เข้าสู่ระบบمرّت الورقة الصغيرة من تحت الباب كرسالة صامتة، ليعمّ بعدها سكون تامّ لفّ المكان.
ترددت ماسة لثوانٍ، نبضات قلبها تتسارع قبل أن تنحني وتلتقطها بحذر شديد، وكأنها تتوقع أن تنفجر بين يديها لشدة توترها. فتحتها بعجالة، لتقع عيناها على الكلمات السائرة بخطّ واثق: "استقبالكِ لي فاق توقعاتي... أنتظركِ في غرفة المكتب. لا تتأخري." اتسعت عيناها بغيظ لافح؛ فحتى عبر الحبر والورق، استطاعت سماع نبرته الساخرة وضحكته المستفزة التي طالما أثارت حنقها. ذلك المغرور! عضّت شفتها السفلية بغضب وهي تعيد قراءة الجملة الأخيرة بحدة بالغة: "لا تتأخري؟!".. بأي حق يأمرها ويوجه إليها النواهي هكذا؟ تنفست بعنف وهي تنهض عن السرير، والشرر يتطاير من عينيها. لو كانت تستطيع الكلام فقط، لو أن صوتها يسعفها، لأقسمت أنها كانت ستحيله بكلماتها إلى خرقة لمسح الأرض، وتلقنه درسًا لا ينساه. لكن صوتًا عنيدًا، عقلانيًا وباردًا، همس بسخرية داخل رأسها: "إنه شقيقك الأكبر يا غبية." زفرت بيأس مرير وأغمضت عينيها للحظة كمن يبتلع غصة. أجل... شقيقها فقط، لا أكثر. تلك الفكرة وحدها كانت كفيلة بإخماد ثورتها، وإطفاء شيء غامض في أعماقها. بدلت ملابسها سريعًا، فاختارت قميصًا طويلًا بأكمام كاملة ينسدل حتى ركبتيها، ثم جمعت شعرها على شكل ذيل حصان، وشدّته بقسوة بالغة حتى شعرت بألم واشٍ في فروة رأسها، وكأنها تعاقب نفسها على أفكارها. أخذت نفسًا عميقًا لتستعيد ثباتها، واتجهت بخطوات متزنة نحو غرفة المكتب، حيث دفعت الباب دون أن تكلف نفسها عناء طرقه. كان قاسم واقفًا بظهره أمام النافذة الكبيرة، يحدق بصمت وجوم نحو الحديقة الغارقة في ضوء القمر الفضي. رفعت ماسة عينيها نحو الساعة المعلقة على الجدار، لتشير العقارب إلى الثامنة مساءً؛ لقد نامت ساعات طويلة دون أن تشعر. التفت إليها قاسم ببطء، ولم تخفَ عليه نظرتها الخاطفة نحو الساعة. ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، وقال بنبرة متهكمة: "يبدو أنكِ قررتِ أخذ إجازة مفتوحة من الدراسة." ثم أضاف وهو يعقد ذراعيه إلى صدره بجرأة: "لا يمكنكِ التهاون هكذا ومتابعة هذا التسيب فقط لأن أمي غائبة." رفعت ماسة عينيها نحوه ببرود شديد وجليد يكسو ملامحها. لقد تغير كثيرًا... حتى تلك النظرة التي يرميها بها لم تعد كما كانت في الماضي؛ حيث كانت تقرأ الحنان والأمان في عينيه، أما الآن، فقد حلّ مكانهما شيء غريب، بائس ومظلم يختبئ في أعماقهما. لكن الشيء الوحيد الذي لم يتغير فيه، بل ازداد سوءًا وتأثيرًا، كان وسامته الطاغية.. طويل القامة، عريض الكتفين، وصوته أصبح أعمق رخامة بطريقة مستفزة ومزعجة لها. لم يكن عجبًا إذن أن تخطفه فتاة أخرى بهذه السرعة وتعلن خطبتها عليه. لاحظ قاسم صمتها الطويل ونظراتها المتفحصة التي تقرأ تفاصيله، ثم انتقلت عيناه ببطء إلى ملابسها المحتشمة وشعرها المشدود بقسوة خلف رأسها، فكاد يضحك رغبةً في كسر الجمود؛ إذ بدت تلك الحمقاء وكأنها تستعد لخوض معركة حاسمة لا لمجرد لقاء أخوي. رفعت ماسة حاجبها بحدة، ورفعت يديها لتقول بلغة إشارتها السريعة: "أين أمي؟ ألم تعد معك؟" تجمدت ملامح قاسم للحظة، وبدا أن هذا السؤال بالذات كان يود لو يملك القدرة على تأجيله إلى الأبد. استدار عنها سريعًا بجسده حتى لا تلمح تقلبات وجهه، وبدأ يتكلم بنبرة آلية جافة. فجأة، وبحركة مباغتة، قفزت ماسة لتتمركز أمامه تمامًا قاطعةً عليه حديثه وجسده. كانت تعابير وجهها تشتعل بغضب عارم، وأشارت له بيديها بحركات حادة: "هل تسخر مني؟! فلتنظر إليّ وتواجهني حينما تحادثني!" نظر إليها مجبرًا، وتمنى في تلك اللحظة لو أنه لم يفعل؛ فقد شعر بنفسه يغرق في بحر عينيها الواسعتين، وضاعت الكلمات والردود القاسية من بين شفتيه.. كانت فاتنة، ولا توجد كلمة في القواميس تضاهي هذا الوصف لتوصيف مظهرها الثائر. تذكر فجأة طبيعة موقفها، وأنها لن تفهم كلمة واحدة مما يقوله إن لم ترَ شفتيه وتراقب حركتهما أثناء الحديث. ابتلع غصة مريرة في حلقه، وتابع سرد ما كان يقوله بصوت أجبره على أن يكون ثابتًا، لكنه ظل مثيرًا للريبة: "والداي اضطرا للسفر المفاجئ إلى الولايات المتحدة." عبست ماسة فورًا، واعتلت وجهها علامات التوجس. تابع هو بسرعة، وكأنه يقرأ نصًا جامدًا حفظه مسبقًا بدقة: "والد خطيبتي عرض على أبي مشروعًا استثماريًا ضخمًا... ولم يكن بمقدوره الرفض." اتسعت عيناها بصدمة حقيقية؛ فقد وعدتها والدتها قبل رحيلها بأن عودتها ستكون سريعة للغاية، وقبل موعد اختباراتها النهائية تحديدًا لتقف خلفها وتدعمها. شعرت بألم يمزق نياط قلبها، وخاطبت نفسها بمرارة: "لماذا لم تخبرني؟ ولماذا لم تأتِ لرؤيتي وتوديعي أولًا؟" لاحظ قاسم الحزن الطاغي الذي ارتسم كالغيم الأسود فوق وجهها، فشعر بشيء ثقيل يخنقه من الداخل ويسلب الهواء من رئتيه. لكنه، وبطريقة انتحارية، أجبر نفسه على المتابعة بقسوة وجفاء: "ماذا هناك؟ لا تنظرِي إليّ بهذه الطريقة المكسورة... ماذا كنتِ تتوقعين مثلًا؟ أن يصطحباكِ معهما ويهدرا الوقت؟" تجمدت ماسة في مكانها وكأن صاعقة ضربتها. أما هو، فقد أطلق ضحكة قصيرة مستفزة، مدعيًا اللامبالاة، واتجه نحو المكتب ليجلس خلفه واضعًا يديه داخل جيب سرواله بقوة، مستعينًا بتلك الحركة ليمنع نفسه من القيام واحتضانها بشدة. وقال وهو يرفع عينيه إليها مباشرة، مسددًا كلماته كسهام مسمومة بقسوة متعمدة: "يا إلهي يا ماسة... متى ستكبرين وتتركين هذه الطفولية؟ أمي أفنت حياتها وسنوات عمرها وهي تدللكِ وتلبي رغباتكِ، حتى أبي وأنا كنا مهملَين في هذا البيت أحيانًا بسبب الاهتمام المبالغ فيه بكِ." شعرت وكأن كلماته صفعة حقيقية هوت على وجهها لتوقظها على واقع مرير. تابع هو دون رحمة أو شفقة: "لا تكوني أنانية وطماعة. للمرة الأولى أرادت أمي أن تعيش قليلًا لنفسها ومع زوجها بعيدًا عن المسؤوليات والالتزامات الخانقة... دعيهما يتنفسان الصعداء." اتسعت عينا ماسة تدريجيًا وهي تستوعب الكلمات. هل... هل كانت عبئًا ثقيلًا عليهما فعلًا؟ هل ضيقت الخناق على حنان وحرمتها من حياتها دون أن تشعر؟ أخفضت رأسها ببطء، وشعرت بشيء ثمين ينكسر في أعماق صدرها مسببًا غصة حارقة. استدارت بصمت مطبق، متجهة بخطوات منكسرة نحو الباب لتغادر. لكن قاسم نهض بسرعة البرق واعترض طريقها، مغلقًا أمامها منافذ الهروب. رفعت رأسها نحوه بعيون موجوعة، مغرورقة بالدموع ومرتبكة. ماذا يريد منها أيضًا؟ ألا يكفي كل هذا التمشيق لكرامتها؟ لعن قاسم نفسه وجلده بصمت حرّاق حين رأى نظرتها تلك؛ فقد كانت تبدو كطفلة ضائعة استُلب منها أمانها فجأة ووجدت نفسها في العراء. مد يده نحوها ببطء، ووضع رسالة مطوية بعناية فوق كفها المرتجفة. تجمدت أنفاسها حين قرأت العنوان المكتوب بخط والدتها المألوف: "إلى ماستي الغالية." رفع قاسم نظره بعيدًا عنها فورًا، متهربًا من عينيها، وقال بصوت منخفض وخافت: "أمي طلبت مني إعطاءكِ إياها حين تسألين." ثم استدار بمرونة وغادر المكتب بسرعة، لأنه أدرك بيقين أنه لو بقي ثانية واحدة إضافية... لانكسر كبرياؤه وانهار أمام دموعها. دخلت ماسة غرفتها ببطء شديد وأغلقت الباب خلفها لتنعزل عن العالم. جلست فوق طرف السرير تحدق بالرسالة بنظرات وجلة، وكأنها تخشى فتحها فتتأكد مخاوفها. كلمات قاسم القاسية كانت ما تزال تتردد في أذنيها وتؤلمها كخناجر. هل حقًا ملّت منها حنان؟ هل غدت عبئًا ثقيلًا يتمنون الخلاص منه؟ مسحت دموعها بعنف وبعزيمة فجائية، وفتحت الرسالة أخيرًا. وما إن بدأت سبر الأسطر الأولى حتى ارتجف قلبها بجرعات من الدفء: "ماستي الغالية... أعلم أنني وعدتكِ بالعودة سريعًا، لكن الفرصة الاستثمارية التي حصل عليها والدكِ كانت مهمة جدًا لمستقبلنا جميعًا..." تسارعت دموعها، لكن هذه المرة كانت دموع ارتياح وهي تكمل القراءة: "لا تغضبي مني يا صغيرتي... أريدكِ أن تتابعي دراستكِ بكل شغف وتجعليني فخورة بكِ وبنتائجكِ. لقد طلبت من قاسم شخصيًا أن يعتني بكِ ويدير شؤونكِ حتى عودتنا... وإياكِ أن تتشاجري معه، وإن أزعجكِ أو ضايقكِ في غيابي، فقط أخبريني وسأوبخه بنفسي." ضحكت ماسة وسط دموعها المنهمرة؛ فوالدتها... ما زالت كما هي، لم تتغير ولن تتغير. حنونة، دافئة، وتحبها كما دائمًا وأكثر. احتضنت الرسالة بقوة إلى صدرها، وهمست داخلها بارتياح موجع طرد كل الشكوك: "أمي لم تمل مني أبدًا..." لكن، ما إن تذكرت كلمات قاسم الجافة وتجنيه عليها، حتى اشتعل الغضب العارم داخلها من جديد كالنار في الهشيم. ذلك المتعجرف الكاذب! كيف تجرأ على تلفيق هذه الأكاذيب وجعلها تشك، ولو للحظة واحدة، بحب حنان لها؟ أخفت الرسالة بعناية داخل صندوقها السري، وأغلقت عليه بالمفتاح محتفظة به كحرز، ثم ارتمت فوق السرير تحدق بسقف غرفتها وعقلها يعمل بأقصى طاقته. وبعد صمت طويل خيم على الغرفة... ارتسمت على شفتيها فجأة ابتسامة خطيرة وماكرة. تمتمت في سرها وعيناها تلمعان ببريق التحدي: "حسنًا يا قاسم..." ثم عقدت ذراعيها خلف رأسها بعناد طفولي ممتزج بالذكاء: "إن كنت قد أعلنت الحرب وشحذت نبرتك المستفزة منذ اللحظة الأولى... فأنا لن أرحمك أيضًا، والبادئ أظلم." ضيقت عينيها بغيظ شديد وهي تستحضر ملامح ابتسامته الساخرة ونظرته المتعالية. هي لن تكون تلك الفتاة الضعيفة المستسلمة كما كان يعهدها في الماضي، والفضل في بناء قوتها وصلابتها يعود لوالدتها حنان التي زرعت فيها الثقة. عند هذه الفكرة، انقلبت فوق سريرها بحماس وراحت تفكر بجدية، وتخطط بدقة للمكائد والمقالب الاستفزازية التي ستقوم بها لاحقًا لأجل تطفيشه من المنزل وجعله يندم على اليوم الذي قرر فيه البقاء؛ فهي لن تحتمل وجوده وتحكمه يوماً واحداً، فكيف ستحتمله لأيام طويلة غير معدودة؟ خاطبت نفسها بنبرة حماسية واثقة وهي تشحذ كل قوتها وعنادها: "سأكون أسوأ كابوس يمر في حياتك يا قاسم... سأجعلك تضيق ذرعاً بالبيت وبكل ما فيه، حتى تهرب بنفسك وتغادر مطروداً بنيران عنادي إلى شقراءك المدللة!"ليست أصعب الحروب تلك التي تُخاض بالسلاح...بل تلك التي تُجبر فيها على الوقوف أمام من تحب، بينما تتظاهر بأنك لا تعرفه.أن ترى جحيمه بعينيك...ثم تبتلع صرختك، لأن صرخةً واحدة قد تقتله قبل أن تنقذه.فبعض الأقنعة...لا تحمي أصحابها فحسب.بل تحمي من يحبونهم أيضًا.★★★انعكس الضوء الأزرق الباهت على وجه قاسم، وفي اللحظة التالية اتسعت حدقتا عينيه، حتى خُيّل إليه أن الزمن توقف.كانت هي...ماسة.ظهرت على الشاشة داخل غرفة ضيقة يغمرها ضوء شاحب، جدرانها رمادية خشنة، وأرضيتها إسمنتية باردة. كانت تجلس في أحد الأركان، تضم ركبتيها إلى صدرها وتدفن رأسها بينهما، كأنها تحاول أن تحتمي من بردٍ لا يرحم، أو من عالمٍ لم يعد يرحم أكثر.بدا جسدها نحيلاً، أنهكه الجوع والإرهاق، لكن قاسم لم يحتج إلى ثانية واحدة ليتأكد.إنها هي.ولو وُضعت بين أربعين امرأة يشبهنها، لاختارها من النظرة الأولى.بل ربما قبل أن ينظر إليها...كان قلبه يعرفها أكثر مما تعرفها عيناه.احتبس نَفَسه.وفي اللحظة التي رفعت فيها رأسها ببطء، ارتجف شيء عميق في داخله.شعرها مبعثر، ووجهها شاحب، إلا أنه ظل بالنسبة إليه أجمل وجه عرفه في حياته.أما عيناه
حين يمنحك السجن فرصة للهرب... فإنه يكون قد اختار مسبقًا أين ستسقط.بعض الأقفاص لا تُغلق أبوابها لأنها واثقة أن الهارب لن يجد طريقًا إلى الخارج.وبعض السجون لا تحتاج إلى سجان يقف عند كل زاوية...فالجدران نفسها تعرف كيف تعيد فريستها إليها.---ما إن غادر البارون الجناح، حتى لم تُضع ماسة ثانية واحدة.وقفت خلف النافذة تراقب السيارة السوداء وهي تعبر الطريق الحجري الطويل قبل أن تختفي خلف الأشجار الكثيفة خارج القصر.انتظرت حتى توارت تمامًا عن الأنظار، ثم زفرت ببطء.الفرصة قد لا تتكرر.ورغم أن القصر يعج بالحراس والكاميرات والعيون التي لا تنام، إلا أن عقلها كان أكثر هدوءًا من قلبها الذي كان يخفق بعنف.إذا أرادت الهرب يومًا...فعليها أولًا أن تحفظ هذا المكان كما يحفظ السجين قضبان زنزانته.التفتت نحو ليان التي كانت تلعب في الحديقة الصغيرة الملحقة بالجناح.اقتربت منها وانحنت حتى أصبحت في مستواها، ثم همست بحركة شفتيها لتقرأها ليان:ــ ليان... ما رأيك أن تأخذيني في جولة داخل القصر؟ أنتِ تعرفينه أكثر مني.ابتسمت الصغيرة وأومأت بحماس.كانت قد تعلمت خلال الأيام الماضية أن ماسة هي الإنسان الوحيد الذي ي
