تسجيل الدخولأطبق الصمت على فيلا المزرعة القديمة. لم يكن صمتًا عاديًا... بل الهدوء الذي يسبق انفجار الجحيم. خرج "البارون" من مخزن الأسلحة بخطوات واثقة على الأرضية الرخامية الملطخة بالدماء. لم تكن في ملامحه ذرة تردد؛ عينان قاسيتان كالفولاذ، وسكون خارجي يخفي تحته بركانًا على وشك الانفجار. ثبّت مخزن الذخيرة في بندقيته بحركة واحدة، وأخفى السكين داخل ساقه اليمنى، ثم حمل سترته الواقية وانطلق. انطلقت سيارته تشق الطرقات المهجورة. لم يكن يسير نحو فخ، بل كان يدخل ساحة معركة اختارها بنفسه. على أطراف المدينة، وفي منطقة صناعية مهجورة، انتصب المستودع كوحش جثم في الظلام. أوقف سيارته على مسافة آمنة. ترجل منها دون أن يصدر أدنى صوت، متسللًا بين الحاويات الصدئة كظل لا يُرى. في الخارج، كان أربعة من الحراس يطوقون المدخل الخارجي، يتبادلون السجائر والأحاديث الساخرة. اندفع من خلف الحاوية الأولى كالموت الزاحف. بثوانٍ معدودة، كان قد قبض على رأس الحارس الأول وكسر عنقه بصوت مكتوم قبل أن يلمس الأرض، وقبل أن يرتد الثاني لسحب سلاحه، كان قد أفرغ رصاصتين في صدره. الحارسان الآخران التفتا بفزع، لكنه كان أسرع؛ حركتان خاطفت
★★ في مركز الشرطة...لم يعد معتز يعرف كم يومًا مضى وهو يطارد الظلال.كل خيط يقوده إلى طريق مسدود، وكل شاهد يروي رواية مختلفة، وكل ساعة تبتلع ما تبقى من الأمل.ومع ذلك... لم يتوقف.لم يكن يبحث عن ماسة من أجل القضية أو العدالة...بل من أجل رجل ينهار أمامه يومًا بعد يوم.قاسم...لم يعد كما كان.وجه شاحب، عينان غائرتان، ولحية أهملها منذ أيام، ونظرة خاوية كأن روحه غادرت جسده.كان يجوب الشوارع حتى الفجر، يدخل الأزقة الخطرة، يجالس القتلة وتجار المخدرات، يشتري المعلومات من اللصوص والمتسولين، ويطارد أي همسة قد تقوده إليها.لا ينام إلا دقائق، ولا يأكل إلا حين يخونه جسده.كان الجميع يظن أنه يبحث عن فتاة...لكن معتز وحده كان يعرف الحقيقة.قاسم لم يكن يبحث عن ماسة فحسب...بل عن آخر ما يمنعه من السقوط.كان يخشى أن يجدها...ويخشى أكثر ألا يجدها أبدًا.تنهد معتز، واستعاد ما حدث قبل أربعة أيام، يوم خرج قاسم من المستشفى واختفى.لحق به حتى أدركه.قال بانفعال:- ألم نتفق أن نبحث عنها معًا؟ لماذا تركتني؟توقف قاسم دون أن يلتفت.ثم قال بصوت خافت:- لأننا لن نجدها بالطريقة نفسها.قطب معتز حاجبيه.- ماذا تقص
سار قاسم في المدينة كمن فقد عقله. لم يعد يميّز بين الليل والنهار، ولا بين الأحياء الراقية والأزقة التي تخجل الشرطة من دخولها. كان يحمل صورة ماسة في جيبه، ووجهها في قلبه، ويطرق كل باب يمكن أن يقوده إليها. كان يعلم أن احتمال موتها قائم. بل كان احتمالًا ثقيلًا ينهش صدره كل ليلة. لكن شيئًا واحدًا منعه من الاستسلام... هو يعرف البارون. يعرف أن الرجل لا يجد متعته في القتل، بل فيما يسبقه. في كسر