All Chapters of كانت ضحية... ثم أصبحت قدرًا لا يرحم : Chapter 141 - Chapter 150

154 Chapters

مائة وواحد وأربعون.

وقفت مريام أمام المرآة الكريستالية الكبيرة في ذلك المحل الراقي لفساتين الزفاف، تحيط بها جدران مغلفة بالمخمل الأبيض وإضاءة خافتة صُممت لتبرز جمال العرائس. كانت جنة تقف إلى جوارها برفقة صديقتهما المشتركة من الكنيسة "نيرفانا". نظرت مريام إلى انعكاس صورتها بالفستان الأبيض المطرز بحبات اللؤلؤ الدقيقة، غير أنها لم تشعر بتلك البهجة الطاغية ولا السعادة العارمة التي تجتاح الفتيات في مثل هذه اللحظات؛ بل أحست بثقل غريب يجثم على صدرها وكأن هذا الثوب كفن لأحلامها المجهضة. التفتت مريام بطرف عينيها نحو جنة، فلمحت في عينيها حزنًا دفينًا وغيومًا من الشجن والشرود، رغم المحاولات المستميتة التي تبذلها جنة لإظهار عكس ذلك والابتسام بتكلف. في تلك اللحظة، ضاق صدر مريام بكل شيء، وزفرت بحدة ونفاذ صبر أطاح بهدوئها، وقالت بضيق تملكه البرود: _خلاص.. أنا تعبت! الفستان دا حلو أوي ومش هقيس أي حاجة تانية. لم تنتظر مريام ردًا من أحد، بل دلفت خلف الستارة المخملية الفاصلة بخطوات لاهثة مشحونة بالتوتر، لتبدل فستان الزفاف بملابسها العادية. وأثناء انشغالها بفك أزرار الفستان، تناهى إلى مسامعها صوت نيرفانا الخفيض وهي تقول
Read more

مائة وأثنان وأربعون...

مرت ساعتان كاملتان لم تعرف مريام كيف مضتا، ولم تدرك مدى السرعة الجنونية التي قادت بها سيارتها وشقت بها الطريق الصحراوي مطيحة بكل مخاوفها، حتى وقفت ب كبح مفاجئ حاد أصدرت معه الإطارات صريرًا مرتفعًا أمام مسكن العائلة القديم بالإسكندرية. غادرت سيارتها بخطى متعثرة، وصعدت درجات السلم وهي تشعر بقدميها تعجزان عن حملها، وقلبها يدق كطبول الحرب. طرقت الباب بعنف ولهفة، وما هي إلا لحظات حتى انفتح الباب ببطء، ووقف أمامها عمران. كان شاحبًا، والوهن ينهش ملامحه الوسيمة التي غشاها التعب. أغلق عمران عينيه ببطء وأعاد فتحهما؛ ظنًا منه أن جسده المنهك بدأ يتوهم طيفها من فرط شوقه إليها، ولكن حينما همست باسمه بنبرة مذبوحة يملؤها الشجن: _عمران.. فتح عينيه على وسعهما ليتفاجأ بجسدها يرتمي بين ذراعيه بقوة، وتتشبث ب قميصه بنحيب مرير وبكاء جارف تزلزلت له ضلوعه. انقبض قلب عمران وجعًا، فأغلق عينيه واستند بجسده الواهن إليها، وضمها بضعف وهو يهمس بصوت مبحوح يقطر أسى: _جاية ليه يا مريم وسايبة خطيبك؟! أنتِ مش فرحك بكرة؟! ابتعدت مريام عنه قليلًا دون أن تفلت كفه، وأسندت جسده ب ذراعيها لتدخل معه إلى الردهة، ثم أغلقت ال
Read more

مائة وثلاثة وأربعون...

