما كانت تأتى مع والديها من القاهرة لزيارته..شعرت بأنين الماضى يطاردها..تحملت..وتحاملت على نفسها..لتحمل على عاتقها أمر أسرتها كاملة..
قطع شرودها دخول والدتها بابتسامتها العطرة الحنونة..القت عليها تحية الصباح لتجدها مازالت ترتدى منامتها القطنية..
إقتربت منها بهدوء لتقول:
مش هتروحى الشغل انهاردة ولا ايه يا نور؟!
كسا الحزن وجه نور:
مش إنهاردة بس يا ماما..صاحب الشغل خلانى أقدم إستقالتى
ضربت سعاد على صدرها لتقول بقلق
وايه اللى خلاه يعمل حاجة زى كدة؟
ردت نور بجمود
قالها بصراحة يا ماما..مش هيعادى عماد علام بسببى..بيشتغلو مع بعض وبينهم مصالح..وهو اللى طلب منه يمشينى من الشغل.
لتكمل بألم وكأنها تستحضر ما عاشته لسنين مضت..
عايزنى أروحله ويشوفنى مذلولة..عايز يفرض عليا شروطه وأنا عليا الولاء والطاعة
سيطر الغضب على ملامحها وتحركت ببطء لتقف أمام والدتها بقوتها المعهودة ثم أردفت
لكن مش هيشوف اليوم دة ولا حتى فى أحلامه..حتى لو اضطريت إنى أشحت فى الشوارع
جذبتها أمها بأحضانها قلبها يعتصر الما على ابنتها..تحملت مسئوليتهم كاملة..لتبكى الأخرى بدموع صامتة..تشعر بنيران اليتم تحرق أحشاءها وتستنفذ طاقتها كاملة.
قالت سعاد بألم:
جبتكم وجيت على إسكندرية علشان نبعد عنهم وعن أذاهم..بس واضح انهم مش هيسيبونا فى حالنا مهما روحنا..
جففت نور دموعها سريعا حتى لا تراها أمها وقالت مسرعة وهى تستقيم من حضن أمها
ما تقلقيش يا ماما..انا هدور على شغل تانى وإن شاء الله هلاقى
انحنت تقبل يد سعاد ثم اردفت
بس دعواتك بقى يا ست الحبايب..محتجالها اوى يا ماما والله
ربتت سعاد على رأسها بحنو وقالت
:-ربنا ما يحوجك لحد يا بنتى..ويرزقك بالخير كله يارب..
قطعت تلك اللحظة دخول عهد الابنة الصغرى لهذا البيت.لتضيف بعض المرح على هذه الأجواء المضطربة
:يا سيدى على الدلال..أوعدنا يارب
اتجهت لها سعاد بابتسامة هادئة
عاملة زى القطط يا عهد..تاكل وتنكر
دفعتها برفق واردفت
يلا نحضر الفطار قبل أختك ما تمشى..ربنا يعينها على اللى هى فيه
تحركت عهد بتذمر كالعادة وخلفها والدتها تاركين نور تؤدى فرضها..تدعى ربها أن يوفقها إلى ما يحبه ويرضاه.
*******
بعد يوم شاق مر عليها قررت العودة الي المنزل دون جدوي..بحثت كثيرا..ولكنها لم تجد..زفرت بهدوء لا تريد أن تحمل والدتها همها.. وجدتها بانتظارها أشفقت الام علي حال ابنتها ثم قالت :-إتأخرتى كدة ليه يا نور..شكلك مرهق اوى يا بنتى؟
إرتمت على الأريكة بجوار والدتها وقالت بتعب
وياريته بفايدة يا ماما..كله فى الهوا..حتى الشركة اللى عايزة موظفين عايزين لفرع القاهرة..كأن الماضى مش عايز يسيبنا فى حالنا ابدا..
حزنت سعاد كثيرا على الالم الظاهر بوجه ابنتها..فتحدثت محاولة تهدئتها وبث الطمأنينة بقلبها
:- ما تقلقيش يانور..ربنا ما بينساش عباده يا بنتى..نحمد ربنا ان لينا بيت زى دة نعيش فيه
همت نور بالرد لكن قاطعتهم عهد وقد رسمت الجدية ببراعة على وجهها:-
عايزة أتكلم معاكم فى موضوع مهم..
تعلم أن ما ستقوله ليس بالهين أبدا ولكنها حياتها هي ولا دخل لها بشيء اخر، أحيانا نعمى أعيننا عن الحقيقة.. من أجل تحقيق ما نريده ولكننا لسنا دائما علي صواب ..
