جميع فصول : الفصل -الفصل 90

103 فصول

راما

رحل كريم قبل أن تصل خطوات أحمد إلى الباب. لم أُحاول إيقافه. رأيتُه يجمع قميصه عن ظهر الكرسي بحركة مرتبكة، يداه لا تطاوعانه كما كانتا منذ ساعة، ووجهه يحمل شيئاً جديداً عليّ: الخوف. ليس خوفاً مني، بل من نفسه، من اللحظة القادمة التي لا يملك فيها نص يحفظه ولا دور يقوم به بثقة. "لا أستطيع أن أكون هنا حين يدخل،" قال، بصوت يشبه اعتراف رجل يكتشف حدود شجاعته للمرة الأولى. لم أرد. فقط أشرتُ نحو الباب الخلفي، والباب الذي عرفه جيداً منذ كان طفلاً يركض بين هذا البيت وبيت أهله. بقيتُ وحدي. جلستُ على الكنبة، لا في غرفة النوم، لأن المواجهة القادمة تحتاج مساحة مفتوحة، لا فراشاً يحمل ذكريات لم تعد تخصني. وضعتُ الهاتف على الطاولة أمامي، الشاشة مقفلة، لكنها لا تزال تحمل في داخلها الصور التي غيّرت كل شيء. سمعتُ السيارة أولاً، ثم الباب الخارجي يُفتح بعنف غير معتاد، كأن يده ضربت المقبض قبل أن يلتقطه بشكل صحيح. "راما!" صوته اخترق البيت قبل أن تخترقه قدماه. دخل، وجهه أحمر، عروق رقبته بارزة، والهاتف في يده مرفوعاً كسلاح يُشهر في وجهي. "ما هذا؟ ما هذا الذي أرسلتِه؟!" لم أتحرك. بقيتُ جالسة، يدي مطوية على
اقرأ المزيد

كريم

قدتُ السيارة بلا وجهة لأكثر من نصف ساعة، والشارع يتمدد أمامي كخط مستقيم لا ينتهي إلى شيء. لم أكن أهرب من المنزل وحده، كنتُ أهرب من الصورة التي بقيت عالقة في ذهني: راما، جالسة، يداها هادئتان، تضغط زر "إرسال" وعيناها مفتوحتان عليّ، كأنها تتحداني أن أوقفها، وتعرف في الوقت نفسه أنني لن أستطيع. أوقفتُ السيارة على جانب الطريق أخيراً، أمام بناية لا أعرفها، في حيّ لم أقصده، وأطفأتُ المحرك. الصمت الذي ملأ السيارة كان أثقل من كل صراخ سمعتُه في حياتي. كنتُ أظن أنني أعرفها. هذه الفكرة وحدها كافية لتُحطّمني. كل ليلة جلستُ فيها أمام المرآة معها، كل لحظة ظننتُ أنني أعيد تشكيلها، أصنع منها امرأة جديدة بيدي، كنتُ في الحقيقة أصنع شيئاً لا أملك سلطة عليه. صنعتُ سيفاً، ثم استُغرِبتُ حين اخترق يدي. ضربتُ المقود بكفي، مرة، مرتين، حتى شعرتُ بألم خافت يصعد إلى ذراعي. لم يكن الألم عن راما. كان عن نفسي، عن صورتي التي تحطمت في تلك الغرفة، صورة الرجل المتحكم، الهادئ، الذي يحسب كل خطوة قبل أن يخطوها. وقفتُ هناك، أتوسل، وهذا ما يقتلني أكثر من أي شيء آخر: أنني توسلتُ، وهي لم تتوقف. أحمد. اسمه وحده كافٍ ليُشعل
اقرأ المزيد

