Share

8

last update Petsa ng paglalathala: 2026-06-08 07:21:22

تقدّما بخطى ثابتة داخل القاعة الواسعة. كانت الإضاءة خافتة وأنيقة، تنعكس على الأرضية السوداء اللامعة، وتُضفي على الجو رهبة متعمدة. رائحة السيجار الراقي امتزجت بعطرٍ ثقيل قادم من المقاعد الأمامية، حيث كان يجلس عدد من الرجال ذوي الوجوه الجامدة والعيون المتفحصة.

كان الجو داخل القاعة مختلفًا عمّا توقّعته. المكان لم يكن مجرد غرفة عشاء فاخرة—بل كان مشهدًا مرسومًا بعناية لعالم لا يرحم. رجال ونساء من طبقة السلطة المظلمة، وجوه مألوفة لبعضهم، وأخرى جديدة تراقب بتربص. بعضهم قادة عصابات، آخرون رجال أعمال بواجهات نظيفة وقلوب غارقة في الجريمة، وكلهم يرتدون تلك الأقنعة الاجتماعية التي تُخفي شيئًا أشد من الرصاصة وأكثر فتكًا.

كانت يد ميخائيل ثابتة على ظهرها، يوجّهها نحو الطاولة المخصصة لهما، وكل من في المكان ينتبه إليهما. ليس فقط لأنه "الباخان"، بل لأنها هي، الإسبانية التي أخذت مكانًا لم يكن لها، والتي يتناقل عنها الحضور همسات مشككة.

وفي تلك اللحظة، وقعت عينا إيزابيلا على وجه مألوف... شابة ذات شعر بني غامق وشفاه دقيقة ملتوية بسخرية مألوفة. ليديا، ابنة سيرجي نيكولايف. ذات الفتاة التي حاولت إهانتها يوم الزفاف باللغة الروسية، فصُدمت حين ردت عليها إيزابيلا بطلاقة جعلت الإهانة ترتدّ عليها.

ليديا كانت تقف بجوار والدها سيرجي، يتحدثان إلى امرأة أخرى، لكن نظراتها توقفت عند إيزابيلا بثبات. التوتر الصامت بينهما كالشرر، لا يُرى، لكنه موجود بقوة.

اقترب رجل في منتصف العمر، ممتلئ الجسد، يحمل بيده كأسًا من النبيذ، وابتسامة واسعة. مدّ يده نحو ميخائيل أولاً، ثم اتجه نحو إيزابيلا قائلاً:

"شرف لنا، سيدة مالكوف. الجمال الإسباني يشع أكثر مما قيل."

لكن قبل أن ترفع يدها للرد، كانت يد ميخائيل تمتد بهدوء وتحول دونها. قال بنبرة جامدة:

"زوجتي لا تُصافح."

كانت جملته نهائية، غير قابلة للنقاش. الرجل ضحك محرجًا، وتراجع بخطوة. أما إيزابيلا، فاكتفت بإيماءة صغيرة، وصوتها هادئ حين قالت:

"لكنها تستمع جيدًا، وتُقدّر من يحترم المسافة."

ردّها نزل بردًا وسخرية ناعمة، جعلت بعض من حولهم يلتفتون إليها باهتمام خفي، وحتّى ليديا أمالت رأسها قليلاً كأنها تعيد تقييم خصم لم تحسبه جيدًا.

جلس ميخائيل بعدها، وساعدها على الجلوس بجانبه، ثم انشغلا في الأحاديث الدائرة. هي صامتة لكن عيناها تسجلان كل شيء. لغة الجسد، همسات جانبية، تبادل النظرات، والترتيب الخفي للسلطة على الطاولة.

كان واضحًا أن هذا العشاء ليس مجرد مناسبة اجتماعية. كان اختبارًا لها... ولحضورها.

سكنت إيزابيلا في مقعدها، ظهرها مستقيم، نظراتها ثابتة، وكل حركة من حولها كانت تُراقب بعين خبيرة. بدا المشهد على السطح وكأنه حفل عشاء أنيق، لكن بين الكلمات الملقاة والمجاملات الناعمة، كان هناك شيء أعمق... أشبه باجتماع غير معلن للسلطة، والاختبار بدأ.

جلس ميخائيل إلى جوارها، هادئًا كعادته، لكن حاد النظرات. صوته منخفض، حين تحدث مع رجل بجواره:

"العقود وصلت من الميناء؟"

رد الرجل دون أن يلتفت إليها:

"نعم، وصلت هذا الصباح. هناك بعض المشاكل في التفتيش، لكننا نعمل على إسكاتها."

تابعت إيزابيلا الحديث دون أن تنبس بكلمة، وهي تمسك كأس الماء بين أصابعها، لا تجرعه، بل تراقب تموجه حين تلمسه أصابعها بلطف. إلى اليمين، كانت صوفيا تتحدث مع امرأة ترتدي فستانًا أسود لامعًا، فيما كانت داريا تتظاهر بالابتسام، لكنها لا تنفك تنظر نحو إيزابيلا كل بضع لحظات.

ثم جاء صوت سيرجي نيكولايف من الطرف الآخر للطاولة، وهو يوجه حديثه إلى ميخائيل:

"سمعت أن الباخان أصبح أكثر لطفًا منذ زواجه."

ضحك بعض من الجالسين، لكن ميخائيل لم يبتسم. بل قال ببرود:

"أحيانًا، الهدوء ليس لطفًا بل تركيز."

إيزابيلا لم تلتفت، لكنها شعرت بنظرات ليديا تُحفر في جانب وجهها. رفعت عينيها ببطء نحو الفتاة، والتقتا للحظة. كانت تلك النظرة طويلة بما يكفي لتقول كل شيء دون كلمة.

إيزابيلا ردت بنظرة ثابتة، بلا تراجع. أما ليديا، فقد تظاهرت بعدم الاهتمام، لكنها أشاحت بنظرها أولاً.

ثم التفتت إيزابيلا نحو ميخائيل وقالت بهدوء:

"عشاء مفعم بالمجاملات... والسكين تحت المائدة."

رمقها للحظة، بنظرة جانبية، قبل أن يقول دون أن ينظر إليها:

"تعلمين كيف تقرئين الغرف. هذا جيد."

أجابت بهدوء:

"حين تُلقى بكِ في قاعة مليئة بالذئاب، إما أن تفهمي لغتهم، أو تكوني وجبتهم القادمة."

ميخائيل لم يعلق، لكن شيئًا في عينيه تغيّر، كأنها قالت ما لا يتوقعه أحد.

كانت الأضواء المعلقة في السقف تعكس بريقها على الكؤوس الفضية والصحون المزينة بخيوط ذهبية، أما الهمسات... فكانت تدور في الهواء كما لو كانت نسيجًا خفيًا يحكم كل شيء في القاعة.

تبادل الرجال النظرات والتلميحات، وتبادلت النساء الابتسامات المغلّفة بالسمّ. أما ميخائيل، فكان هادئًا، يراقب بعين الصياد، وفي كل مرة يُحدثه أحد، تكون كلماته قليلة، لكنها تُحسب بالحرف.

إيزابيلا جلست بهدوء، لا تتكلم كثيرًا، لكنها كانت تشعر أن عيونًا كثيرة تحاول اختراقها.

اقتربت قليلًا من ميخائيل، وهمست:

«ليديا تنظر إليّ منذ عشر دقائق، وكأنها تنتظر أن تلتهمني.»

ابتسم بخفة دون أن يلتفت نحوها، وقال بصوت بالكاد يُسمع:

«لديها شهية سيئة، تختار دائمًا الفريسة الخطأ.»

رمقته بنظرة جانبية، ثم شردت عيناها للحظة، قبل أن ترد:

«لكنك تعرف أنني لست فريسة.»

نظر إليها الآن، مباشرة، وعيناه فيها شيء غير قابل للقراءة، كأنها ظلال لشيء لم يُكشف بعد.

«أعلم.»

مرّ نادل بينهما، يضع طبقًا جديدًا أمامها، لكن إيزابيلا لم تُلقِ عليه نظرة، كانت تحدّق في أحد الرجال على الطرف الآخر للطاولة، كان يتحدث همسًا مع سيرجي نيكولايف وينظر إليها بين الكلمات.

