ログインهبطت الطائرة الخاصة على أرض المطار بعد رحلة طويلة، وما إن توقفت حتى فُتح بابها، ونزل يوسف الحديدي بخطوات هادئة وثابتة من المقصورة.. وقف للحظة يتأمل سماء المدينة، ثم ابتسم ابتسامة خافتة وهو يتمتم:—عدت أخيرًا...كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة، ونظارة شمسية أخفت جزءًا من ملامحه الجامدة، لكن حضوره ظل طاغيًا كما كان دائمًا.أما في الخارج، كانت هناك سيارة سوداء تنتظره.تقدم نحوها بهدوء وثبات، وما إن اقترب منها، حتى ترجل هارون منها، واتجه إليه مبتسمًا.—يوسف!ابتسم يوسف ابتسامة واسعة، ثم احتضن صديق طفولته بقوة.—اشتقت إليك يا رجل.ضحك هارون وربت على ظهره.—وأنا أيضًا... عامان دون أن أراك، اختفيت عن الجميع فجأة!ابتعد يوسف عنه وهو يبتسم.—كانت لدي بعض الأعمال خارج البلاد.هز هارون رأسه دون تعليق، فهو معتاد على غيابه وسفره الكثير، ثم أشار إلى السيارة.—هيا، اصعد الى السيارة.استقلا السيارة سوياً، وانطلقت بهما بعيدًا عن المطار، كان يوسف يحدق في الطريق من خلال النافذة، بينما الصمت كان رفيقاً ثالثاً له هو وهارون.فقرر أخيراً أن يكسره ي وهولا يزال ينظر عبر النافذة.—إذن أخب
ساد الصمت في غرفة الاجتماعات، بينما جلس آدم وهارون متقابلين على طرفي الطاولة المستطيلة، وقد جلس نوح بينهما يقلب بعض الملفات محاولًا أن يحافظ على سير الاجتماع بصورة طبيعية، في ظل الأجواء المتوترة في المكتب .. في تلك اللحظة تنحنح هارون قائلاً وهو يغلق أحد العقود أمامه:—يسعدني أن خطواتنا الأولى في هذه الشراكة بدأت بصورة ناجحة.هزّ آدم رأسه بهدوء ورد قائلاً: —وأنا كذلك... وأتمنى أن يستمر هذا النجاح دوماًفابتسم هارون قائلاً: —وأنا أيضاً أتمنى أن تستمر شراكتنا .. من دون مفاجئات مستقبلية.قطب نوح حاجبيه، فهو لم يفهم ماذا يقصد هارون بكلامه، بينما ابتسم آدم ابتسامة واثقة وقد أدرك عن ماذا يتحدث، لذلك قال بثقة:—لا تقلق، ستستمر، فأنا لا أحب المفاجئات.ثبت هارون نظره عليه لحظة، ثم قال بابتسامة هادئة:—أنا أيضاً لا أحب المفاجآت، خصوصًا تلك التي يخفيها الآخرون.في تلك اللحظة تنقل نوح ببصره بينهما، وقد ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي آدم:—يبدو أننا نتفق في أشياء كثيرة.شعر نوح أن الحديث خرج عن إطار العمل منذ الدقائق الأولى، فتدخل سريعًا وقال:—بالنسبة للدفعة الأولى من المشرو
عاد هارون إلى منزله في تلك الليلة وهو يستشيط غضباً، جلس على الأريكة الجلدية المواجهة للنافذة الزجاجية المطلة على البحر وهو يهمس لنفسه غاضباً: لقد كذبت علي.هو لم يعلم بعد بالعلاقة التي تجمع بينها وبين آدم الراوي، لكنه حدسه لا يكذب، ورؤية ذلك الرجل وهو يخرج من بنايتها يؤكد له أنها تكذب عليه.