登入مرّ يومان...يومان كانا كافيين لانهيار إمبراطورية كاملة، لكنهما لم يكونا كافيين لكشف مصير فتاة واحدة.كان قاسم يقضي أيامه في المستشفى ملتزمًا بعلاجه وطعامه على نحوٍ مثالي، وكأن كل جرعة دواء تقرّبه خطوة من هدفه الوحيد...العثور على ماسة.لم يكن الشفاء بالنسبة إليه راحةً، بل سباقًا مع الزمن.أما البارون، فقد انهارت معظم شبكاته، وتحولت البلاد بأسرها إلى ساحة مطاردة. الشرطة تلاحقه علنًا، وما تبقى من العصابات المنافسة يبحث عنه في الخفاء لتصفيته.ففي عالم المافيا، لا وجود لنهاية سعيدة...إما رصاصة طائشة، أو خيانة، أو موتٌ أكثر بشاعة.في المستشفى...كان معتز يذرع الممر جيئةً وذهابًا، وقد أوشك أن يفقد أعصابه.قبض على هاتفه بعنف وهو يهتف:اللعنة... أين ذهب؟!كان قد اتفق مع قاسم أن يواصلا البحث عن ماسة معًا...لكن قاسم لم يعد يحتمل الانتظار.غادر المستشفى بصمت، دون أن يبلغ أحدًا.ولم يكن معتز يعلم أنه توجه إلى مركز الأمن، ليتابع بنفسه آخر ما توصلت إليه التحقيقات، ويبدأ البحث من هناك.كان قاسم عاجزًا عن طرد الأفكار التي تنهش رأسه.لا يعلم ما الذي حلّ بماسة بعد أن اكتشف البارون جهاز التتبع.وكان
مرّت ساعاتٌ ثقيلة قبل أن يستعيد قاسم وعيه. فتح عينيه ببطء، وشعر بثقلٍ ينهش جسده، كأن كل عظمة فيه ما زالت تحتفظ بذكرى المعركة. حاول أن يتحرك، فاجتاحه ألمٌ حاد أجبره على التوقف، قبل أن يدير رأسه بصعوبة. كان معتز جالسًا قرب النافذة، وقد غلبه الإرهاق حتى استسلم للنوم فوق المقعد، بينما ظل هاتفه بين يديه، كأنه لم يسمح لنفسه بالراحة حتى وهو غارق في النوم. حاول قاسم أن يعتدل في فراشه، فأصدر السرير صوتًا خافتًا. انتفض معتز على الفور، وما إن التقت عيناه بعيني قاسم حتى زفر براحةٍ طويلة، وكأن حملًا ثقيلًا انزاح عن صدره. اقترب منه مبتسمًا بتعب. - الحمد لله... أخيرًا استيقظت. كيف تشعر؟ أجاب قاسم بابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيه. - وكأن شاحنة مرت فوقي... منذ متى وأنا نائم؟ - قرابة ست ساعات. ساد صمتٌ قصير. لم يسأل قاسم عن إصابته، ولا عن العملية، ولا حتى عن حالته الصحية. كان هناك سؤال واحد فقط يحتل قلبه. رفع بصره إلى معتز وهمس: - ماسة... هل يوجد اخبار عنها؟ انخفضت ملامح معتز قليلًا. هز رأسه ببطء. - ليس بعد. أغمض قاسم عينيه بألم و عادت إليه صورتها... دموعها... ارتجاف يديها... اعترا
منذ أحداث الليلة الفائتة، لم يذق معتز طعم الراحة.ظلّ يهيم جيئةً وذهابًا في ممر المستشفى، يوزّع الأوامر بصوتٍ متعب، ويتابع مجريات البحث بقلبٍ معلّق بين الأمل واليأس. كان يتمنى، بكل ما فيه من إصرار، لو يستطيع انتزاع ماسة من قبضة البارون قبل أن يفتح قاسم عينيه... لكن الرياح لا تجري دائمًا كما تشتهي السفن. فالبارون قد تلاشى وكأنه شبحٌ لا أثر له، تاركًا خلفه فراغًا مقلقًا وأسئلة بلا إجابات.