الأرواح ببطء، وفي رؤية الأمل وهو يذبل أمام أصحابه. ولو أراد قتل ماسة لفعلها منذ زمن. لهذا... لا تزال حية. هكذا كان يقنع نفسه كلما أوشك اليأس أن ينتصر. دخل أوكار تجار البشر، وجلس مع سماسرة الدعارة، وفتش مخازن المخدرات، وسأل رجال المافيا، وطرق أبوابًا لا يجرؤ الناس حتى على النظر إليها. لم يخفِ هويته. ولم يحاول التفاوض من وراء ستار. كان يوضح للجميع بأنه يبحث عن زوجته يريهم صورها يوصف لهم شكلها و ينتظر بأمل ان يرشده احد الى مكانها . بعضهم سخر منه. بعضهم طرده. وبعضهم حاول استغلاله أما هو... فكان ينتقل إلى المكان التالي دون أن ينكسر. ومع كل رجل يشتبه بأنه يملك صلة بالبارون، كان يترك رس
وقعت عينا البارون على ساقها المضمدة، فارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، وقال بهدوءٍ مستفز: — لقد استحققتِ ما حدث... أيُّ شخصٍ عاقلٍ يحاول تسلّق سور شرفة في الطابق الثالث؟ ثم أضاف وهو يشيح بنظره إلى الضماد الأبيض: — من حسن حظك أنني وصلت في اللحظة الأخيرة. عضت شفتها بضيق وهي تتذكر محاولة هروبها الفاشلة، كانت قد اجتازت طابقاً ونصف حينما اختل توازنها فجأة وشعرت بالدوار وسقطت، لتجد نفسها بين ذراعي البارون ولحسن حظها خرجت باصابة طفيفة في قدمها . رفعت ماسة ذقنها بكبرياء، ونظرت إليه بثباتٍ لم تهزّه الإصابة. — بل تقصد... من سوء حظي. ساد صمتٌ قصير، ثم أردفت بثقة: — كنتُ سأنجح لولا تدخلك... لكن لا بأس، في المرة القادمة سأنجح. وفجأة... انفجر ضاحكًا. ضحكة خرجت منه رغمًا عنه، كأنه نسي للحظة أنه البارون الذي يخشاه الجميع. لكن ماسة لم تنخدع. بل على العكس... أيقنت أن هذه هي الثغرة. كل وحشٍ يملك نقطة ضعف... وعليها أن تجدها. فإن لم تستطع الهرب منه... فستُسقطه من الداخل. قال وهو يحاول كبح ضحكاته: — سأنتظر محاولتك القادمة بشوق... ثم نظر إلى ساقها المصابة وأضاف ساخرً
مرّ يومان...يومان كانا كافيين لانهيار إمبراطورية كاملة، لكنهما لم يكونا كافيين لكشف مصير فتاة واحدة.كان قاسم يقضي أيامه في المستشفى ملتزمًا بعلاجه وطعامه على نحوٍ مثالي، وكأن كل جرعة دواء تقرّبه خطوة من هدفه الوحيد...العثور على ماسة.لم يكن الشفاء بالنسبة إليه راحةً، بل سباقًا مع الزمن.أما البارون، فقد انهارت معظم شبكاته، وتحولت البلاد بأسرها إلى ساحة مطاردة. الشرطة تلاحقه علنًا، وما تبقى من العصابات المنافسة يبحث عنه في الخفاء لتصفيته.ففي عالم المافيا، لا وجود لنهاية سعيدة...إما رصاصة طائشة، أو خيانة، أو موتٌ أكثر بشاعة.في المستشفى...كان معتز يذرع الممر جيئةً وذهابًا، وقد أوشك أن يفقد أعصابه.قبض على هاتفه بعنف وهو يهتف:اللعنة... أين ذهب؟!كان قد اتفق مع قاسم أن يواصلا البحث عن ماسة معًا...لكن قاسم لم يعد يحتمل الانتظار.غادر المستشفى بصمت، دون أن يبلغ أحدًا.ولم يكن معتز يعلم أنه توجه إلى مركز الأمن، ليتابع بنفسه آخر ما توصلت إليه التحقيقات، ويبدأ البحث من هناك.كان قاسم عاجزًا عن طرد الأفكار التي تنهش رأسه.لا يعلم ما الذي حلّ بماسة بعد أن اكتشف البارون جهاز التتبع.وكان