كريم

رنّ الهاتف، وعلى الشاشة اسم واحد جعل معدتي تنقبض قبل أن ألمسها: "أبي." لم أرد فوراً. تركتُه يرنّ مرتين، ثلاثاً، أحاول أن أجمع نفسي من شتات لم أتوقع أن يأتي بهذه السرعة. عرفتُ، في اللحظة التي رأيتُ فيها الاسم، أن أحمد قد تكلّم. لم يكن هناك طريق آخر ليصل الخبر بهذه السرعة. أجبتُ أخيراً. "أبي." "كريم." صوته جاء بلا تحية، بلا سؤال عن حالي، عاريًا من كل الطقوس التي كانت تسبق كل مكالمة بيننا منذ كنتُ طفلاً. كان صوتاً لم أسمعه منه قبل اليوم، بارداً كحجر منتزع من قلب جبل. "أبي، أعرف أن أحمد..." "لا تتكلم." قطعني بحدة لم تترك مجالاً للمراجعة. "لا تتكلم حتى أنتهي، كريم. ثم، إذا كان هناك شيء يستحق أن يُقال، سأسمعه." صمتُّ. شعرتُ بجسدي يتقلص في مكانه، كطفلٍ يقف أمام معلمٍ يحمل عقاباً لا مفر منه. "أخوك اتصل بي. روى لي ما حدث. وأنا، يا كريم، حاولتُ، طوال الساعتين الماضيتين، أن أجد تفسيراً، أن أجد طريقة أفهم بها كيف يصل ابني، الذي ربّيته بيدي، الذي علّمته معنى الشرف والأمانة، إلى أن يخون أخاه مع زوجته." "أبي، الأمر أعقد من—" "لا." قال بحدة، وصوته ارتفع للمرة الأولى في هذه المكالمة. "لا تحا
اقرأ المزيد

أحمد

اتصلتُ بليلى لأنني لم أعرف بمن أتصل غيرها. لم أكن أبحث عن حل، ولا عن نصيحة، كنتُ فقط أحتاج صوتاً لا يحاكمني، صوتاً لا يعرف كيف وصلتُ إلى هذه اللحظة لأنه لا يملك الحق في أن يسأل. ليلى ردّت من النفس الثاني، كأنها كانت تنتظر، كأن جسدها بأكمله مهيأ دائماً لاستقبال انكساري. "أحمد؟ ما بك؟ صوتك..." لم أستطع أن أبدأ بالكلام مباشرة. جلستُ في السيارة، في الموقف الذي ركنتُ فيه بلا تفكير، والمدينة تتحرك حولي بلا مبالاة، كأن شيئاً لم يحدث، كأن العالم لا يعرف أن بيتي انهار منذ ساعة فقط. "كريم،" قلتُ أخيراً، والكلمة خرجت كأنها شوكة في حلقي. "أخي. راما." "ماذا؟ ماذا بهم؟" "هما... معاً." لم أجد كلمة أخف من هذه. "أرسلت لي صوراً، ليلى. صوراً لها معه. أخي اللعين، الذي ربّيته بيدي، الذي حملته على ظهري حين كان طفلاً، يخون زوجتي... يخونني... في بيتي." صمتت ليلى لحظة، ثم جاء صوتها أكثر حنواً مما توقعت. "يا إلهي، أحمد. أنا آسفة، آسفة جداً." "كيف فعلت هذا بي؟" استمررتُ، والكلمات تنهال من فمي بلا ترتيب، بلا منطق يحكمها. "راما، التي ظننتُ أنها لا تعرف شيئاً عن العالم، التي حسبتها بريئة، طاهرة، تجلس في بي
اقرأ المزيد

أحمد

اتصلتُ بهما معاً، أبي وأمي، عبر مكالمة فيديو لم أستطع أن أنظر فيها إلى وجهيهما طويلاً. كان أبي يجلس في صالته المعتادة، الكرسي الذي لا يتغير مكانه منذ سنوات، وأمي بجانبه، يداها متشابكتان في حجرها بشكل بدا، حتى قبل أن أبدأ، كأنها تستعد لخبرٍ لا تريد أن تسمعه. "أحمد، ما بك؟ وجهك..." بدأت أمي، وصوتها يحمل ذلك القلق الذي لا يفارقها أبداً حيال أي تغيّر في ملامح أبنائها. لم أعرف من أين أبدأ. جلستُ على حافة سريري، والهاتف بين يدي يرتجف بشكل لم أستطع إخفاءه. "كريم..." قلتُ، والاسم خرج كأنه شوكة. "وراما. هما... كانا معاً." صمتٌ. صمتٌ طويل، ثقيل، امتد عبر الشاشة كجدارٍ من الجليد. "ماذا تقول؟" سأل أبي أخيراً، صوته منخفضاً، كأنه يأمل أن يكون قد أخطأ في فهم كلماتي. "أرسلت لي صوراً، أبي. راما. صوراً لها مع كريم." لم أستطع أن أصف التفاصيل، لم أرد أن أرى وجه أبي وهو يتخيلها. "أخي خاننا جميعاً. أخي الذي—" "اصمت لحظة." قاطعني أبي، ويده ارتفعت أمام الكاميرا كأنه يحاول أن يوقف الزمن نفسه. "اصمت، وأعد ما قلته، ببطء." أعدتُ القصة، بصوت أكثر اتزاناً هذه المرة، أحاول أن أرتب الكلمات كما رتبتها مع ليل
اقرأ المزيد