:- حازم إتكلم معايا وعايز يحدد ميعاد الفرح
صدمت نور لوهلة..انتفضت من مكانها بانفعال..متناسية ذلك الالم الذى يدق رأسها
:- اتجنيتى يا عهد! بعد كل اللى حصل بيننا وبينهم لسة مصممة على الجوازة دى..بعد كل اللى عملوه معانا..
تجاهلت عهد كل ما تقوله نور رغم علمها أنها على حق ولكنها استمرت بعنادها
:- انا مليش دعوة بمشاكلكم مع عمى..وبعدين إحنا مخطوبين من زمان ومن حقه انه يحدد ميعاد الفرح..
حدقت فيها نور بذهول من تلك الطريقة الباردة التى تتحدث بها
حق! حق أيه؟! إنتى عمياء يا عهد..معقول مش شايفة حجم المشاكل اللى إحنا فيها بسببهم..عماد اخوه كان السبب فى طردى من الشغل..
تفاجأت عهد قليلا وشعرت بنفسها تتراجع عن الحديث بهذا الشأن
لكن تمكن منها عنادها لتكمل ما بدأته مهما كانت العواقب او..الوسيلة!
لمحت نور ذلك الشعور بالقلق على وجه أختها لكنه تلاشى سريعا لتبتسم بسخرية واردفت
:-ايوة بقيت من غير شغل..والفضل يرجع لعائلة بابا العظيمة..اللى والى الان مصممة ترمى نفسك فى حضنهم..
أهملت عهد ذلك الشعور بالذنب الذى راودها لتقول
مليش دعوة بكل دة..عارفة انك بتعملى كل دة علشان ما تتجوزيش عماد ابن عمك..زى ما انتى عايزة تختارى حياتك..أنا كمان من حقى أعيش بالطريقة اللى تريحنى..فياريت ما تبقيش أنانية يا نور
صعقت نور من تلك الحمقاء التى تقف أمامها فقالت وقد تمكن الغضب منها لكنها كتمته كعادتها وكست بعض الهدوء على نبرتها
:- أنانية! ماشى يا عهد..بس علشان تبقى عارفة..انا مش هسمحلك تكونى ايدى اللى بتوجعنى اللى يلوونى منها..إنتى اللى اختارتى..فشيلى بقى لوحدك..علشان أنا شيلت بما فيه الكفاية
واندفعت نور الى غرفتها..نهضت سعاد من مكانها وتحدثت أخيرا بعد أن راقبت كل ما حدث بهدوء تحاول ان تستشف ما ستنوى عهد على فعله:
:- أنا عارفة يا عهد إن حازم بيحبك..ما قولتش لا..انا بس يا بنتى خايفة عليكى من باقى العيلة..مش هيحبوكى يا عهد مهما عملتى معاهم..وهو مش هيقدر يقف قدام عيلته..
زفرت بهدوء محاولة السيطرة على الغضب بداخلها وقالت وهى تربت على كتف عهد
:- فكرى مرة تانية يا عهد..بعد الجواز مش هيسمحولك تيجى هنا..ولا إحنا هنقدر نروحلك هناك وانتى عارفة كدة كويس..
حاولى تانى علشان مترجعيش تندمى وتقولى ياريت اللى جرا ما كان
*********
دخلت عهد غرفتها وجدت هاتفها يصدر صوتا فمن يكون سواه الذي امتلك حبه قلبها.. فما الحب الا للحبيب الاول.. ولكن دائما تضعنا الحياة في مواقف لا نحسد عليها .
جلست على الكرسى الموجود بجانب الشرفة وردت لتجد صوته المحبب الى قلبها..يسألها بلهفته الواضحة
:- عملتى ايه يا عهد طمنينى؟
لتبتسم بهدوء
هعمل إيه يعنى يا حازم..بس إتعاركت مع نور..
:- عارف إن الموضوع مش سهل ابدا..بس انتى عارفة بحبك أد ايه يا عهد ومش هرتاح لحد ما تبقى هنا جنبى..فى بيتى..وبعدين مشاكلهم دى مش هتتحل غير بالجواز صدقينى
تذكرت طريقة حديثها مع أختها الكبرى لتقول بحزن
:- بس نور زعلانة منى يا حازم..انا ضايقتها بكلامى
لم يحتمل ذلك الحزن الواضح بصوتها فقال بصوت حنون وهادئ
هاجى بكرة وأتكلم شوية مع مرات عمى..ومش همشى غير وانا محدد ميعاد الفرح..وبالنسبة لنور متقلقيش نور بتحبك وعمرها ما هتزعل منك..
