Share

جمر الصمت

Author: Alaa issa
last update publish date: 2026-05-26 00:12:28

وقفتُ مكاني، متصلباً كتمثال من الحجر الجيري، وظهري يواجهها كترس أخير يحمي ما تبقى من كرامتي الجريحة. كانت كلماتها تضربني في مقتل: "هل أنت تتهرب مني؟". لم تكن تدرك أن هروبي هو وسيلتي الوحيدة للبقاء على قيد الحياة، وأن المسافة التي أحاول خلقها هي جدار الحماية الأخير الذي يمنعني من الانهيار والارتماء تحت قدميها، معترفاً بكل خطيئة بصرية اقترفتها وأنا أراقبها بذهول. شعرتُ بحرارة وجهي تحرق بشرتي، وبنبضات قلبي تقرع في عروق عنقي بجنون يهدد بتمزيق جلدي من فرط الكبت.

​"لا يا راما.. الأمر ليس كما تظنين."
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • لعبة المرايا   راما

    دخلت راما إلى مكتب منى في الموعد المحدد تماماً، تحمل معها ملف التقييم الذي طُلب منها إعداده كجزء من مراجعة الأشهر الثلاثة. لم تكن متوترة بالقدر الذي توقعته من نفسها، لكن يديها كانتا أبرد قليلاً من المعتاد وهي تفتح الباب. "اجلسي." قالت منى دون أن ترفع رأسها عن الشاشة أمامها، ثم أغلقت اللابتوب بحركة حاسمة بعد لحظات. "لا تقلقي، لن آخذ وقتاً طويلاً. لديّ اجتماع بعد عشر دقائق." جلست راما وهي تحاول قراءة تعابير وجه منى، لكنها كعادتها لم تكن تكشف شيئاً قبل أن تقرر هي متى تتحدث. "قرأت التقرير الذي أعددته عن حملة العميل الأخير." بدأت منى. "والملاحظات التي تركتِها في هامش الاجتماع الأسبوعي، حين اقترحتِ تعديل الجدول الزمني قبل أن يطلبه أحد." "كنت أظن أن الجدول الأصلي متشدد أكثر من اللازم بالنسبة لفريق الإنتاج." "وكنتِ محقة." قالت منى ببساطة، دون مجاملة زائدة، وهو ما جعل الجملة تحمل وزناً أكبر. "هذا بالضبط ما أتحدث عنه. لم تعودي تنتظرين أن يُطلب منك التفكير. صرتِ تفكرين قبل أن يُطلب." توقفت راما عن التنفس للحظة قصيرة، محاولة ألا تُظهر كم كانت هذه الكلمات تعني لها. "الشهور الثلاثة انتهت رسم

  • لعبة المرايا   كريم

    جلس زياد على المقعد المجاور له في القاعة قبل أن يبدأ المحاضر بخمس دقائق، ووضع دفتره على الطاولة بحركة مألوفة، كأنهما لم يفترقا يوماً منذ أن كانا زميلين في الغرفة نفسها. كريم نظر إليه وابتسم دون أن يقول شيئاً. لم يكن يتوقع أن يجده هنا، في مادة "تحليل الإجهاد الميكانيكي"، وهي مادة اختيارية لم يكن زياد مضطراً لأخذها. "ماذا تفعل هنا؟" سأله كريم أخيراً وهو يفتح دفتره. "سمعت أن الأستاذ صعب، وأن أحداً لا ينجح بسهولة." أجاب زياد بابتسامة عريضة. "أردت أن أرى إن كان صديقي القديم سيصمد." "صديقك القديم صار في تخصص آخر تماماً منذ أشهر، إن نسيت." "لم أنسَ. لكنني سمعت أيضاً أن هذه المادة تحتاج تفكيراً منطقياً أكثر من الحفظ. وأنا جيد في التفكير المنطقي." رفع زياد كتفيه بثقة مصطنعة جعلت كريم يضحك بصوت منخفض. دخل الأستاذ وبدأ المحاضرة دون مقدمات، كعادته في الأسابيع الماضية. كان يتحدث عن نقاط الانهيار في المواد الصلبة، عن اللحظة التي يتوقف فيها الجسم عن تحمل الضغط ويبدأ بالتشقق. كريم كان يدوّن الملاحظات بسرعة، بينما زياد، رغم دعواه بالثقة، بدأ يكتب أبطأ فأبطأ مع تعقّد المعادلات. في منتصف المحاضرة،

