LOGIN
الفصل الأول
يوم الزفاف — أنا بحب أخوك... مش أنت. تجمد أسر في مكانه. كانت الكلمات أشبه برصاصة استقرت مباشرة في قلبه. حدق في رحمة غير مصدق، بينما كانت تقف أمامه بفستانها الأبيض، وجهها غارق بالدموع، وعيناها متورمتان من كثرة البكاء. منذ أن دخل الغرفة وهي تبكي. ظنها خائفة. ظنها متوترة لأنها تترك بيت أهلها وتبدأ حياة جديدة. حتى إنه حاول التخفيف عنها، وأخبرها أن والدته ستعاملها كابنتها، وأنها لن تشعر بالغربة يومًا. لكن... لم يتخيل قط أن تبكي لأنها تزوجته هو. ارتجف صوته وهو يردد: — قولتي إيه؟ شهقت رحمة وهي تبكي أكثر. — سامحني... والله ما كان بإيدي. قبض على كتفيها بقوة. — انطقي... إيه معنى الكلام ده؟ أغمضت عينيها وكأنها تلقي بنفسها من فوق هاوية. ثم خرج صوتها مكسورًا: — أبويا غصبني أتجوزك... وأنا بحب أخوك يوسف. ساد الصمت. صمت مخيف. شعر أسر وكأن الهواء اختفى من الغرفة. يوسف؟ أخوه الأصغر؟ هو؟ ابتعد عنها ببطء، كمن تلقى صفعة أفقدته القدرة على الحركة. منذ طفولته وهو يحبها. كانت حلمه الوحيد. كل دعواته كانت تنتهي باسمها. كل خططه للمستقبل كانت تبدأ بها. انتظر هذه الليلة سنوات طويلة... ليكتشف أن المرأة التي أصبحت زوجته منذ ساعات فقط، تعشق رجلًا آخر. وأي رجل؟ أخاه. رفع عينيه إليها. كانت تبكي بحرقة. لم يرَ فيها خائنة. بل فتاة محطمة مثله تمامًا. قال بصوت أجش: — في حاجة حصلت بينك وبين يوسف؟ هزت رأسها بسرعة. — لا... هو أصلًا ما يعرفش إني بحبه. ضحك. ضحكة قصيرة خرجت ممتلئة بالمرارة. إذن... هو يحب امرأة تعشق رجلًا لا يعلم حتى بوجود مشاعرها. أي عبث هذا؟ اقتربت منه رحمة وهي ترتجف. — أسر... أنا آسفة. رفع عينيه إليها. بدت صغيرة. ضائعة. منكسرة. لكنه هو أيضًا كان منكسرًا. قال بصوت متعب: — وأنا أعمل إيه بأسفك؟ لم تجد جوابًا. مسح وجهه بكفيه ثم اتجه نحو الباب. وقبل أن يخرج التفت إليها. نظر إليها طويلًا. ثم قال: — اللي حصل بينا الليلة دي... هيفضل سر. محدش يعرف حاجة لحد ما أفكر هنعمل إيه. أومأت وهي تبكي. خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء. لكن بداخله... كان كل شيء ينهار. --- في نفس الوقت... كان يوسف يقف أمام منزل فرح. يبتسم لها كعادته. قالت وهي تضحك: — يا ابني ادخل... بقالك ساعة واقف على الباب. ضحك هو الآخر. — كل ما أمشي تفتحي موضوع جديد. عبست بدلال. — يعني مستكتر عليا شوية كلام؟ نظر إلى ساعته. — الوقت اتأخر. بكرة هعدي عليكي أوصلك الكلية. ابتسمت بخجل. ثم قالت: — عقبالك أنت كمان. تنهد وهو ينظر إليها بحب. — كلها ست شهور والشقة تخلص... وبعدها هتكوني مراتي. احمر وجهها. اقترب منها قليلًا وهمس: — وهتبقى لينا حياتنا لوحدنا. شهقت وهي تنظر حولها. — يوسف... بابا يشوفنا. جذَبها برفق واختطف قبلة سريعة من جبينها. — تصبحي على خير يا روحي. ثم غادر. ولم يكن يعلم... أن هناك فتاة أخرى في مكان ما، ترتدي فستان زفافها الآن، وتبكي لأنها لم تصبح زوجته. --- مر أسبوع. أسبوع كامل وأسر يتجنب رحمة. لا ينام في غرفتها. لا يجلس معها. ولا ينظر إليها إلا للضرورة. أما هي، فكانت