اقتربت أكثر من ميخائيل وهمست من جديد، كلماتها واثقة، هادئة:

«الرجل الذي على اليمين... ينظر إليّ كمن يختبر شيئًا. من هو؟»

ردّ دون تردد:

«فيتالي. تاجر أسلحة صغير، يحاول اللعب مع الكبار... ويبدو أنه لا يعرف مع من يجلس الليلة.»

قالت بهدوء بارد:

«إذا أراد الاختبار، عليه أن يعرف أن بعض الأوراق لا تُكشف إلا بعد فوات الأوان.»

ميخائيل أمال وجهه نحوها قليلاً، وهمس لها كمن يفاجأ بالحقيقة:

«أنتِ لستِ كما ظننت في البداية.»

ردّت دون أن تنظر إليه:

«ولا أنت.»

صمت بينهما طال قليلاً، لكن في داخله كان حديثًا أعلى من كل الضجيج.

فجأة، ساد هدوءٌ جزئي في الطاولة، حين أعلن أحد الرجال نخبًا بصوت مرتفع:

«للباخان، وزوجته الشجاعة!»

رفعت الكؤوس، لكن إيزابيلا لم ترفع كأسها، فقط نظرت نحو ميخائيل، وقالت همسًا:

«لماذا كل هذا التظاهر، ميخائيل؟»

فرد دون أن يرمش:

«لأن كل من على هذه الطاولة ينتظر خطأ صغيراً ليبدأ العواء.»

نظرت نحو الطاولة... ثم رفعت كأسها أخيرًا، ببطء، لكنها لم تشرب، فقط قالت ببرود:

«لأجل الذئاب... وآكليها.»

امتد العشاء وسط ضجيجٍ خافت من الحديث، أصوات السكاكين تلامس الصحون، وضحكات مصطنعة تتسلل بين فترات الصمت الثقيلة. كانت الطاولة طويلة، محاطة برجال السياسة، والتجار، والوجوه التي لا تظهر إلا حين تُعقد الصفقات الكبرى.

ميخائيل جلس في رأس الطاولة، وذراعه مسترخية على جانب كرسيه كما لو أنه لا يهتم بشيء... لكنه كان يرى كل شيء.

أما إيزابيلا، فجلست إلى جانبه بهدوء حذر، نظراتها تنتقل بين الحضور دون أن تتورط في شيء. تحفظها لم يكن ضعفاً، بل حصنًا تصنعه عن وعي.

سيرجي نيكولايف قال بنبرة مشوبة بالسخرية وهو ينظر نحوها:

«أظن أن الزواج بدأ يُلين قلب الباخان، رأيناه الليلة أكثر... دفئًا من المعتاد.»

ضحك بعض الحضور بخفة، بينما بقي ميخائيل على حاله، ثم رفع عينيه وقال ببرود:

«الأسود لا تتحول لقطط... حتى لو جلست إلى جوار الحرير.»

ثم مد يده، أخذ الكأس أمامه ببطء، وقال بصوت أكثر عمقًا:

«لكن أحيانًا، حتى الأسود تحتاج إلى شيء... يُبقيها يقظة.»

إيزابيلا لم تعلق. فقط التفتت نحوه قليلاً، وعيناها تعكسان فهمًا داخليًا لما وراء الكلمات.

ثم قالت بهدوء، أمام الجميع:

«وأحيانًا... تحتاج الأسود إلى تذكير بأنها لا تلتهم من يجلس بجانبها، بل من يحاول أن يطعنها في الظلام.»

ساد الصمت لثوانٍ.

نظرة قصيرة جرت بين ميخائيل وسيرجي. كان في صمت الباخان تهديد مكتوم، وفي كلمات إيزابيلا... إشارة أنها تعرف كيف تلعب اللعبة.

داريا، التي جلست على الطرف الآخر، شدّت شفتيها بغيظ واضح وهي ترى الإعجاب الخفي في أعين بعض الحضور تجاه جرأة إيزابيلا.

وصوفيا – والدة داريا – كانت تراقب بدقة، كمن يسجّل نقاطًا في معركة لم تبدأ بعد.

همس أحد الرجال لزميله الجالس بجانبه:

«ابنة روستوف ليست سهلة كما توقعوا...»

بينما أكمل ميخائيل العشاء بهدوء، قطع قطعة من اللحم بسكينه ثم نظر إلى إيزابيلا وسأل بخفوت:

«كيف هو طعام الذئاب؟»

ردت بصوت منخفض، بالكاد يُسمع:

«مضبوط الطهو... لكن الرائحة هنا كلها دم.»

مرّت ساعة ونصف منذ بداية العشاء، والضجيج داخل القاعة ازداد حدّة. تعالت الضحكات، وسُكبت كؤوس جديدة من النبيذ، وتداخلت أصوات الحديث العالي مع أنغام موسيقى خافتة بالكاد تُسمع.

كانت رائحة السجائر قد غزت المكان بثقلٍ كريه، ممزوجة برائحة الخمر الثقيلة، حتى بدت الأجواء خانقة، لزجة، تشبه الضباب الرمادي الذي يتسلل داخل الرئتين بلا رحمة.

إيزابيلا جلست ثابتة، ظهرها مستقيم وعينيها تراقبان اللاشيء. لكن في داخلها، كان قلبها يضرب بإيقاع مضطرب. بدأت تشعر بذلك الضيق يزحف إلى صدرها، حرقة خفيفة في الرئتين ثم ضغط مؤلم، وكأن الهواء نفسه صار سماً.

تحركت أصابعها ببطء فوق الطاولة، تحاول أن تشتت نفسها، لكن صوت سعال خافت منها كشف الحقيقة. ميخائيل التفت نحوها فورًا، نظر إليها بتركيز، لم تكن نظرة قلق، بل ملاحظة دقيقة. لاحظ الشحوب الطفيف في وجهها، وطريقة تنفسها الضحل، والنظرة المشتتة في عينيها.

همست لنفسها، دون صوت:

متى سنغادر؟ هذا الهواء... لا يُحتمل.

كادت أن تنهض، لكنها تراجعت، لا تريد أن تثير الانتباه، لا تريد أن تظهر كضعيفة. ثم التفتت إلى ميخائيل وقالت بهدوء، وكأنها تسأله عن أمر عادي:

«هل هذه الأمسية تنوي أن تطول أكثر؟»

ميخائيل رمقها بنظرة فاحصة، ثم قال دون أن يشيح بنظره عنها:

«هل يزعجك شيء؟»

ردت وهي ترفع كتفها قليلاً:

«الرائحة... فقط. ليست المفضلة لدي.»

لم تضف شيئًا آخر. لكنه فهم.

فجأة، دون كلمة، نهض واقفًا، جسده يعلو فوق الطاولة. ساد صمت لحظي في القاعة كأن شيئًا حدث. قال بصوته الهادئ:

«كان عشاءً ممتعًا، لكن وقتنا انتهى.»

بعضهم اعترض، البعض ابتسم مجاملة، لكن لا أحد تحدى كلمته.

ثم مدّ يده نحوها، إشارة واضحة: نحن نغادر.

نظرت إليه، ثم وضعت يدها في يده، ونهضت بخفة، تنفسها لا يزال مضطربًا، لكن عيناها لا تزالا ثابتتين، لم تهتز كرامتها، لم تنكسر أمام أحد.

صوت كعب حذائها على أرضية الرخام كان واضحًا وهي تغادر بجواره، والهمسات بدأت خلفهما.

خطى ميخائيل وإيزابيلا بخطى هادئة نحو باب القاعة، وسط العيون التي تتبع كل حركة لهما، ف ميخائيل لا يغادر الحفلات مبكرًا إلا لسبب، ومعه هذه المرأة الغريبة الهادئة ذات الأناقة التي لا تشبه أحدًا من نساء القاعة.

وقبل أن يلامسا عتبة الخروج، انقطع كل شيء...

صوت أنثوي ساخر، رخيم، ارتفع من عمق القاعة كصفعة على وجه الهدوء:

«غادري بسرعة يا عزيزتي، فالهواء هنا يبدو أنيقًا أكثر من قدرتك على تحمله! فهنا لا مكان للغرباء... أو للدخلاء الذين لا يعرفون رائحة القوة!»

توقف ميخائيل.

توقفت إيزابيلا.

الأنفاس اختنقت لحظة.

