LOGINخرجت هانا من المدرسة وهي تحمل حقيبتها وتضحك مع صديقتها. في الجهة المقابلة من الشارع وقف شاب يرتدي ملابس سوداء، وعيناه مثبتتان عليها. كان هذا هو ريو... القاتل الذي لم يفشل في أي مهمة طوال حياته. أخرج صورة الهدف من جيبه، نظر إليها ثم رفع رأسه نحو الفتاة. نعم... إنها هي. مد يده ببطء نحو السلاح المخفي تحت معطفه، لكنه تجمد فجأة. لم يفهم السبب، فقط شعر أن إصبعه يرفض الضغط على الزناد. وفي تلك اللحظة انطلقت سيارة مسرعة باتجاه هانا. "انتبهي!" ركض ريو بأقصى سرعته، أمسك يدها وجذبها نحوه قبل أن تمر السيارة على بعد سنتيمترات منها. وقفت هانا وهي تلهث من الخوف، بينما بقي هو ينظر إليها بصمت... مدركًا أن مهمته انتهت قبل أن تبدأ، لأنه لم يعد قادرًا على قتلها.
View Moreكان الليل قد ألقى ستاره الأسود على المدينة، ولم يكن يُسمع داخل المصنع المهجور سوى صوت الرياح التي تتسلل بين جدرانه المتصدعة.
في منتصف المكان جلس رجل يرتدي بدلة رسمية فاخرة، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة وهو ينفث دخان سيجاره بهدوء. بدا وكأنه ينتظر شخصًا مهمًا، بينما كانت حقيبة سوداء ممتلئة بالأوراق والمال موضوعة بجواره. وفجأة، اخترق صوت محرك سيارة رياضية فخمة سكون المكان. توقفت السيارة أمام باب المصنع ببطء، وما إن فُتح بابها حتى نزل منها شاب جعل الجو من حوله يبدو أكثر برودة. كان طويل القامة، يبلغ طوله قرابة المئة والثمانية والثمانين سنتيمترًا، ويرتدي بدلة سوداء أنيقة صُممت خصيصًا لتناسب جسده الرياضي. شعره الأسود الفاحم كان منسدلًا بخصلات ناعمة فوق جبينه، ليزيد من جاذبيته وغموضه في آن واحد. لكن أكثر ما يميزه كانت عيناه. عينان بلون أخضر داكن يشبه لون الغابات تحت ضوء القمر، تحملان نظرة باردة تخلو تمامًا من أي مشاعر، حتى إن النظر إليهما لعدة ثوانٍ كان كافيًا ليجعلك تشعر بالقشعريرة تسري في جسدك. ملامحه الوسيمة كانت أقرب إلى ملامح الممثلين الكوريين، إلا أن هالته المخيفة كانت كفيلة بإبعاد أي شخص عنه. فك محدد، وأنف مستقيم، وشفاه نادرًا ما تعرف معنى الابتسام. كان اسمه "ريو". قاتل مأجور لم يفشل في أي مهمة طوال حياته. لا يهتم بمن يكون هدفه، ولا يطرح الكثير من الأسئلة. بالنسبة له، ما دام الثمن مناسبًا، فالمهمة ستُنفذ بلا تردد. أغلق باب السيارة خلفه واتجه نحو الرجل بخطوات هادئة، ثم جلس على الكرسي المقابل له دون أن ينطق بكلمة واحدة. ابتسم الرجل وهو ينظر إليه قائلًا: - سمعت الكثير عنك، ويبدو أن سمعتك لم تأتِ من فراغ. لم يبدِ ريو أي اهتمام بكلامه، بل أخرج قفازيه السوداوين ووضعهما على الطاولة قبل أن يقول بصوت هادئ وبارد: - ادخل في صلب الموضوع. ضحك الرجل بخفة ثم قال: - لدي مهمة خاصة لك، وستتقاضى مقابلها خمسين مليون وون. لم يتغير تعبير وجه ريو وكأن الرقم لا يعني له شيئًا. - ومن الهدف؟ أخرج الرجل ملفًا صغيرًا ووضعه أمامه، لكنه لم يحتوِ على أي صورة. - منافس لي في عالم الأعمال. لا أريد قتله، بل أريد أن يتذوق ألم فقدان ابنته الوحيدة. رفع ريو نظره إليه دون أن يطرف بعينيه. - أكمل. - اسمها هانا، طالبة جامعية تبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا. تذهب إلى جامعتها يوميًا في الثامنة صباحًا وتغادر عند الثالثة بعد الظهر. والدها شديد الحذر وقد عين لها حارسًا شخصيًا منذ فترة طويلة. أخذ الرجل نفسًا من سيجاره قبل أن يتابع: - لكن ذلك الحارس لن يحضر غدًا. ضيق ريو عينيه قليلًا. - ماذا تقصد؟ ابتسم الرجل بمكر وهو يقول: - لأنني تأكدت من أنه سيغيب. لقد أوصيت أحد معارفي بترشيحك للعمل بدلًا منه لمدة مؤقتة. ستذهب غدًا إلى منزل والدها، ستجري مقابلة بسيطة معه، ومن ثم ستتولى مهمة مرافقتها. ساد الصمت للحظات قبل أن يكمل: - وبعد أن تكسب ثقتهم، يمكنك قتلها أينما تشاء. أمام باب الجامعة، أثناء عودتها إلى المنزل، أو حتى بعد أن تنزل من السيارة. الطريقة والوقت يعودان لك. أغلق الملف ثم أردف بابتسامة خبيثة: - أريدها أن تموت وهي تعتقد أنها بأمان. نظر ريو إلى الملف بصمت تام، ثم وقف من مكانه وأخذه بيده. - هل هذا كل شيء؟ - ألا تريد معرفة شكلها؟ - لا يهم. اتسعت ابتسامة الرجل بدهشة قبل أن يسأله: - ألا تخشى أن تتردد عندما تراها؟ نظر إليه ريو بعينيه الخضراوين الباردتين وقال بنبرة خالية من المشاعر: - أنا لا أتردد. ثم استدار متجهًا نحو سيارته دون أن ينظر خلفه. لم يكن يعلم أن هذه المهمة ستكون الأولى التي سيعجز عن تنفيذها، وأن الفتاة التي لم يرَ صورتها حتى الآن ستصبح السبب الوحيد الذي سيجعله يخون جميع قواعده. فالهدف الذي اعتاد أن يكون مجرد اسم داخل ملف... سيتحول قريبًا إلى "هدف ممنوع".بعد أن هدأت ريا أخيرًا، قرر الثلاثة العودة إلى المنزل. طوال الطريق كانت الصغيرة تمسك بيد والدها بإحدى يديها ويد والدتها بالأخرى، وكأنها تخشى أن يختفي أحدهما إذا أفلتت يده للحظة واحدة. وعندما وصلوا إلى المنزل، رفضت أن تجلس إلا بينهما على الأريكة. - لقد ضاعت مني أربع سنوات كاملة! لذلك سأعوضها كلها من الآن فصاعدًا! قالتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بجدية، مما جعل ريو يضحك لأول مرة منذ زمن طويل. أما هانا فلم تستطع منع نفسها من الابتسام وهي تنظر إلى تصرفات ابنتها اللطيفة. بعد تناول بعض الحلوى التي أحضرتها هانا، جلست ريا تفكر بعمق قبل أن تضرب كفيها ببعضهما بحماس. - وجدت الحل! نظر إليها كل من ريو وهانا باستغراب. - بما أنني أحبكما كثيرًا، فأنا سأبقى معكما معًا! - وكيف ذلك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. - سأقضي يومًا كاملًا مع أمي، واليوم الذي يليه مع أبي! وفي عطلة نهاية الأسبوع سنخرج نحن الثلاثة معًا! نظر ريو إلى هانا وكأنه ينتظر رأيها. تنهدت هانا قليلًا قبل أن تنظر إلى فرحة ابنتها، ثم قالت: - أعتقد أن هذا مناسب في الوقت الحالي. كادت ريا تقفز من مكانها من شدة سعادتها. - إذًا أص