كاد عقله أن ينفجر من الغيظ والتفكير، حين رن هاتفه فجأةأخرج هارون الهاتف من جيبه ليرى من المتصل، لكنه سرعان ما أجاب حين رأى اسم صديق طفولته يوسف الحديدي!فتح المكالمة وقال بمرح: ــــ لا أصدق أن يوسف الحديدي قد تفضل أخيراً بمحادثتيفجاءه صوت يوسف من الجهة الأخرى مستنكراً: —كفاك تذمر، ها أنا أحدثك.فابتسم هارون قائلا:—هذا كرم كبير منك، لم أسمع صوتك منذ عامين.ضحك يوسف وقال: —حسناً كفاك سخرية، وأخبرني كيف أخبار شركتك.تنهد هارون وهو يقول: —الأمور تسير بشكل جيد، وقعت اليوم عقد شراكة مع شركات أورورا.قاطعه يوسف: —أورورا؟ آدم الراوي؟قطب هارون حاجبيه وهو يسأله: —هل تعرفه؟خرجت الحروف من فم يوسف ببطء وهو يقول بغضب:—أعرفه جيداً.تحمس هارون قليلاً وقال: —ماذا تعرف ع
دوّى صوت الصفعة في أرجاء الشقة، استدار وجه آدم مع قوة الضربة، ومن هول الصدمة بقي صامتًا لثوانٍ.أما هي، فكانت تتنفس بعنف، تلهث من فرط الغضب، بينما بقي آدم واقفًا أمامها، وقد هبط الصمت بثقله جرّاء الصفعة.لم يصدق ما حدث، حتى أنه رفع يده ببطء إلى خده، ولمس المكان الذي ارتطم به كفها قبل لحظات، وقد أخذ ينظر في عينيها مباشرة وكأنه يتأكد من أن تلك الرقيقة الواقفة أمامه قد تجرأت على صفعه!.وأما هي، فلم تبدُ عليها ذرة ندم، بل رفعت يدها ببطء، ومسحت شفتيها بقوة، مرة ثم الثانية ثم الثالثة، وهي تمحو بعناد آخر أثر تركه عليها، كانت تنظر إليه بثبات وهي تمسح فمها.تجمد آدم في مكانه. كانت تلك الحركة أشد قسوة من الصفعة نفسها.وقد فطن لما تحاول فعله، فابتسم ابتسامة باهتة امتزجت بالمرارة، وقال بصوت خافت:—يبدو أنك تغيرتِ كثيراً.لم تجبه. بينما أكمل هو قائلاً: —أصبحتِ أكثر جرأة و .. شراسة!.أغمضت عينيها في غضب، ثمّ اتجهت مباشرة إلى الباب، وفتحته على مصراعيه، ثم أشارت إليه بيد ثابتة وقالت بحزم:—اخرج.قطب آدم حاجبيه، في عدم استيعاب لما تفعله، حتى أنه لم يتحرك من مكانه وظل ينظر إليها للحظات غ
ظل آدم واقفًا مكانه وممسكاً بذراع مايا، وعيناه لا تفارقان الباب، بينما ظل صوت هارون يتردد من الخارج:—مايا هل أنتِ بالداخل؟نظرت إليه مايا بذعر، ثم همست بصوت منخفض:—لا تنطق بكلمة.فرفع آدم حاجبه وقال لها في تحدي:—لماذا؟ هل تخافين على مشاعره إن وجد رجل آخر في منزلك في تلك الساعة؟تأففت مايا من عناده، وهي تهمس له في غضب:—أنا لن أسمح لك بهدم حياتي يا آدم.كانت نظراتها غاضبة، للدرجة التي جعلت آدم صامتاً، واكتفى بالنظر إليها، بينما أشارت إليه بيد ثابتة نحو الممر المؤدي إلى الغرف.—اختبئ، حالًا!.رفع حاجبه ساخرًا، لكنه أدرك أن ظهور هارون سيكشف كل شيء، فتراجع ببطء إلى داخل الممر، واختفى عن الأنظار.حينها تنفست مايا بعمق، ثم عدلت ثيابها وشعرها بسرعة، ومسحت آثار توترها عن وجهها قدر استطاعتها، قبل أن تتجه إلى الباب وتفتحه، فتحة صغيرة بالكاد تكفي لرؤية هارون.كان هارون يقف أمامها وفي يده هاتفها، وقد ابتسم ابتسامة خفيفة وقال لها:—لقد نسيتِ هذا في سيارتي.نظرت إلى الهاتف، ثم إليه، وقالت وهي تحاول إخفاء ارتباكها:—شكرًا لك، لم أنتبه له حقاً.وفي اللحظة التالية مدت يدها لت
