Share

الفصل الثالث

Author: Nada maamoun
last update publish date: 2026-06-10 20:11:20

الرجل في الصورة

استيقظت إيلين في الصباح وهي تشعر بثقل غريب فوق صدرها.

لم يكن بسبب قلة النوم فقط.

بل بسبب ذلك الشعور الذي لازمها منذ الانفجار.

شعور بأن حياتها بدأت تخرج عن مسارها الطبيعي.

جلست فوق السرير لعدة دقائق تحدق في الفراغ.

ثم أمسكت هاتفها.

لا رسائل جديدة.

لا أرقام مجهولة.

لا تحذيرات.

ومع ذلك لم تشعر بالراحة.

على العكس.

كان الهدوء نفسه مقلقًا.

نهضت واتجهت نحو المطبخ.

أعدت فنجانًا من القهوة وجلست قرب النافذة.

كانت الشمس تشرق ببطء.

والشارع بدأ يمتلئ بالمارة.

كل شيء يبدو طبيعيًا.

لكن داخلها لم يعد طبيعيًا أبدًا.

أخذت رشفة من قهوتها.

وفجأة تذكرت الصورة التي أرتها لها ليلى بالأمس.

وضعت الفنجان بسرعة.

ثم التقطت هاتفها.

فتحت المحادثة مع ليلى.

وكتبت:

"أرسلي لي الصورة."

لم تنتظر طويلًا.

وصلتها الصورة بعد أقل من دقيقة.

فتحتها فورًا.

وبدأت تتأمل الرجل الغامض من جديد.

كانت الصورة ملتقطة من بعيد.

ولم تكن واضحة بالكامل.

لكن شيئًا ما جذب انتباهها.

شيء لم تلاحظه بالأمس.

شعرت بقلبها ينبض أسرع.

كبرت الصورة أكثر.

ثم أكثر.

وتجمدت فجأة.

"مستحيل..."

همست بها دون وعي.

كان الرجل يشبه بدرجة كبيرة الشخص الذي اصطدمت به أمام المقهى.

نفس الطول.

نفس البنية الجسدية.

ونفس طريقة الوقوف.

لم تستطع رؤية الوجه بوضوح.

لكنها أصبحت شبه متأكدة.

أمسكت رأسها بين يديها.

إذا كان هذا هو الشخص نفسه...

فماذا يعني ذلك؟

هل كان يراقبها بالفعل؟

هل يتبعها منذ فترة؟

وهل له علاقة بالرسائل؟

---

بعد ساعة تقريبًا...

كانت تجلس مع ليلى داخل أحد المطاعم الصغيرة.

دفعت الهاتف نحوها.

وقالت مباشرة:

"هذا هو."

عقدت ليلى حاجبيها.

"من؟"

"الرجل الذي اصطدمت به بالأمس."

نظرت ليلى إلى الصورة.

ثم رفعت رأسها بسرعة.

"هل أنتِ متأكدة؟"

هزت إيلين كتفيها.

"لا أعرف."

ثم تنهدت.

"لكنني أشعر أنه هو."

ساد الصمت للحظات.

ثم قالت ليلى:

"إيلين... ربما يجب أن تبلغي الشرطة."

ضحكت إيلين بمرارة.

"وأقول لهم ماذا؟"

"إن هناك رجلًا يظهر في أماكن مختلفة؟"

لم تجد ليلى ردًا.

لأنها تعلم أن الأمر لن يبدو منطقيًا.

خصوصًا مع عدم وجود دليل حقيقي.

لكن القلق كان واضحًا على وجهها.

---

في الجهة الأخرى من المدينة...

كان عمر يقف داخل صالة رياضية خاصة.

يرتدي ملابس سوداء بسيطة.

وكان يوجه لكمات متتالية إلى كيس الملاكمة أمامه.

كل ضربة كانت أقوى من التي قبلها.

وكأنه يحاول إخراج غضبه بالكامل.

دخل سيف.

وتوقف عند الباب.

راقبه لثوانٍ.

ثم قال:

"وجدت شيئًا."

توقفت اللكمات فورًا.

استدار عمر نحوه.

ناول سيف له ملفًا صغيرًا.

فتح عمر الملف بسرعة.

وبدأ يقرأ.

ومع كل سطر كانت ملامحه تزداد صلابة.

حتى أغلقه أخيرًا.

وقال بصوت منخفض:

"إذن بدأوا التحرك."

هز سيف رأسه.

"أسرع مما توقعنا."

ساد الصمت.

ثم قال سيف:

"إذا اقتربوا منها أكثر فلن تستطيع حمايتها من بعيد."

أغلق عمر الملف ببطء.

ثم قال:

"أعرف."

"إذن؟"

رفع عينيه نحوه.

وفي نظراته ظهر تصميم واضح.

"سأقترب."

---

في المساء...

كانت إيلين تغادر مركز التسوق بعد أن أنهت بعض المشتريات.

حاولت طوال اليوم إبعاد أفكارها.

لكنها لم تستطع.

كانت تشعر أن أحدًا يراقبها.

ليس شعورًا عابرًا.

بل إحساس حقيقي.

وكأن هناك عينين تتابعان كل خطوة تخطوها.

خرجت إلى موقف السيارات.

وكان المكان شبه فارغ.