بعض الرجال كتموا ابتساماتهم، وبعض النساء تبادلن نظرات متشفية، والأنظار كلها تحولت نحو ليديا نيكولايف، ابنة سيرجي، التي وقفت بكأس في يدها، شعرها يتماوج بترف، وابتسامة خبيثة ترتسم على شفتيها. عيناها تتلألآن بالانتصار.

توقف ميخائيل فجأة.

كأن شيئًا في صدره تجمّد.

التفت ببطء... نظراته مسمومة بالصمت.

القاعة كلها تجمدت.

ضحكات خافتة توقفت. أنفاس تسللت إلى الحلق.

إيزابيلا كانت على وشك أن ترد، لكنها شعرت بشيء أثقل من الكلمات.

ميخائيل خطا خطوة إلى الوراء، بعينين كالصخر.

ثم، دون كلمة... سحب سلاحه.

الهدوء انكسر كزجاج.

طلقة واحدة... عالية، مدوّية، حاسمة.

الرصاصة اخترقت قدم ليديا، التي سقطت تصرخ على الأرض، والكأس يتدحرج بعيدًا، يلطّخ السجاد بالخمور والدم.

شهقات وصرخات، أحدهم صرخ باسمها، وآخر انكمش في مكانه.

أما هو...

فلم ينفعل.

تقدّم إليها ببطء، خطواته كصوت الموت وهو يقترب.

انحنى قليلًا، كأنّ صوته لا يخص هذا العالم:

«في المرة القادمة... ستكون في رأسك، اللعينة.»

ثم التفت، وعاد بخطاه الثقيلة نحو إيزابيلا، التي كانت لا تزال واقفة، عيناها متسعتان... لا من الخوف، بل من الصدمة. لم تتحرك.

ميخائيل وقف أمامها، نظر إليها، قال بهدوء مروّع:

«لا أحد يتحدث عن زوجتي مجددًا.»

ثم مدّ يده نحوها بهدوء… وهي، رغم كل الصدمة التي تجمدت في أطرافها، مدت يدها نحوه ببطء.

وأكملا طريقهما إلى الخارج، وسط أنين ليديا، وذهول العيون، وصمت القاعة.

خرج ميخائيل وإيزابيلا من القاعة ببطء، كأن الزمن تحوّل إلى سائل كثيف يجرّ الخطوات خلفه. الهواء في الخارج كان بارداً، ولكن ليس كبرود جسد إيزابيلا وهي تمشي جوار ميخائيل.

رائحة الدم ما زالت تطاردها، رغم أنها تركت خلفها القاعة، والصراخ، ونظرات الفزع.

شعرت أن العالم كله يدور… الأرض تميد تحت قدميها، والهواء يضيق في صدرها كأن أحدهم يلف حوله حبلًا.

ميخائيل شعر بها تتباطأ، نظرة واحدة من جانبه كفت ليرى أن بشرتها فقدت لونها، وعيناها تنظران للأمام دون تركيز، كأنها لم تخرج بعد من تلك اللحظة.

«إيزابيلا،» قالها بصوت منخفض، لكن حاسم.

لم ترد.

شفتاها جافّتان، وأنفاسها متقطعة.

توقفت فجأة، وضعت يدها على صدرها، كأنها تبحث عن توازن… عن شيء يثبتها.

ميخائيل اقترب فوراً، قبض على ذراعها، بثبات لم تملكه هي الآن.

«هل تشعرين بالدوار؟»

أومأت ببطء. لم تستطع الكلام. كانت تتنفس بصعوبة، وعيناها تبرقان بمزيج من الذهول والرعب والغثيان.

«لا بأس... أنتِ بخير. هذا يكفي لليلة.»

وبهدوء مفاجئ، كما لو أنه نزع عن نفسه طبقة الغضب، رفع يده وأحاط بها ليقودها نحو السيارة.

السيارة السوداء كانت تنتظرهما، والباب فُتح مباشرة.

قبل أن تدخل، توقفت. نظرت إليه، همست، بصوت مكسور:

«أطلقت النار... أمام الجميع...»

نظراته التقت بعينيها، لا ندم فيها، بل وضوح كأنه يحفر كلماته:

«لأنهم نسوا من أكون... ولأن أحدهم نسي من أنتِ.»

لم تعرف كيف ترد.

كانت فقط تريد الجلوس... الصمت... الهرب من الدم.

دخلت السيارة ببطء، وجلست، تضم يديها إلى صدرها كأنها تتوق لدفء لا تجده.

ميخائيل جلس إلى جانبها، لم يتكلم، فقط أشار للسائق بالانطلاق.

خلفهم، تُغلق أبواب القاعة، وتخفت الأصوات.

أما داخل السيارة، فالصمت كان أثقل من الرصاص.

لم تمضِ الكثير من الوقت حتى توقفت السيارة أمام القصر.

نزل ميخائيل أولاً، أدار وجهه نحو إيزابيلا التي ما زالت جالسة، نظراتها مثبتة على يديها في حجرها، كأنها تحاول ألا تشعر بما يدور داخلها.

فتح لها الباب بنفسه، لكنها لم تتحرك.

«إيزابيلا.»

رفعت نظرها ببطء نحوه. لم تقل شيئاً، فقط نزلت بخطى متزنة رغم ما كان يعصف بها من الداخل.

لم تترك مسافة كبيرة بينهما، ولم تقترب كثيراً. كانت فقط تسير إلى جانبه، كأنها تفصل بين عالمين: عالمه، وعالمها.

في بهو القصر، ساد الصمت. لم يظهر أحد من الخدم، وكأنهم أدركوا أن الليلة لا تحتمل حضوراً إضافياً.

وقفت عند أول درجات السلم، التفتت نحوه، نظرت في عينيه مباشرة.

رغم اضطرابها، اختارت أن تتحدث:

«ما فعلته هناك... سيصنع فوضى.»

ميخائيل لم يتراجع، لم يرمش حتى:

«أحياناً، الفوضى ضرورية لتذكيرهم بمن يقف أمامهم.»

هزّت رأسها ببطء. لم تكن تتفق معه، لكنها لم تكن تملك طاقة الجدال الآن.

«أنا… سأصعد لغرفتي.»

استدارت بهدوء، وقبل أن تبتعد، قال:

«إذا احتجتِ شيئاً... مهما كان…»

توقفت، لكنها لم ترد. ثم تابعت صعود السلالم بصمت.

حين أغلقت باب جناحها خلفها، أطلقت زفيراً طويلاً، وظهرها مستند للخشب الثقيل.

أخيراً، شعرت أنها وحدها… وبدأت يدها ترتجف.

لم تكن ضعيفة، لكنها لم تكن معتادة على هذا… على إطلاق النار من أجلها.

اقتربت من المرآة، نظرت إلى وجهها… شاحب، لكن عيناها حادتان.

همست:

«هذا ليس عالمي… »

ثم مشت إلى خزانة صغيرة، أخرجت منها دفترها الجلدي، وجلست على الأريكة، وبدأت تكتب:

"قاعدة هامة: لا تسمحي للدم أن يصبغك… لكن لا تنكري من سُفكه لأجلك."

__________________________________

في الطابق السفلي، كان ميخائيل لا يزال واقفًا في البهو، صامتًا، والظلال الطويلة للثريات تنعكس على الأرضية الرخامية حوله. لم يتحرك بعد مغادرة إيزابيلا، وكأن شيئًا ما ثبّته في مكانه.

مرت لحظة، ثم تحرك ببطء، اتجه نحو المكتب الكبير.

فتح الباب ودخل دون أن يشعل الضوء، مكتفياً بضوء المدفأة المتقدة بهدوء في الزاوية.

جلس، وفتح الدرج ببطء. وسحب علبة سجائر ثقيلة. لكنه لم يشعل واحدة.

كان ذهنه بعيدًا، ليس في الحفل، ولا في وجه ليديا الملطخ بالدم، بل في تلك المرأة التي صعدت الدرج قبل لحظات.

في نظرتها المرتبكة. في ضعفها الصامت، الذي لم يكن استسلامًا، بل شيء آخر… شيء فيه كبرياء خفي لا يشبه أحدًا في هذا القصر.

همس في نفسه وهو يميل برأسه للخلف:

«لم يكن من المفترض أن يحدث هذا…»

صمت. ثم ابتسم بسخرية:

«ولم يكن من المفترض أن أهتم.»

تقدمت خطوات هادئة نحو الباب.

صوت خافت طرق الباب ثلاث مرات.

