تسجيل الدخولتناولا طعامهما بهدوء، ومع كل دقيقة تمر، بدا وكأن طبقات الجمود بينهما تتآكل ببطء، كما لو أن صمت الماضي وندوب الأرواح بدأت تفسح المجال لسكينة خجولة.
كانت إيزابيلا ترفع عينيها نحوه بين الحين والآخر، تراقب تفاصيل وجهه وهو يأكل بصمت. قسماته كانت أقل قسوة الآن… أقل وحشية. ربما كانت أشعة الشمس تفعل ذلك، أو ربما هو حقًا… مختلف. قالت وهي تمسح زاوية فمها بمنديل من الكتان: ـ "لم أتخيلك يومًا تجلس على طاولة كهذه، وتتناول شوربة ساخنة في مطعم صغير." أجاب بهدوء دون أن يرفع نظره عنها: ـ "لم أتخيل نفسي يومًا أُجبر على الزواج… ثم أجد في ذلك إجبارًا راحة." نظرت إليه طويلاً. كلماته خرجت صادقة، خالية من التزييف. ـ "هل أنت نادم؟" همست بها، مترددة قليلاً. رفع عينيه ببطء، وحدق في عينيها دون أن يجيب فورًا، ثم قال: ـ "كنت غاضبًا في البداية… من الاتفاق، من الظروف، منكِ حتى. لكن الآن؟ لا. لا أعتقد أني نادم." انخفض صوتها أكثر: ـ "ولا حتى بعد ما حدث ليلة الزفاف؟" تغيرت ملامحه قليلًا، كأنه استدعى ذكرى مؤلمة. تنفس ببطء، ثم قال: ـ "تصرفت حينها كرجل بلا قلب… لكني لم أكن بلا عقل. رأيت كيف وقفتِ بثبات، كيف رددتِ عليها بلغتي. هناك بدأت أراك." توردت وجنتاها، لا تعرف كيف ترد، لقد كان يقصد محاولة ليديا التحدث عنها بسوء أثناء الزفاف، فبادر هو، يحرك يده برفق نحو يدها الموضوعة على الطاولة. لم يلمسها، فقط اقترب بما يكفي ليترك لها القرار. وسألها: ـ "هل تندمين، إيزابيلا؟" نظرت إليه، إلى يده القريبة، إلى عينيه، إلى السكينة غير المتوقعة بينهما… ثم هزت رأسها ببطء وهمست: ـ "لا أعلم بعد… لكنني أريد أن أكتشف." لحظة صمت جميلة مرّت بينهما، كسكون البحر قبيل الشروق. في تلك اللحظة، لم تكن هناك مافيا، ولا دماء، ولا ماضٍ ثقيل. فقط رجل وامرأة… على طاولة صغيرة، في مدينة بعيدة، يحاولان أن يفهما ما إذا كانا قد وجدا أخيرًا شيئًا يشبه الأمان. في طريق العودة، غابت الكلمات بينهما، لكن الصمت لم يكن ثقيلاً كما في السابق… كان صمتًا دافئًا، كأن كلاهما يكتفي بوجود الآخر بجانبه دون الحاجة للشرح أو التفسير. السيارة تمضي على الطريق بسلاسة، وخارج النافذة تنعكس أشعة الشمس المتأخرة على زجاجها، بينما كانت إيزابيلا تسند رأسها قليلاً إلى الخلف، تتأمل السماء الصافية بصمت، وشفتاها مائلتان بابتسامة صغيرة تكاد لا تُرى. ميخائيل كان يقود، يداه القويتان على المقود بثبات، لكنه بين الحين والآخر كان يسرق نظرة سريعة نحوها. بدا كأنه يحفظ ملامحها بصمت. لم يكن يريد لهذه اللحظات أن تنتهي، رغم بساطتها. همست دون أن تفتح عينيها: ـ "الهدوء معك الآن… مخيف بعض الشيء." ابتسم، نادرة منه تلك الابتسامة الحقيقية، وأجاب بصوته العميق: ـ "وأنا أكتشف أني لا أكره هذا النوع من الخوف." ضحكت بخفة، ثم استقامت في جلستها وهي تنظر إليه: ـ "هل أستطيع أن أسألك شيئًا؟" أومأ دون أن ينظر إليها، لكن عينيه كانت على الطريق بتركيز. ـ "هل كنت ستختارني… لو لم يُفرض علينا هذا الزواج؟" تأخر في الإجابة، وبدا عليه التفكير العميق… ثم قال ببطء، بصدق: ـ "ربما… لكني لم أكن سأعرفك كفاية لأفعل. البراتفا لا تسمح بالاقتراب من الخارجين عن قانونها. لكن الآن… لا أندم أني عرفتك بهذه الطريقة." نظرت إليه، إلى ملامحه الجامدة التي أصبح بإمكانها الآن أن تلمح خلفها ما لا يراه أحد. لم تجب، فقط اكتفت بتلك النظرة الطويلة… وقبل أن تصلا إلى القصر، قطع الصمت صوته حين قال فجأة: ـ "في المرة القادمة… سأخذك لمكان أجمل. أكثر هدوءًا. بدون دخان، ولا عيون كثيرة." ابتسمت بخفة وهمست: ـ "ربما أُصدق أنك تحاول." ـ "وأنتِ… توقفي عن إرباكي." ضحكت، ضحكة صغيرة ناعمة، ثم استدارت تنظر إلى النافذة… والسماء قد بدأت تتحول إلى لون العنبر مع الغروب. حين توقفت السيارة أمام القصر، كانت الشمس قد بدأت تميل للغروب، تلقي بأشعتها البرتقالية على الواجهة الرخامية الباردة. نزل ميخائيل أولاً، ثم دار حول السيارة وفتح الباب لإيزابيلا بنفسه، لتترجل بهدوء وأناقة. كانت خطواتها متزنة، ورائحتها تعبق في الهواء من خلفها. وعيناه عليها، دون خجل. لكن ما إن دلفا إلى البهو الواسع، حتى استقبلهم الصمت المشحون… وهناك، على رأس الدرج الرخامي، وقفت داريا. عيناها متسعتان، شفتيها مشدودتان في خط غاضب، وذراعاها متشابكتان بقوة أمام صدرها. كانت ترتدي فستانًا حريريًا بلون داكن، بدا وكأن الليل نفسه قد لبسه معها. نظرت إلى إيزابيلا كما لو أنها شوكة في حلقها، ثم حولت نظرها إلى ميخائيل، الذي لم يبدُ عليه أنه تفاجأ. اقتربت بخطى بطيئة من أعلى الدرج، حتى أصبحت تقف مقابلهم. لم تتحدث في البداية، فقط كانت تراقبهم كما يراقب المفترس فريسته. ثم نطقت، ببرود مصطنع: ـ "ألم يكن اليوم… مشرقًا؟" رفعت إيزابيلا حاجبيها قليلاً، لكنها لم ترد. لم تكن في مزاج للمعارك الطفولية. أما ميخائيل، فقد نظر إلى داريا بنظرة حادة، قصيرة، كانت كافية لتجعل كلماتها تتعثر قبل أن تتصاعد. لكنها استجمعت وقاحتها سريعًا. ـ "غريبٌ أن ترى حبيبك مع امرأة أخرى، ثم تكتشف أنها زوجته الشرعية." نظرت إلى إيزابيلا بنظرة مزيفة وهي تبتسم: ـ "هل استمتعتِ بوقتك، عزيزتي؟ لقد كنتِ خارج مكانك الطبيعي." خطفت عينا ميخائيل إلى داريا، وصوته جاء أكثر برودة من الشتاء: ـ "اختاري كلماتك جيدًا، داريا. لا أحب أن أكرر نفسي." ـ "أوه، بالطبع… لا تكرر نفسك، بل كرر إخلاصك لها." ثم نظرت نحو إيزابيلا بابتسامة تنضح سماجًة: ـ "أخبريني، كيف تشعرين وأنتِ تسرقين رجلًا… حلمتُ به طوال عمري؟" إيزابيلا لم ترد على الفور، بل وقفت بهدوء، ظهرها مستقيم، ونظرتها هادئة لكنها حادة. ثم قالت بصوت منخفض: ـ "لم أسرق أحدًا. لكن يبدو أن الحلم، عندما يُبنى على وهم، يتحول إلى كابوس." داريا عضت شفتيها بقوة، وكادت أن ترد، لولا أن ميخائيل تقدّم خطوة بينهما وقال بصرامة: ـ "هذا يكفي. آخر مرة تتحدثين معها بهذه الطريقة." ثم نظر إلى داريا ببرود قاسٍ: ـ "أنتِ ضيفة هنا، تذكري هذا. ولا تختبري صبري." داريا حدقت فيه، ورمشها تبلل بدموع لم تنزل. ثم استدارت بعنف وصعدت الدرج دون كلمة، وكل خطوة لها كانت تحمل قنبلة من الغضب. في الأسفل، تنفست إيزابيلا ببطء، ثم نظرت إلى ميخائيل الذي ما زال يحدّق في الدرج بجمود. همست بخفة: ـ "لست مضطرة لأن تفعل هذا لأجلي." فأجاب دون أن ينظر إليها: ـ "أنا لا أفعل لأجلك. أفعل لأنني لا أسمح لأي شخص أن يهين زوجتي… سواء أحبها أم لا." نظرت إليه… وساد الصمت بينهما، قبل أن يتقدم بخطى هادئة، دون أن يلتفت: ـ "تعالي. لقد طال اليوم." كانت خطواتهما بطيئة في الممر الرخامي المؤدي إلى جناحها، وصوت كعبيها ينساب برقة على الأرض كأنما يدق على قلبها… خافت ومضطرب. صمتٌ غريب كان يرافقهما، لا ثقيل ولا مريح، فقط ذلك النوع الذي يحمل تساؤلات لا تُقال. وحين وصلوا إلى باب جناحها، استدارت نحوه بهدوء… لكن ميخائيل لم يتوقف. فتح الباب بنفسه، ودلف دون أن ينتظر منها دعوة، وكأنه بات يعرف زوايا الغرفة مثل راحة يده. راقبته وهي تتبعه بنظراتها، تساءلت في صمتٍ خافت: «لماذا لا يعود إلى جناحه؟» ألقت بحقيبتها على المقعد القريب، وجذبت شالها من على كتفيها بتأنٍ، بينما كانت تراقبه يخلع سترته الثقيلة ويضعها على ظهر المقعد المقابل. «هل أصبح يشعر بالراحة هنا؟» «إن كان كذلك، فلماذا من البداية وضعنا في جناحين منفصلين؟» «هل كان الأمر لمجرد اتفاق؟ أم لأن الفكرة كلها لم تعني له شيئًا حينها؟» جلست على طرف الأريكة، تراقب ظله وهو يتحرك بخفّة، دون أن ينظر إليها. قالت بصوت خافت: ـ "تعود إلى هنا كثيرًا مؤخرًا..." أجاب دون أن يلتفت: ـ "وهل يزعجك هذا؟" هزت رأسها نفيًا، ثم تمتمت: ـ "فقط… أتساءل لماذا لم نكن من البداية في جناحٍ واحد؟" صمت قليلًا، ثم التفت نحوها ببطء، وعيناه تبدوان مظلمتين في الضوء الخافت. ـ "لأني في البداية… لم أكن أنوي البقاء." جملته كانت كصفعة ناعمة، باردة. لكنها لم تبدُ غاضبة. فقط نظرت إليه، وكأنها تفهم الآن جزءًا آخر من لغز هذا الرجل. تابع بنبرة أكثر هدوءًا: ـ "لم يكن بيننا شيء. فقط اتفاق سياسي. فلماذا كنتُ سأضع نفسي في مكان قد يبدو… شخصيًا؟" هزت رأسها ببطء، تتفهم… أو تحاول. ثم تمتمت: ـ "وهل تنوي البقاء الآن؟" لم يجبها على الفور. مشى نحو الطاولة، سحب زجاجة ماء وسكب قليلاً في كأس، ثم رفع عينيه إليها وقال ببساطة: ـ "الآن… لا أشعر برغبة في الرحيل." نظرت إليه… ثم نظرت إلى الأريكة الفارغة بجوارها، فابتسمت ابتسامة خفيفة. ربما لم يكن الجواب الذي كانت تريده… لكنه كان كافيًا الآن. ساد هدوء غريب بينهما، لكنه لم يكن مربكًا كما في السابق… بل كان أقرب إلى راحة خفيفة تسللت بين الكلمات غير المنطوقة. جلس ميخائيل إلى جانبها على الأريكة، لم يتكلم، فقط استرخى بجسده قليلاً للخلف بينما عيناه تطوفان أرجاء الغرفة بهدوء، كأنما يستنشق وجودها فيها. إيزابيلا التفتت ببطء تنظر إليه. بدا مختلفًا هذا المساء، أكثر سكونًا… أقل قسوة. كأنما خلَع عباءة الزعيم مؤقتًا، ليجلس أمامها كرجل فقط. تمتمت بصوت خافت، شبه همس: ـ "أحيانًا… يبدو أنك لا تنتمي لهذا العالم." ارتفع حاجبه قليلًا، استدار ينظر إليها، لكن تعبيره لم يكن ساخرًا كعادته، بل بدا فضوليًا: ـ "وأيّ عالمٍ تقصدين؟" نظرت أمامها، لا إليه: ـ "العالم المليء بالدماء والرصاص… القسوة. أنت لا تتكلم كثيرًا… لكنك حين تنظر، أرى فيك شيئًا آخر… شيء دفنته عميقًا." طال الصمت، قبل أن يهمس ببطء، صوته خفيض: ـ "لأني لا أجرؤ على النظر إليه كثيرًا…" استدارت نحوه بدهشة، لكنها لم تسأله، لم تضغط. فقط انتظرت. ـ "قتلت والدتي بيدي." قالها فجأة، دون مقدمات، دون تمهيد. شعرت برعشة تجتاح جسدها، لكنها بقيت صامتة. كانت تعرف جزءًا من هذا السر، لكن أن يقوله هو… بتلك الطريقة، شيء مختلف تمامًا. ـ "خانَت أبي. خانت البراتفا. وكانت تعرف العواقب. وكان عليّ أن أختار… إما أن أكون ابنها… أو أن أكون ابنًا للدم." ابتسم بمرارة، تابع: ـ "واخترت الدم." لم تعرف ماذا تقول. الألم في صوته لم يكن عاديًا، لم يكن تمثيلًا… كان اعترافًا يُقال نادرًا، وربما لأول مرة. اقتربت منه قليلًا، ببطء شديد، ووضعت يدها برقة على يده القوية الخشنة، التي غسلتها الدماء لسنوات… وقالت بخفوت: ـ "لكن رغم ذلك… لا تزال إنسانًا." نظر إليها مطولًا… عينيه كانتا مليئتين بصراع لا نهاية له. ثم انخفض برأسه قليلًا وكأنه يستند على أفكارٍ أثقل من أن تُحمل. مرت لحظات صامتة… لكنها لم تكن فارغة. كانت ثقيلة بالمشاعر، بالاعترافات، وبالاقتراب الذي لم يتخيله كلاهما. قالت بهدوء: ـ "ابقَ الليلة هنا." نظر لها دون أن يندهش… فقط اكتفى بإيماءة خفيفة برأسه، كأنما كان سيبقى حتى دون أن يُطلب منه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جلس ميخائيل بهدوء على طرف الأريكة، يُمسّد بأنامله الوشم الداكن على ساعده دون وعي، وعيناه تتجهان نحو باب الحمام المُغلق. صوت الماء الخافت كان يصل إليه، يتداخل مع أفكاره التي بدأت تتحرك رغمًا عنه. أغمض عينيه للحظة، واستعاد صورة وجهها حين وضعت يدها فوق يده قبل قليل، تلك الرقة التي تسللت إليه، لا كضعف، بل كشيء لم يختبره من زمن بعيد… الطمأنينة. فتَح عينيه ببطء، ومرر كفه على وجهه الخشن، زفرة طويلة خرجت من صدره الثقيل. لم يكن هذا الرجل الذي يجلس هنا هو ميخائيل المعروف خارج هذه الجدران… لم يكن "جزار البراتفا". بل فقط