جميع فصول : الفصل -الفصل 30

130 فصول

الفصل الحادي والعشرون

هناك أشخاص لا يقتربون بخطوة واحدة… بل يتسللون إلى المسافات بهدوء حتى يصبح وجودهم عادةمنذ ذلك الحديث داخل مكتب آسر، بقي شعور غريب يرافق ليان بقية اليوم، شعور يشبه الوقوف فوق أرض بدأت تتحرك ببطء تحت قدميها، ليست حركة كافية للسقوط، لكنها كافية لجعلها تفقد يقينها القديم بأن كل شيء ثابت ويمكن السيطرة عليه.وكان أكثر ما يزعجها…أنها لم تعد تعرف هل المشكلة في تصرفاته أم في تأثيرها عليها.لأن آسر لم يفعل شيئًا واضحًا.لم يقل كلمات تحمل معنى مباشرًا.لم يمنح وعودًا.لم يتجاوز حدودًا صريحة.ومع ذلك…صار حضوره مختلفًا.وصارت ملاحظته لتعبها، أو انزعاجها، أو شرودها، شيئًا يحدث باستمرار حتى بدأت تخاف الاعتياد عليه.وهذا تحديدًا ما كانت تحاربه منذ البداية.وصل المساء أخيرًا، وبدأ الموظفون يغادرون واحدًا تلو الآخر، بينما بقيت ليان أمام شاشة الحاسوب تراجع ملفًا للمرة الثالثة دون تركيز حقيقي، كانت تحاول تأخير العودة إلى المنزل قليلًا، لأن العودة تعني مواجهة الأسئلة نفسها، والحسابات نفسها، والقلق نفسه الموجود في عيني والدتها.كانت تكتب ملاحظة حين سقط ظل فوق مكتبها.رفعت رأسها تلقائيًا.عمر.يحمل كوب ال
اقرأ المزيد

الفصل الثاني والعشرون

"بعض الجراح لا تلتئم حقًا، بل تتعلم كيف تختبئ… حتى يأتي شيء صغير ويعيد فتحها"وقفت ليان مكانها للحظة أطول مما يجب، بينما كانت الأضواء البيضاء القوية الممتدة فوق موقع البناء تنعكس فوق الأرض الترابية والحديد المكدس في الزوايا، وكانت أصوات العمال المتأخرة وآلات الحفر البعيدة تمتزج مع شيء آخر داخلها، شيء قديم جدًا، قديم لدرجة أنها ظنت أنها دفنته منذ سنوات، لكنه الآن عاد فجأة، حادًا وواضحًا كأنه حدث بالأمس فقط.رأت والدها.ليس حقيقة.بل ذكرى.رأت ابتسامته المتعبة حين كان يعود آخر الليل بثياب تحمل رائحة الغبار والإسمنت، ويدين خشنتين من العمل، كان دائمًا يقول ضاحكًا إن البيوت التي يبنيها للناس تسرق عمره قطعة قطعة، لكنها ستعطيهم الأمان، وكانت هي تضحك معه وقتها لأنها لم تفهم أن بعض الرجال يستهلكون أنفسهم بالكامل فقط ليتركوا خلفهم حياة أقل قسوة لأبنائهم.ثم جاء ذلك اليوم.المكالمة.الصراخ.الناس.الجنازة.والصمت الذي بقي بعدها سنوات.شعرت بانقباض مفاجئ داخل صدرها، حتى إنها نسيت للحظة أين تقف."ليان."عاد صوت آسر مرة أخرى، أهدأ هذه المرة.رفعت رأسها بسرعة، وكأنها أفاقت من مكان بعيد.نظر إليها طو
اقرأ المزيد