أمر بهدوء دون أن يلتفت:

«ادخل.»

دخل ديمتري، عيناه تحملان مزيجًا من القلق والاستفهام.

«سمعت بما حدث…»

ميخائيل لم يرد، فقط أشار بيده ليجلس.

جلس ديمتري، وعيناه معلقتان بوجه أخيه:

«أطلقت النار على ليديا نيكولايف… أمام والدها وأمام الجميع.»

«أجل.»

«لأجل إيزابيلا؟»

سكت ميخائيل للحظة، ثم قال بصوتٍ خفيض لكنه حاد:

«أطلقت النار لأنهم ظنوا للحظة أن بإمكانهم إهانتها… وبالتالي إهانتي.»

رمش ديمتري ببطء، فهم الرسالة، لكن داخله امتلأ بأسئلة جديدة لم يقلها… ليس الآن على الأقل.

ثم قال بصوت أخف:

«هل كانت تستحق كل هذا؟»

نظر إليه ميخائيل أخيرًا، نظرة ثقيلة لا تحتمل الكثير من التفسير.

«هذا… ما أحاول أن أفهمه.»

ساد الصمت بينهما للحظة… نار المدفأة تُلقي بوهج خافت على وجهيهما، والجو مشبع برائحة الخشب المحترق.

ديمتري لم يتحرك، فقط راقب ميخائيل الذي بدا وكأنه في صراع داخلي، شيء لا يُشبهه.

قال أخيرًا بهدوء، بنبرة حذرة:

«أنت تتغير، ميخائيل.»

ضحكة صغيرة خرجت من صدر ميخائيل، ساخرة، متعبة:

«أوه، لا تكن شاعرًا، ديمتري… أنا فقط أضع الحدود.»

رد ديمتري بنبرة أثقل:

«الحدود لا تُرسم بالدماء في الحفلات العامة أمام رجال الحلفاء. لقد أحرجت سيرجي، وكسرت توازنه… لم يكن يتوقعها منك.»

ميخائيل:

«جيد. دعهم يتذكرون أني لا أُجامل، ولا أتنازل. حتى لو كانت فتاة. حتى لو كانت مجرد كلمة عابرة...»

ثم نظر مباشرة في عيني ديمتري:

«خصوصًا إذا كانت الكلمة موجّهة نحو امرأتي.»

سكت ديمتري، ثم قال ببطء:

«هل هي كذلك؟»

كأن الغرفة تجمّدت للحظة.

ميخائيل نظر إلى النيران، ثم تمتم بصوت خافت، يكاد لا يُسمع:

«لا أعرف… لكنها زوجتي. وهذا يكفي الآن.»

ديمتري لم يجب، فقط راقب شقيقه بشيء من الحذر.

فميخائيل لم يكن يُظهر تردده… أبدًا.

همس ديمتري أخيرًا:

«أخشى أن هذا التردد… سيكون نقطة ضعفك يا ميخائيل.»

فرد ميخائيل بنظرة باردة حادة:

«نقطة ضعفي؟ لا يا ديمتري… إنها فقط... نقطة بداية.»

صمتٌ ثقيل تبعه.

أومأ ديمتري برأسه ببطء، وكأنه يُفكر في كلمات ميخائيل، ثم قال وهو ينهض من مقعده:

«أنت لا تشبه نفسك يا ميخائيل... لا أتحدث عن ضعف، بل عن حذر جديد، تردد خفي... كأنك بدأت تنظر حولك مرتين قبل أن تُطلق الرصاصة.»

رفع ميخائيل نظره إليه، نبرته هادئة لكن خطيرة:

«وهذا خطأ في نظرك؟»

ديمتري:

«ليس إن كنا نعيش في عالم طبيعي... لكن هذا ليس عالمًا طبيعيًا، إنه عالم الوحوش. من يتردد… يُفترس.»

اقترب ميخائيل منه، وقف أمامه دون أن يرمش، وقال بنبرة منخفضة لكنها تنخر في العظم:

«ومن قال إنني ترددت؟ أنا أُمهل… أراقب… وأضرب في الوقت المناسب. لم يكن رصاصة لليديا… بل كان رسالة.»

ديمتري حدّق فيه لحظة، ثم قال:

«وماذا عن إيزابيلا؟ أهي مجرد رسالة أيضًا؟»

تجمدت نظرات ميخائيل لثانية.

ثم أجابه، وكأن الكلمات تخرج منه رغمًا عنه:

«لا. هي... لغز. لم أفك شفرته بعد.»

ابتسم ديمتري بسخرية:

«وما إن تفكها…ستلتهمها كما تفعل بكل من حولك… أو ستقع.»

اقترب ميخائيل أكثر، المسافة بينهما باتت ضيقة، عينيه جمرتان:

«احذر يا ديمتري… لا تختبر صبري بخصوصها. ليست واحدة من ألعابك القديمة… ولا من نسائك المفضلات. إيزابيلا زوجتي. ومكانتها، أنت تعلمها جيدًا.»

ديمتري ابتسم بخفة، ثم تراجع خطوة وقال:

«كما تشاء، سيد الباخان. فقط تذكّر… اللغز أحيانًا لا يُحل. بل يُدمّرك.»

ثم غادر الغرفة.

ميخائيل وقف مكانه، لا يتحرك، فقط يحدّق إلى الفراغ…

وبعينه لمعة نادرة من الحيرة.

ظل ميخائيل واقفًا في مكانه، يحدّق إلى الباب الذي خرج منه ديمتري، دون أن يتحرك، وكأن الصمت من حوله ثقل على صدره.

لفّ ذراعيه أمام صدره، واستدار ببطء نحو النافذة المطلة على الحديقة الخلفية. الليل كان قد بدأ يزحف، ونسيم خفيف حرّك الستائر، لكن عقله لم يكن مع النسيم… بل مع كلمات ديمتري.

"لغز قد يُدمّرك."

كرّر الجملة في ذهنه، لكنه سرعان ما سخر منها.

هو لا يُدمَّر. هو من يُدمّر.

ولكن…

إيزابيلا…

تلك المرأة الهادئة، الثابتة، التي تنظر إليه بعينين لا تخافه… لا تهابه… وكأنها ترى فيه رجلاً عادياً، لا الباخان الذي ترتجف منه موسكو.

هي ليست مجرد لغز.

هي مرآة.

ومرآته لا تعجبه دائمًا.

هو اعتاد أن يتحكم، أن يفرض، أن يهدد.

لكن معها… يشعر أحيانًا وكأن سلطته لا قيمة لها. كأنها تنظر من خلاله، تراه، وتعرف أكثر مما تقول.

تقدم بخطى بطيئة إلى المكتب الجانبي، وسحب دُرجًا صغيرًا، أخرج منه علبة معدنية سوداء أنيقة.

فتحها، وبداخله صور.

صور قديمة.

واحدة منها… كانت لإيزابيلا، مأخوذة من تقرير استخباراتي منذ أشهر قبل الزواج، يوم حضر أحد رجاله معرضًا فنّيًا في مدريد وراقبها من بعيد.

وقتها… ظنها مجرد فتاة جميلة من عائلة عدوة. اليوم، لم يعد يعرف ما يظنه.

أغلق العلبة ببطء، وأعادها للدُرج، ثم جلس خلف مكتبه،  وأخرج سيجارًا.

لكنّه لم يشعله.

اكتفى بلفّه بين أصابعه، بينما فكره ظل عندها…

تجلس وحدها الآن ربما.

تكتب شيئًا في دفترها.

أو ترسم.

أو… تلعنه بصمتها.

تنهد ببطء، وأغمض عينيه للحظة.

"أين ستأخذنا هذه الحرب الصامتة يا إيزابيلا؟"

وقف ميخائيل فجأة، كما لو أن قرارًا قاطعًا اخترق ضباب أفكاره. لم يتردد، لم يلتفت لأحد. غادر مكتبه بخطوات ثابتة، لم يزعجه ضوء الممرات الخافت، ولا الصمت الثقيل في القصر. فقط شيء واحد كان يلح عليه... رؤيتها.

حين وصل إلى جناحها، لم يطرق الباب. لم يكن بحاجة لذلك. فتحه بهدوء، ودخل.

الأنوار كانت خافتة، والغرفة شبه مظلمة…

ثم رآها.