ما إن انتهى ريو من كلماته حتى دفنت ريا وجهها الصغير في صدره وهي تبكي بصمت. كانت صغيرة على أن تفهم كل تعقيدات عالم الكبار، لكنها كانت كبيرة بما يكفي لتشعر بالفراغ الذي تركه غياب والدها طوال حياتها. أما هانا، فكانت تقف على بعد خطوات منهما وهي تحاول حبس دموعها دون جدوى. لم تتخيل يومًا أن تكون أول مرة ترى فيها ابنتها بين ذراعي والدها بهذه الطريقة المؤثرة. رفعت ريا رأسها قليلًا ونظرت إلى ريو بعينيها الحمراوين من كثرة البكاء. - إذًا... هل ستختفي مرة أخرى؟ تجمد ريو للحظة قبل أن يهز رأسه بسرعة. - لا يا أميرتي، أعدك بذلك. - حتى لو غضبت منك أمي؟ نظر ريو إلى هانا للحظات قبل أن يعود ببصره إلى ابنته. - حتى لو غضب العالم كله مني، لن أبتعد عنك مرة أخرى. ابتسمت الصغيرة ابتسامة خجولة قبل أن تعانقه بقوة أكبر. - إذًا أريد أن أناديك بأبي من الآن! اتسعت عينا هانا بصدمة بسيطة، بينما شعر ريو بأن قلبه كاد يتوقف من شدة سعادته. لقد انتظر أربع سنوات كاملة ليسمع هذه الكلمة. - هل يمكنني حقًا؟ سألته ريا بحماس طفولي، ليبتسم وهو يمسح دموعه بسرعة حتى لا تراه. - بالطبع يمكنكِ ذلك يا أميرتي. - أبي! عند
شعر ريو بأن الدم تجمد في عروقه بمجرد سماعه أن ريا اختفت. لم يكن قد مضى على معرفته بأنها ابنته سوى ليلة واحدة، وها هو يسمع الآن أنها ليست في المنزل. أخذ نفسًا عميقًا وهو يحاول تهدئة هانا التي كانت تبكي بشدة. - هانا، انظري إليّ. هل أخذت معها حقيبتها؟ أومأت برأسها بسرعة. - نعم، وحذاؤها الصغير ليس في مكانه أيضًا. - إذًا هذا يعني أنها خرجت بمفردها، وهذا أمر جيد. على الأقل لم يقتحم أحد المنزل. أخرج هاتفه بسرعة واتصل ببعض الأشخاص الذين يعملون معه وطلب منهم البحث عنها في الحي بأكمله. - ابحثوا عن طفلة في الرابعة من عمرها، شعرها أسود وعيناها خضراوان. أريد أن أعرف مكانها خلال دقائق. كانت هانا تنظر إليه ويداها ترتجفان. - إنها لم تخرج وحدها من قبل يا ريو. ماذا لو كانت خائفة؟ ماذا لو أصابها مكروه؟ اقترب منها ووضع يده على كتفها قائلًا بحزم: - لن يحدث لها شيء. إنها ابنتنا، وسنعيدها إلى المنزل. للمرة الأولى منذ أربع سنوات لم يعترض عقلها على كلمة "ابنتنا"، فقد كان خوفها على ريا أكبر من أي شيء آخر. وبعد حوالي عشرين دقيقة، رن هاتف ريو. - وجدناها يا سيدي. إنها في حديقة الأطفال القريبة من الب
في صباح اليوم التالي، استيقظت هانا مبكرًا على غير عادتها. لم تنم سوى ساعات قليلة بعد حديثها مع ريو في الليلة الماضية، لذلك جلست في المطبخ تحتسي كوبًا من القهوة محاولةً ترتيب أفكارها. رن هاتفها فجأة، فابتسمت عندما رأت اسم والدها يظهر على الشاشة. - صباح الخير يا أبي. - صباح الخير يا صغيرتي، كيف حالكما؟ وكيف حال أميرتي الصغيرة؟ ابتسمت بخفة وهي تجيب عن أسئلته قبل أن يسألها عن أحوالها. كان جون يعرف ابنته جيدًا، لذلك لم يقتنع بنبرة صوتها الهادئة. - هانا، ماذا حدث؟ تنهدت بخفة قبل أن تقول: - أبي... ريا قابلت ريو. ساد الصمت لثوانٍ في الطرف الآخر من الخط. - ماذا؟! - ليس هذا فقط، بل إن الشخص الذي أنقذها مرتين كان ريو نفسه، وقد جاء البارحة إلى المنزل وعرف أن ريا ابنته. بدأت تخبره بكل ما حدث ليلة أمس، وكيف طلبت من ريو الابتعاد عن ريا في الوقت الحالي. لكن ما لم تكن تعلمه هو أن ريا كانت قد استيقظت قبل دقائق قليلة ونزلت إلى الطابق السفلي تبحث عن والدتها. وما إن سمعت اسم "ريو" و"ابنته"، حتى توقفت خطواتها الصغيرة في مكانها. - ريا قابلت والدها... - لقد خسر أربع سنوات من حياتها يا أبي...






reviews