رجل… يجلس في جناح زوجته. تسللت عيناه إلى ما حوله. جناحها بدا وكأنه ينتمي لعالم آخر: ستائر حريرية بلون العاج، رائحة زهر خافتة، وأثرها على الوسائد، على الكتب، على المرآة الصغيرة الموضوعة بعناية فوق الطاولة. كل شيء هنا يحمل منها جزءًا… حتى الهواء. أحنى رأسه قليلاً وهو يتمتم لنفسه: ـ "لماذا تشعرني هذه الغرفة كأنني لم أعُد أملك شيئًا خارجها؟" صوت انغلاق الماء أنقذه من شروده، وارتفع رأسه تلقائيًا نحو الباب… لحظات قليلة، وسيخرج الطيف الذي قلب موازين عالمه، دون حتى أن تقصد. ظل ميخائيل جالسًا مكانه، مائلًا قليلًا للأمام، وساعداه تستندان إلى ركبتيه بينما تشابكت أصابعه. نظراته كانت ساكنة، لكن رأسه يضج بالأفكار… تشتت لم يعتد عليه. لم يكن الأمر متعلقًا بضعف… بل بشيء أكثر تعقيدًا، أكثر عمقًا. منذ متى أصبح يفكر مرتين قبل أن يتحرك؟ منذ متى أصبح وجود شخصٍ ما يربكه؟ الرجال مثله لا يترددون… لا يتوقفون عند لمحة عين أو لمسة يد أو حتى نظرة عابرة، فكيف به الآن يتذكر نظرتها، صوتها، وحتى طريقة تنفسها حين تكون غاضبة؟ أغمض عينيه من جديد، وضغط على صدغيه. شيء فيها يشبه السكون… وسكونها هذا يفسد ما بناه من جدران داخله. قام ببطء، مد يده إلى سترته التي كانت ملقاة على طرف الأريكة، أمسكها وسحبها على كتفه ببطء دون أن يصدر صوتًا. ألقى نظرة أخيرة نحو الباب المغلق، وكأن بداخله جزءًا صغيرًا… أراد أن ينتظر فقط ليرى وجهها. لكنه تجاهل ذلك الجزء. خرج بهدوء من الجناح، خطواته كانت ثقيلة رغم صلابتها، كمن يحمل ثقلًا لا يريد لأحد أن يراه. حين دلف جناحه الخاص وأغلق الباب خلفه، لم يشعر بالراحة… لم يشعر بأي شيء سوى الفراغ. في جناحه، وقف ميخائيل أمام المرآة بصمت. خصلات شعره الرطب من أثر الاستحمام تلتصق بجبهته، والقطرات تنزلق على رقبته دون أن يهتم بمسحها. كان قد بدل ملابسه، قميص أسود بسيط وبنطال داكن… لكن ملامحه؟ كانت مختلفة. تلك القسوة الصلبة التي ترافقه دائمًا ما زالت هناك، لكن خلفها… شيء آخر. كأنه رجل أنهكه الصراع الداخلي. تحرك نحو النافذة، وأبعد الستائر قليلًا، فرأى حديقة القصر الممتدة… وتذكرها. إيزابيلا. تذكر تفاصيل صباحها… وجهها حين استيقظت، نظرة عينيها الهادئة، ولمسة يدها حين مرّت بخفة على ساعده وهي تحاول النهوض… كل شيء فيها كان يتسلل إليه دون استئذان. زفر ببطء، وهمس بصوت خافت كأنما يحدث نفسه: «ماذا تفعلين بي، إيزابيلا؟» أدار وجهه وابتعد عن النافذة. مشى إلى مكتبه الخاص وأمسك بكأس من الماء دون أن يشربه. وقف طويلًا هناك… وكأن خطواته التالية مهمة، أو ربما مربكة. هو يعرف جيدًا أنه ليس رجلًا معتادًا على القرب… وأن العاطفة بالنسبة له كانت دائمًا عبئًا، نقطة ضعف يجب القضاء عليها. لكنه لا يستطيع إنكار أن قربها… يشعره بشيء لم يعرفه من قبل. هل يقترب أكثر؟ أم ينسحب كما اعتاد؟ وهو في هذا الشرود، طرق خفيف على بابه قاطعه. توقف لثانية، ثم صرخ بصوته القوي: «ادخل.» فُتح الباب، وظهر ديمتري، يحمل في عينيه نظرة جدية. «ميخائيل… هناك شيء تحتاج أن تراه.» ارتفعت حاجبا ميخائيل ببطء، ومسح على وجهه، ثم وضع الكأس من يده. «ما الأمر؟» رد ديمتري بهدوء قاتم: «رسالة… من أحد رجال فاسيليف. ويبدو أن الوضع في موسكو بدأ يتغير.» شدّ ميخائيل يده ببطء، وتغيرت ملامحه. كل شيء بداخله استيقظ. البراتفا تنادي. دلف ميخائيل إلى مكتبه، وخلفه ديمتري، الذي ناوله ملفًا أسود صغيرًا. فتحه ببطء، وبدأ يقرأ ما بدا وكأنه تقرير سري، مطبوع على أوراق تحمل أختام مشفرة. قال ديمتري بصوت منخفض، لكن حاد: «الرسالة وصلت هذا الصباح… من أحد رجالك داخل مجموعة فاسيليف. يزعم أن هناك تحركات غير مألوفة في الميناء، وأحاديث تدور حول شحنة أسلحة قادمة من أوروبا الشرقية، دون علمنا…» نظر ميخائيل إلى ديمتري، وملامحه لم تتحرك، لكن عينيه اشتعلتا بغضب صامت. «وفاسيليف لا يجرؤ على التصرف من تلقاء نفسه. لا الآن…» أومأ ديمتري برأسه: «إلا إذا كان هناك من يدفعه من الخلف.» أغلق ميخائيل الملف، ثم رفع عينيه وقال ببرود: «أرسل الرجال. أريد مراقبة كل من يدخل الميناء ويخرج منه. لا أريد إطلاق رصاصة واحدة… إلا بأمري.» سكت قليلًا، ثم أضاف بصوت أجش: «وأبلغ سيرغي… سأكلمه الليلة.» غادر ديمتري الغرفة، وميخائيل بقي واقفًا أمام نافذة مكتبه، يتأمل انعكاس صورته. الرجل القاسي الذي ذبح أمه بيده، وسُجن سنوات ليصبح زعيم البراتفا... بات الآن يعيش بين نارين. البراتفا… وإيزابيلا. فأيهما ستكسر الآخر أولًا؟ مرّت دقائق طويلة وميخائيل ما زال واقفًا أمام النافذة، عيناه تراقبان الأفق الرمادي خلف زجاج المكتب، لكن عقله كان يغلي كمرجل. أخرج هاتفه من جيب سترته، وضغط على رقمٍ محفوظ. رنّ الهاتف ثلاث مرات، ثم جاءه صوت سيرغي، جافًا كعادته: «كنت بانتظار اتصالك.» أجابه ميخائيل بنبرة منخفضة، لكنها مشحونة: «لدينا تحرك من جهة فاسيليف. أحد رجالنا رصد شحنة سلاح سيتم تمريرها دون علمنا.» عمّ الصمت لثوانٍ، قبل أن يأتيه ردّ سيرغي: «كنت أعلم أنه سيتحرك. خُيّل له أن زواجك من ابنة روستوف أضعفك.» تشنج فك ميخائيل، لكنه قال ببرود: «سيكتشف قريبًا أنه ارتكب خطأً عمره.» ثم أضاف بصوت متمهل: «هل ما زلت تملك رجالًا على اتصال بالميناء؟» أجابه سيرغي فورًا: «خمسة. كلهم موالون. أعطِني الضوء الأخضر، وسأحرق الميناء إن أردت.» ابتسم ميخائيل بفتور وهو يقول: «لا نريد الحرق، نريد السيطرة. أرسل اثنين منهم لمراقبة الشحنة. والباقي يبقون في الظل.» «وفاسيليف؟» سأل سيرغي. أجاب ميخائيل ببطء، وكأن كل كلمة تُسكب من جمرة: «عندما تنتهي اللعبة… سأتولى أمره بنفسي.» صمت لبرهة، ثم قال: «وسيرغي...» «نعم؟» «ابقَ بعيدًا عن إيزابيلا.» سكت سيرغي