ليست كل السجون جدرانًا من حجر...بعضها يُشيَّد من الحرير والرخام والحدائق المزهرة.وبعض الأقفاص تكون أبوابها مفتوحة على مصراعيها، ومع ذلك يعجز السجين عن الهرب.فحين يصبح مصيرك ملكًا لغيرك، لا يهم إن كان السوط في يده...أو كانت الوردة.كلاهما قادر على سلب حريتك بالطريقة ذاتها.⭐⭐⭐عادت ماسة بذاكرتها إلى أرض الواقع وهي تتأمل ليان، وشعرت بغصة من الفخر وهي تتأكد من صحة قرارها؛ فعلى الأقل استطاعت أن تنتشلها من ذلك الجحيم. لكن قلبها همس بمرارة:«ولكنكِ أدخلتها جحيمًا آخر».انقبض صدرها، وتمنت بكل ما تملك أن تكون مخطئة. وفي تلك اللحظة، فُتح باب الجناح؛ فدخل البارون بخطوات هادئة واثقة، تحيطه سلطة صارخة تُعلن أن المكان كله ينتمي إليه.رفعت ليان رأسها نحوه، وما إن وقع بصرها عليه حتى تراجعت خطوة إلى الخلف، وانعقد الخوف داخل عينيها الصغيرتين.قال بصوته العميق:صباح الخير."Good morning."انحنت ماسة نحو ليان وأشارت إليها بلطف:اذهبي إلى الحديقة، سألحق بكِ بعد قليل.لم تنتظر ليان أكثر من ذلك، بل قفزت من مكانها وانطلقت نحو الباب بفرح واضح. وظلت ماسة تراقبها حتى اختفت عن الأنظار، وعندها فقط التفتت إلى
أحيانًا يكون الجحيم مزخرفًا بالذهب والحرير... لكنه يظل جحيمًا.منذ أن خطت "ماسة" خطواتها الأولى داخل هذه الفيلا، وهي مبهورة بكل ما تراه. حتى هذه اللحظة، لم تستوعب أنها هنا لليوم الخامس على التوالي دون تعذيب، أو ترهيب، أو إذلال.كانت تعلم يقينًا بأن "البارون" ليس ذلك الرجل الطيب الذي يدعيه، وكانت تنتظر بفارغ الصبر أن يكشر عن أنيابه؛ لذا لم تثق به ثقة عمياء، ولم تأخذ راحتها ولو للحظة واحدة.كانت تأكل بتردد وحذر، بالكاد تتكلم مع أحد أو ترى أحدًا؛ فكل من كانت تراهم حولها ليسوا سوى خدمٍ من شتى الأجناس والأعراق، وهي بينهم كأميرة داخل قصر ممتلئ بالجواري.لم تكن تخرج من غرفتها، ولكنها كانت تحسب الأيام والليالي بانتظار اللحظة التي تتعافى فيها تمامًا وتسترد قوتها، وحينها ستعود لمقاومة جحيمها الجديد...ذلك الجحيم الذي لم يكن هدوؤه يبشر بخير إطلاقًا، بل كان أشبه بالسكون الذي يسبق الزوبعة.اندفعت "ليان" داخل غرفتها بابتسامة خلابة، ملابسها نظيفة فاخرة، وشعرها الأسود الحريري ينساب بنعومة على ظهرها.كانت ليان قد بدأت في التعافي والتأقلم مع المكان أكثر من ماسة، وكأن الروح قد رُدَّت إليها بعد رحلة طوي
بحلول نهاية الأسبوع الثاني، كان الرشيد قد أصبح أكثر انفتاحاً من أي وقت مضى. جلس ذات مساء في جناحه الفاخر بالفندق، مسترخياً فوق الأريكة الجلدية، وأمامه زجاجة ويسكي باهظة الثمن شارفت على الانتهاء. بدا تأثير الكحول واضحاً على ملامحه، فخفّت حذريته المعتادة وبدأ يتحدث بصراحة أكبر. قال وهو يدور الكأس بين أصابعه: — أنا أتعامل مع السيد مباشرة. هو الذي يستلم الفتيات بنفسه، وهو الذي يقرر مصير كل واحدة منهن. لديه شبكة واسعة جداً... بعض الفتيات يأتين من دول مجاورة، وبعضهن محليات يبحثن عن فرصة أو يهربن من ظروف قاسية. لكل واحدة استخدام مختلف... بعضهن للخدمة المنزلية، وبعضهن للمرافقة والترفيه... وبعضهن لأمور أكثر خصوصية. توقف قليلاً، ثم رفع عينيه نحو قاسم وحدق فيه بنظرة فاحصة. — تبدو رجلاً جاداً يا خالد. إن كان لديك طلب محدد، أستطيع ترتيب زيارة لك. لكن السيد لا يثق بالغرباء بسهولة. هو يثق بي ثقة عمياء لأنني أعرفه منذ سنوات طويلة. ارتسمت ابتسامة هادئة فوق شفتي قاسم بينما أخفى اضطرابه الداخلي ببراعة. قال بلامبالاة متعمدة: — إذا كان ما تقوله صحيحاً... فطلبي بسيط جداً. مال الرشيد نحوه
