LOGINفي صباح اليوم التالي، توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام أحد أكبر القصور في المدينة. كان قصرًا يعكس ثروة صاحبه ونفوذه، تحيط به حديقة واسعة وحراسة مشددة عند البوابة الرئيسية.
ترجل ريو من سيارته بهدوء، مرتديًا بدلته السوداء الأنيقة وقفازيه السوداوين المعتادين. كانت ملامحه هادئة إلى درجة يصعب معها معرفة ما يفكر به. سار بخطوات واثقة نحو مدخل القصر بعد أن سمح له الحراس بالدخول. بعد دقائق، اصطحبه أحد الموظفين إلى الطابق الثاني حيث يقع مكتب مالك القصر. وقف الموظف أمام الباب الخشبي الفخم ثم طرقه برفق. - سيدي جون كيم، السيد ريو قد وصل. جاء صوت الرجل من الداخل: - دعه يدخل. فتح الموظف الباب ليخطو ريو إلى الداخل بهدوء. كان المكتب واسعًا وفخمًا، تتوسطه نافذة زجاجية ضخمة تطل على المدينة بأكملها. جلس جون كيم خلف مكتبه وهو يتصفح ملفًا يحتوي على معلومات ريو الشخصية وخبراته السابقة في مجال الحراسة الشخصية. جون كيم رجل أعمال استطاع خلال سنوات قليلة الاستحواذ على العديد من الشركات وتحويل اسمه إلى واحد من أشهر الأسماء في عالم الأعمال. كان معروفًا بذكائه الشديد وقدرته على اكتشاف نوايا الأشخاص بمجرد الحديث معهم. رفع نظره أخيرًا نحو ريو ليتفحصه من رأسه حتى أخمص قدميه. توقف للحظة وكأنه لم يكن يتوقع أن يكون الحارس الشخصي الجديد بهذا العمر أو بهذه الهيئة. - إذًا أنت ريو؟ أومأ الأخير برأسه بهدوء. - نعم. أشار جون كيم إلى المقعد المقابل له. - تفضل بالجلوس. جلس ريو بهدوء دون أن يظهر أي توتر على وجهه، الأمر الذي أثار إعجاب جون كيم قليلًا. - قرأت ملفك قبل وصولك. لديك سجل ممتاز في مجال الحراسة الشخصية، كما أنك تتقن عدة فنون قتالية. - هذا صحيح. عقد جون كيم ذراعيه ونظر إليه بجدية. - قبل أن أقبل بتوظيفك، هناك أمر عليك معرفته. ابنتي هانا هي أغلى شخص في حياتي، ولدي الكثير من المنافسين في عالم الأعمال. لهذا السبب تعرضت لمحاولات تهديد عديدة في الفترة الأخيرة. استمع ريو إليه بصمت تام، بينما كان يعلم أن أحد هؤلاء المنافسين هو الشخص الذي استأجره بالأمس لقتلها. أكمل جون كيم حديثه: - أريد منك أن تعتبر حماية هانا أولويتك المطلقة. مهما حدث، يجب ألا يصيبها أي أذى. نظر إليه ريو بعينيه الخضراوين الباردتين قبل أن يجيب بنبرة هادئة: - طالما أنها تحت حمايتي، لن يتمكن أحد من لمسها. لم يكن جون كيم يعلم أن الشخص الجالس أمامه هو الخطر الأكبر الذي يحيط بابنته في هذه اللحظة. ابتسم جون كيم للمرة الأولى منذ بداية الحديث وقال: - يبدو أنك واثق من نفسك. - الثقة تأتي من القدرة. ابتسم جون كيم بخفة ثم أغلق الملف الذي أمامه. - يعجبني الأشخاص الذين يعرفون قدراتهم جيدًا. وقف من مكانه واتجه نحو النافذة الزجاجية قبل أن يقول: - هانا تكره الحراس الشخصيين. إنها لطيفة للغاية لكنها عنيدة عندما يتعلق الأمر بحريتها، لذلك لا تتوقع أن ترحب بك بسهولة. لم يهتم ريو كثيرًا بما قاله، فبالنسبة له كانت هانا مجرد هدف سيقوم بالتخلص منه خلال ساعات قليلة. استدار جون كيم نحوه قائلًا: - ستنهي محاضراتها الجامعية في الثالثة عصرًا. سأطلب من السائق أن يأخذك إلى الجامعة لتستقبلها بنفسك. وقف ريو من مكانه بهدوء وأجاب: - مفهوم. في تلك اللحظة، لم يكن يعلم أن اللقاء الذي ينتظره في الجامعة سيغير حياته بالكامل، وأن الفتاة التي جاء لقتلها ستكون أول شخص يجعله يتردد في تنفيذ مهمته.