في تلك الأثناء، بحث آدم ببصره وسط الفوضى عنها، فوجدها تجلس بخزي وكسرة على مقعد بعيد في زاوية الغرفة؛ شعر بطعنة نافذة تنخر قلبه وهو يرى دموع "سهر" تنهمر بغزارة على وجهها الشاحب، وكأن اللحظات القليلة الماضية قد فعلت بملامحها ونفسيتها ما لم تفعله سنوات العمر. تقدم منها بخطى بطيئة مثقلة بالوجع، وجثا على ركبتيه أمامها، ثم أحاط وجهها بكفيه الحانيتين وقال بنبرة متهدجة تفيض عشقًا وخوفًا عليها: _سهر.. دموعك دي بتكويني، أرجوكِ بلاش تعيطي. نظرت له سهر بأعين تائهة غامت وراء دموعها، وقالت بصوت مكسور يرتجف: _أنا مش مصدقة إن عمران يعمل كدا يا آدم.. مش ابني اللي يسرق فرحة عمه وفرحتنا بالشكل دا! إزاي يا آدم فهمني أرجوك.. إزاي؟! راقب "آدم" الصغير الموقف من بعيد، واقفًا عند زاوية الردهة وعقله يتخبط في حيرة قاتلة؛ لا يعرف هل يتقدم ويطلعهم على حقيقة مرض عمران لينهي هذا التناحر، أم يلزم الصمت كما أراد أخوه؟ رفع بصره نحو الأعلى، فوجد "جنة" تقف عند أعلى درجات السلم، تراقب المشهد وتبكي في صمت مرير على ما تراه من تمزق العائلة. تنهد آدم الصغير بحزن واجم، وكاد أن يتقدم ليتحدث ويخبرهم بالسر، ولكن تلاشت الكلما
Read more

مائة وأربعة وأربعون...

انصاع الجميع لأمرها الذي حمل تفطر قلب أم مجروحة؛ فاحتن رشدي جنة التي كانت تبكي بنحيب صامت، ووضع آدم الصغير يده على كتف شقيقته مريام المنهكة ليوجهها معهم، وغادروا المشفى بخطى ثقيلة تحت نظرات الحاضرين المشفقة. التفت آدم الأب ببطء نحو زوجته سهر، وتأمل ملامحها التي كستها القسوة لأول مرة في حياتها، وقال بنبرة حزينة هادئة: _أول مرة تقسي عليهم كدا يا سهر.. هما برضه كانوا خايفين علينا. رفعت سهر سبابتها المرتعشة أمام وجه آدم، وجسدها ينتفض بالكامل كغصن عصف به إعصار، وقالت بحدة وصوت متحشرج تملكه القهر الجارف: _مش عاوزه أسمع أي حاجة من أي حد! أنا ابني جوه بيموت وأنا واقفة عاجزة ومش عارفة أعمل له حاجة.. سيبوني في حالي بقى! ارتحت كدا يا آدم؟! فضلت تبعده عن حضني وتسانده في غيبته لحد ما خلاص هيموت ومش هيبقى في حضني تاني! التفتت سهر بعينين تشتعلان بلهيب الفجيعة نحو هايدي، وتابعت صراخها الذي مزق جمود الردهة: _وأنتِ يا هايدي.. عاوزه تحسريني على ابني؟! أهو بيموت.. حسريني عليه يا هايدي! اقتلي ابني علشان اتجوز اللي بيحبها! ولو هترتاحي يبقى اقتليني أنا كمان.. لاني من غير ابني بموت! استمع آدم إلى الكل
Read more

مائة وخمسة وأربعون...

لماذا توقفت الساعة ولم تعد عقاربها تتحرك؟ أهكذا سيمر العمر بي بطيئًا كثيفًا كالدخان؟ ألن يخرج ذلك الطبيب أبدًا ليريح قلبي الكسير، ليطمئنني أن صغيري بخير؟ يا الله.. إنني لا أعترض على قضائك، ولكني ألوذ بركنك الشديد، فالطف بي فما عاد في الجسد روح تحتمل، وأنت وحدك أعلم بحالي. كانت سهر تسير في الممر جيئة وذهابًا، شاردة في الملكوت، تحصي الأنفاس وتعد الدقائق التي تمددت كأنها دهور، حتى انتفضت فجأة حينما فُتح باب الغرفة الزجاجي، وخرج الطبيب المتابع والحزن يكسو ملامحه وهو يتنهد ب عناء. انقبض قلبها، فأغمضت عينيها بقوة تنتظر سماع نهايتها، وتستعد لتلقي الضربة القاضية التي ستقتلع روحها، ولكنها فتحت عينيها بدهشة عارمة، ووجيب قلبها ينتفض حينما قال الطبيب بنبرة هادئة: _الحمد لله.. هو حاليًا عدا مرحلة الخطر وبقى بخير، بس فعلاً لازم تفكروا في موضوع العملية في أسرع وقت، لأنها هتفرق كتير جدًا معاه وفي استجابة جسمه. تنفس الجميع الصعداء كأن روحًا جديدة بُعثت في الممر البارد. وقفت سهر بجانب آدم ومازن، وتحاشت تمامًا النظر إلى هايدي أو الالتفات نحوها، وهمت أن تفتح شفتيها لتسأل الطبيب بلهفة عن تفاصيل تلك الج
Read more

مائة وستة وأربعون...