طويلًا، ثم قال بصوت خافت، فيه شيء من الذهول وربما الاستفهام: «هل بدأت تُفكر بها؟» لكن ميخائيل لم يرد. أنهى المكالمة بصمت، وألقى الهاتف على الطاولة. ظلّ واقفًا، ثم تنهد ببطء، يداه تعودان إلى جيبيه، وعيناه إلى الأفق. هو الذي عاش عمرًا لا يؤمن بشيء إلا الحديد والدم، بات الآن… يخشى أن ينكسر من شيء مختلف تمامًا. صوت طرق خافت على الباب قطعه من شروده. «ادخل.» دلف ديمتري من جديد: «وصلت سيارة فاسيليف إلى الميناء. وحده، دون حراسة. يريد التفاوض.» انخفضت نبرة ميخائيل، لكنها ازدادت خطرًا: «جميل… دعه ينتظرني. سأذهب إليه.» _______________________________ ــ في الميناء القديم، حيث تتعانق رائحة الوقود بالملح والصدأ، وقف رجلٌ متين البنية أمام حافة الرصيف، يداه خلف ظهره وظهره مستقيم كعمود حديدي، يحدّق إلى السفن المتراصة في هدوء، وكأنها تعلم من يراقبها. كان فاسيليف لا يُخطئه أحد ممن عرفوه أو حتى سمعوا به. رجل في أواخر الأربعينات من عمره، شعره الأسود قد بدأ يغزوه الشيب من الجانبين، ووجهه يحمل ندبة صغيرة تعبر وجنته اليمنى، كأنها توقيع الزمن على رجلٍ لم يركع له يومًا. عيناه ضيقتان كعيني ذئب، لونهما رمادي مائل للثلج، يقال إن نظراته وحدها كانت كفيلة بجعل رجل يعترف دون أن يُضرب. فاسيليف لم يكن مجرد زعيم عصابة مستقلة… كان عقلًا مخضرمًا في تجارة السلاح، رجلًا لا يؤمن بالصراخ، ولا يرفع صوته إلا إن أراد أن يسقط من أمامه. بارد، صبور، يتحدث بقليل من الكلمات، لكن كلماته تنفذ كما الرصاص. كان يرتدي معطفًا طويلًا من الصوف الأسود، تفصيلة أنيقة على جسدٍ عسكري الطابع، ويدخن سيجارًا كوبيًا كما لو أن الدنيا ملك يديه. ورغم أنه جاء وحده، دون حراسة، كان يعلم أن قناصيه يغطون المكان من السطوح المجاورة، عيون لا ترى، لكنها تترصد كل من يقترب. همس لمرافقه الوحيد، رجل قصير بدين كان يقف على مسافة مترين خلفه: «أخبر رجالنا ألا يتحركوا مهما حدث. نريد أن نسمع ما سيقوله ميخائيل قبل أن نقرر من سيموت الليلة.» هزّ الرجل رأسه باحترام، ثم انسحب ببطء، بينما ظل فاسيليف في مكانه، يرمق الأفق الرمادي فوق البحر، ينتظر. في قلبه لم يكن ينتظر "تفاوضًا"... بل كان ينتظر فرصة. فرصة لكسر الجمود. ولإسقاط أحد اثنين: إمّا ميخائيل، أو الصفقة التي كانت على وشك أن تغيّر ميزان القوة في موسكو كلها. ـ دقائق ثقيلة مرت على رصيف الميناء، والضباب البارد يتمدد على الأرض مثل زحف خفيّ من الأشباح. لم يتحرك فاسيليف قيد أنملة، لم يلتفت، حتى حين بدأ هدير المحركات يقترب من بعيد. سيارة سوداء من طراز "مرسيدس G-Class"، بزجاجٍ داكن يخفي ما في داخلها، اقتربت بهدوء كأنها تزن المكان قبل أن تدخل فيه. توقفت على مسافة محسوبة من فاسيليف، لا قريبة بما يكفي لتكون تهديدًا مباشرًا، ولا بعيدة لتُعتبر تراجعًا. لم يُفتح الباب على الفور. استمر الصمت. هواء البحر يصفر بين الحاويات، وأحد طيور النورس صاح من مكانٍ بعيد، قبل أن يُفتح باب السيارة أخيرًا. خطوة ثقيلة نزلت من السيارة، تلتها أخرى. وظهر ميخائيل. "جزار البراتفا". كان يرتدي بدلة داكنة بخياطة حادة، مع معطف جلدي طويل تنسدل أطرافه خلفه كظلٍ ثقيل. لم يكن بحاجة لسلاح ظاهر — كل من في المكان يعلم أن جسده وحده هو سلاح. وجهه الصارم، وعيناه العميقتان المتجمدتان، كانتا كافيتين لبثّ الرهبة. في عينيه شيء يُشبه السكون الذي يسبق عاصفة مدمّرة. اقترب بثبات، خطواته تُسمع على ألواح الخشب القديم، حتى توقّف أمام فاسيليف على بعد بضعة أمتار. فاسيليف لم يتحرك. نظر إليه ميخائيل، بنظرة ثابتة لا تهتز. قال بصوت منخفض، واثق، كأن كلماته محفورة بحديد: «فاسيليف.» رد الرجل الآخر، بصوتٍ أجش بارد كالنصل: «مالكوف.» صمت بينهما. لا يد ممدودة. لا ابتسامة. فقط جليد يتقاطع في الهواء. كان اللقاء أكبر من خلاف. وأعمق من صفقة. كان مزيجًا بين اختبار قوى… واعتراف ضمني بين ذئبين يعيشان في غابة واحدة. قال ميخائيل بعدها، وعيناه تتفحصان المكان بحدة الذئب: «اخترت مكانًا مكشوفًا، لكنك محصّن من كل الجهات. تحب أن تظهر كأنك وحدك، بينما خلفك جيش.» ابتسم فاسيليف بسخرية: «وأنت جئت وحدك تمامًا، هذا يُثبت أنك إما واثق… أو مجنون.» اقترب ميخائيل خطوة. «الفرق بين الثقة والجنون؟» قال بصوت منخفض، وعيناه تلمعان: «أن المجنون يموت أولاً.» تبادل النظرات اشتد. لحظة، كأنها استمرت لعقود. ثم حرّك فاسيليف يده ببطء وأخرج سيجارًا جديدًا. «دعنا نتحدث، مالكوف. فقبل أن نطلق النار… لنسمع ما في جعبة الآخر.» أومأ ميخائيل. تقدم خطوة أخرى، وأخرج علبة فضية صغيرة فتحها ليكشف عن ولاعة نقش عليها شعار البراتفا. وأشعل بها سيجار فاسيليف. الشرارة اشتعلت بين لهب الولاعة… ولمعة العيون. وهنا بدأ اللقاء الحقيقي. جلس فاسيليف أخيرًا على مقعد معدني مائل قرب الحاوية، وأشار لميخائيل أن يجلس قبالته. لكن ميخائيل بقي واقفًا. لم يكن من طبيعته أن يجلس في أرض لا يملكها — ليس قبل أن يفرض وجوده أولاً. نفث فاسيليف سحابة دخان ببطء، وعيناه لا تفارقان ميخائيل: «سمعت أنك بدأت تتغير، مالكوف... أصبحت أقل قسوة، وأكثر هدوءًا. امرأة جميلة يمكنها أن تفعل هذا حتى بأخطر الرجال.» لم يجب ميخائيل. لكن عينيه ضاقتا قليلاً. أكمل فاسيليف بابتسامة جانبية: «إيزابيلا، أليس كذلك؟ الفتاة الإسبانية ذات العيون الهادئة... سمعت عن زفافكما، وسمعت أيضًا عن ما فعلته بليديا.» ابتسم ميخائيل أخيرًا، لكنها ابتسامة خافتة، لا تصل إلى عينيه. قال بصوت منخفض: «إذا سمعت عن ما فعلته، فالأفضل أن تتأكد ألا يحدث شيء مشابه لأحد من رجالك... أو نسائك.» ضحك فاسيليف، ضحكة قصيرة كأنها صفعة. ثم مالت ملامحه قليلاً إلى الجدية. «أنا لا أعبث، مالكوف. لكني أعرفك... أعرف الظل الذي تعيش تحته. وصدقني، أي رجل ذبح أمه بيده لن تغيره امرأة مهما كانت.» سكت ميخائيل لحظة. ثم اقترب ببطء، دون استعجال، وجلس أخيرًا أمامه. وقال: «أنا لم أتغير... أنا فقط أراقب من زاوية مختلفة.» أومأ فاسيليف بتقدير، ثم أخرج ورقة مطوية من جيبه ووضعها على الطاولة المعدنية الصغيرة التي تفصل بينهما. «هذه معلومات عن رجالك. أحدهم يحاول اللعب على الحبلين.» نظر ميخائيل إلى الورقة، لكنه لم يلمسها. «وأنت... لماذا تُعطيني إياها؟» قال فاسيليف، وهو يُشعل سيجاره مجددًا: «لأن الحرب بيني وبينك لا تليق بالخونة الصغار. إن كنت سأكسر البراتفا، فسأكسرها من الرأس... لا من الذيل.» ساد الصمت من جديد. ثم قال ميخائيل، وهو ينهض: «لا أحد يكسر البراتفا. من يحاول… لا يعيش ليحكي.» تقدم ببطء، والتفت بنصف جسده، نظر إلى فاسيليف نظرة أخيرة وقال: «سأخذ هذه الورقة. لكن تذكر، يا فاسيليف… عندما أعود، لن يكون بيننا طاولة.» وغادر بخطوات بطيئة… وصدى كلماته ظلّ عالقًا في الهواء البارد. خرج ميخائيل من المستودع، والورقة مطوية في يده. لم يفتحها، لم يحتج إلى قراءة الأسماء… بعد سنوات من الحكم والدم، كان يستطيع أن يشمّ الخيانة حتى لو اختبأت بين السطور. الهواء البارد ضرب وجهه حين خرج، لكن داخله كان أبرد. عيناه كانتا جامدتين، تفكيره يتقدم على خطواته. فتح باب السيارة، جلس خلف المقود، وأغلقه بهدوء. لكنه لم يشغّل المحرك مباشرة. أسند رأسه للخلف، وأغمض عينيه. الهدوء… هذه اللحظات الصغيرة من الصمت كانت نادرة. كأنها غصة معلّقة لا يستطيع بلعها أو لفظها. إيزابيلا. وجهها عاد يتسلل في رأسه… تلك النظرات التي لم تكن تحمل خوفًا، بل دهشة… وشك. اللحظة التي ضمّها إليه على السلالم حيث كادت تسقط… ثم تلك الليلة، حين نامت على كتفه. متى بدأت تكسر جداره دون أن يدرك؟ زفر بصوت منخفض. ثم فتح الورقة أخيرًا. الاسم الأول على القائمة: ليونيد سامارين. جفّ فمه. كان ليونيد أحد الذين كادوا يموتون لأجل البراتفا أكثر من مرة. أحد الذين قاتلوا بجانبه في ماضيه الدموي… بل وسُجن معه لبعض الوقت. خيانة ليونيد… لم تكن متوقعة. لكن في عالمهم، لا يوجد "غير متوقع". الجميع خاضع للضعف في لحظة، للسقوط في صفقة، للركوع تحت التهديد أو الطمع. ثبّت الورقة على المقعد، وأدار المحرك. قال بصوت خافت، موجهًا لنفسه: «إذًا، لنبدأ من الذيل… كما يريد فاسيليف.» وانطلقت السيارة في شوارع موسكو الباردة. تسلّل صوت العجلات فوق الإسفلت المبلل كهمس خافت، بينما قاد ميخائيل سيارته عبر الطرق الجانبية المعتمة متجهاً نحو إحدى الضواحي البعيدة عن صخب المدينة. الوجهة: مخبأ قديم كان يستخدمه ليونيد في مهام سرية منذ سنوات — لم يعتقد أنه سيعود إليه يومًا… إلا ليختبئ. عيناه كانتا مثبتتين على الطريق، لكن عقله كان مشتعلاً. ليونيد... كنت آخر من أتوقعه. كنتَ تعرف قوانيننا. تعرف ماذا يعني أن تخون البراتفا... وتخونني أنا. أوقف سيارته على بعد أمتار من المبنى الحجري العتيق. ترجّل ببطء. خطواته رصينة كعادته، كأن الأرض نفسها تنصت لوقعها. يداه في جيبي معطفه الثقيل، لكن أصابعه كانت تلامس مسدسه. المكان مظلم. لا حراسة واضحة. لا حماقة. تقدّم، تسلل من الباب الخلفي، ودخل بهدوء مميت. في الداخل… رائحة رطوبة وخيانة. أنفاس مكتومة، وأصوات خافتة. ثم… همسة. — «هل تعتقد أنه سيكتشف شيئًا؟» صوت ليونيد. ومعه صوت رجل آخر… غريب عن البراتفا. في ثوانٍ، كانت يد ميخائيل على المسدس. ودون تحذير، دَفع الباب بقدمه فانفتح بقوة، وظهر ظلّه الطويل ككابوس وسط الضوء الخافت للغرفة. سكت الحديث. تجمّد الرجلان. ليونيد شهق، وانكمش كرجل رأى الموت يقترب نحوه بخطوات مألوفة. قال ميخائيل بصوت كالفولاذ: — «هل تعتقد أنني سأرسل أحدًا غيري لتسوية هذا الأمر؟» تراجع الرجل الغريب للوراء بخوف، بينما سقطت الكأس من يد ليونيد وتحطّمت. لم يكن هناك وقت للكلمات. خيانة كهذه لا تُقابل بالحوار. أطلق ميخائيل النار على قدم الرجل الغريب أولًا — صرخة مزّقت سكون المكان، وبدأت الفوضى. ليونيد جثا على ركبتيه، يرفع يديه: — «ميخائيل… أرجوك… لم أقصد…» لكن نظرات ميخائيل كانت أبرد من رصاصة. — «أنت أول من تعلّم أن من يخون يُمحى.» ثم اقترب… ورغم صرخات التوسل، لم يرمش، لم يتردد. لحظة واحدة… كانت كافية لتبدأ الليلة في التحوّل إلى جحيم على الأرض. ـ عاد الليل يلفّ المدينة في عباءته الثقيلة، والسماء تمطر رذاذًا خفيفًا يغسل الشوارع من خطايا النهار. لكن لا مطر في هذا العالم قادر على غسل الدم عن يدي ميخائيل. قاد سيارته ببطء، مصابيحها تخترق العتمة أمامه، فيما انعكاس أنوار الطريق على الزجاج الأمامي يرسم ظلالًا متقطعة على وجهه المتجهم. ملابسه مضرّجة ببقع دم لم تجف بعد، رغم أنه خلع معطفه ولثّمه داخل المستودع. يداه على المقود، مشدودتان، لكن في عينيه صمت قاتم... ذلك الصمت الذي يسبق العاصفة دائمًا. الطريق إلى القصر لم يكن طويلًا، لكنه كان يشعر وكأنه يبتلع المسافات وهو غارق في صمته. ما يزال صوت صرخات ليونيد يرنّ في أذنه، وتوسلات الرجل الغريب تلاشت في خضمّ غضبه الأسود. كان يعرف جيدًا أن هناك من سيرسل تقريرًا، أن هناك من سيتحدث... لكنه لم يهتم. الخائن قد دُفن، والرجل الآخر... سيعيش بعاهة. رسالة واضحة، بلغة لا يجيدها سوى من وُلدوا وسط الدماء. وصل بوابة القصر دون أن يشعر، ولم يكن هناك من يجرؤ على فتح فمه حين ترجّل من السيارة. رجال الحراسة تبادلوا النظرات في صمت مرعب. الزعيم يعود... ووجهه لا ينذر بخير. خطا بثبات إلى الداخل، دون أن يلتفت لأي أحد. الضوء الخافت في الممرات ينعكس على شعره الأسود وسترته المفتوحة، التي تلطخت أطرافها ببقع من دم داكن. كل من رآه، تراجع تلقائيًا… بخطوات صغيرة، كمن يعرف أن اقترابه سيكون ثمنه غاليًا. صعد الدرجات ببطء، يده على الدرابزين. لم يكن متعبًا… بل كان هادئًا على نحو خطير. لكنه يشعر بشيء داخله… لم يكن هناك منذ زمن. تلك النظرة التي ألقتها عليه إيزابيلا آخر مرة قبل أن يغادر، لا تزال عالقة في ذهنه. لم تقل له شيئًا، لكنها كانت تنظر إليه وكأنها ترى ما خلف وحشيته. هل سترى هذا الدم إن اقترب منها؟ هل ستبتعد…؟ حين وصل للطابق العلوي، توقف أمام جناحها. لم يطرق الباب. لم يدخل. اكتفى بالوقوف هناك، ينظر إلى المقبض. يفكر… ــ دخل ميخائيل جناحه بصمت ثقيل. أغلق الباب خلفه ببطء، وأسند ظهره إليه للحظات، كأن الجدران وحدها قادرة على استيعاب ما يحمله داخله. نظر حوله إلى الغرفة الواسعة، الفاخرة… لكنها باردة، خالية من الحياة. المكان لم يتغير، لكنه بدا له فجأة أكثر وحشة. بدأ يخلع سترته بصمت. الدم جف على أطراف القماش، ورائحة الحديد العالقة بأنامله لم تكن غريبة عليه… لكنها أثقل الليلة. فتح أزرار قميصه واحدة تلو الأخرى، حتى كشف عن جسده الموشوم، المترسّب عليه تاريخ لا يُمحى. وشمُ الذئب القابع على صدره، ووشوم أخرى تُخبر بحياته قبل الزعامة… قبل الجزار. تحرك إلى الحمّام، وفتح صنبور الماء الحار حتى امتلأ الجو ببخار كثيف. وقف تحت الماء، ساكنًا… لم يتحرك. الماء انسكب فوق كتفيه، وبدأ ينحدر ببطء على جسده، ممزوجًا بآثار الدم… حتى تحوّلت أرضية الدش إلى ظل أحمر باهت. أغمض عينيه. لم تكن الدماء التي تزعجه… بل الشعور الجديد الذي بدأ يتسلل إليه بهدوء قاتل. شعور غريب… كأن روحه بدأت تستيقظ من سباتٍ طويل، وكأن وجودها قرب إيزابيلا بدأ يحرك شيئًا كان دفنه بيده منذ سنين. لكن… هل يملك رفاهية هذا التغيير؟ هل يُسمح للذئب أن يتحوّل إلى رجل؟ أم أن الذئاب تُذبح إن أظهرت الضعف؟ فتح عينيه ببطء… وامتدّت يده تمسح الماء عن وجهه، ببطءٍ يشبه قراره… خرج ميخائيل من الحمّام بعد أن ارتدى بنطالًا داكنًا وقميصًا أسود بسيط، فتح أزراره العلوية وهو لا يزال يمسح خصلات شعره المبللة بمنشفة صغيرة، وخطاه تتباطأ قليلًا بينما يتقدم داخل جناحه الذي غمره صمت كثيف. وقف أمام النافذة الكبيرة، أزاح الستائر بيده… الليل لا يزال يرخي سدوله على موسكو، المدينة التي تنام بعينٍ واحدة، وعينٍ أخرى ترقب الوحوش التي تمشي في الظل. يداه خُشنتان، ثقيلتان من كل شيء… لكن هناك ارتخاء بسيط في كتفيه، وكأن الماء قد غسل شيئًا من التوتر الذي كان يثقل صدره منذ صباح الأمس. أشعل سيجارة بهدوء، وأخذ نفسًا عميقًا وهو يتأمل الظلام الممتد خارج القصر. لكن عينيه، رغم السكون، لم تكن هناك. بل في جناحٍ مجاور، تفصله عنه جدران… لكنه بات أقرب إلى قلبه من كل شيء آخر في هذا القصر. إيزابيلا… اسمها مرّ في خاطره كأنفاس دخان، خفيف… لكنه لا يزول. هو لا يفهم بعد، ولا يحاول أن يُقنِع نفسه، لكن هناك شيء تغيّر. هي لم تعد مجرد ورقة في اتفاق… لم تعد مجرد ابنة عدو سابق… ولا زوجة تحت سقف بارد. هي… تُربكه. وتلك الفكرة وحدها تكفي لتوقظ وحشًا من الداخل، لا يعرف كيف يتعامل مع الارتباك إلا بالقوة. رمى سيجارته في المنفضة، لكنه توقف. لماذا يفكر في الذهاب إليها الآن؟ لم يقل شيئًا، لم يعدها بشيء، لم يفتح لها قلبه… لكنّه يعرف — يعرف تمامًا — أن في قلبه ارتعاشًا خفيفًا إذا لم يرَ عينيها قبل النوم. تنفس بعمق، وأدار وجهه عن النافذة… لا يزال الليل طويلًا. خطا ميخائيل خطواته الثقيلة خارج جناحه. لم يكن بحاجة أن يفكر كثيرًا، فالجناح الآخر كان يسكن ذهنه أكثر من المكان الذي خرج منه. صمت الممرات لم يزعجه. كان الظلام مألوفًا له، والسكون حليفًا منذ سنين. لكن الليلة… كان يحمل داخله اضطرابًا لا يشبهه. وصل إلى جناحها. لم يطرق الباب، لم يتردد. ودلف بهدوء. الأنوار خافتة، وغرفة الجلوس شبه مظلمة. سمع خفق أنفاسها الخفيفة، فقادته قدماه ناحية الداخل. كانت نائمة فوق الأريكة الكبيرة، مغطاة ببطانية خفيفة. شعرها انسدل على الوسادة، ووجهها هادئ كأن لا شيء في هذا العالم يمكنه أن يجرحها. لكنها بدت صغيرة جداً، وضعيفة. توقف ميخائيل في مكانه، لم يتحرك. فقط… نظر. شيء ثقيل ضغط على صدره. تلك الفتاة التي دخلت عالمه باتفاق دم، صارت الآن جزءًا من عالمه ببطء غريب. لم تكن فقط "الزوجة الإسبانية"... صارت شيئًا آخر. اقترب منها ببطء، حتى صار واقفًا قرب رأسها. انحنى قليلًا، ثم جلس على الأريكة إلى جوارها، صامتًا، لا يريد إيقاظها. يده امتدت لا إراديًا، أزاح خصلة من شعرها عن وجهها، لمسته أنامله بخفة، وكأنها ستذوب لو لمسها بقوة. ثم تنهد. — "ماذا تفعل بي...؟" قالها همسًا، لا يتوقع ردًا. فقط تركها تتردد في صدره. أسند ظهره للأريكة، ومدّ ذراعه على حافة الوسادة التي تنام عليها، كأن جسده يحرسها من بعيد. إن كانت لا تشعر بوجوده، فهو يشعر بوجودها أكثر مما اعتاد أن يشعر بأي إنسان. جلس ميخائيل إلى جوارها صامتًا، ورأسه يسند إلى حافة الأريكة خلفه، لكن عينيه ظلّتا مفتوحتين تحدّقان بالسقف. لم يكن قادرًا على النوم. بل لم يكن راغبًا في النوم. كان هناك شيء… غريب. شيء لم يعتده. هدوءٌ غير مألوف يتسلّل إلى جسده. سكينة خفيفة تحوم حوله، وكأن شيئًا خافتًا يربت على صدره بعطف. نظر إليها مجددًا. ملامحها ناعسة، أنفاسها متزنة. حتى وهي نائمة، كانت تبثّ في قلبه ارتباكًا لا يشبه ارتباك الحرب، ولا خيانة الرجال، ولا حتى ذكريات السجن… كان مختلفًا. هل يتعلق الأمر بها؟ أم بهذا الجناح؟ هذه الأريكة؟ هذا الصمت؟ تنفّس بعمق. لا، هو لا يهرب من الإجابة، هو فقط… لا يريد أن يواجهها الآن. رفع يده ببطء، تمرّدت أصابعه نحو وجنتها، لم يلمسها… فقط توقف قُربها، يراقب ارتجافة نفسها الطفيفة. شيء بداخله تحرك. إحساس غير مألوف، يجعله غير قادر على الابتعاد. أراد أن يعرف الحقيقة، أن يفهم. لذا نهض بهدوء، ثم انحنى نحوها بحذر شديد، مدّ ذراعيه القويتين، ورفع جسدها الصغير من على الأريكة كما لو أنها أثمن شيء حمله في حياته. استند رأسها إلى صدره دون وعي، ويدها انسابت فوق صدره بحركة غريزية. توقف أمام باب جناحها لحظة، ثم فتحه وغادر. خطواته كانت واثقة، لكنه كان يشعر بثقل غير معتاد في صدره. لم يكن الثقل من جسدها، بل من المشاعر التي لم يعرف لها اسمًا حتى الآن. مرّ بالممرات دون أن يصدر أي صوت، حتى وصل إلى جناحه لأول مرة وهو يحملها بين ذراعيه. دفع الباب برجله، دخله وأغلقه بهدوء. الغرفة كانت غارقة في الظلال، لم يشعل الضوء. اتجه مباشرة نحو سريره الكبير، ومددها هناك فوق الفراش الواسع، بحرص وكأنه يضع طفلًا هشًا فوق زجاج رقيق. بقي لحظة يتأملها… ثم أزاح الغطاء ولفّه حولها بحنان لم يتعمده. ثم جلس إلى جوارها على حافة السرير، كتفه منحني للأمام، وذقنه فوق قبضته. هل الأمر يتعلق بها…؟ أم بهذا الإحساس الغريب الذي لم يختبره في حياته؟ هل أصبح جناحه هادئًا… لأنها هنا؟ ظلّ ينظر إليها، ثم تمتم همسًا: — "إذا استمر هذا الهدوء... سأعرف الإجابة." ثم أسند ظهره للخلف ببطء، رأسه إلى لوح السرير، وساقاه امتدتا على الأرض. لم يبتعد كثيرًا، لم يغادر. بقي فقط… يحرسها. لبث ميخائيل جالسًا إلى جوارها للحظة، رأسه يتكئ على قبضة يده، وصدره يرتفع ويهبط بأنفاس ثقيلة. لم يكن التعب ما ينهكه، بل ذلك الصمت… الصمت الذي تخلله دفء لم يعرفه، صمتها، نومها… وجودها في جناحه، على سريره. شيء ما تغيّر… شيء لم يعد كما كان. رفع نظره نحوها، عينيه تتأملان تفاصيلها بهدوء، نظرة لا تحمل شيئًا من قسوته، بل شيء آخر… نظرة رجل لا يفهم نفسه. ثم، وكأن جسده اختار دون وعي، مدّ يده نحو الوسادة المجاورة لها، وسحب الغطاء قليلاً عن جسده، ثم انسلّ ببطء إلى جوارها. لم يلمسها. بل استلقى على ظهره، يترك بينه وبينها فراغًا صغيرًا، لكنه شعر به كأنه محيط. أنفاسه كانت أهدأ مما عرفها، صدره أخيرًا لا يضجّ بالحرب، بل بشيء آخر، بشيء يشبه… السلام. حاول إغماض عينيه، لكنّه بقي لحظة يحدق في سقف الغرفة. من كان يتخيّل؟ أن أنام وأنا لست وحدي؟ أن يهدأ الليل فوق صدري بهذه الصورة؟ استدار برأسه قليلًا، يراها مغمضة العينين، ملامحها هادئة كطفلة. اقترب منها شبرًا، فقط شبرًا… ثم همس وكأن صوته لا يجب أن يصل حتى إليه: — "لو كانت أمي بقيت وفية… هل كنت سأعرف هذا الهدوء يومًا؟" لكنّه لم ينتظر إجابة. بل أغلق عينيه أخيرًا… وترك جسده يستسلم لنومٍ لم يعرفه منذ سنوات. نومٌ بجوار امرأة… لم يخترها بقلبه، لكنها بدأت تطرق أبوابه دون استئذان.استيقظت إيزابيلا متأخرةً، إن جاز تسميته استيقاظًا، فهي لم تنم، بل انتقلت من حالة وجع صامتة إلى أخرى.جلست على السرير، لم تطلب شيئًا، لم تتحدث، رفضت الاستحمام، ورفضت الفطور.ماريسا دخلت إليها بكوب شاي وبعض الخبز، جلست أمامها، وقالت بلطف:"عليكِ أن تأكلي شيئًا، إيزابيلا… جسدك بحاجة للطاقة."لكنها لم تجب.كانت تنظر إلى الفراغ بعينين لا ترى، لكن في داخلهما ألف سؤال، ألف مشهد، ألف دمعة مجمدة.وضعت ماريسا اللقمة الأولى على فمها، ولولا الضغط الخفيف على فكها لما فتحت فمها.أكلت ثلاث لقيمات، ثم أدارت رأسها بعيدًا… كأنها تقول:"كفى، هذا أكثر مما أحتمل."اليوم الثالث.لم تعد تجيب على أي مكالمة.حتى حين اتصل بها ديمتري، أجابت ماريسا، وأعطتها الهاتف.قال ديمتري، صوته حازم لكن خافت:"هو لا يزال يقاتل، إيزابيلا. ميخائيل عنيد، تعرفينه… لن يرحل قبل أن يعود إليكِ."لكنها لم ترد.حتى لم تهز رأسها.فقط كانت تمسك الهاتف بين أصابعها ثم أعادته إلى ماريسا دون كلمة.قالت ماريسا حينها:"صوته وحده… كان يكفيكِ سابقًا لتبتسمي، ما الذي تغير؟"قالت إيزابيلا، بصوت هامس:"أنه لم يعد هنا."اليوم الخامس.رفضت الذهاب إل
كانت الساعة تجاوزت منتصف الليل، والبيت ساكن كما لم يكن من قبل.بوابة القصر فُتحت دون أن يصدر عنها صرير، والسيارة السوداء دخلت الحديقة ببطء، كأنّها لا تريد إيقاظ الأشجار.في الداخل، خرج ميخائيل من السيارة دون أن يتحدث، وجهه كان مظللًا… الأنوار الخافتة انعكست على زر سترته، لكنه بدا كأنّه عاد من دفنٍ، لا من استجواب.في عينيه… لم يبقَ حوار. كل شيء داخله أصبح قرارًا.صعد السلالم بخطوات صامتة، وقف عند باب الجناح، لم يدخل فورًا.مد يده، فتح الباب بهدوء، ليجد ماريسا قد نامت على الكنبة، وإيزابيلا لا تزال مستلقية، كأنها تنتظر، كأن قلبها لم يسمح لها أن تنام إلا على صوته.اقترب، دون أن يصدر صوتًا، جلس على طرف السرير، ثم تنهد بصمت… ووضع يده على معصمها، بلطف.فتحت إيزابيلا عينيها. رغم الظلام، شعرت به.همست:"أنت عدت."لم يجب.لكن كفّه انتقل إلى شعرها، مرّ عليه ببطء…وهو لا يزال لا يقول شيئًا.ثم نطق، كلماته خرجت مثل طلقة:"رافائيل… كان مجرد أداة."شهقت أنفاسها، لكنها لم تتكلم.تابع، صوته هادئ… لكنه مثقل بثقل الحديد:"التي حملت السكين إلى يده… كانت داريا."أغمضت إيزابيلا عينيها، كأن كل شيء سقط في مكا