راما

اتصلتُ به للمرة الخامسة، والهاتف يرنّ، يرنّ، ثم يصمت، كأن الصوت نفسه يستسلم لاستحالة الوصول إليه. لم أتركه يذهب إلى البريد الصوتي هذه المرة. أغلقتُ المكالمة بنفسي قبل أن يفعل النظام ذلك، كأنني أحاول أن أحتفظ بآخر قطعة من السيطرة في يدٍ بدأت تشعر، للمرة الأولى منذ ضغطتُ "إرسال"، بأنها لا تملك شيئاً حقيقياً. نظرتُ إلى الساعة. مرّت ثلاث ساعات منذ آخر مرة رأيتُه فيها، يجمع قميصه بيدين مرتبكتين، يقول "لا أستطيع أن أكون هنا حين يدخل" بصوت رجل يكتشف حدود شجاعته. ثلاث ساعات بدت أطول من كل الأيام التي عشتُها في هذا البيت بانتظار أحمد، لأن انتظار أحمد كان عادة قديمة، روتيناً تآكلت حدته منذ زمن، أما هذا الانتظار، انتظار كريم، كان جديداً، حاداً، يخدش شيئاً لم أعرف أنه لا يزال طرياً فيّ. كتبتُ له رسالة. "كريم، أين أنت؟" لم تظهر علامة "وصلت" حتى. لا رمادي يتحول إلى أزرق، لا أي إشارة أنه فتح هاتفه ورآها، أو أنه، ببساطة، تركها معلقة هناك، تنتظر اهتماماً لا يأتي. جلستُ على حافة السرير الذي شهد كل شيء، وشعرتُ بشيء غريب يتسلل إلى داخلي، شيء لم أتوقع أن يزورني بعد كل ما فعلته. كنتُ أظن أن القوة التي
اقرأ المزيد

كريم

لم أعرف لماذا فتحتُ اسمها في هاتفي. لم أعرف، حتى وأنا أضغط على زر الاتصال، ماذا سأقول لها، أو لماذا، من بين كل الأشخاص الذين يمكن أن أتصل بهم في هذه اللحظة، اختار عقلي الغارق أن يذهب إليها. سارة. رنّ الهاتف مرتين، ثلاثاً، وكنتُ على وشك أن أغلق الخط، أن أتراجع عن قرار لم يكن قراراً حقيقياً بقدر ما كان غريزة هاربة، حين سمعتُ صوتها أخيراً. "كريم؟" اسمي في فمها بدا غريباً بعد كل هذه الأسابيع من الصمت بيننا. تردّدتُ قبل أن أجيب، وشعرتُ بصمتي يمتد أطول مما ينبغي. "سارة. أعرف أن هذا غريب، أن أتصل بعد كل هذا الوقت، لكنني..." توقفتُ، أبحث عن كلمات لا تخون حجم ما أحمله. "أحتاج أن أراك. إن كان هذا ممكناً." صمتت من جهتها هي أيضاً، وشعرتُ بثقل ذلك الصمت يمتد عبر الخط، كأنها تزن السؤال، تزن العلاقة التي تركناها معلقة بلا نهاية واضحة، بلا كلمة فراق حقيقية، فقط تباعد بطيء لم يجرؤ أحدنا على تسميته بنهايته الحقيقية. "لماذا؟" سألت أخيراً، وصوتها حمل حذراً لم أعهده فيها من قبل، حذر امرأة تعلمت، ولو متأخرة، أن لا تفتح بابها لكل من يطرقه بصوت متعب. "لا أعرف بالضبط." قلتُ بصدق غريب، صدق لم أخطط له.
اقرأ المزيد