  • لعبة المرايا   أحمد

    في يوم الثلاثاء في الساعة الثالثة وعشرين دقيقة بعد الظهر، أرسل العميل رسالة قصيرة لا تستغرق قراءتها أكثر من خمس ثوانٍ: "التقرير ممتاز. ننتظر اقتراحكم للمرحلة الثالثة." قرأتُ الرسالة مرة واحدة فقط ثم أغلقتُ البريد الإلكتروني مباشرةً وفتحتُ ملفاً آخر. لم أُعِد القراءة لأتأكد. لم أنتظر أن يأتيني الفرح بشكله الصاخب. فقط أغلقتُ البريد وفتحتُ ملفاً كنتُ قد بدأتُ فيه التفكير في المرحلة الثالثة منذ أسبوع كامل، قبل أن يُرسل العميل أي تقييم، لأنني تعلمتُ أن التخطيط للخطوة التالية لا يجب أن ينتظر موافقة رسمية على الخطوة الحالية. هذا كان تغيراً حدث ببطء شديد في أسلوب عملي، ببطء لم ألاحظه لفترة طويلة لأنه لم يأتِ بقرار واحد واضح بل بممارسة يومية صغيرة تتكرر حتى تصبح طبيعية ثم عادة ثم جزءاً من طريقة التفكير. كنتُ من قبل أعمل بطريقة تجعل كل إنجاز منقوصاً حتى يُقيَّم من الخارج ويُؤكَّد من آخرين. التقييم الجيد كان يُشعل الحماس ويدفعني للأمام. والتقييم الأقل من الجيد كان يُعيد خلط الأوراق ويجعلني أُعيد تقييم ما كنتُ أعتقد أنه مكتمل. عملي كان مرتبطاً بردود الفعل ارتباطاً وثيقاً لم أكن أُدركه ولم يخطر

  • لعبة المرايا   كريم

    في مساء الأربعاء، بعد أن انتهيتُ من مراجعة مادة الميكانيكا وأغلقتُ الكتاب، أرسلتُ لراما أسألها إن كانت مستيقظة. "نعم. تعال." وصلتُ بعد عشرين دقيقة. كانت في الصالة بدفترها أمامها وقلمها في يدها لكنها وضعته حين دخلتُ. هذا أيضاً شيء لاحظتُه: أن راما حين تضع قلمها حين تراني لا تفعل ذلك من مجاملة. تفعله لأن شيئاً فيها يُقرر أن ما ستتحدث فيه أهم مما كانت تفعله. "كيف المذاكرة؟" سألت. "وصلتُ إلى ما يكفيني الليلة." "والمادة؟" "أصعب مما أتوقعه عادةً. وأنا بدأتُ أعتبر هذا علامة جيدة." ابتسمت. ثم أمسكت قلمها ووضعته في جانب الدفتر. إشارة صغيرة تقول إنها أغلقت ما كانت تفعله. "أخبرتني أمي أنها تريد أن تعرفك." قالت. "أعرف. كيف تشعرين حيال ذلك؟" "أتساءل كيف تشعر أنت." "أشعر أن هذا طبيعي. وأشعر أيضاً أنه مهم. لأن هذا النوع من اللقاءات يعني أن ما بيننا وصل لمكان يستحق أن يُرى." "وهو وصل؟" "من منظوري، نعم." "ومن منظوري أيضاً." قالت بهدوء. جلسنا في الصمت القصير الذي يكون بعد الجمل التي تقول أشياء كبيرة بكلمات قليلة. "متى؟" سألتُ. "أمي ستعود في نهاية الشهر القادم. إن أردتَ يمكننا أن نُرتب

  • لعبة المرايا   أحمد

    زرتُ منال ويوسف في يوم الجمعة في وقت الضحى. لم تكن هذه الزيارة الأولى، زرتُهما مرتين من قبل في الأشهر الماضية. لكن الزيارتين السابقتين كانتا في أوقات كان ذهني فيهما في أماكن متعددة في نفس الوقت. هذه الزيارة كانت مختلفة لأن ذهني كان في مكان واحد: هذا البيت وهذا الطفل وهذه الجلسة. منال فتحت الباب بوجه يحمل التعب الجميل الذي يحمله والدا الأطفال الصغار، تعب لا تريد منه الراحة لأنك تعرف سببه وتُحبه. يوسف كان مستيقظاً هذه المرة. جالس في كرسيه الصغير يُحاول أن يُحرك رأسه نحو كل صوت وكل حركة في الغرفة. طفل في أسبوعه العاشر أو الحادي عشر، في تلك المرحلة التي يبدأ فيها العالم يصبح له معنى لكن بطريقة غير منظمة. جلستُ أمامه على الأرض لأكون في مستواه. نظر إليّ. أو بالأحرى نظرت عيناه في اتجاهي. كان هناك شيء في طريقة توجهه، توقف عن حركته الصغيرة المستمرة ونظر. "مرحباً يا يوسف." قلتُ بصوت منخفض لا يُفزع. "يُحب الأصوات الهادئة." قالت منال من الكنبة خلفي. "الأصوات العالية تُقلقه." "إذن نتحدث بهدوء." جلستُ أمامه وقتاً بدون أن أفعل شيئاً بالمعنى الفعلي. فقط كنتُ هناك. وأحياناً هذا كافٍ. فكّرتُ