بعد أن هدأت ريا أخيرًا، قرر الثلاثة العودة إلى المنزل. طوال الطريق كانت الصغيرة تمسك بيد والدها بإحدى يديها ويد والدتها بالأخرى، وكأنها تخشى أن يختفي أحدهما إذا أفلتت يده للحظة واحدة. وعندما وصلوا إلى المنزل، رفضت أن تجلس إلا بينهما على الأريكة. - لقد ضاعت مني أربع سنوات كاملة! لذلك سأعوضها كلها من الآن فصاعدًا! قالتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بجدية، مما جعل ريو يضحك لأول مرة منذ زمن طويل. أما هانا فلم تستطع منع نفسها من الابتسام وهي تنظر إلى تصرفات ابنتها اللطيفة. بعد تناول بعض الحلوى التي أحضرتها هانا، جلست ريا تفكر بعمق قبل أن تضرب كفيها ببعضهما بحماس. - وجدت الحل! نظر إليها كل من ريو وهانا باستغراب. - بما أنني أحبكما كثيرًا، فأنا سأبقى معكما معًا! - وكيف ذلك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. - سأقضي يومًا كاملًا مع أمي، واليوم الذي يليه مع أبي! وفي عطلة نهاية الأسبوع سنخرج نحن الثلاثة معًا! نظر ريو إلى هانا وكأنه ينتظر رأيها. تنهدت هانا قليلًا قبل أن تنظر إلى فرحة ابنتها، ثم قالت: - أعتقد أن هذا مناسب في الوقت الحالي. كادت ريا تقفز من مكانها من شدة سعادتها. - إذًا أص
ما إن انتهى ريو من كلماته حتى دفنت ريا وجهها الصغير في صدره وهي تبكي بصمت. كانت صغيرة على أن تفهم كل تعقيدات عالم الكبار، لكنها كانت كبيرة بما يكفي لتشعر بالفراغ الذي تركه غياب والدها طوال حياتها. أما هانا، فكانت تقف على بعد خطوات منهما وهي تحاول حبس دموعها دون جدوى. لم تتخيل يومًا أن تكون أول مرة ترى فيها ابنتها بين ذراعي والدها بهذه الطريقة المؤثرة. رفعت ريا رأسها قليلًا ونظرت إلى ريو بعينيها الحمراوين من كثرة البكاء. - إذًا... هل ستختفي مرة أخرى؟ تجمد ريو للحظة قبل أن يهز رأسه بسرعة. - لا يا أميرتي، أعدك بذلك. - حتى لو غضبت منك أمي؟ نظر ريو إلى هانا للحظات قبل أن يعود ببصره إلى ابنته. - حتى لو غضب العالم كله مني، لن أبتعد عنك مرة أخرى. ابتسمت الصغيرة ابتسامة خجولة قبل أن تعانقه بقوة أكبر. - إذًا أريد أن أناديك بأبي من الآن! اتسعت عينا هانا بصدمة بسيطة، بينما شعر ريو بأن قلبه كاد يتوقف من شدة سعادته. لقد انتظر أربع سنوات كاملة ليسمع هذه الكلمة. - هل يمكنني حقًا؟ سألته ريا بحماس طفولي، ليبتسم وهو يمسح دموعه بسرعة حتى لا تراه. - بالطبع يمكنكِ ذلك يا أميرتي. - أبي! عند
شعر ريو بأن الدم تجمد في عروقه بمجرد سماعه أن ريا اختفت. لم يكن قد مضى على معرفته بأنها ابنته سوى ليلة واحدة، وها هو يسمع الآن أنها ليست في المنزل. أخذ نفسًا عميقًا وهو يحاول تهدئة هانا التي كانت تبكي بشدة. - هانا، انظري إليّ. هل أخذت معها حقيبتها؟ أومأت برأسها بسرعة. - نعم، وحذاؤها الصغير ليس في مكانه أيضًا. - إذًا هذا يعني أنها خرجت بمفردها، وهذا أمر جيد. على الأقل لم يقتحم أحد المنزل. أخرج هاتفه بسرعة واتصل ببعض الأشخاص الذين يعملون معه وطلب منهم البحث عنها في الحي بأكمله. - ابحثوا عن طفلة في الرابعة من عمرها، شعرها أسود وعيناها خضراوان. أريد أن أعرف مكانها خلال دقائق. كانت هانا تنظر إليه ويداها ترتجفان. - إنها لم تخرج وحدها من قبل يا ريو. ماذا لو كانت خائفة؟ ماذا لو أصابها مكروه؟ اقترب منها ووضع يده على كتفها قائلًا بحزم: - لن يحدث لها شيء. إنها ابنتنا، وسنعيدها إلى المنزل. للمرة الأولى منذ أربع سنوات لم يعترض عقلها على كلمة "ابنتنا"، فقد كان خوفها على ريا أكبر من أي شيء آخر. وبعد حوالي عشرين دقيقة، رن هاتف ريو. - وجدناها يا سيدي. إنها في حديقة الأطفال القريبة من الب