تمتمت بخفوت
:- خير بإذن الله
اغلقت هاتفها و أطفأت نور غرفتها على أمل أن تنام .
********
يجرى كطفل صغير..يستشعر خوفا من المجهول..
.. أنفاس لاهثة..سكون مرعب..
ظلمة حالكة جعلته يرتعد..لا يسمع سوى صوت أنفاسه
العالية تهدر بقوة...لا يرى غير تلك السيارة التى تنطلق
وصورة والديه واضحة من زجاجها..يرحلان غير عابئان
بذلك المسكين الذى يركض خلفهما..
يركض ويركض..السيارة تبتعد..عازمة على أمرها..
لكنه مُصر أن يصل إليها..
صرخة مدوية صمت أذنيه..لم يستطع الحركة..
هل حقا تلجمت قدماه من صوت الهدر العالى
أم تلك الصرخة دوت لأجله..لأجل ما تعرض له.
*******
ماذا حدث؟؟
وكيف سيتقابل الأبطال؟!
وهل سينكشف المجهول؟!
أخفض رأسه وزفر بالم يغزو بقلبه ... ثم أشار لها ان تدخل المكتب:- إتفضلىدلفت الى الداخل وجلست على المقعد المقابل للمكتب فقال:- عايزة تقولى ايه يا نور ...تنفست ببطء و تحدثت:- كتب كتاب عهد أختى بعد بكرة ... وخطيبها عايز يعملها حفلة كمفاجأة يعنى ... فكنت عايزة أسألك لو تعرف مكان كويس واقدر احجز فيه لإن الوقت ضيق جدا ...أومأ رأسه بتفهم و قال بإبتسامة ودودة:- الف مبروك و ربنا يتمم بخير ... فى واحد صاحبى عنده مكان مفتوح بيعمل فيه حفلات و أعياد ميلاد ... ممكن أكلمه وتروحى تشوفى المكان ... دة لو تحبى طبعا ...شكرته نور و إستأذنت منه بإحترام و توجهت للخروج و متابعة عملها ...تنهد خالد بعد ان تبعها بعيناه حتى خرجت ... أسند ظهره للخلف و حك جبينه بيده كمحاولة للتفكير بالأمر ...عينيها تقسم انها عاشقة ... صادقة .. لكن عقله يرفض تقبل الوضع ... يرفض مظهر ذلك الأحمق و هو يجذبها من ذراعها أمام عينيه و لم يستطع الحراك ... شعوره بالخذلان مؤلم ... أما شعور الغيرة قاتـــــــــل ....أمسك هاتفه ليساعدها فيما طلبت ... أجرى إتصالا على صديقه و تبادلا السلام فسأله خالد:- كنت عايز منك خدمة يا درش:- تحت أ
2054 كلماتالفصل الثالث و العشرونيجلس خلف مكتبه يتابع عمله رفع سماعة الهاتف الخاص بالمكتب و قال:- ابعتيلى الملف بتاع صفقة الحديد ...بعد لحظات أحضرت ساندى الملف و وضعته على المكتب و قالت بميوعة:- تؤمر بحاجة تانى مستر عمر ؟تجاهل نبرتها التى لم تغفل عنه و طريقتها المستفزة التى تتبعها منذ ان عملت بالشركة ... و تحدث:- لأ إرجعى مكتبك ...إقتربت من مكتبه أكثر و مالت بجسدها على المكتب و قالت بدلال:- يعنى حضرتك مش محتاج أى حاجة ؟رفع رأسه ببطء ليرميها بنظرة باردة ... محذرة ... فقال ببرود:- أكيد لو عايز حاجة هقول مش محتاجك تفكرينى ...إستمرت على وضعها و قالت بهمس:- طيب أنا برا لو إحتاجت أى حاجة رن بس عليا هتلاقينى بقولك شبيك لبيك عبدك و بين إيديكقالت كلماتها و قد بدأت يدها تتسلل الى ياقة قميصه ...يتابعها بنظرات فهد محترف ... يعلم ما ترمى عليه ... لكنه أيضا يعلم ما يجب عليه فعله ...شعر بيدها تقترب من قميصه فأمسكها بقوة كادت أن تمزق أوردتها و تسحق عظامها ... ثم جذبها بعنف محافظا على المسافة بينهم فقال وقد تغاضى عن تأوهاتها المتألمة:- إيدك دى قطعها على إيدى إن شاء الله ... لمى نفسك أح