  • لعبة المرايا   كريم

    في الأسبوع الثالث من الفصل دخلتُ محاضرة ميكانيكا المواد في الصباح الباكر ووجدتُ القاعة شبه فارغة لأنني وصلتُ مبكراً بنفس الدقائق العشر التي صارت عادة منذ بدأ الفصل. اخترتُ مقعدي في المنتصف ووضعتُ دفتري وقلمَي وأخرجتُ الكتاب وفتحتُه على الفصل الذي سيُدرسه الأستاذ اليوم. قرأتُ الصفحتين الأولى ببطء قبل أن تبدأ المحاضرة، ليس لأن القراءة المسبقة تجعلك تعرف الإجابات بل لأنها تُعطيك خريطة تعرف فيها أين تُوجد انتباهك حين يتحدث الأستاذ. جلس خالد إلى جانبي قبل بداية المحاضرة بدقيقتين. "الفصل الثالث؟" سأل وهو يُخرج دفتره. "نعم. قرأتُ الصفحتين الأولى." "مفيد؟" "يُعطيك خريطة." قلتُ. أومأ. "سأجرب هذا." بدأ الأستاذ. مادة ميكانيكا المواد في أسلوب هذا الأستاذ تحديداً كانت مختلفة. لم يبدأ بالتعريفات ولم يبدأ بالمعادلات. بدأ بسؤال: "لماذا تنكسر الجسور؟" الغرفة هدأت بطريقة تفعلها حين يُفاجئها سؤال لم تتوقعه. "لأن المواد لها حدود." قال أحدهم. "صحيح جزئياً." قال الأستاذ. "لكن الأدق: لأن المهندسين في بعض الأحيان يُصممون الجسر ليتحمل ما يجب أن يتحمله ولا يُحسبون هامش الخطأ. والمواد ليست مثالية وال

  • لعبة المرايا   عناق يوقظ الوحش

    كان مشهد احتضان أحمد لزوجته ينبغي أن يكون دافئاً، لكنه بالنسبة لي كان كصب الزيت على حريق اندلع في أعماقي. وقفت هناك، متجمداً كتمثال من جليد، وعيناي مسمرتان على يد أحمد التي استقرت بملكية مطلقة على خصر راما.. الخصر ذاته الذي كاد يذهب بعقلي قبل ثوانٍ. ​كان أحمد نقيضه تماماً؛ ببدلته الرسمية ورائحة ال

  • لعبة المرايا   شوارع مزدحمة بالفتنة

    في صباح اليوم التالي، كان جحيمي لا يزال مستمراً، بل وتطور ليتخذ شكلاً جديداً من العذاب المنظم الذي لا مفر منه. كنا نجلس ثلاثتنا حول مائدة الإفطار؛ أحمد يرتشف قهوته وعيناه مسمرتان على شاشة جهازه اللوحي يتابع مؤشرات الأسهم ببرود، وراما تجلس قبالتي، تقضم قطعة من الخبز المحمص وتدندن مع الموسيقى الهادئة

  • لعبة المرايا   فضيحة جسدية

    جلستُ خلف الطاولة الرخامية كمن يحتمي بخندق في معركة خاسرة، أراقب راما وهي تنهي قهوتها ببطء مستفز. وضعت كوبها في الحوض برنين خافت، ثم التفتت نحوي بالكامل. كانت نظرتها العسلية تتنقل بين وجهي المتوتر المتعرق وكوبي الذي تجمد بخاره. ​"ألم تعجبك القهوة؟" سألت وهي تمسح يديها بمنشفة صغيرة، ثم بدأت تتقدم ن

  • لعبة المرايا   وشاح من حرير

    فتحت الباب.لم تكن ربة البيت العادية التي تخيلتها في ذهني طوال رحلة القطار المتعبة. كانت شيئاً آخر تماماً. كانت تقف هناك، تؤطرها إضاءة المدخل الدافئة، ترتدي ثوباً منزلياً حريرياً بلون الياقوت الداكن. قصير. قصير لدرجة أن قلبي توقف عن النبض لثانية كاملة. انسدل الحرير على جسدها بنعومة قاتلة، لا يخفي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status