وقف آدم بجانبها تمامًا، والتصق كتفه بكتفها في مساحة المطبخ الضيقة؛ أغمض عينيه وهو يشتم عطرها الساحر الأخاذ الذي ملأ حواسه وداعب قلبه المشتاق، فسحب نفسًا عميقًا من أعماقه وزفره ببطء متلذذًا بقربها. انتبه على صوتها العذب وهي تناديه قائلة: _القهوة يا آدم.. ولا مش عاوزها خلاص؟! مد آدم يده بلهفة ليأخذ منها فنجان القهوة الساخن، وفي تلك اللحظة، لامست أصابعه يدها الرقيقة؛ فارتبكت جنة واهتزت كفها، فمال الفنجان وسالت القهوة المغلية على جلد يدها الناعم. صرخت جنة بألم باغت سكون المكان: _آه! سقط الفنجان من يد آدم أرضًا ليرتطم بالبلاط ويتناثر حطامه وقطرات القهوة الساخنة عليهما، غير أنه لم يبالِ بكل ذلك؛ اقترب منها أكثر بخطوة حاسمة، وخطف كفها المصابة بلهفة ورعب التمع في عينيه، وجذبها ب لوعة ليضع يدها أسفل صنبور المياه الباردة. زاد ارتباك جنة وتلاحقت أنفاسها من قربه الجسدي المهلك؛ فنهرت نفسها في سرها، وأخذت تهمهم بعبرات غير مفهومة وصوت متلعثم وهي تتأمل ملامحه القريبة: _بطلي جنان يا جنة.. مش معقول اللي بيحصل دا طبعًا.. اهدِي.. حدق بها آدم بعينين تفيضان عشقًا وهيامًا، وقال بنبرة رخيمة دافئة: _م
Read more

مائة وسبعة وأربعون...

دلفت جنة إلى الغرفة بخطى هادئة تحاول بها إخفاء ضياعها وتشتت عقلها بعد ما دار بينها وبين آدم الصغير، وكانت بصحبتها مريام التي تحركت بلهفة وهربت بعينيها من أمام نظرات والديها الواجفة، لتتجه مباشرة نحو الفراش وتجلس بجوار عمران. ما إن استقرت بجانبه حتى مد عمران يده الضعيفة وقبض على يدها بقوة وكأنه يستمد منها الحياة، ثم رفع بصره المجهد ونظر بثبات إلى مازن وقال بصوت متعب ولكن يحمل نبرة رجولة قاطعة: _عمي مازن.. أنا بطلب منك إيد مريام رسمي، وعاوز أتجوزها. حدقت هايدي بهما بعينين متسعتين، وقالت بسخرية لاذعة لم تستطع كتمانها: _هتتجوزها مرتين يا عمران؟! ما خلاص اتفضحنا والبلد كلها عرفت بسبب عملتكم سوا وهروبكم ليلة الفرح! انفعل مازن ونهرها بحدة وصوت جهوري ألجمها: _هايدي! مسمعش صوتك تاني في الموضوع دا أنتِ فاهمة ولا لأ؟! محدش له عندنا أي حاجة، وبنتي معملتش حاجة تغضب ربنا! حول مازن نظره عن زوجته الجافلة، وأعاد تحديقه بوجه عمران الشاحب، ثم قال بنبرة حانية حملت كل معاني التقدير: _لما تقوم بالسلامة وتشد حيلك نتكلم في الموضوع دا يا عمران.. دلوقتي مش وقته، المهم صحتك وبس. هم عمران أن يتحدث ويعترض
Read more

مائة وثمانية وأربعون...

تابَعته جنة بعينيها وهو يدلف للداخل، فتبَعته بخطى شاردة مدفوعة بفضول غريب. دخلت خلفه إلى بهو الفيلا، فشاهدته يقف مع والدها آدم الأب يتحدثان بلهفة، فاقتربت بخطوات صامتة وسمعت ياسين يقول لآدم: _أنا مش عارف أشكرك إزاي يا آدم إنك اتصلت بيا وبلغتني إن عمي غير رأيه ووافق على جوازي من جنة.. بجد جميلك دا هشيله فوق راسي أنا وجنة طول العمر. شهقة حارقة صدرت عن جنة قطعت حديثهما؛ فالتفت الاثنان نحوها، وعلت ملامح آدم الصغير وياسين علامات الارتباك الشديد. وقفت تنظر إليهما بعينين تشتعلان ب انكسار وخيبة أمل مريرة، وقالت بصوت متهدج: _يعني أنت مجيتش من نفسك يا ياسين؟ جيت لما الأستاذ آدم كلمك وقالك إن بابا وافق وعملك البحر طحينة؟! والله برافو.. ياه، بجد أنا مش عارفة أقولكم إيه أنتم الاتنين! ثم وجهت نظراتها الحارقة كالجمر إلى آدم الصغير وقالت ب مرارة: _بجد مش عارفة أشكرك إزاي يا آدم على معروفك دا.. مكنتش عارفة هعيش إزاي وياسين بعيد عني! بس للأسف أنا بقى مش هشيل جميلك دا فوق راسي زي ياسين.. لأنك وضحت لي حقيقة جديدة النهاردة، حقيقة نفسي وعلاقتي بيك وبيقين مكنتش شيفاه. هم آدم الصغير أن يتحدث ويفسر لها
Read more