إيزابيلا، تجلس على الأرض أمام سريرها، ساقاها مطويتان تحتها، وظهرها مستند إلى جانب السرير. بدت... منهكة. صغيرة جدًا في تلك اللحظة، كأن كل قوتها قد ذابت مع ضجيج العشاء وصوت الطلق الناري الذي لم يغادر أذنيها بعد.

شعر بضيق غير معتاد في صدره.

اقترب ببطء، خطواته لم تصدر صوتًا تقريبًا. لكنها رفعت عينيها نحوه…

نظرة واحدة، دون كلام، وكأنها كانت تعلم أنه سيأتي.

قال بصوت منخفض وخالٍ من القسوة:

"لماذا تجلسين هنا؟"

لم تجبه فورًا، فقط نظرت إلى الأرض، قبل أن تقول بهدوء:

"كنت أظن أنني أعرف كيف أتنفس وسط العواصف… لكن الليلة، لم أستطع."

اقترب أكثر، ثم انخفض ببطء حتى أنخفض أمامها، ينظر إليها مباشرة.

لم يلمسها. فقط جلس.

"أنتِ لستِ معتادة على هذا النوع من العنف."

كانت كلماته مجرد ملاحظة، لا فيها سخرية ولا قسوة.

هزّت رأسها بخفة.

"لا أحد يعتاد على الدم، حتى لو تظاهر بذلك."

صمت طويل مرّ بينهما. ثم سألها، بنبرة خافتة:

"أفزعتك؟"

رفعت عينيها إليه. كان سؤالًا صادقًا… نادرًا منه.

نظرت إليه طويلاً، ثم قالت بصدق:

"فزعت مما فعلته… لا منك."

ظل ينظر إليها، ولم يقل شيئًا. تلك الجملة تسللت إلى داخله، كسهم هادئ لكن عميق.

صمتت إيزابيلا طويلاً ،لا تزال جالسة في مكانها، بينما بقي هو قريباً لثوانٍ، ثم تحرك ببطء وجلس بجانبها، قربًا لا يهدد… فقط يسند.

لم يقل شيئًا، ولم تسأله. كان الصمت بينهما يحمل أكثر من أي حوار سابق.

نظر إلى يديها اللتين ارتجفتا بخفة، ثم همس:

"أعرف أنكِ لا تحبين الدماء… ولا الضجيج، ولا العالم الذي أجبرناكِ أن تكوني جزءًا منه."

نظرت إليه، وأجابت بصوت شبه هامس:

"لا أحب أن أرى الألم… لا أحب أن أرى أحدهم يصرخ هكذا… حتى لو كانت تستحق."

رد بهدوء وهو ينظر أمامه:

"ما فعلته الليلة… لم يكن لأجلك فقط، بل من أجلي أيضاً. أردت أن أُريهم جميعاً أن لا أحد يقترب منك دون إذني."

نظرت إلى جانبه، ثم قالت ببطء:

"أنا لا أحتاج بطلًا ينقذني، ميخائيل… لكنني أيضاً لا أعرف كيف أكون جزءًا من عالم يتغذى على الدماء."

استدار نحوها، كانت نظراته أقل صرامة، أكثر صدقًا مما اعتادت أن تراه منه، وقال:

"ربما لن أستطيع أن أُخرجكِ من هذا العالم… لكن يمكنني على الأقل أن أكون الجدار الذي لا يسمح له بابتلاعك."

رفعت حاجبيها برقة، وكأنها لا تصدق أنها تسمع هذا منه.

اقترب أكثر، هذه المرة لمس كتفها بخفة، لمسة لا تأمر… بل تطلب.

"ابقِ قريبة، إيزابيلا. هذا العالم مظلم… وأنا لا أريدكِ وحدكِ فيه."

لم ترد، فقط أنزلت نظرها إلى الأرض… ثم بعد لحظة، أمالت رأسها إلى كتفه، بهدوء.

كانت تلك المرة الأولى التي لا يكون الصمت بينهما حاجزًا، بل راحة.

ظلت إيزابيلا ساكنة، رأسها يستند إلى كتفه، وأنفاسها أهدأ قليلاً، لكنها لا تزال تحمل رجفة خفيفة. لم يكن ميخائيل معتادًا على مثل هذا القرب… قرب لا يتطلب منه قوة، ولا يستدعي تهديدًا.

مرت لحظة صمت، ثم همس بصوته العميق المتزن، وكأنه لا يريد أن يربك هذا السكون:

"لم أركِ خائفة… بل مجروحة."

لم تجبه مباشرة، فقط أغمضت عينيها كأنها تحاول أن تحبس دمعة لا تريد أن تسقط، ثم قالت بصوت منخفض:

"أنا لا أكرهك، ميخائيل… لكني أخاف منك أحياناً. ليس لأنك مؤذٍ… بل لأنك لا تشبه شيئاً أعرفه."

رفع يده ببطء، ولمس أطراف خصلات شعرها التي انسدلت على كتفها، همس:

"وأنا لا أعرف كيف أكون شيئاً لا يُخيف… لكني أحاول، معك."

نظرت إليه، وللمرة الأولى لم تكن عيناها حذرتين، بل صافيتين، شفافتين كأنهما تقولان ما لا تستطيع هي النطق به.

اقترب منها أكثر، وهمس:

"هل أستطيع البقاء هنا الليلة؟ لا لأخذ شيء… فقط لأكون قربك."

نظرت نحوه بدهشة، وكأنها لا تصدق سؤاله… ثم ببطء، حركت رأسها بالإيجاب.

بقي جالساً بجوارها، حتى عندما سحبت نفسها قليلاً. لم يغادر، فقط أسند ظهره إلى حافة السرير، وعيناه على سقف الغرفة.

ثم، بصوت خافت جداً، كأنها كانت تخاف من إيقاظ الحلم، همست:

"شكرًا لأنك أمسكت بي… قبل أن أسقط."

أجاب بهدوء، دون أن ينظر إليها:

"وسأفعلها كل مرة… حتى لو لم تطلبي."

مرت الدقائق ببطء، وصوت أنفاسها أصبح أكثر انتظامًا. كانت مستلقية رأسها على كتفه، وعيناها نصف مغمضتين، تراقب بصمت. لم يتحرك من مكانه، بقي جالسًا على الأرض، مائلًا بظهره إلى السرير، وكأنه حارس هادئ لصورتها المرتبكة.

همست إيزابيلا بعد فترة، بصوت خافت أقرب إلى التفكير بصوت عالٍ:

"هل ظننت يومًا أن زواجًا كهذا… يمكن أن يُخلق منه شيء غير الكراهية أو التنازلات؟"

أجابها بعد لحظة صمت، صوته منخفض وجاد:

"كنت أظن أنه سيكون حربًا باردة… لا راحة فيها ولا نوم، لكنكِ أربكتِ كل شيء، إيزابيلا."

توقفت للحظة، ثم سألت:

"أربكتك كيف؟"

ابتسم ابتسامة بالكاد تُلحظ، ثم قال:

"أنتِ لم تخافي مني. هذا وحده... يكسر أكثر مما فعلته كل الحروب."

تأملت كلماته، وقلبها يضرب بنبض خافت غير مألوف. ظلت صامتة، لكن يدها اقتربت قليلاً، حتى لامست أطراف أصابعه المستندة على الأرض.

لم يسحب يده، بل استدار قليلًا ونظر نحوها، ثم قال بصوت شبه هامس:

"ارتاحي... الليلة لن يكون في هذا المكان سوى السكون."

لم ترد، فقط أغمضت عينيها من جديد، وسمحت للصمت أن يغمر الغرفة بطمأنينة نادرة لم تعرفها من قبل.

ـ كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، والغرفة غارقة في هدوء ثقيل، لا يُسمع فيه سوى صوت تنفّسها الهادئ. استقرت برأسها على كتفه، وجسدها مائل نحوه بثقة غير مقصودة، وكأنها تبحث عن ملجأ وسط العاصفة.

لم يتحرك. لم ينبس بكلمة. ظل صامتًا يتأمل ملامحها المتعبة، وشعرها المتناثر على كتفه، وأناملها المرتخية فوق ساقها. ولأول مرة، لم يكن في نظره تهديد، ولا حذر، ولا أسئلة. فقط سكون غريب، وهدوء مقلق.