راما

طرق الباب بنبرة لم أعرفها فيه من قبل، ثلاث طرقات متباعدة، هادئة، لا تحمل أي استعجال، كأن الرجل الذي يقف خلف هذا الباب ليس الرجل الذي توسل إليّ منذ أيام أن أوقف نفسي، ولا الرجل الذي اختفى بعدها بصمت قاسٍ. فتحتُ الباب، ووجدتُه واقفاً، هادئاً، بارداً، بطريقة أزعجتني أكثر من أي غضب كان يمكن أن يحمله. وجهه لم يكن غاضباً، ولا مكسوراً كما تخيلتُه طوال أيام صمته، بل كان وجهاً مغلقاً، محسوباً، وجه رجل قرر، قبل أن يطرق الباب، ما الذي سيقوله، وكيف. "كريم." قلتُ، وشعرتُ بصوتي يخرج أخف مما قصدت، كأن أسابيع القلق المتراكمة فيّ خرجت كلها في تلك الكلمة الواحدة. لم يجب. دخل، تجاوزني، ووقف في وسط الصالة، يديره عينيه في المكان الذي كان شاهداً على كل ما حدث، كأنه يبحث عن أثرٍ تركه هو نفسه، أثرٍ يثبت أن شيئاً حقيقياً حدث بيننا في هذا البيت. "أين كنتَ؟" سألتُ، وأغلقتُ الباب خلفي. "اتصلتُ بك عشرات المرات، كريم. كتبتُ لك رسائل. اختفيتَ." استدار ببطء، ونظر إليّ، وعيناه تحملان شيئاً لم أره فيهما من قبل، شيء يشبه التحقيق أكثر مما يشبه الحب. "لماذا لم تخبريني؟" السؤال جاء هادئاً، بلا صراخ، بلا انفعال، وهذ
اقرأ المزيد

كريم

وصلتُ إلى غرفته في السكن الجامعي، في ذلك المبنى الذي عرفه كل طلاب كليتنا، بلا اتصال مسبق، كما لم أفعل منذ زمن، منذ أول أسابيعنا هنا حين كان بابه مفتوحاً لي في كل أزمة لم أعرف كيف أحملها وحدي. طرقتُ، وفتح زياد الباب، بملابس البيت البسيطة، وزميل غرفته يجلس على سريره الآخر بسماعات في أذنيه، غارقاً في شاشة حاسوبه، لا ينتبه إلينا. نظر زياد إليّ للحظة، ولم يطرح سؤالاً واحداً عن سبب وجودي، فقط قال: "تبدو كأنك لم تنم منذ أسبوع." ثم أشار برأسه نحو السلم. "تعال، لنخرج إلى السطح. نحتاج هواء، وهو يحتاج هدوءاً ليكمل واجبه." صعدنا إلى سطح المبنى، المكان الذي عرفناه جيداً منذ سنتنا الأولى معاً، حيث جلسنا مرات لا تُحصى نهرب من ضيق الغرف المشتركة. جلستُ على الحافة الإسمنتية المنخفضة، وأدركتُ، للمرة الأولى منذ بدأت هذه الكارثة، أنني في مكان لا يحمل أي أثر من راما، أو أحمد، أو أبي. سطح بسيط، خالٍ من كل الأشباح التي تتبعني في كل مكان آخر، حتى في غرفتي الخاصة التي أصبحت، منذ أسابيع، تحمل رائحتها هي. "تحدث." قال زياد ببساطة، وجلس بجانبي، يحمل كوبين من الشاي السريع الذي أعدّه قبل أن نصعد، كأنه يعرف أن ال
اقرأ المزيد

راما

رنّ الهاتف في الليل، واسمه على الشاشة جعل قلبي يتسارع بطريقة لم أتوقعها بعد كل هذه الأيام من محاولة أن أعتاد غيابه. تركتُه يرنّ مرتين، ليس عناداً، بل لأنني احتجتُ ثانيتين لأجمع نفسي قبل أن أسمع صوته من جديد. نظرتُ إلى الاسم على الشاشة، أتذكر آخر مرة رأيتُه فيها يخرج من بابي بكلمة "سأعود" معلقة بلا وعد محدد، وشعرتُ بقلبي يتأرجح بين رغبة في الرد فوراً وخوف من أن يكون هذا الاتصال خيبة جديدة تُضاف إلى قائمة طويلة بدأت تتشكل في داخلي دون أن أشعر. أجبتُ أخيراً. "كريم." "راما." قال اسمي بنبرة لم أعرفها فيه من قبل، أهدأ من كل المرات السابقة، أثقل بشيء يشبه الوضوح. "أعرف أنني تركتُك أياماً بلا كلمة. وأعرف أن هذا لم يكن عادلاً." "لم يكن." قلتُ بصدق، بلا غضب، فقط حقيقة عارية بيننا. شعرتُ بحاجة لأن أضيف شيئاً، أن أخفف من حدة الجملة، لكنني توقفتُ. تذكرتُ نصيحتي لنفسي في تلك الليالي الطويلة: لا مزيد من تلطيف الحقائق لإرضاء من حولي. "أحتاج أن أقول لك أشياء، وأحتاج أن تسمعيني كاملاً، قبل أن تردي." قال، وفي صوته شيء من التوسل الهادئ، لا التوسل الذي عرفتُه منه ليلة الصور، بل توسل أكثر نضجاً، توسل
اقرأ المزيد
السابق
1
...
67891011
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status