ارتجفت أنفاس مايا، وتجمدت في مكانها وهي تحدق في آدم غير مصدقة ما تراه، وتساءلت كيف دخل شقتها؟ أما هو فقد لاحظ صدمتها، وظل جالساً على الكرسي بكل هدوء كأنه يجلس على عرشه، او أنه صاحب البيت، يحدق بها بملامح ثابتة، وكانت حقيبة يدها لا تزال ملقاة على الأرض حيث سقطت من يدها قبل لحظات.لم تنتبه مايا لحقيبتها، كانت تفكر فيما ستفعله معه، وكيف تتخلص منه، وحين استجمعت شجاعتها أخيراً للتحدث، خرج صوتها مرتجفًا رغم محاولتها إخفاء ذلك:—كيف .. كيف دخلت إلى هنا؟ابتسم آدم ابتسامة خافتة، وقال بهدوء أثار غضبها أكثر:—هل هكذا ترحبين بي في منزلك بعد عامين من افتراقنا؟أغمضت عينيها في غضب، وقالت في شيء من الحدة: —سألتك، كيف دخلت إلى هنا؟في تلك اللحظة، ثبت آدم نظره عليها في صمت، وظل ينظر إليها طويلًا ليزيد من ارتباكها، قبل أن يجيب ببرود أخيراً بكلمات أشعلت غضبها أكثر وأكثر:—أستطيع الدخول إلى أي مكان أريده.وبالفعل اشتعل الغضب داخلها بشدة، حتى أنها صاحت به:—اخرج من شقتي حالًا.إلا أنه لم يتحرك قيد أنملة من مكانه، بل نظر في عينيها بتحد وسألها في استفزاز:—وإن رفضت؟حينها انحن أرضاً و
تسللت خيوط الفجر الأولى بهدوء عبر نافذة الغرفة البيضاء، وانعكست فوق الأجهزة الطبية المحيطة بالسرير، بينما كانت صوفيا لا تزال غارقة في ذلك الشعور الثقيل الذي لا يشبه النوم ولا يشبه الاستيقاظ! واقعة في المنتصف بينهما.تحركت أصابعها ببطء فوق الغطاء الأبيض، ثم انقبض حاجباها بألم، كان رأسها يؤلمها بصور
سقط جسدها بين ذراعيه فاقدًا للوعي، لكن آدم لم يشعر بثقلها أبدًا.على العكس…شعر في تلك اللحظة وكأن العالم كله قد أصبح بين يديه.ثبت نظره على وجهها بصدمة، فتلك المرأة المنهكة… الشاحبة… المكسورة… والواقعة بين يديه ... كانت صوفيا.لكن كيف؟ وماذا حدث لها؟ وكيف تحولت إلى هذه الصورة التي بالكاد تشبه ال
غادر آدم المطعم بخطوات سريعة ومتوترة، غير عابئ بالأصوات التي نادته خلفه، ولا بمحاولات نوح الأخيرة لإيقافه. كان صدره يضيق أكثر مع كل ثانية تمر في ذلك المكان، حاول نوح إيقافه، الا أن آدم توعده إن لحق به، فعاد نوح أدراجه داخل المطعم، وانطلق هو خارجه، وهو يردد جملة واحدة كاد ينساها "صوفيا متزوجة."تلك
كان آدم نائمًا في سلام، حين اخترق رنين الهاتف الصمت الثقيل في غرفته. تململ في. فراشه وتقلّب بانزعاج، قبل أن يرفع الوسادة فوق رأسه كأنه يحاول إيقاف الصوت، لكنه استمر بإصرار مزعج لا ينقطع. تأفف لهذا الازعاج، وزفر حانقاً، وقد ومدّ يده إلى الهاتف دون أن يفتح عينيه بالكامل، ثم أجاب بصوتٍ خشن تشوبه بحّة