يفكر طيلة الليل بما قالته ... وجد أن لديها كل الحق ... فقرر مصارحة والدته بما حدث وإتخاذ القرار سريعا ...نهض من مكانه واتجه الى غرفة والدته فلم يجدها فإتجه الى الأسفل فوجدها تجلس مع والده وأخيه ... زفر بضيق فهو مضطر للحديث أمامهم ولكن عليه أن يحسم أمره الان ...إقترب و جلس بجانبهم فقال عماد بسخرية:- هو البيه قرر يحّن علينا و يشرفنا بقعدته معانا ولا الموضوع فى إن ؟نظر له حازم شرزا و رد:- انا فعلا جاى أتكلم فى موضوع ... علشان انا أصلا مبحبش أقعد معاك بسبب طريقتك دى معايا ...تجاهله عماد فسأله والده:- خير يا حازم موضوع ايه اللى عايز تتكلم فيه ...إستجمع شجاعته و قال:- مرات عمى كلمتنى إمبارح فى موضوع كتب الكتاب و قالت إنه لازم يكون هناك عندهم ...هتفت زيزى بغضب:- إيه دة هى هتتأمر علينا كمان ... جوازة إيه اللى ما يعلم بيها الا ربنا دى ...رد حازم:- دة حقها يا ماما ... مش معقول كانت هتسيبنى أخد بنتها كدة من غير أى حاجة تربطنى بيها ... مفيش أم كانت هتقبل بكدة ...و بعدين إحنا علاقتنا مش أحسن حاجة علشان تبقى مطمنة وتسيبها معانا ....فأكملت زيزى غضبها:- إنت كمان بتدافع عنها .... و إحن
وقفت أمام غرفته بتردد ... خطوة تفصلها لتحدد مصيرها ... تفصح عما يجوب بصدرها ... تتقدم خطوة و تتراجع خطوة ...و لكن بالنهاية حسمت أمرها و طرقت الباب ...كان للتو عائد من الخارج فشرع بتبديل ملابسه ... و فكره غائب عنه ... قلبه معها ... لم يحيد عن التفكير بها ... يطوق لمعرفة حقيقة علاقتهما ... لكن يمنعه كبرياءه للسؤال ... لكنه مشتاق لها لحد الجنون ...سمع طرقات على الباب فإرتدى قميصه مجددا الذى بدأ بخلعه ... و إتجه ليرى من يطرق الباب ...وجد أميرة تقف بالخارج ... نظراتها مرتبكة ... هيئتها متوترة ....تعجب من وجودها أمام غرفته ... لكنه تغاضى سريعا عما يدور بعقله ... وسألها بلطف:- إيه يا أميرة فى حاجة ؟أسرعت تقول بتلعثم:- كنت عايزة أتكلم معاك ضرورى يا خالد لو سمحت ...ضيق ما بين عينيه و لكنه قال:- حاضر يا ميرو ... إنزلى إستنينى تحت وأنا هغير هدومى وأنزلك على طول ...شكرته بلطف و أومأت برأسها وأسرعت تهبط للأسفل تحضر ما ستقوله لخالد ...جلست بالمكتب تعبث بهاتفها فوجدته يدلف بهدوءه المعتاد ...جلس على الكرسى المقابل لها و قال بأريحية ...:- ها يا ستى أحكى انا سامعك ...كانت تفرك يديها بتوت
دخلت سعاد غرفة عهد التى لا تفارقها مطلقا ... وجدتها تعبث بهاتفها ... فبدأت تنظم أنفاسها حتى لا تنفعل عليها ...اقتربت منها وقالت:- قولت انتى مش عايزة تطلعى و تشوفينى ... اجى انا أتكلم معاكى شوية ...إعتدلت عهد بجلستها و تركت الهاتف من يدها و غمغمت:- مش كدة يا ماما ... حضرتك عارفه انى زعلانة ... و برده مصممين ما تحضروش الفرح ... عايزين تسيبونى لوحدى فى يوم زى دة ...تنهدت سعاد وجلست بجانب ابنتها على الفراش و قالت وهى تمسد على شعرها:- إنتى كنتى عارفة ان دة اللى هيحصل يا عهد ... بس صممتى على رأيك ... وعاندتى معانا ... كأنك بتقوليلنا اننا ملناش لازمة ... وجودنا من عدمه مش هيفرق ...