تشعر بالذنب يقتلها ببطء. وفي النهاية اتفقا على شيء واحد... سيبقيان الأمر سرًا. وسينفصلان بهدوء عندما يجدان الطريقة المناسبة. لكن القدر... كان يخطط لشيء آخر. --- في صباح اليوم الثامن، كان الرائد ياسين يشرح خطة مداهمة واحدة من أكبر عمليات تهريب المخدرات. قسم القوات. ووزع المهام. وكان أسر يقف بجواره. وبدأت العملية. تحولت المنطقة خلال دقائق إلى ساحة حرب. طلقات نارية. صرخات. ودخان. سقط عدد من أفراد العصابة. وأصيب بعض الضباط. وكان من بينهم... أسر. أصابت رصاصة جانبه. أسرع ياسين إليه. احتضنه وهو يضغط على جرحه. لكن أسر ابتسم. ابتسامة غريبة. وقال بصوت متقطع: — خلي بالك من أمي... وقولها ما تزعلش. شهق ياسين. — اسكت! محدش هيموت. لكن أسر واصل بصعوبة: — وعرفها... إني مت راجل. صرخ ياسين: — مش هتموت! سامع؟ مش هتموت! لكن أسر كان قد بدأ يفقد وعيه. ورغم الألم... ظهرت أمامه صورة رحمة. تلك الفتاة التي أحبها طوال عمره... ولم تحبه يومًا. ابتسم ابتسامة شاحبة. ونطق الشهادة. ثم أغمض عينيه. صرخ ياسين بجنون: — أسر! أسر! فووووق! لكن جسده ظل ساكنًا. ولأول مرة في حياته... شعر ياسين بالعجز. --- بعد مطاردة شرسة، تمكنت القوات من القبض على أفراد العصابة. أما ياسين... فكان داخل سيارة الإسعاف. يجلس بجوار أسر. وينظر إلى وجه ابن عمه الشاحب. يدعو الله فقط ألا يخسره. --- في نفس اللحظة... كانت الدكتورة داليدا تدخل المستشفى كعادتها. توزع ابتسامتها على الجميع. تضع معطفها الأبيض. وتستعد ليوم عمل جديد. فجأة... دوى صوت سيارات الإسعاف بالخارج. ثم جاء نداء الطوارئ: — جميع الأطباء إلى قسم الطوارئ! ركضت مع الباقين. وكان الطبيب خالد يصرخ: — داليدا! معايا على العمليات! أومأت وركضت خلف السرير المتحرك. بدأ الجميع يتعامل مع المصاب بسرعة. نزيف حاد. إصابات خطيرة. واحتمال نجاته ضعيف. ارتدت قفازاتها الطبية. ثم رفعت رأسها لتنظر إلى المريض... وفجأة... تجمدت في مكانها. سقط كل شيء من يدها. وانحبس الهواء داخل صدرها. رغم الدماء التي تغطي وجهه... عرفته. عرفت ملامحه جيدًا. فهذا الرجل... لم يكن مجرد مريض. ولم يكن مجرد غريب. بل كان الرجل الوحيد الذي دمر قلبها منذ أكثر من عام... وكان الآن يرقد أمامها بين الحياة والموت.في شقة عبد الله والد فرح...كانت فرح تستعد للنزول إلى الكورس، عندما دوى جرس الباب.تقدمت بخطوات هادئة وفتحته، لتتفاجأ بسارة تقف أمامها، ترتسم على شفتيها ابتسامة عريضة.عقدت فرح حاجبيها بدهشة وقالت:- سارة! إيه اللي جابك؟ابتسمت سارة وهي تدلف إلى الداخل، ثم أغلقت الباب خلفها قائلة:- إيه يا بنتي؟ إنتِ ناسية معادنا ولا إيه؟ابتلعت فرح ريقها بتوتر، وأخذت تفرك كفيها ببعضهما وهي تقول:- سارة نا فكرت، ولقيت نفسي مش هقدر أعمل كده، هادخل أجيبلك الفلوس.وهمت بالدخول، لكن سارة لحقتها سريعًا وأمسكت بذراعها، قائلة باعتراض:- تجيبي إيه يا بنتي؟ إنتِ عبيطة؟ هتضيعي فرصة زي دي من إيدك؟هزت فرح رأسها بقلق وقالت:- بصراحة أنا مش مطمنة، يوسف لو عرف هيقطع خبري.ابتسمت سارة بثقة وقالت:- ومين بس اللي هيعرف؟ اسمعي الكلام. إنتِ هتيجي معايا، وهترجعي معايا في معادك. وبعدين الإعلان أجنبي، والمخرج، والمصور، وكل فريق العمل أجانب، يعني مفيش أي حد يعرفكم.وقبل أن تكمل حديثها...رن جرس الباب مرة أخرى.تجمدت فرح في مكانها، واتسعت عيناها بخوف، ثم توجهت إلى الباب وفتحته.كان يوسف.ارتبكت فور رؤيته، وقالت بصوت متلعثم:
التفت ياسين على الفور، ثم قال وهو يهم بالركض:"بينادوا عليا شوية وهتصل بيك اطمنك. ثم أضاف على عجل:"ما تسوقش بنفسك... وخلي أي حد يجيبك. إحنا في مستشفى..."أغلق الهاتف، وانطلق مسرعًا نحو الداخل، بينما بقي طارق واقفًا مكانه، والهاتف يرتجف بين يديه، وقد تحول قلبه إلى كتلةٍ من الرعبوقف مشلول الحركة، مذهولًا، وكأن صاعقة هبطت فوق رأسه. لم ينتبه إلى حاله إلا عندما اقتربت منه ريم، تلف جسدها بمفرش السرير، وقالت باستغراب:في إيه يا طارق؟رفع عينيه إليها ببطء، وملامح الصدمة تكسو وجهه، ثم خرج صوته مختنقًا:ابني... ابني هيروح مني.انتفض فجأة كمن استفاق من كابوس، وانحنى يلتقط ملابسه المبعثرة بجوار السرير. ارتدى قميصه دون أن يزر أزراره، ثم ألقى الجاكيت فوق كتفيه، وبدأ يبحث بجنون عن مفاتيح سيارته، يقلب الأغراض بعجلة وعصبية.وفجأة...سقط من بين الأغراض جسم صغير، لكنه بدا ثقيلًا بعض الشيء.تجمد مكانه للحظة، ثم اتسعت عيناه وهو يدرك ماهيته.انحنى سريعًا والتقطه، يقلبه بين يديه، قبل أن يضغط على الزر الجانبي.وفي اللحظة التالية...عاد إليه المشهد كاملًا منذ اللحظة التي دخل فيها الغرفة، ووجد ريم في انتظار
شقَّ صرخةٌ مذعورة سكون المزرعة."بوووودي!"كان صوت سيدة، صرخةً حملت من الرعب ما جعل القلوب تنقبض، والوجوه تشحب في لحظة.التفت الجميع نحو مصدر الصوت، واتسعت أعينهم بصدمة.ظهر كامل يركض بأقصى سرعته، وأنفاسه تتلاحق، وهو يحمل بين ذراعيه بودي الصغير، الذي تدلت رأسه بلا حراك، بينما كانت الدماء تنساب بغزارة من جانب رأسه، لتلطخ ملابسه ويدي كامل...فتجمدت الأنفاس، وسقطت الضحكات، وحلَّ الذعر محلها في أقل من ثانية........... في بيت طارق...كان يجلس أمام مكتبه، غارقًا في مراجعة بعض التصاميم، وعيناه تتنقلان بين الأوراق وتركيزُه منصبٌّ على عمله.وفجأة...دوّى جرس الباب.تنهد بهدوء، ثم ترك ما بيده واتجه ليفتحه.وما إن فتح الباب حتى تجمد في مكانه لثوانٍ.اتسعت عيناه بدهشة، قبل أن يتراجع خطوة إلى الخلف، لتستغل ريم صمته وتمر من جواره بثقة، وهي تقول بابتسامة جانبية:"مش هتقولّي اتفضلي؟"دخلت إلى الداخل وكأنها صاحبة المكان، بينما أغلق هو الباب ببطء، ثم استدار يقف خلفها، دون أن ينطق بكلمة.توقفت، ثم التفتت إليه، وقالت بدلالٍ متعمد:"أنا جيت... لما ملقتكش اتصلت عليا."ظل ينظر إليها بصمت، وقد انعقد لسانه