الفصل الثالث والعشرون

"هناك لحظة خفية لا يلاحظها الإنسان، لحظة يتوقف فيها الآخر عن كونه مجرد شخص عابر، ويصبح شيئًا يفكر فيه أكثر مما يجب"لم تستطع ليان النوم جيدًا تلك الليلة، رغم التعب الذي سكن عظامها بعد العودة من موقع البناء، ورغم أنها بمجرد وصولها للمنزل اضطرت للاستماع إلى والدتها وهي تحاول إخفاء قلقها بشأن المال بطريقة فشلت تمامًا، لأن الأمهات مهما حاولن التظاهر بالقوة، هناك رجفة صغيرة دائمًا في أصواتهن تفضح كل شيء.كانت مستلقية فوق سريرها القديم، تنظر إلى السقف المظلم بينما المروحة تدور ببطء فوق رأسها، والهواء الصيفي الخفيف يدخل من النافذة، لكن عقلها لم يمنحها الراحة.كان يعود إلى أشياء متفرقة بشكل مزعج.وجه والدها.الديون.رسالة صاحب المنزل.ثم…آسر.أغمضت عينيها بقوة فور ظهور الفكرة.وضغطت على نفسها داخليًا.لا.هذا سخيف.هي مرهقة فقط.والإنسان حين يتعب يتعلق بأي شخص يظهر اهتمامًا، لا أكثر.مجرد امتنان.احترام.اعتياد بسبب العمل.لكن المشكلة…أنها لم تعد واثقة من الحدود بين هذه الأشياء.والأسوأ…أنها لا تريد التفكير أصلًا.لهذا نهضت من السرير أخيرًا، فتحت درجًا صغيرًا قرب النافذة، وأخرجت صورة قديمة
اقرأ المزيد

الفصل الرابع والعشرون

"أحيانًا لا يخيف الإنسان أن يُجرح، بل يخيفه أن يجد مكانًا يشعر فيه بالراحة، لأنه يعرف أن خسارته لاحقًا ستؤلمه أكثر"خرجت ليان من مكتب آسر وهي تحمل الملف الجديد بين يديها، لكن عقلها لم يكن مع الأوراق أو المشروع أو حتى الضغط المتوقع، بل بقي عالقًا عند آخر جملة قالها، كأن الكلمات قررت الاستقرار داخلها رغمًا عنها."لأنك طول الوقت شايفة نفسك أقل من اللي تستحقيه."كانت تسير عبر الممر الطويل المؤدي إلى قسمها، بينما الموظفون يتحركون حولها كالمعتاد، أصوات الطابعات، الهواتف، الأحاديث السريعة، وكل شيء بدا طبيعيًا جدًا، إلا داخلها.لأنها لم تعتد أن يراها أحد بهذا الشكل.ليست ليان الموظفة المجتهدة.ولا ليان المرحة التي تخفف المواقف المحرجة بالضحك.ولا ليان العنيدة التي تقول دائمًا إنها بخير.بل تلك النسخة الأخرى.النسخة التي تحمل خوفًا قديمًا من ألا تكون كافية.ومن ألا تستحق الأشياء الجيدة حين تأتي.شدت أصابعها حول الملف أكثر وهي تهمس داخل عقلها بانزعاج:"مالِك أصلًا بتفكري في كلامه كده؟"لكنه سؤال بلا فائدة.لأنها تعرف الإجابة.السبب أن كلماته بدأت تصيب أماكن لا يصلها الناس عادة.وهذا…هذا بالذات
اقرأ المزيد

الفصل الخامس والعشرون

الإنسان لا يسقط في الحب دفعة واحدة، بل يسقط في الاعتياد أولًا، في الراحة، في الشعور أن هناك من يرى ثقله ولا يهرببقي الصمت بينهما طويلًا بعد سؤالها الأخير، طويلًا بشكل جعل ليان تدرك حجم ما قالته فقط بعدما خرج من فمها، لأن بعض الكلمات لا نفهم معناها الحقيقي إلا حين تصبح معلقة في الهواء أمامنا، بلا فرصة لاستعادتها."ولو اتعودت؟"ثم…"إن يبقى فيه حد يشيل معايا شوية."يا إلهي.لماذا قالت ذلك؟هي التي أمضت سنوات كاملة تقنع نفسها أن الاعتماد ضعف، وأن انتظار المساعدة رفاهية لا تناسب أشخاصًا مثلها، وأن النجاة تكون بالصمت والعمل والتحمل فقط، متى خرج منها هذا الاعتراف؟خفضت بصرها بسرعة نحو الأوراق المبعثرة فوق المكتب، وكأنها تبحث عن مهرب داخل الملفات، بينما شعرت بالتوتر يصعد ببطء داخل صدرها.أما آسر…فلم يرد فورًا.وهذا وحده كان غريبًا.لأن آسر دائمًا يملك إجابة.دائمًا يبدو مسيطرًا.لكن الآن…كان ينظر إليها فقط.نظرة طويلة هادئة أربكتها أكثر من أي كلام.حتى قال أخيرًا بصوت منخفض لم تسمعه منه كثيرًا:"الاعتياد مش مشكلة."رفعت رأسها نحوه دون وعي.أما هو…فأكمل بعدها، وعيناه لم تبتعدا عنها:"المش
اقرأ المزيد