فتح باب الشرفة بهدوء، ودخل الهواء البارد إلى صدره كطعنة طويلة، لكنه لم يزفر.وقف مكانه، محدقًا في اللاشيء، والمدينة تمتد تحت قدميه… صاخبة، لكن لا أحد يسمع ما يحدث في صدره.مدّ يده ببطء إلى الجدار، أسند كفه، ثم جبينه.أنفاسه خرجت من أنفه ببطء… كأن قلبه يئن… دون أن يشتكي.لم يكن غاضبًا بالصراخ.ميخائيل لا يعرف الصراخ.هو لا يصيح… بل ينفجر من الداخل، لكن بصمت قاتل.في رأسه، كانت داريا تتحرك كصوت قديم يعرفه جيدًا… لكن لا يعرف كيف يُسكته."رسالة واحدة، صوت واحد، يكفي ليزرع الحذر في قلب إيزابيلا."هي لا ترى، لكنها تشعر. وكل شعور… داريا تعرف كيف تُسممه.أغمض عينيه، ورأى المشهد:إيزابيلا، على السرير، تتلقى كلمات لا تعرف لها وجهًا، لكنه… يعرفه جيدًا.داريا لم تذهب إلى مدريد فقط لتراقب، هي جاءت لتفعل ما لم تستطع فعله في روسيا.أن تخترق من يحب… دون أن تمسّه.تراجع خطوة، ثم أخرج هاتفه.ضغط الرقم، اتصال مباشر:"ديمتري."جاء صوت أخيه من الطرف الآخر، متأهبًا:"هل تريدني أرسل رجالًا لها؟"ردّ ميخائيل بصوت خافت، لكن كل كلمة كانت مشبعة بالغضب المكبوت:"لا. داريا ليست في خطر. داريا هي الخطر."ثم تابع:"
كان المركز هادئًا هذا الصباح، الاستقبال مضاء بنور ناعم،والممرات خالية تقريبًا، كأنّ الصباح نفسه قرر أن يتنفس ببطء… ليمنحها فرصة للتقدّم.دخلت إيزابيلا ممسكة بذراع ميخائيل، خطوتها الأولى كانت بطيئة، لا من الخوف، بل لأنها أرادت أن تشعر الأرض تحتها.هو لم يتكلم، لم يدلها، لم يوجّهها…فقط كان يمشي إلى جانبها، يده تمسك بكفّها، وأصابعه تُرسل نبضًا هادئًا تحت جلدها:"أنا هنا… أنا لن أترككِ."في غرفة العلاج، جلست على المقعد المخصص، ظهرها مستقيم، وجسدها مشدود بتوتر خفيف.أخصائية العلاج، شابة في منتصف الثلاثينات، تحدثت بهدوء وهي تضع ملفًا صغيرًا على الطاولة:"اليوم، سنبدأ بتحفيز الإدراك الحسي من خلال الحركة البطيئة في البيئة. الهدف هو أن تعتمدي على السمع واللمس لتخطيط المساحة."أومأت إيزابيلا برأسها.صوتها لم يخرج، لكنها أمسكت بيد ميخائيل لحظة، ثم همست:"ابقَ… ولا تقل شيئًا، فقط… كن هنا."نظر إليها، ورغم أنه لم يتعوّد على هذا الدور، على الجلوس صامتًا بينما من يُحب يتألم أمامه دون أن يتدخل، لكنه فقط أومأ… ثم جلس على الكرسي المقابل، يداه مشبوكتان، ووجهه… مشدود الصمت.بدأ التمرين.وضعت الأخصائية
السماء في مدريد كانت رمادية، لكن لا تمطر.الهواء معتدل، وحفيف الأشجار في الطريق الطويل المؤدي إلى القصركان يُحدث صوتًا متقطعًا يشبه الهمس... كأن الطبيعة تُرحّب بحذر.تحركت سيارات آل روستوف داخل البوابة الرئيسية للقصر،بوابة من الحديد الأسود، تتوسطها الحروف الأولى من اسم العائلة محفورة بزخارف فخمة.في السيارة الأمامية، جلس أليخاندرو إلى جوار ابنته إيزابيلا، التي كانت تضع يدها على النافذة المغلقة، كأنها تتحسس الأصوات من الزجاج.قال بهدوء، وهو يُراقب الطريق داخل القصر:"اقتربنا... خمس دقائق فقط، وستكونين في غرفتك."لم تُجب.لكن أصابعها انزلقت ببطء على الزجاج، ثم سحبت يدها إلى حضنها.جلس خلفها فرانسيسكو، يُحدق بظهر مقعدها، وكأن شقيقته... أصبحت امرأة لا يعرفها تمامًا.هادئة جدًا، ساكنة جدًا، لكن داخله يعرف:البركان لا يهدأ... بل ينتظر.وصلت السيارة إلى البهو الخارجي، أمام القصر المبني من الحجر الكريمي اللون، والنوافذ الواسعة ذات الشرفات الحديدية.الواجهة ذاتها، التي اعتادت إيزابيلا أن تركض نحوها في طفولتها... اليوم لا ترى منها شيئًا، لكنها سمعت الصدى... وتذكرت.توقفت السيارة. فتح السائق ا
في صباح اليوم التالي، كان الضوء الشتوي يتسلل إلى أروقة المشفى من خلف النوافذ الزجاجية الكبيرة، لكنه لم يصل إلى الغرفة رقم (٤).هناك… النور لم يعد يعني شيئًا.داخل الغرفة، كانت إيزابيلا ممددة بهدوء تحت البطانية البيضاء.وجهها شاحب، وأنفاسها بطيئة لكن منتظمة.الأجهزة من حولها لا تزال تومض وتنبض، لكنها لم تكن مستيقظة تمامًا… ولا نائمة تمامًا.كانت تُبقي عينيها مغمضتين أغلب الوقت، لكن بين الحين والآخر، تفتح جفنيها المرتبكين… ولا ترى شيئًا.في كل مرة تستيقظ، تبدأ التنهيدة، ثم يتبعها ارتباك، ثم نبض متسارع، ثم همسة حائرة:"لماذا… لماذا لا أرى؟"وحين يبدأ نبضها في الارتفاع، ويتغير تنفسها، يتدخل الطبيب أو الممرضة… يُحقن في وريدها القليل من المهدئ،فتغرق مجددًا في سُبات مرّ، ليس فيه أحلام… فقط صمت يشبه الفقد.ميخائيل لم يُغادر. بقي على كرسيه ذاته، ثابتًا كأنه جزء من الحائط. لم يكن يتكلم، لكنه كان يُراقب كل شيء.كل مرة تفتح عينيها، يقف على قدميه، يتقدم خطوة، لكنها لا تراه.تُدير وجهها ناحية صوته حين يناديها… لكن عينيها تبقيان ساكنتين في السواد.في أحد المساءات، همست بصوت منهك:"هل سأبقى… هكذا؟"
مرّت أكثر من ساعتين منذ دخولها غرفة العمليات، ولم ينطق أحد بكلمة طوال ذلك الوقت.حتى داريا، التي كانت دائمًا الأسرع إلى الحديث، بقيت حبيسة مقعدها، لا تتحرك، لا ترفع وجهها، ولا تُجيب على نظرات صوفيا التي لم تعد تدري أين تضع قلقها.ميخائيل، بعيد عن الجميع، جلس ساكنًا.جسده أماميًا، راحته على ذقنه، لك
كان ضوء الفجر الرمادي يتسلل عبر الستائر الثقيلة، ينتشر بخجل فوق الجدران الحجرية، ويغمر أطراف السرير الضخم بدفء خافت.إيزابيلا استيقظت أولاً.كانت على جانبها، ظهرها إلى صدر ميخائيل، وذراعه ملتفة حول خصرها، ثقيلة… لكنها لا تُقيدها. بل تُطمئن.تنفست ببطء.أغمضت عينيها مجددًا للحظة، ثم فتحتها بهدوء.ت
صباح اليوم التالي كان رماديًا كالمعتاد، لكن القصر بدا أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.كأن الجميع يمشي على أطراف أصابعه، بينما الفراغ الذي تركه بوريس لم يُملأ بعد.في جناحها، كانت داريا قد استيقظت مبكرًا.ارتدت فستانًا بسيطًا بلون كحلي داكن، وشعرها مُسرّح بدقة غير معتادة،عيناها مرآة راكدة لا تظهر ما خلف
السماء فوق المقبرة كانت رمادية، بلا شمس، بلا زرقة،كأنها هي الأخرى دخلت في حدادٍ صامت.هواء الصباح بارد، يحمل في طياته رائحة تراب رطب وذكرياتٍ مثقلة بالألم.الثلج لم يسقط، لكن الأرض كانت ما تزال تئنّ تحت وطأة الأمس.في وسط المقبرة، حيث الاصطفاف المعتاد، وقف عدد من رجال العائلة، الحرس، والكهنة الأرث







