LOGINمع إشراقة الصباح، كانت أشعة الشمس تتسلل ببطء عبر ستائر الجناح، لتلقي بظلالها الذهبية على لونا النائمة بعمق. فتحت عينيها ببطء لتجد المكان بجانبها خالياً، لكن الدفء المتبقي على الوسادة كشف أن جاك لم يغادر إلا منذ وقت قصير. في الصالة السفلى للقصر، كان جاك يقف عند الطاولة الفخمة، يراقب والدته السيدة مارغريت التي كانت تجلس بشرود تام، تمسك كوب القهوة بيديها المرتجفتين وعيناها غائبتان في الذكريات. "أمي.. أنتِ تعرفين أكثر مما تقولين، أليس كذلك؟" قال جاك بنبرة هادئة ورزينة، لكنها تحمل تساؤلاً صارماً لا يحتمل التهرب. تنهدت السيدة مارغريت بأسى، وضعت الكوب على الطاولة ونظرت إلى ابنها بعينين مليئتين بالحزن: "كنتُ أتمنى ألا تنبش هذه الأسرار أبداً يا جاك.. ماريا رحلت ودفنت سرها معها لتنعم لونا بحياة طبيعية." اقترب جاك وجلس مقابلها، منصتاً بتركيز شديد. تنهدت مارغريت وتابعت بصوت خافت: "والد لونا لم يكن رجلاً عادياً.. كان عضواً بارزاً في منظمة خطيرة جداً، لكنه عندما وقع في حب ماريا وحملت منه بـ لونا، قرر التراجع عن كل شيء. هرب وهو يحمل معشوقته وسرّاً ثقيلاً يخص المنظمة، سرّاً كان بمثابة ح
ساد الصمت الجناح بعد إغلاق الخط، وسكون الليل أصبح ثقيلاً بشكل خانق. لم يكن هناك صراخ ولا رصاص، بل توتر مكتوم يُشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة. كان جاك يقف عند النافذة الكبيرة، ملامحه كالحجر الصَلب، يمسك القلادة الفضية بين أصابعه. عقله يعمل كآلة حاسبة باردة، يحلل كل الاحتمالات دون أن يظهر عليه أي توتر. اقتربت منه لونا بخطوات هادئة، يداها ترتجفان وهي تلمس ذراعه، وقالت بصوت خافت ممتلئ بالخوف: "جاك.. أرجوك قل لي شيئاً. من هؤلاء؟ ولماذا يريدون أوراق أمي الآن؟" التفت إليها جاك ببطء، وشعر بقلبه ينعصر لرؤية الخوف في عينيها. مدّ يده وأمسك يدها بضغط دافئ وحنون: "لن يجرؤ أحد على مساسكِ يا لونا.. ما حدث في الماضي سيبقى في الماضي، وأنا هنا." في تلك اللحظة، دخلت السيدة مارغريت الغرفة بخطوات هادئة ولكن ملامحها كانت مشدودة بالكامل، وقالت بجدية: "جاك.. السيارات التي كانت تقف في أطراف الشارع تحركت. هم يعلمون حراسة القصر جيدة ويفضلون التهديد عن بُعد." لكن لونا لم تستطع تحمل هذا الضغط؛ فجأة، انسحبت الدماء تماماً من وجهها، وترنحت إلى الخلف وهي تمسك برأسها. التقطها جاك بيده بثبات قبل أن تسق
ساد الصمت الجناح بالكامل، ولم يستطع أحد تقليب الأفكار في رأسه من شدة الذهول. كانت لونا تحدق في الصندوق الموضوع على الطاولة وكأنه كائن مخيف، بينما خط والدتها المكتوب على الغلاف يعيد إليها شريط ذكريات طفولتها العاصف. خطا جاك خطوات واثقة ونزل بجانبه، مسك الصندوق بيديه الضخمتين وتأكد من سلامته بنفسه، ثم التفت إلى رئيس الحراس بنبرة حادة وباردة: "أغلقوا كل المنافذ، ولا يدخل ولا يخرج أحد من البيت