الفصل السادس و العشرون

أصعب الحروب ليست تلك التي نخوضها ضد الآخرين، بل تلك التي نخوضها بصمت ضد أنفسنا حين يبدأ شخص ما باحتلال مكان لم نسمح لأحد بلمسه منذ سنواتتوقفت ليان للحظة بعد سؤال آسر، وشعرت بذلك الارتباك المزعج الذي صار يتكرر كثيرًا مؤخرًا كلما تعلق الأمر به، لأن المشكلة لم تعد فقط في أنه يلاحظ ما تخفيه، بل في أنها بدأت تشعر بأن إخفاءه صار أصعب."قالت إيه؟"السؤال خرج بسيطًا.هادئًا.لكن تحته شيء آخر.شيء جعلها تتردد ثانية قبل أن ترد.خفضت بصرها نحو الملف بين يديها وقالت بسرعة كأنها تريد إنهاء الأمر:"ولا حاجة مهمة."ظل الصمت قائمًا.لم يتحرك.وحين رفعت عينيها نحوه أخيرًا وجدته ما زال ينظر إليها.النظرة نفسها.الثابتة.المزعجة.التي تجعلها تشعر وكأنه ينتظر الحقيقة لا الرد.ثم قال بهدوء:"ليان."يا إلهي.مرة أخرى.اسمها بصوته صار يعني دائمًا شيئًا.رفعت حاجبيها قليلًا محاولة التظاهر بالتماسك.فأكمل دون تغيير نبرته:"إنتِ بتعملي الحركة دي لما تكوني متضايقة."تجمدت.رمشت مرة.ثم أخرى.وقبل أن تمنع نفسها خرج السؤال منها:"أنهي حركة؟"نظر إليها ثوانٍ قصيرة.ثم قال:"إنك تبصي بعيد."توقفت أنفاسها للحظة.شي
اقرأ المزيد

الفصل السابع والعشرون

أحيانًا يصل الإنسان إلى مرحلة لا يحتاج فيها إلى من ينقذه، بل يحتاج فقط إلى شخص يرى انهياره قبل أن يسقطتوقفت أنفاس ليان للحظة وهي تنظر إلى آسر، بينما الهاتف ما زال بين أصابعها التي بدأت ترتجف قليلًا دون أن تشعر، والغريب أن أول ما خطر داخل عقلها لم يكن الخوف من الدين أو المبلغ أو التهديد المبطن الذي حملته المكالمة، بل فكرة واحدة سخيفة جدًا:"لا تظهري بهذا الضعف."كأنها اعتادت أن تجمع شتات نفسها بسرعة قبل أن يراه أحد.كأنها تدربت سنوات طويلة على ذلك.لكن المشكلة…أن التعب يفضح الإنسان أحيانًا مهما حاول.وآسر كان ينظر إليها الآن بتلك النظرة نفسها التي صارت تخيفها أكثر من أي شيء، النظرة التي تقول إنه لاحظ.طبعًا لاحظ.قال مجددًا بصوت أكثر انخفاضًا:"إيه اللي حصل؟"ابتلعت ريقها بسرعة.ثم خرج الرد تلقائيًا:"ولا حاجة."الكذبة المعتادة.الدفاع القديم.لكنها حتى هذه المرة لم تبدُ مقنعة.لأن صوتها نفسه خانها.أما آسر…فلم يتحرك لثوانٍ.ثم قال بهدوء ثابت:"بصيلي."تجمدت.رمشت ببطء.هل…ماذا؟رفعت عينيها نحوه دون وعي.وهنا فقط أدركت أن ملامحه لم تكن باردة الآن.كانت حادة.كأن شيئًا داخله توتر.أ
اقرأ المزيد