رفع يده ببطء، وكأن الزمن نفسه يخشى أن يتدخل، ومرر أصابعه على خصلة من شعرها انسدلت على وجهها. أبعدها بحذر، دون أن يوقظها، ثم تأملها للحظة طويلة. لم تكن "دخيلة" في تلك اللحظة... بل كانت شيئًا آخر، شيء أقرب وأكثر صدقًا مما سمح لنفسه أن يراه من قبل.

همس لنفسه بصوت يكاد لا يُسمع:

"أنتِ لا تنتمين لهذا العالم… ومع ذلك، تحمّلتِه أكثر من بعض من وُلدوا فيه."

شعر بارتجافة خفيفة في جسدها، ربما حلم، ربما برد. فأنزل سترته السوداء من على ظهره، وأسدلها بهدوء فوقها، ثم مد ذراعه حولها ليضمها إليه أكثر، دون أن يُزعج نومها.

أسند رأسه على حافة السرير، عينيه على وجهها الهادئ، وهو يشعر بشيء في داخله يتحرك ببطء… شيء لم يعرفه من قبل.

__________________________

كانت أشعة الشمس الخافتة تتسلّل من خلف الستائر الثقيلة، تغمر الغرفة بضوء ذهبي ناعم. الهواء ساكن، يحمل هدوءًا لا يشبه هذا القصر المعتاد على التوتر والجمود.

فتح ميخائيل عينيه ببطء. للحظة لم يدرك أين هو، حتى شعر بثقل دافئ على كتفه، وصوت تنفّس خافت يلامس عنقه. أدار رأسه قليلاً، ليجد إيزابيلا ما تزال نائمة، جسدها الصغير مستقر بين ذراعيه، ووجهها مرتاح بشكل لم يعتده منها.

لم تتحرك، لكن أناملها انزلقت لا إراديًا لتستقر فوق قلبه، وكأن جسدها وجد مكانه رغم كل ما حوله من فوضى. كان صدره يعلو ويهبط بهدوء، وكأن شيئًا ما في حضنها هدّأ كل شيء في داخله.

لم يرد أن يوقظها، لا الآن. ظل ساكنًا، يراقب تنفّسها، ويتأمل ملامحها الهادئة. كم بدت بعيدة عن كل شيء في هذه اللحظة — عن الدماء، والصفقات، والجدران الباردة، وحتى عن الجدران التي أقامها هو بينه وبينها.

مرر أصابعه ببطء على ظهر يدها، ثم شدّ غطاء بذلته فوقها بحذر. كانت تهمس بشيء في نومها، كلمات مبعثرة لم يفهمها، لكنها جعلته يقترب أكثر، يحني رأسه نحوها دون أن ينبس.

همس دون وعي، قرب أذنها:

"ابقِ نائمة قليلاً… العالم ليس جاهزًا بعد لنا."

مرت الدقائق ببطء ساحر، وكأن الزمن قرر أن يتوقف احترامًا لهذه اللحظة الهشة. لم يتحرك ميخائيل، لم يرد أن يبدد دفء اللحظة بلمسة غير محسوبة. كان فقط يحتضنها، وعيناه تتابعان تفاصيل وجهها الهادئ، شحوب خفيف على وجنتيها، خصلات شعر سقطت فوق جبينها، وأنفاسها التي لا تزال هادئة، متناغمة مع دقّات قلبه.

فتح عينيه مجددًا، وراقب ضوء الشمس الذي تسلل حتى حافة السجادة، ثم مرّ على أطراف ثوبها الملقى جانبًا، ثم على كتفها العاري الذي كان مستترًا بذراعه. لم يشعر بهذا النوع من السكون منذ زمن طويل. لا أوامر، لا حراس، لا ملفات، لا تهديدات. فقط هي.

همس من جديد، بالكاد خرج صوته:

"لو أن كل شيء يمكن أن يتوقف عند هذه اللحظة فقط…"

تحرّكت إيزابيلا بخفة، شهقت أنفاسها بعمق قبل أن تفتح عينيها ببطء، نظرتها أولًا نحو الأرض، ثم نحو ذراعه الملفوفة حولها. استغرقت ثوانٍ قبل أن ترفع رأسها وتنظر إليه مباشرة، عيناها غارقتان في نعاسٍ جميل، لكن فيهما أيضًا تساؤل هادئ.

– "كم الساعة؟" همست بصوت خافت.

– "لا يهم." أجابها دون أن يزيح ذراعه، نبرة صوته منخفضة، أقرب إلى الحنان منه إلى القوة.

نظرت إليه مطولًا، كأنها تحاول أن تفهم شيئًا لم يُقَل بعد، ثم أنزلت عينيها وهمست:

– "أعتذر إن كنت ثقيلة…"

رفع يده إلى شعرها بلطف، وأبعد خصلة عن وجهها، ثم قال دون تردد:

– "أنتِ أخفّ شيء مرّ على كتفي منذ سنوات."

توقفت، تنفّست بعمق، ثم استندت من جديد إلى كتفه، دون كلمة.

وساد الصمت، لكنه لم يكن صمتًا باردًا… بل كان صمتًا ناعمًا، مُريحًا… يشبه كثيرًا وعدًا غير منطوق:

لن أؤذيكِ اليوم.

ظلّت مستندة إليه بصمت، وميخائيل لم يبدُ في عجلة من أمره ليُحرّك هذا السكون. كانت اللحظة أشبه بهدوءٍ نادر وسط عاصفة، وكأن العالم الخارجي توقف، ولم يتبقَ سوى دقات قلبيهما المتقاربة.

تنفست إيزابيلا بعمق، همست دون أن تنظر إليه:

ـ "أحيانًا… أتمنى لو لم أكن من هذه العائلة… لا من روستوف ولا منكم."

لم يجبها على الفور، بل أغمض عينيه للحظة، ثم قال بهدوء:

ـ "وهل تعتقدين أنني اخترت أن أكون ابن مالكوف؟"

نظرت إليه بخفة، وفي عينيها سؤال لم تنطق به. تابع هو، نبرته أكثر صدقًا مما اعتادت:

ـ "نولد في دوائر لا نرسمها. لكن يمكننا أن نقرر كيف نعيش داخلها."

همست بصوت متردد:

ـ "وأنت؟ كيف تعيش داخلها؟"

نظر إليها مطولًا، ثم قال:

ـ "بحذر. وبكثير من الجدران."

صمتت، ثم أشارت إلى كتفه الذي تستند إليه بابتسامة صغيرة خجولة:

ـ "لكنك لم تبنِ جدارًا هنا."

نظر إلى عينيها مباشرة، كانت قريبة بما يكفي ليشعر بأنفاسها تمس جلده، فتمتم بهدوء دون أن يحاول إخفاء صدقه:

ـ "ربما لأنك أول من لم يحاول اقتحامه، بل جلستِ على عتبته بصمت."

بدت الكلمات أثقل من الصباح نفسه. لم تُجب، فقط اكتفت بالاستناد من جديد، هذه المرة بارتياحٍ أكثر. كانت يده لا تزال على كتفها، ولم يسحبها. لم يكن مضطرًا. كلاهما كان يعلم أن هذا السكون مؤقت، وأن الليل في عالمهم لا يرحم، لكن… هذا الصباح؟

كان هدية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في جناح منفصل من القصر، حيث يتجلى الهدوء الكاذب في تفاصيل الأرائك الفخمة وستائر المخمل الداكن، كانت داريا أشبه بعاصفة محبوسة في جسد فتاة. تجولت في الغرفة بخطى متوترة، قبضتا يديها مشدودتان على جانبي فستانها الحريري، ووجهها مشتعلاً بغضبٍ لا تحاول إخفاءه.

جلست والدتها، صوفيا، على طرف الأريكة تراقبها بقلق، بينما والدها، بوريس، كان واقفًا عند النافذة، يشيح بوجهه دون أن ينبس بكلمة.

صرخت داريا فجأة، وقد التفتت نحوهما:

ـ "هل رأيتما؟ هل رأيتما كيف دافع عنها وكأنها شيء ثمين؟! أمام الجميع؟ أمام رجال العائلات؟!"

قالت صوفيا بهدوء، محاولة تهدئتها:

ـ "داريا، لقد كانت لحظة توتر… لا نعلم ما الذي كان يدور في رأسه."

استدارت إليها داريا بحدة:

ـ "أمي، لقد أطلق النار لأجلها! على فتاة من عائلة سيرجي نيكولايف! هل تعرفين ما معنى هذا؟! ميخائيل لا يفعل شيئًا دون قصد…"

قاطعتها كلمات والدها الجافة أخيرًا:

ـ "كفي، داريا. هذه ليست طريقتنا."