أما في الجهة الأخرى، فقد كانت خيوط اللعبة تتشابك بسرعة أكبر مما توقع الجميع. بينما كان الرشيد يظن أنه يقترب أخيراً من كشف حقيقة الرجل الغامض الذي ظهر في حياته باسم "خالد الزين"، كان شخص آخر يراقب المشهد بأكمله من خلف الستار. معتز. ذلك الشبح الإلكتروني الذي اعتاد التسلل إلى أكثر الأنظمة تحصيناً دون أن يترك أثراً. منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها الرشيد رحلة البحث عن هوية قاسم، كان معتز يتابع خطواته بصمت، يجمع المعلومات ويربط الخيوط المتناثرة. ولم يكتفِ بالمراقبة فقط، بل تمكن خلال الأيام الماضية من اختراق هاتف الرشيد والوصول إلى مكالماته ورسائله وتحركاته كافة. لذلك، عندما التقط قاسم هاتفه ودعا الرشيد إلى العشاء في الفندق، لم يكن ذلك الخبر قد وصل إلى الرشيد وحده. كان معتز قد سمع المكالمة كاملة. جلس أمام شاشاته المضيئة في غرفة العمليات السرية، وعيناه مثبتتان على البيانات المتدفقة أمامه، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة. لقد بدأت القطع تتحرك أخيراً نحو أماكنها الصحيحة. ارتدى قاسم بدلة أنيقة بلون رمادي داكن، واعتلت وجهه ابتسامة هادئة صُنعت بدقة لتخفي توتره الداخلي العاصف. في ا
حين يبلغ الغضب منتهاه، لا يعود شعورًا يمكن تسميته، بل يتحول إلى بركان أعمى، يتلوى داخل الجوف، يضرب جدران الروح، ويصرخ مطالبًا بالخروج. يحاول المرء احتواءه… كبحه… إخماده. لكن كيف تُخمد نارًا، ومن أشعلها يزيدها اشتعالا متظاهرا بالبراءة والطيبة . شعور عنيف بالكره يجتاحه بينما الوساوس تحثه على ار
مستحيل ! كيف لسعد ان يجدها في ذلك الوقت ؟! كيف عرف مكان وجودها ؟! توقف في لحظة ادراك قاسية ... عاد بذاكرته للخلف ... اخبرته ثريا بأن لصوص اقتحمو منزله ... كان هذا في الثالثة صباحا تقريبا . نظر الى الفيديو وقت صعود ماسة السيارة برفقته كانت الثانية والنصف . لا يمكن ... سوف أقتله ... أقسم على
ذهبت ميرنا لزيارة شقيقها قصي بالورشة ... مضت عليها عدة ايام لم تستطع الاجتماع به ... اما مشغول بالورشة او في سهرة مع أصدقائه .اولئك الاصدقاء الذين لم تعرفهم ميرنا يوما في حياتها او تسمع بهم من قبل ... كان قصي أسفل السيارة كعادته بينما صوت المذياع يصدح بالموسيقى والاغاني الهادئة .نادت عدة أصوات و
لم يبدُ عليه أنه سيصدقها مهما حاولت إبلاغه به... زفرت باستسلام: أمهلني دقيقتين. عادت لمنزلها، أخذت سترتها ونادت والدتها بصوت عالٍ: أمي سأعود بعد لحظات، لن أتأخر! أغلقت الباب خلفها وانطلقت مع قاسم إلى مقهى صغير عند رأس الشارع القريب من منزلهم. جلست ميرنا قبالة قاسم، الذي طلب لهما كأسين من العص