الفصل الثامن والعشرون

الإنسان لا يعتاد وجود شخص دفعة واحدة، بل يحدث الأمر في تفاصيل صغيرة جدًا، سؤال متكرر، اهتمام غير معلن، نظرة تفهم ما لا يُقال، حتى يصبح وجوده جزءًا من الفوضى التي ترتب أيامكلم تعرف ليان كيف انتهى ذلك الحديث، أو بالأصح كيف خرجت من مكتبها أخيرًا باتجاه المصعد بينما عقلها ما زال عالقًا خلفها، عند الجملة الأخيرة، عند الطريقة التي نظر بها إليها، وعند ذلك الإحساس المربك الذي تسلل داخلها رغمًا عنها."تبطلي تواجهي كل حاجة كأنك لوحدك."كم مرة سمعت كلمات تشبه الدعم من قبل؟قليل.نادراً.وحتى حين سمعتها…كانت مشروطة دائمًا.لكن معه؟المشكلة أنها لا تجد الشرط.وهذا وحده كافٍ ليجعلها أكثر حذرًا.وصلت إلى المنزل تلك الليلة متأخرة كعادتها، وجدَت والدتها نائمة فوق الأريكة الصغيرة قرب التلفاز المفتوح على برنامج قديم، يبدو أنها كانت تنتظرها ثم غلبها النوم، فتوقفت ليان للحظة تنظر إليها.شعرت بذلك الألم القديم يعود.التعب الظاهر حول عيني المرأة التي كبرت أسرع مما يجب بعد وفاة زوجها، والخصلات البيضاء التي زادت خلال السنوات الأخيرة، والانحناءة الصغيرة في كتفيها التي لم تكن موجودة قديمًا.اقتربت بهدوء.أغلق
اقرأ المزيد

الفصل التاسع والعشرون

هناك لحظات لا تتغير فيها الحياة بسبب حدث كبير، بل بسبب شعور صغير جدًا، شعور أن أحدًا رأى ضعفك كاملًا… ولم ينظر إليك باحتقاربقيت ليان جالسة مكانها بعد كلمته الأخيرة، بينما شعرت أن شيئًا ثقيلًا داخلها يتحرك ببطء، كأن سنوات كاملة من الاعتياد على الوحدة بدأت ترتبك أمام فكرة جديدة لم تمنح نفسها فرصة التفكير بها من قبل، فكرة أن وجود من يحمل عنك جزءًا من الحمل لا يعني بالضرورة أنك ضعيف.لكن المشكلة…أنها لا تعرف كيف تفعل ذلك.لا تعرف كيف تسمح لأحد بالاقتراب أصلًا.رفعت رأسها نحوه أخيرًا، وعيناها تحملان ذلك التردد الواضح الذي يظهر عليها حين تحارب نفسها، ثم قالت بصوت أخف:"حتى لو سمحت لحد يساعدني… مفيش حاجة ببلاش."خرجت الكلمات تلقائية.حادة قليلًا.كأنها تدافع عن شيء.أما آسر…فلم يتغير وجهه.ظل ينظر إليها بهدوئه المعتاد.ثم قال بعد لحظة:"وده اللي متعودة تصدقيه برضو؟"تجمدت.لعنت داخلها تلك العادة المزعجة لديه، أن يأخذ جملة عادية منها ويصل بها إلى شيء أعمق.خفضت بصرها بسرعة نحو يديها وقالت محاولة إنهاء الحديث:"الواقع علمني."أجاب فورًا:"الواقع ظلمك."ورفعت رأسها نحوه بعنف هذه المرة.الصمت
اقرأ المزيد

الفصل الثلاثون

بعض القلوب لا تخاف الوقوع في الحب بقدر ما تخاف اللحظة التي يصبح فيها شخص ما قادرًا على إيذائها، لأن القرب الحقيقي لا يمنح الدفء فقط… بل يمنح القدرة على الكسر أيضًامنذ أن وصلها بريد عشاء العمل، بقي شعور خفي من التوتر يرافق ليان طوال اليوم التالي، ليس خوفًا من الحديث مع المستثمرين أو الأجواء الرسمية بقدر ما كان خوفًا من ألا تنتمي، ذلك الإحساس القديم الذي لازمها سنوات، شعورها بأنها دائمًا تحتاج لبذل جهد مضاعف كي تثبت أنها تستحق الوقوف في الأماكن نفسها التي يقف فيها الآخرون بسهولة.ورغم أنها حاولت تجاهل الأمر، فإن عقلها استمر في تخيل تفاصيل سخيفة، ماذا سترتدي؟ هل ستقول شيئًا خاطئًا؟ هل ستبدو مختلفة؟ وهل سيلاحظ الناس أنها ليست من هذا العالم أصلًا؟كرهت نفسها قليلًا بسبب التفكير.لأنها قطعت طريقًا طويلًا كي تتوقف عن الشعور بالنقص.لكن يبدو أن بعض المخاوف القديمة لا تموت، بل تختبئ فقط حتى تجد فرصة للظهور.حل المساء أسرع مما أرادت، وبعد انتهاء العمل عادت إلى المنزل على عجلة، وحين دخلت غرفتها وقفت أمام خزانتها القديمة المفتوحة منذ عشر دقائق كاملة، تحدق بالملابس كأنها لغز.تنهدت بضيق.ثم أخرجت
اقرأ المزيد
السابق
123456
...
13
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status