لكنها لم تصمت. اقتربت منه، ونظرت إليه بعينين دامعتين من شدة الغضب:

ـ "كنت طفلة، وكان ينظر إلي كأخته الصغيرة… أنا من كنت أرافقه في تدريباته… أنا من كانت تحفظ اسمه كصلاة. والآن؟ يأتي بفتاة غريبة... دخيلة! وتصبح فجأة كل شيء؟!"

قالت صوفيا بلطف:

ـ "إنها زوجته، داريا…"

صرخت:

ـ "زواج سياسي! كان من المفترض أن يكون بلا مشاعر! بلا اهتمام! لماذا هي؟ لماذا هي بالذات؟!"

ساد الصمت لوهلة، قبل أن يتمتم بوريس دون أن ينظر إليهما:

ـ "لأنها مختلفة، ربما… وهو يشعر بذلك."

هزّت داريا رأسها بعنف، ووجهها يشتعل من الغيظ والخذلان. قالت من بين أسنانها:

ـ "لا… لن أسمح لها أن تأخذ مكاني. ميخائيل لا يعرف بعد من أنا حقًا…"

نظرت صوفيا لابنتها طويلاً، ثم قالت بهدوء:

ـ "فقط احذري، داريا. أحيانًا، الغيرة العمياء لا تفتح لكِ الطريق… بل تغلق كل الأبواب."

ـ جلست داريا أمام مرآتها، بعد رحيل أمها وأبيها، تخلع أقراطها ببطء، بينما يشتعل شيء آخر خلف عينيها… شيء أكثر من الغيرة، شيء يشبه الانتقام المبطّن.

رفعت نظرها إلى انعكاسها في المرآة، ثم همست لنفسها:

ـ "إذا كانت إيزابيلا تعتقد أن بوسامتها الهادئة وقصصها الغامضة ستجعله يلتفت إليها… فهي لا تعرف رجالنا جيدًا."

اتجهت إلى خزانة صغيرة، وسحبت درجًا داخليًا فتحته بحذر. كانت هناك مظروفات، بعضها قديم، وأوراق مكتوبة بخط اليد، ورسائل لم تُرسل. لكن ما سحبته لم يكن أيًا من هذا، بل هاتفًا صغيرًا غير مُسجل، لا يعرف عنه أحد في القصر. هاتفها السري.

ضغطت على زر التشغيل، ثم انتقلت بين الأرقام حتى توقفت عند واحد محفوظ باسم مستعار: "الغراب".

رنّ الخط مرتين قبل أن يأتيها الصوت الأجش من الطرف الآخر:

ـ "لم أسمع صوتك منذ شهور، داريا."

قالت بصوت هادئ وثابت:

ـ "لدي عمل لك... نظيف، غير دموي حتى الآن."

ـ "هذا جديد. عادةً تريدين شيئًا أكثر... وضوحًا."

ـ "أريدك أن تراقبها. كل خطوة. كل حديث. إيزابيلا روستوف. أريد أن أعرف من تراسل، من تتحدث إليه، ماذا تخفي، ومن يحميها غير ميخائيل."

ساد صمت قصير، ثم قال الرجل:

ـ "فهمت. وماذا لو وجدت شيئًا؟"

ـ "أريدك أن تتركني أعرف أولًا... وسأتكفل بالباقي."

ـ "هل هذه أوامر من الباخان؟"

ضحكت داريا بمرارة:

ـ "لا. هذه من امرأة تعرف جيدًا ما الذي تريده."

ـ "تمام، سأبدأ الليلة."

أغلقت الخط، وأعادته إلى الدرج، ثم أطفأت المرآة، واستلقت على سريرها ببطء. لم يكن النوم هو ما تسعى إليه… بل لحظة الحقيقة، التي تثبت فيها أن ميخائيل اختار الخطأ.

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • تحت جناح الجزار    23- النهاية

    استيقظت إيزابيلا متأخرةً، إن جاز تسميته استيقاظًا، فهي لم تنم، بل انتقلت من حالة وجع صامتة إلى أخرى.جلست على السرير، لم تطلب شيئًا، لم تتحدث، رفضت الاستحمام، ورفضت الفطور.ماريسا دخلت إليها بكوب شاي وبعض الخبز، جلست أمامها، وقالت بلطف:"عليكِ أن تأكلي شيئًا، إيزابيلا… جسدك بحاجة للطاقة."لكنها لم تجب.كانت تنظر إلى الفراغ بعينين لا ترى، لكن في داخلهما ألف سؤال، ألف مشهد، ألف دمعة مجمدة.وضعت ماريسا اللقمة الأولى على فمها، ولولا الضغط الخفيف على فكها لما فتحت فمها.أكلت ثلاث لقيمات، ثم أدارت رأسها بعيدًا… كأنها تقول:"كفى، هذا أكثر مما أحتمل."اليوم الثالث.لم تعد تجيب على أي مكالمة.حتى حين اتصل بها ديمتري، أجابت ماريسا، وأعطتها الهاتف.قال ديمتري، صوته حازم لكن خافت:"هو لا يزال يقاتل، إيزابيلا. ميخائيل عنيد، تعرفينه… لن يرحل قبل أن يعود إليكِ."لكنها لم ترد.حتى لم تهز رأسها.فقط كانت تمسك الهاتف بين أصابعها ثم أعادته إلى ماريسا دون كلمة.قالت ماريسا حينها:"صوته وحده… كان يكفيكِ سابقًا لتبتسمي، ما الذي تغير؟"قالت إيزابيلا، بصوت هامس:"أنه لم يعد هنا."اليوم الخامس.رفضت الذهاب إل

  • تحت جناح الجزار    22

    كانت الساعة تجاوزت منتصف الليل، والبيت ساكن كما لم يكن من قبل.بوابة القصر فُتحت دون أن يصدر عنها صرير، والسيارة السوداء دخلت الحديقة ببطء، كأنّها لا تريد إيقاظ الأشجار.في الداخل، خرج ميخائيل من السيارة دون أن يتحدث، وجهه كان مظللًا… الأنوار الخافتة انعكست على زر سترته، لكنه بدا كأنّه عاد من دفنٍ، لا من استجواب.في عينيه… لم يبقَ حوار. كل شيء داخله أصبح قرارًا.صعد السلالم بخطوات صامتة، وقف عند باب الجناح، لم يدخل فورًا.مد يده، فتح الباب بهدوء، ليجد ماريسا قد نامت على الكنبة، وإيزابيلا لا تزال مستلقية، كأنها تنتظر، كأن قلبها لم يسمح لها أن تنام إلا على صوته.اقترب، دون أن يصدر صوتًا، جلس على طرف السرير، ثم تنهد بصمت… ووضع يده على معصمها، بلطف.فتحت إيزابيلا عينيها. رغم الظلام، شعرت به.همست:"أنت عدت."لم يجب.لكن كفّه انتقل إلى شعرها، مرّ عليه ببطء…وهو لا يزال لا يقول شيئًا.ثم نطق، كلماته خرجت مثل طلقة:"رافائيل… كان مجرد أداة."شهقت أنفاسها، لكنها لم تتكلم.تابع، صوته هادئ… لكنه مثقل بثقل الحديد:"التي حملت السكين إلى يده… كانت داريا."أغمضت إيزابيلا عينيها، كأن كل شيء سقط في مكا