في بيت المزرعة...حلَّ المساء، وألقى بسكينته على المكان، بينما كانت داليدا تقف داخل غرفتها تستعد للنزول، وياسين يقف أمامها عاقدًا ذراعيه، يرمقها بنظرةٍ يغلب عليها القلق والاعتراض.قال بنبرةٍ حاسمة:- إنتِ تعبانة، وهما هيعذروكي."هزت رأسها بيأسٍ من عناده، ثم قالت في محاولةٍ لإقناعه:- ياسين، صدقني، لو كنت تعبانة كنت قولتلك.زفر بضيق، وقد نفد صبره أمام إصرارها، ثم سألها:- أوكي خلصتي؟أومأت برأسها.وفجأة اقترب منها، وانحنى ليحملها بين ذراعيه.شهقت وهي تضرب كتفه بخفة، وقالت باعتراض:- ياسين! إيه اللي بتعمله ده؟! نزلني.ابتسم ابتسامةً هادئة، ولم يبدُ عليه أنه ينوي الاستجابة، ثم قال وهو يواصل السير بها:- طالما مُصرة تنزلي، سيبيني أنا أتصرف عشان أبقى مطمن عليكي."نزل بها إلى الحديقة حيث يجلس الجميع، ثم وضعها برفق على أحد المقاعد، وحرص على أن يسند ظهرها بالوسائد حتى تكون في وضعٍ مريح.تراجع خطوة يتأملها، ثم قال بلهجةٍ لا تخلو من التحذير:- لو حسيتي بأي تعب تبلغيني فورًا.تنهدت باستسلام، ثم رفعت عينيها إليه وقالت:- حاضر. انفرجت أساريره، وانحنى يقبل خدها بخفة، ثم قال ممازحًا:- أخيرًا القمر
التفتت إليه وقالت باستغراب: - واقف كده ليه؟ تنهد وقال بصراحة اعتادت سماعها منه: - أنا قلقان مش عارف ليه. وصمت لحظة قبل أن يكمل: - وكل ما الموضوع بيقرب القلق بيزيد. تلعثمت وهي تحاول أن تبدو طبيعية، وأشاحت بعينيها بعيدًا عنه حتى لا يرى ما يختبئ داخلهما من وجع، ثم قالت: - المفروض تكون فرحان، إنت وهي بتحبوا بعض. زفر مرة أخرى، وجلس على طرف الفراش، يمرر يديه في شعره بعصبية، وهمس وكأنه يحدث نفسه: - بنحب بعض؟ اقتربت منه بعفوية، ووضعت يدها فوق يده في محاولة لطمأنته، وقالت: - إنت حيران كده ليه؟ مش إنتوا متفقين؟ رفع عينيه إليها. وما إن التقت نظراتهما حتى انتبهت لما فعلته، فسحبت يدها سريعًا، وكأنها ارتكبت خطأً كبيرًا. تنهد وقال بصراحة: - بصراحة مبقتش بحس براحة معاها. وسكت لحظة، ثم أردف: - حاسس إن في خلل حصل، مابقتش اثق فيها زي الأول. عقبت عليه بعقلانية: - لو بتحبها اديها فرصة تانية. لكنه نهض فجأة، قاطعًا الحديث، وقال: - سيبك إنتِ هتروحوا عند داليدا إمتى؟ أجابته وهي تحاول إخفاء خيبة أملها: - ليلى قالتلي السواق في الطريق عشان ياخدنا. نظر إلى ساعته،
اقتربت منها عواطف مرة أخرى، وأمسكت كتفيها بقوة وهي تهزهما بعنف:بقول... في حد في حياتك؟! انطقي!انهارت رحمة تمامًا، وأجهشت في البكاء، ثم قالت وسط نحيبها:مش بإيدي... والله.اتسعت عينا عواطف، وتسارعت أنفاسها، ثم سألتها بصوت مرتجف:حد نعرفه؟!أومأت رحمة برأسها في صمت.ابتلعت عواطف ريقها بصعوبة، وقالت وهي تشعر بقلبها يهبط إلى قدميها:مين؟ظلت رحمة صامتة، وكأن الاسم يحرق شفتيها.فصرخت عواطف فيها وقد فقدت صبرها:اسمه إيه؟!أغمضت رحمة عينيها، وتمتمت بصوت خافت بالكاد سُمع:عمرو.تجمدت عواطف في مكانها، وانقبض قلبها بقسوة، ثم أعادت نطق الاسم بذهول، وكأنها لا تصدق ما سمعته:ع... م... عمرو؟! عمرو مين... عمرو ابني؟!لم تستطع رحمة أن تجيب.لكن نحيبها الذي ازداد اختناقًا كان أبلغ من أي اعتراف.شعرت عواطف بأن الأرض تميد تحت قدميها، فتهاوت على أقرب مقعد بوهن، وانهارت دموعها هي الأخرى، بعدما أدركت حجم الفاجعة التي كانت غافلة عنها طوال تلك السنوات... مصيبة لم تكن تتخيل يومًا أن تضرب بيتها، أو أن يكون قلبا ابنيها طرفيها؛ أحدهما رحل وفي صدره أمنية لم تتحقق، والآخر وقع قلبه أسيرًا لامرأة كانت يومًا زوجة أ