بدون أمري المباشر.. وأريد تفريغ كاميرات الشارع في المحافظة خلال نصف ساعة!" انحنى الحارس فوراً وغادر الغرفة لتنفيذ الأوامر، بينما اقترب جاك من لونا وجلس بجانبها على السرير. وضع الصندوق بينهما على الطاولة الصغرة، وأمسك بيدها الباردة التي كانت ترتجف بشدة. "لونا.. ينبغي أن نفتح هذا الصندوق الآن ونعرف ما فيه، هل أنتِ جاهزة؟" قال جاك بصوت دافئ يملؤه الثبات، محاولاً بث الأمان في قلبها. أومأت لونا برأسها ببطء، واقتربت منه أكثر لتلصق كتفها بكتفه، ممسكة بيده الأخرى بقوة. استخدم جاك سكيناً صغيراً وقطع الشريط الأسود بحذر، ثم فتح غطاء الصندوق الخشبي القديم. لم يكن بالداخل أي شيء مخيف، بل كانت هناك مجلة صغي
مر أسبوعان على تلك الليلة، وكانت الحياة تسير بهدوء ظاهر، حتى جاء صباح يومٍ قلَب كل الحسابات رأسًا على عقب. كان جاك يجلس في الصالة يستعرض بعض الأوراق المهمة بجدية، بينما لونا تجلس بالقرب منه تشرب عصيراً دافئاً وتحاول الاسترخاء. فجأة، اهتز هاتف جاك الخاص—الهاتف المخصص للحالات الطارئة جداً. عقد جاك حاجبيه، ورد على المكالمة فوراً بملامح جادة. جاءه صوت رجل نبرته حادة وثقيلة، فيها تهديد واضح ومباشر: "جاك.. ظننتَ أنك بإخفاء ابنة (ماريا) وحمايتها في بيتك ستغلق الملف القديم؟ الرجال الذين لاحقوا والدتها حتى أنفاسها الأخيرة.. لم ينسوا ثأرهم، ولا الدَّيْن المطلوب." تجمد جاك في مكانه تماماً. اختفت ملامح الراحة عن وجهه لتتحول إلى جمود وصدمة وغضب طاغٍ. اعتدل في جلسته ببطء، وعيناه المظلمتان تتسعان بشرار حاد. ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة، ثم قال جاك بصوت منخفض، حاد كالموس: "كيف وصلت لهذا الرقم؟ وماذا تريدون بعد كل هذه السنوات؟" جاءه الرد بضحكة باردة عبر الهاتف: "نريد ما كانت تخفيه أُمها قبل موتها.. والعائلة القديمة عادت لتطالب بحقها. انتبه لزوجتك وطفلك القادم يا جاك، فلن ترتاحوا بعد اليوم.
مرّ شهران كاملان على ذلك الحادث، وعادت الحياة في البيت إلى طبيعتها وهدوئها. كان جاك يقضي معظم وقته في البيت ليكون بجانب لونا، خصوصاً بعد أن كبر بطنها وأصبحت في أشهر حملها المتقدمة. ومع هذا التغير، بدأت مرحلة جديدة؛ مرحلة الطلبات العجيبة في أوقات غير متوقعة. في الساعة الثالثة فجراً، كان البيت هادئاً جداً. جاك نائم بتعب، يرتدي شورت نوم خفيفاً وبدون قميص، بينما لونا مستيقظة تماماً، تجلس بجانبه على السرير وتنظر إليه بتردد. مدت يدها وحركت كتفه ببطء: "جاك.. جاك، استيقظ قليلاً." فتح جاك عينيه ببطء، وبمجرد أن رآها مستيقظة، اعتدل فوراً وقال بنبرة قلقة: "لونا؟ ماذا حدث؟ هل تشعرين بوجع؟" نفت برأسها بسرعة وقالت بعفوية: "لا، أنا بخير.. لكنني جائعة جداً، وأريد أن آكل الآن." تنهد جاك ومسح وجهه بيده، ثم قال بصوته الهادئ: "بسيطة، سأنزل إلى المطبخ وأحضر لكِ شيئاً تتناولينه فوراً." أمسكت يده بسرعة وقالت بخجل: "لا، لا أريد شيئاً من البيت إطلاقاً! أريد فطيرة بالجبن والنعناع من ذلك المحل الصغير في آخر المحافظة، ومشروب مانجو من المحل الذي على الطريق الخارجي!" تجمد جاك ونظر إليها بستغراب شديد:
مرت ساعات الليل ببطء شديد، والجناح يلفه هدوء دافئ ومريح. كانت لونا مستلقية، ورأسها يستريح على صدر جاك الواسع، بينما صوته المنقبض ونبضات قلبه الثابتة يبعثان في نفسها أماناً لم تشعر به من قبل. كانت يده الضخمة والدافئة ما زالت تستقر فوق بطنها برقة، وكأنه يحرس نومها ونوم طفلهما بوجوده المهيب. فتحت لونا عينيها ببطء، ونظرت إلى ملامح جاك الحادة في العتمة خفيفة الإضاءة. كان يحدق في السقف بتفكير عميق، وعيناه المظلمتان تحملان ذكاءً وسيطرة لا تتلاشى حتى في لحظات راحته. همست لونا بصوت ناعم يملؤه النعاس: "جاك.. هل ما زلت غاضباً؟" تحركت عيناه نحوها ببطء. انحنى قليلاً وطبع قبلة دافئة ومهيبة على جبينها، ثم قال بصوته العميق والأجش: "الغضب انتهى يا لونا.. حل مكانه شيء آخر." اعتدلت لونا قليلاً ونظرت في عينيه بفضول: "ما هو؟" أمسك بكتفيها برفق وجلس أمامها على السرير بوقاره المعتاد، ثم نظر في عينيها بنظرة حازمة وثابتة وقال: "رحلتي إلى مدريد انتهت، ولن أسافر مجدداً حتى تكتمل هذه الأشهر ونستقبل طفلنا بخير. كل أعمالي ومكتبي ستدار من هذا القصر ابتداءً من الغد." اتسعت عينا لونا بمفاجأة سارة، ونظرت إليه
لم يتغير صباح لونا كثيرًا عن اليوم السابق، لكن الإحساس داخلها كان مختلفًا.لم تعد ترى العمل كروتين، بل كمسار غير واضح تُدفع داخله خطوة خطوة دون أن تفهم نهايته.عندما دخلت الشركة لاحظت أن الطابق العلوي مختلف اليوم.حركة أسرع، ملفات تُنقل بين الأقسام، وأبواب تُغلق أكثر من المعتاد.لم يكن هناك إعلان ر
لم تنم لونا جيدًا تلك الليلة.الرسالة القصيرة بقيت تدور في ذهنها دون توقف.“لا تتأخري في الحضور غدًا.”لم تكن صيغة عادية، بل أقرب إلى توجيه لا يحتمل النقاش، وكأن القرار لم يعد بيدها بالكامل.⸻وصلت لونا إلى الشركة قبل موعدها المعتاد.الطابق العلوي كان هادئًا بشكل غير طبيعي، وكأن الجميع ينتظر شيئًا
.لم يكن السبب واضحًا بالكامل، لكن كلمات مارغريت بقيت تدور في ذهنها بشكل متكرر:“جاك لم يدخل حياتك فجأة.”الجملة لم تكن تفسيرًا كاملًا، لكنها كانت كافية لتفتح باب أسئلة لم تكن ترغب بفتحه الآن.⸻في صباح اليوم التالي، وصلها إشعار جديد.هذه المرة لم يكن مجرد دعوة عابرة.كان طلبًا رسميًا بالحضور إلى م
في الأيام التالية، لم يتغير شيء بشكل مباشر، لكن لونا بدأت تشعر أن التفاصيل لم تعد عشوائية كما كانت تظن في البداية.كل شيء في الطابق العلوي كان يبدو منظّمًا بشكل مبالغ فيه، وكأن هناك يدًا خفية تراقب مجرى العمل دون أن تُعلن وجودها.لم تكن ترى جاك كثيرًا، لكنه كان حاضرًا بطريقة مختلفة… غير مرئية، لكنه