نظرت عهد لأمها بحزن و تحدثت:- ازاى يا ماما بتقولى كدة ... انا مليش غيركو ...صمتت قليلا فأدمعت عينيها و أردفت:- بس انا بحبه يا ماما ... من و انا صغيرة معرفش غيره ... و صعب الاقى نفسى بعيدة و أنتو بتقرروا تنهوا كل حاجة ببساطة ...ردت سعاد برزانة:- انا مقدرة كل اللى بتقوليه ... بس انا يوم ما قررت أخدك انتى وأختك ونيجى هنا ... انتى كنتى واعية وفاهمة انا عملت كدة ليه ... و شوفتى وعيشتى هما كانوا بيعملوا ايه و
نحلق بعالم أحلامنا ... نرسمها بخفة فى سماءنا ... نعيش تفاصيلها بدقة .... و نتقن دوما طريق الوصول ...لتأتى رياح عاتية ... فتسقطها كأمطار على رؤسنا ... وترتطم بأرض واقعنا ... و تصير سرابا منثورا ....عادت الى بيتها بقلب حزين ... و روح أهلكتها الحياة ... كانت على أمل رؤياه ... أن تشرح له ما حدث ...لكن لم يأتِ !!كانت سعيدة بمجاورته ... وجوده معها يشعرها بوجودها ... نظراته الحانية .... ابتسامته الهادئة ... طلته البهية ...كل هذا مهلك لجميع حصونها ...لمحت نظرة عينه لامعه ... فأصابها بسهام عشقه ... فتمنت أن يبادلها نفس شعورها ... و قد رأت إعترافه يلوح بالأفق فى مشهدهم الأخير ... و لكن جاء الماضى ليوقظها ... وأيقظها على أسوء مشهد لم تتمناه أبدا ...نظرته المُدينة لها ... نظرة خاوية ... رسمت معنى الخذلان أمامها ...بعد أن بدلت ملابسها ... وقفت أمام شرفتها تتذكر ما حدث ...فأمسكت بهاتفها تبحث عن رقم سجلته فى حفلة خطبة حسن لكنها لم تستخدمه قط ... و الان حان وقته ...جاءها صوت أنثوى هادئ فإبتسمت بخفوت وتبادلوا التحيةفقالت نور:- كنت فاكرة إنك مش هتعرفينى ... أو نسيتى تسجلى رقمك ...فتحدثت أم
نسير طريقنا على غير هدى ... كطفل يحبو على نغمات الحياةفترمينا لنواجه ... و ما علينا سوى الصمود ... نعبث أحيانا ...ونعود لنعيد حساباتنا من جديد ... فتصفعنا مرة أخرى ....و علينا ان نكون أقوى ... وصفعة تلو الأخرى ...فتتبلد مشاعرنا ... وتصير أرواحنا كسرابا منثورا بين ضفتى الطريق ...بعد خروجهما من
فى تلك الحارة المتهالكة ... ذات الأزقة الضيقة ... والبيوت الصغيرة المتراصة ... وصل خالد ومعه نور الى الورشة التى ستقوم بتنفيذ تصميماته ... القى التحية على صاحبها ... وكان رجلا وقورا ملأ الشيب رأسه ... ورسم الزمن آهاته على خطوط وجهه ... لكنه بشوش بشكل مريح للأعصاب ...نادى المعلم صبرى أحد الشباب الذ
فى شقة هادئة بعض الشئ ... تتسم بالبساطة ... الوانها الناعمة ... أثاثها الجميل ... بيت زينه الرضا ليضيف الراحة على أرجاءه ....كانت ترتدى منامة بيتية ناعمة ... ترفع شعرها لأعلى وتترك خصلات شاردة تزين وجهها لتزيده جمال ورقة ....وقف عند باب غرفته يتطلع لها بحب ... عشق عمره ... وحبيبته ...و زوجته ...
تتطلع على الطريق أمامها بشرود ... كم رسمت معه أحلاما وردية ....كم تمنته لتعيش معه قصة حب حقيقية ....كم ارادت ان تخبره بمشاعرها تجاهه ...كم تمنت انها لم تستمع لنداءات عقلها بالتيقظ ...ليتها ظلت غافلة فى أحلامها ... تائهه فى حضرته ... و متناسية لكل الامها ....لكن الان أسقطتها الحياة بقوة لتفيق م