  • تحت جناح الجزار    21

    فتح باب الشرفة بهدوء، ودخل الهواء البارد إلى صدره كطعنة طويلة، لكنه لم يزفر.وقف مكانه، محدقًا في اللاشيء، والمدينة تمتد تحت قدميه… صاخبة، لكن لا أحد يسمع ما يحدث في صدره.مدّ يده ببطء إلى الجدار، أسند كفه، ثم جبينه.أنفاسه خرجت من أنفه ببطء… كأن قلبه يئن… دون أن يشتكي.لم يكن غاضبًا بالصراخ.ميخائيل لا يعرف الصراخ.هو لا يصيح… بل ينفجر من الداخل، لكن بصمت قاتل.في رأسه، كانت داريا تتحرك كصوت قديم يعرفه جيدًا… لكن لا يعرف كيف يُسكته."رسالة واحدة، صوت واحد، يكفي ليزرع الحذر في قلب إيزابيلا."هي لا ترى، لكنها تشعر. وكل شعور… داريا تعرف كيف تُسممه.أغمض عينيه، ورأى المشهد:إيزابيلا، على السرير، تتلقى كلمات لا تعرف لها وجهًا، لكنه… يعرفه جيدًا.داريا لم تذهب إلى مدريد فقط لتراقب، هي جاءت لتفعل ما لم تستطع فعله في روسيا.أن تخترق من يحب… دون أن تمسّه.تراجع خطوة، ثم أخرج هاتفه.ضغط الرقم، اتصال مباشر:"ديمتري."جاء صوت أخيه من الطرف الآخر، متأهبًا:"هل تريدني أرسل رجالًا لها؟"ردّ ميخائيل بصوت خافت، لكن كل كلمة كانت مشبعة بالغضب المكبوت:"لا. داريا ليست في خطر. داريا هي الخطر."ثم تابع:"

  • تحت جناح الجزار    20

    كان المركز هادئًا هذا الصباح، الاستقبال مضاء بنور ناعم،والممرات خالية تقريبًا، كأنّ الصباح نفسه قرر أن يتنفس ببطء… ليمنحها فرصة للتقدّم.دخلت إيزابيلا ممسكة بذراع ميخائيل، خطوتها الأولى كانت بطيئة، لا من الخوف، بل لأنها أرادت أن تشعر الأرض تحتها.هو لم يتكلم، لم يدلها، لم يوجّهها…فقط كان يمشي إلى جانبها، يده تمسك بكفّها، وأصابعه تُرسل نبضًا هادئًا تحت جلدها:"أنا هنا… أنا لن أترككِ."في غرفة العلاج، جلست على المقعد المخصص، ظهرها مستقيم، وجسدها مشدود بتوتر خفيف.أخصائية العلاج، شابة في منتصف الثلاثينات، تحدثت بهدوء وهي تضع ملفًا صغيرًا على الطاولة:"اليوم، سنبدأ بتحفيز الإدراك الحسي من خلال الحركة البطيئة في البيئة. الهدف هو أن تعتمدي على السمع واللمس لتخطيط المساحة."أومأت إيزابيلا برأسها.صوتها لم يخرج، لكنها أمسكت بيد ميخائيل لحظة، ثم همست:"ابقَ… ولا تقل شيئًا، فقط… كن هنا."نظر إليها، ورغم أنه لم يتعوّد على هذا الدور، على الجلوس صامتًا بينما من يُحب يتألم أمامه دون أن يتدخل، لكنه فقط أومأ… ثم جلس على الكرسي المقابل، يداه مشبوكتان، ووجهه… مشدود الصمت.بدأ التمرين.وضعت الأخصائية

  • تحت جناح الجزار    19

    السماء في مدريد كانت رمادية، لكن لا تمطر.الهواء معتدل، وحفيف الأشجار في الطريق الطويل المؤدي إلى القصركان يُحدث صوتًا متقطعًا يشبه الهمس... كأن الطبيعة تُرحّب بحذر.تحركت سيارات آل روستوف داخل البوابة الرئيسية للقصر،بوابة من الحديد الأسود، تتوسطها الحروف الأولى من اسم العائلة محفورة بزخارف فخمة.في السيارة الأمامية، جلس أليخاندرو إلى جوار ابنته إيزابيلا، التي كانت تضع يدها على النافذة المغلقة، كأنها تتحسس الأصوات من الزجاج.قال بهدوء، وهو يُراقب الطريق داخل القصر:"اقتربنا... خمس دقائق فقط، وستكونين في غرفتك."لم تُجب.لكن أصابعها انزلقت ببطء على الزجاج، ثم سحبت يدها إلى حضنها.جلس خلفها فرانسيسكو، يُحدق بظهر مقعدها، وكأن شقيقته... أصبحت امرأة لا يعرفها تمامًا.هادئة جدًا، ساكنة جدًا، لكن داخله يعرف:البركان لا يهدأ... بل ينتظر.وصلت السيارة إلى البهو الخارجي، أمام القصر المبني من الحجر الكريمي اللون، والنوافذ الواسعة ذات الشرفات الحديدية.الواجهة ذاتها، التي اعتادت إيزابيلا أن تركض نحوها في طفولتها... اليوم لا ترى منها شيئًا، لكنها سمعت الصدى... وتذكرت.توقفت السيارة. فتح السائق ا

  • تحت جناح الجزار    18

    في صباح اليوم التالي، كان الضوء الشتوي يتسلل إلى أروقة المشفى من خلف النوافذ الزجاجية الكبيرة، لكنه لم يصل إلى الغرفة رقم (٤).هناك… النور لم يعد يعني شيئًا.داخل الغرفة، كانت إيزابيلا ممددة بهدوء تحت البطانية البيضاء.وجهها شاحب، وأنفاسها بطيئة لكن منتظمة.الأجهزة من حولها لا تزال تومض وتنبض، لكنها لم تكن مستيقظة تمامًا… ولا نائمة تمامًا.كانت تُبقي عينيها مغمضتين أغلب الوقت، لكن بين الحين والآخر، تفتح جفنيها المرتبكين… ولا ترى شيئًا.في كل مرة تستيقظ، تبدأ التنهيدة، ثم يتبعها ارتباك، ثم نبض متسارع، ثم همسة حائرة:"لماذا… لماذا لا أرى؟"وحين يبدأ نبضها في الارتفاع، ويتغير تنفسها، يتدخل الطبيب أو الممرضة… يُحقن في وريدها القليل من المهدئ،فتغرق مجددًا في سُبات مرّ، ليس فيه أحلام… فقط صمت يشبه الفقد.ميخائيل لم يُغادر. بقي على كرسيه ذاته، ثابتًا كأنه جزء من الحائط. لم يكن يتكلم، لكنه كان يُراقب كل شيء.كل مرة تفتح عينيها، يقف على قدميه، يتقدم خطوة، لكنها لا تراه.تُدير وجهها ناحية صوته حين يناديها… لكن عينيها تبقيان ساكنتين في السواد.في أحد المساءات، همست بصوت منهك:"هل سأبقى… هكذا؟"

  • تحت جناح الجزار    17

    مرّت أكثر من ساعتين منذ دخولها غرفة العمليات، ولم ينطق أحد بكلمة طوال ذلك الوقت.حتى داريا، التي كانت دائمًا الأسرع إلى الحديث، بقيت حبيسة مقعدها، لا تتحرك، لا ترفع وجهها، ولا تُجيب على نظرات صوفيا التي لم تعد تدري أين تضع قلقها.ميخائيل، بعيد عن الجميع، جلس ساكنًا.جسده أماميًا، راحته على ذقنه، لك

  • تحت جناح الجزار    16

    كان ضوء الفجر الرمادي يتسلل عبر الستائر الثقيلة، ينتشر بخجل فوق الجدران الحجرية، ويغمر أطراف السرير الضخم بدفء خافت.إيزابيلا استيقظت أولاً.كانت على جانبها، ظهرها إلى صدر ميخائيل، وذراعه ملتفة حول خصرها، ثقيلة… لكنها لا تُقيدها. بل تُطمئن.تنفست ببطء.أغمضت عينيها مجددًا للحظة، ثم فتحتها بهدوء.ت

  • تحت جناح الجزار    14

    السماء فوق المقبرة كانت رمادية، بلا شمس، بلا زرقة،كأنها هي الأخرى دخلت في حدادٍ صامت.هواء الصباح بارد، يحمل في طياته رائحة تراب رطب وذكرياتٍ مثقلة بالألم.الثلج لم يسقط، لكن الأرض كانت ما تزال تئنّ تحت وطأة الأمس.في وسط المقبرة، حيث الاصطفاف المعتاد، وقف عدد من رجال العائلة، الحرس، والكهنة الأرث

  • تحت جناح الجزار    15

    صباح اليوم التالي كان رماديًا كالمعتاد، لكن القصر بدا أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.كأن الجميع يمشي على أطراف أصابعه، بينما الفراغ الذي تركه بوريس لم يُملأ بعد.في جناحها، كانت داريا قد استيقظت مبكرًا.ارتدت فستانًا بسيطًا بلون كحلي داكن، وشعرها مُسرّح بدقة غير معتادة،عيناها مرآة راكدة لا تظهر ما خلف

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status