وفي تلك اللحظة، جاء صوت الممرضة يحمل خبرًا طال انتظاره:- المريض استيقظ .دخل معتز الغرفة التي تفوح منها رائحة المطهرات والأدوية، حيث كان قاسم قد بدأ يستفيق ببطء من تأثير المخدر، وإن كانت الحمى الناتجة عن التهاب جرحه لا تزال تكسو وجهه بشحوبٍ واضح.اقترب معتز منه بهدوء، وقلبه ينبض بخليطٍ من الفرح والشوق، ثم همس بصوتٍ متحشرج:-سعيد بعودتك يا صديقي.ابتسم قاسم ابتسامةً خفيفة، وقال بصوتٍ ضعيف يحاول المزاح:-يبدو أن تهديدك الأخير كان كافيًا لإعادتي.ضحك معتز وهو يجلس على المقعد المقابل:- لقد أخفتني عليك كثيرًا.أجاب قاسم بهدوء:- لا تقلق، أنا بخير كما ترى.حاول أن يستند إلى وسادته، وتجولت عيناه في الغرفة ق
دوّى انفجارٌ هائل هزّ أرجاء المكان. ارتجّت الجدران الحجرية بعنف، وتساقط الغبار من السقف، وانطفأت الأنوار لثوانٍ خاطفة قبل أن تنطلق صفارات الإنذار ممزقةً الصمت في جميع الممرات. تبادل رجال البارون النظرات بارتباك. ماذا يحدث؟! ولم تكد الكلمات تغادر فمه حتى انهمر وابلٌ كثيف من الرصاص عبر الممر الرئيسي. تحطمت النوافذ الزجاجية، وتناثر الشرر في كل اتجاه، بينما اندفع رجالٌ ملثمون إلى الداخل بخطواتٍ مدروسة وحركةٍ خاطفة. وفي مقدمتهم... كان معتز. أحكم قبضته على بندقيته، وعيناه تجولان في المكان بسرعة خاطفة، يلتقطان أدق التفاصيل. هتف بصوتٍ حازم: الفريق الأول معي... الفريق الثاني أغلقوا جميع المخارج... لا تسمحوا للبارون بالهرب! جاءه الرد عبر أجهزة الاتصال بصوتٍ واحد: مفهوم! واندلعت معركةٌ شرسة داخل القبو. الرصاص يمزق الصمت... والدخان يبتلع الممرات... والانفجارات المتلاحقة تعطل أنظمة الحماية واحدًا تلو الآخر. ★★★ في غرفة العمليات... كان قاسم ممددًا فوق طاولة التشريح داخل غرفةٍ معزولةٍ تمامًا عن الضوضاء، مقيد اليدين والساقين بأحزمةٍ معدنية. اقترب الطبيب البديل منه مرتديًا قفازيه، ث
انتهى كل شيء...تكشّفت الحقيقةُ اكجرحٍ مفتوح: كانت الخسارةُ قدرًا حتميًا يُلاحقها منذ البداية. أدركتْ أنها لم تُخلق لتُحاطَ بأشخاصٍ يمنحونها الحب والاهتمام .بل قدرها منذ طفولتها ان تعيش الوحدة والخذلان، وها هو القدر، ببراعته، يعيدها وحيدة في جحيمٍ أبدي ... جحيمٍ لن تطيق العيش فيه وهي تدرك ان قاسم قتل بسببها .بيديها هاتين، أنقذته طيّبت جراحه وناضلت لتبقيه حيًا... لأجل ماذا؟ لينتزعو منه حياته ويهبونها لآخر لا يستحق الحياة .انتفض جسدها بألم مرير، لقد قتلته بيديها؛ رفعت كفيها الملطختين بدمائه ونظرت إليهما بذعرٍ خفيض.بينما كان "البارون" يذرع الغرفة كظلٍ شوم. كان يُملي أوامره الصارمة عبر الهاتف بنبرةٍ جشعة: ألا يخطئوا، ألا يمسّوا أي عضوٍ حيوي بسوء، فالعميلُ المتلقي المنتظر في الطرف الآخر رجلٌ ذو مركز و نفوذٍ .جالت بعينيها الدامعتين ... في أرجاء المكان لتقع عيناها على سكين فاكهةٍ، في زاويةٍ الطاولة. لمعت عيناها بوعي مفاجىء ... لن يرحل قاسم وحده إلى عتمة الموت، وتبقى هي تتجرّع مرارة هذا الجحيم.انتقلت بنظراتها نحو البارون الذي راح يتابع الأرقام تتضخم في حسابه البنكي.في تلك اللحظة ،