مائة وتسعة وأربعون...

وفي الجهة الأخرى، احتضن رشدي فاطمة ودار بها في نشوة، فصاحت ضاحكة وهي تتعلق برقبته: _حبيبي، خلي بالك على نفسك، أنا تقيلة عليك! قبّلها رشدي من جبهتها برقة، وعيناه تغرقان في تفاصيل وجهها، وقال: _عجباني بكل حالاتك يا قلب رشدي.. أنا مش مصدق إن أخيرا هيضمنا بيت واحد، ياه يا فاطمة.. أخيرًا حلمي اتحقق معاكي.. أنا بحبك يا مطلعة عيني، بحبك! علت الضحكات أثر ارتفاع صوت رشدي العفوي، فأخفت فاطمة وجهها في صدره بخجل شديد. اقتربت منها والدتها "منال" وبصوتٍ متهدج قالت: _مبروك يا حبيبتي، ألف مبروك يا رشدي، ربنا يسعدكم ويجعل أيامكم كلها خير. ثم نظرت إلى رشدي بنظرة توصية أم، وقالت: _خلي بالك من فاطمة يا رشدي، وحطها جوا عينيك.. دي بنتي الوحيدة وقطعة من روحي. شدّ رشدي فاطمة إلى أحضانه بقوة وقال بصدقٍ الرجال: _فاطمة جوا قلبي وروحي، ومش محتاجة توصيني على نفسي أبدًا.. دي النعمة اللي ربنا منَّ عليا بيها، وهصونها بدمي. ربت "هاني" والد فاطمة على كتف رشدي وقال بتقدير: _ابن أصول يا رشدي، طول عمرك ابن أصول. ثم التفت هاني لزوجته منال، واحتضنها هامسًا في أذنها بنبرة غزل دافئة: _حبيبة قلبي اللي كل ما بتكبر
Read more

مائة وخمسون...

في جناح عمران ومريام الهادئ، حدق عمران في وجه مريام بسعادة لا توصف، وشاهدها وهي تجلس أمام المرآة تمشط شعرها الطويل بنعومة. اتجه نحوها فابتسمت لصورته المنعكسة في المرآة وقالت بدلال: _ارجع مكانك يا عمران.. أنت عارف اللي فيها، الدكتور قال ما فيش أي إجهاد، كفاية مجهود الفرح والسفر.. خليك بقى شاطر واسمع الكلام. أخذ منها عمران الفرشاة برفق وبدأ هو يمشط شعرها بتأنٍ وقال: _الدكتور يقول اللي يقوله، إنما أنا أعمل اللي أنا عاوزه.. حد يبقى بين إيده مراته، حبيبته، وأمله في الدنيا، ويسمع كلام الدكاترة ويقعد بعيد؟! وقفت مريام وابتعدت عنه قليلًا بجدية مصطنعة وقالت: _وبعدين يا عمران؟! بردوا لأ.. ولو فضلت كدا هروح أنام مع جنة وأسيبك. حملها عمران فجأة بخفة ووضعها على فراشهما وقال بنبرة مفعمة بالحب والرجولة: _ما بقاش عمران ابن آدم لو ما نفذتش اللي أنا عاوزه يا مريم.. قال تنامي برا حضني ليه؟! هي جوازة سوسن؟! حاولت مريام رفضه بخجل، ولكنه تغلب عليها بفيض حبه وغمره، وأخذها إلى عالمه الخاص ليعوضها ما فاتهما من وقت وأيام. في الجناح المجاور، راقب رشدي ملامح فاطمة النائمة بجانبه، وهمس وهو يتلمس وجنتيها
Read more
PREV
1
...
111213141516
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status