في صباح اليوم التالي، استيقظت هانا مبكرًا على غير عادتها. لم تنم سوى ساعات قليلة بعد حديثها مع ريو في الليلة الماضية، لذلك جلست في المطبخ تحتسي كوبًا من القهوة محاولةً ترتيب أفكارها. رن هاتفها فجأة، فابتسمت عندما رأت اسم والدها يظهر على الشاشة. - صباح الخير يا أبي. - صباح الخير يا صغيرتي، كيف حالكما؟ وكيف حال أميرتي الصغيرة؟ ابتسمت بخفة وهي تجيب عن أسئلته قبل أن يسألها عن أحوالها. كان جون يعرف ابنته جيدًا، لذلك لم يقتنع بنبرة صوتها الهادئة. - هانا، ماذا حدث؟ تنهدت بخفة قبل أن تقول: - أبي... ريا قابلت ريو. ساد الصمت لثوانٍ في الطرف الآخر من الخط. - ماذا؟! - ليس هذا فقط، بل إن الشخص الذي أنقذها مرتين كان ريو نفسه، وقد جاء البارحة إلى المنزل وعرف أن ريا ابنته. بدأت تخبره بكل ما حدث ليلة أمس، وكيف طلبت من ريو الابتعاد عن ريا في الوقت الحالي. لكن ما لم تكن تعلمه هو أن ريا كانت قد استيقظت قبل دقائق قليلة ونزلت إلى الطابق السفلي تبحث عن والدتها. وما إن سمعت اسم "ريو" و"ابنته"، حتى توقفت خطواتها الصغيرة في مكانها. - ريا قابلت والدها... - لقد خسر أربع سنوات من حياتها يا أبي...
بقيت هانا صامتة لعدة لحظات بعد أن انتهى ريو من الحديث. كانت تنظر إليه وعيناها ترتجفان قليلًا، فقد كانت كل كلمة قالها تصل إلى قلبها دون استئذان. هي تعلم جيدًا أنه أحبها، وتعلم أيضًا أنه خاطر بحياته من أجلها أكثر من مرة، لكن المشكلة لم تكن في حبه لها، بل في الكذب الذي بُنيت عليه علاقتهما منذ البداية. أغمضت عينيها للحظات وهي تتذكر ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه حقيقته. تتذكر كيف انهار عالمها في لحظة واحدة، وكيف هربت إلى اليابان وهي تحمل طفلته بين أحشائها وقلبها محطم إلى آلاف القطع. - أنا... أتفهم ألمك يا ريو. رفعت نظرها إليه قبل أن تكمل بصوت منخفض: - لكن هل فكرت يومًا بألمي أنا؟ كيف كان شعوري عندما اكتشفت أن الرجل الذي أحببته أكثر من نفسي كان في الأصل قد أُرسل ليقتلني؟ خفض ريو رأسه بصمت. - هل تعلم ما هو أسوأ شيء بالنسبة لي؟ ليس كونك قاتلًا مأجورًا، بل أنك جعلتني أشك بكل لحظة جميلة عشتها معك. كنت أتساءل كل ليلة إن كانت ابتسامتك حقيقية أم مجرد جزء من مهمتك. تقدم خطوة نحوها وقال بحزن: - كانت حقيقية كلها يا هانا. ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تهز رأسها. - ربما... لكن ذلك لا يمحو ما حدث. تن
جلس ريو على مائدة العشاء وهو لا يزال غير مستوعب لما يحدث حوله. فمن بين مليارات الأشخاص في العالم، انتهى به الأمر جالسًا في منزل المرأة التي أحبها طوال حياته، وإلى جانبه طفلته التي كانت تناديه منذ أيام بـ"العم الوسيم". أما هانا، فكانت تضع الأطباق على الطاولة بصمت، تحاول تجاهل نظراته التي لم تفارقها منذ دخوله المنزل. بينما كانت ريا أكثر شخص سعيد في ذلك المكان. - أخيرًا! لقد تحقق حلمي! نظر إليها الاثنان باستغراب في الوقت نفسه. - وما هو حلمك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. أشارت إلى المقعد الموجود بينهما قائلة بحماس: - أن أتناول العشاء مع أمي والعم الوسيم! ابتسم ريو لا شعوريًا، بينما شعرت هانا بوخزة صغيرة في قلبها وهي ترى ابتسامته التي افتقدتها يومًا. بدأت هانا بتقديم الطعام، وما إن تذوق ريو أول لقمة حتى اتسعت عيناه قليلًا. - إنه لذيذ جدًا. ابتسمت ريا وكأنها هي من طبخته قائلة بفخر: - ألم أقل لك؟! أمي أفضل طاهية في العالم! ثم اقتربت منه قليلًا وهمست وكأنها تخبره بسر خطير: - وإذا أصبحت زوجها يومًا، فسوف تأكل هذا الطعام كل يوم. - ريا! احمر وجه هانا خجلًا بينما كاد ريو يختنق بال