مرّت ساعاتٌ ثقيلة قبل أن يستعيد قاسم وعيه. فتح عينيه ببطء، وشعر بثقلٍ ينهش جسده، كأن كل عظمة فيه ما زالت تحتفظ بذكرى المعركة. حاول أن يتحرك، فاجتاحه ألمٌ حاد أجبره على التوقف، قبل أن يدير رأسه بصعوبة. كان معتز جالسًا قرب النافذة، وقد غلبه الإرهاق حتى استسلم للنوم فوق المقعد، بينما ظل هاتفه بين يديه، كأنه لم يسمح لنفسه بالراحة حتى وهو غارق في النوم. حاول قاسم أن يعتدل في فراشه، فأصدر السرير صوتًا خافتًا. انتفض معتز على الفور، وما إن التقت عيناه بعيني قاسم حتى زفر براحةٍ طويلة، وكأن حملًا ثقيلًا انزاح عن صدره. اقترب منه مبتسمًا بتعب. - الحمد لله... أخيرًا استيقظت. كيف تشعر؟ أجاب قاسم بابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيه. - وكأن شاحنة مرت فوقي... منذ متى وأنا نائم؟ - قرابة ست ساعات. ساد صمتٌ قصير. لم يسأل قاسم عن إصابته، ولا عن العملية، ولا حتى عن حالته الصحية. كان هناك سؤال واحد فقط يحتل قلبه. رفع بصره إلى معتز وهمس: - ماسة... هل يوجد اخبار عنها؟ انخفضت ملامح معتز قليلًا. هز رأسه ببطء. - ليس بعد. أغمض قاسم عينيه بألم و عادت إليه صورتها... دموعها... ارتجاف يديها... اعترا
أمعنت ماسة النظر أمامها بتوتر، لتتفاجأ بقصي يظهر من بين الظلال وهو يلهث بقوة، كأنه ركض خلفها لمسافة طويلة. اقترب منها بخطوات سريعة، وما إن وصل إليها حتى أمسك بذراعها قائلاً بغضب واضح: — هل جننتِ؟! لم يكن عليكِ المغادرة وحدكِ بهذا الوقت. اتسعت عينا ماسة بذهول. كيف يجرؤ على التحدث معها بهذه الطريق
منذ سفر حنان وسالم لحضور خطوبة قاسم، تحوّل المنزل إلى ساحة حرب صامتة. كانت هناء تراقب ماسة وكأنها دخيلة على العائلة، لا ابنة تربّت بينهم منذ طفولتها. ومع ذلك… لم ترد ماسة يومًا. كل كلمة جارحة كانت تستقبلها بابتسامتها الهادئة نفسها، وكأنها ترفض النزول إلى مستوى خالتها مهما استفزتها. وفي مساء
كان وجود زوج ك سالم مصدر فخر لها بقوته وهيبته و حكمته وعدله، لم يخيب ظنها يوما لطالما ساندها ووقف الى جانبها في اسوأ الاوقات . تنهدت حنان وهي تشكر حظها للمرة الألف لحصولها على زوج مثله . عادت بنظراتها الى ماسة النائمة في حضنها و كأنها غنيمتها من احدى غزواتها التي قامت بها . كانت ماسة تتميز بجمال
كان يصعب على حنان ترك ماسة والرحيل الا انها اضطرت لذلك بعد ان وعدتها بأن تعود لتأخذها لاحقا الى المدرسة . انتزعت حنان نفسها من أفكارها على صوت باب غرفة يفتح، نهضت لتجد ماسة امام غرفتها تقف كالتائهة، رق قلب حنان لاجلها فبسبب اعاقتها لا تفهم حاجتها كي تلبيها لها . تقدمت منها برفق تسألها: - هل