في عتمة الزنزانة الباردة، كانت "ماسة" تجلس على الأرض الصلبة، تحتضن "قاسم" بين ذراعيها كمن تحتضن حياتها كلها. كانت تبلل قطعة قماش بالماء البارد وتمررها برفق فوق وجهه المتورد، محاولةً إطفاء حمى جسده التي أرهقته .كان مفعول الدواء قد بدأ يظهر نتائج تحسنه وبعد تعقيم جرحه و اخذه المسكن هدأ انتفاض جسده وانتظمت انفاسه .كانت تبكيه بصمتٍ يمزق أحشاءها، وتمسح وجهه المجهد. لم تتخيل يوماً أن يرقد هذا الجسد القوي ضعيفا عاجزا . وعلى الرغم من أن الحرارة بدأت بالتراجع تدريجياً، إلا أن الخطر على حياته لا يزال يخيم على المكان ككابوس ثقيل.تحركت جفناه ببطء شديد، ثم فتح عينيه المرهقتين ليتطلع الى وجهها المبلل بالدموع. خرج اسمها من بين شفتيه الجافتين كترنيمة دافئة أذابت قلبها المنهك :- ماسة... أنتِ فاتنة!التفتت نحوه بلهفةٍ عارمة، واشرقت ملامحها الحزينة بابتسامة دافئة، وهمست بنبرة يغمرها الأمل:- كيف تشعر الآن؟سرت ابتسامة خفيفة على شفتيه، وقال بصوت خافت:- كأنني في الجنة... هل أنتِ حورية؟ضحكت من بين دموعها، وردت بنبرة عاتبة:- أنت تهذي من أثر الحمى!هز رأسه معترضاً بجهد، وعيناه المثقلتان بالتعب تثبت
أمعنت ماسة النظر أمامها بتوتر، لتتفاجأ بقصي يظهر من بين الظلال وهو يلهث بقوة، كأنه ركض خلفها لمسافة طويلة. اقترب منها بخطوات سريعة، وما إن وصل إليها حتى أمسك بذراعها قائلاً بغضب واضح: — هل جننتِ؟! لم يكن عليكِ المغادرة وحدكِ بهذا الوقت. اتسعت عينا ماسة بذهول. كيف يجرؤ على التحدث معها بهذه الطريق
منذ سفر حنان وسالم لحضور خطوبة قاسم، تحوّل المنزل إلى ساحة حرب صامتة. كانت هناء تراقب ماسة وكأنها دخيلة على العائلة، لا ابنة تربّت بينهم منذ طفولتها. ومع ذلك… لم ترد ماسة يومًا. كل كلمة جارحة كانت تستقبلها بابتسامتها الهادئة نفسها، وكأنها ترفض النزول إلى مستوى خالتها مهما استفزتها. وفي مساء
كان وجود زوج ك سالم مصدر فخر لها بقوته وهيبته و حكمته وعدله، لم يخيب ظنها يوما لطالما ساندها ووقف الى جانبها في اسوأ الاوقات . تنهدت حنان وهي تشكر حظها للمرة الألف لحصولها على زوج مثله . عادت بنظراتها الى ماسة النائمة في حضنها و كأنها غنيمتها من احدى غزواتها التي قامت بها . كانت ماسة تتميز بجمال
كان يصعب على حنان ترك ماسة والرحيل الا انها اضطرت لذلك بعد ان وعدتها بأن تعود لتأخذها لاحقا الى المدرسة . انتزعت حنان نفسها من أفكارها على صوت باب غرفة يفتح، نهضت لتجد ماسة امام غرفتها تقف كالتائهة، رق قلب حنان لاجلها فبسبب اعاقتها لا تفهم حاجتها كي تلبيها لها . تقدمت منها برفق تسألها: - هل