الهواء البارد يداعب خصلات شعرها.

وصوت خطواتها يتردد في المكان الهادئ.

فتحت حقيبتها بحثًا عن مفاتيح السيارة.

لكنها توقفت فجأة.

سمعت صوتًا خلفها.

صوت حركة سريعة.

استدارت فورًا.

لكنها لم تجد أحدًا.

ابتلعت ريقها.

ثم أكملت طريقها.

مرة أخرى...

سمعت الصوت.

هذه المرة كان أقرب.

أسرع.

وأوضح.

بدأ التوتر يتسلل إلى قلبها.

أمسكت هاتفها بقوة.

وزادت من سرعة خطواتها.

لكن قبل أن تصل إلى سيارتها...

ظهر رجلان من بين السيارات المتوقفة.

تجمدت في مكانها.

نظرت إليهما بصدمة.

لم تكن تعرفهما.

لكن نظراتهما لم تكن مطمئنة أبدًا.

تراجعت خطوة للخلف.

ثم أخرى.

شعرت بالخطر فورًا.

قال أحدهما بابتسامة باردة:

"مساء الخير."

لم تجب.

كانت عيناها تبحثان عن أي مخرج.

أي شخص.

أي شيء.

لكن الموقف كان سيئًا.

المكان شبه خالٍ.

والرجلان يقتربان ببطء.

قال الآخر:

"لا داعي للخوف."

وهنا فقط...

عرفت أنه يجب أن تخاف.

استدارت فجأة محاولة الابتعاد.

لكن أحدهما أمسك بذراعها بقوة.

شهقت بفزع.

وحاولت الإفلات منه.

"اتركني!"

صرخت وهي تدفعه بكل قوتها.

لكن قبضته كانت قوية.

شعرت بالخوف يسيطر عليها بالكامل.

وفي تلك اللحظة بالذات...

انطلقت صافرة سيارة بقوة داخل الموقف.

التفت الجميع نحو الصوت.

ظهرت سيارة سوداء مسرعة.

وتوقفت بعنف بالقرب منهم.

نزل منها رجل بسرعة.

طويل القامة.

يرتدي الأسود.

وتحمل ملامحه ذلك الهدوء المخيف.

تجمدت إيلين فور رؤيته.

هو.

الرجل نفسه.

الرجل الذي رأته أمام المقهى.

الرجل الموجود في الصورة.

الرجل الذي لم يغادر تفكيرها منذ الأمس.

أما الرجلان فتبادلا النظرات بقلق.

وكأنهما عرفاه.

قال أحدهما بصوت منخفض:

"لنرحل."

لكن الوقت كان متأخرًا.

كان عمر قد اقترب بالفعل.

وعيناه مثبتتان عليهما.

نظرة واحدة منه كانت كافية لتجعل التوتر يملأ المكان.

أما إيلين...

فكانت تنظر إليه وهي عاجزة عن فهم ما يحدث.

هل جاء بالصدفة؟

أم كان يتبعها؟

ولماذا بدا وكأنه يعرف الرجلين؟

ولأول مرة منذ بداية كل شيء...

شعرت أنها أصبحت أقرب خطوة واحدة من الحقيقة.

لكنها لم تكن تعلم أن تلك الخطوة...

ستفتح أمامها بابًا لم يعد بإمكانها إغلاقه.

ساد الصمت لثوانٍ طويلة.

ثوانٍ بدت لإيلين وكأنها دقائق كاملة.

كانت أنفاسها متسارعة.

وقلبها يخفق بعنف داخل صدرها.

أما الرجلان اللذان كانا يحاصرانها قبل لحظات، فقد بدت عليهما علامات التوتر فور ظهور عمر.

لاحظت ذلك بوضوح.

وهنا بالتحديد بدأ الخوف يمتزج بالشك.

من يكون هذا الرجل؟

ولماذا يعرفه هذان الشخصان؟

ولماذا ظهرا عليهما علامات القلق بمجرد رؤيته؟

تقدم عمر خطوة واحدة فقط.

لكن حضوره وحده كان كافيًا لتغيير الأجواء.

نظر إلى الرجل الذي كان يمسك بذراعها.

وقال بهدوء:

"اتركها."

لم يرفع صوته.

لم يصرخ.

لكن كلماته خرجت حادة بما يكفي.

نظر الرجل إليه للحظات.

ثم ترك ذراع إيلين بالفعل.

تراجعت إيلين بسرعة عدة خطوات.

وأصبحت المسافة بينها وبين الجميع أكبر.

قال أحد الرجلين محاولًا التظاهر بالهدوء:

"الأمر لا يعنيك."

رفع عمر حاجبه بسخرية خفيفة.

ثم قال:

"إذن لماذا أنتما ما زلتما هنا؟"

تبادل الرجلان النظرات.

وكان واضحًا أنهما لا يريدان المواجهة.

بعد ثوانٍ من التردد استدارا سريعًا وغادرا بين السيارات.

بقيت إيلين تراقبهما حتى اختفيا.

ثم استدارت نحو عمر مباشرة.

كانت غاضبة.

وخائفة.

ومرتبكة.

وكل هذه المشاعر اجتمعت في سؤال واحد.

"من أنت؟"

نظر إليها بهدوء.

لكن دون أن يجيب.

ازدادت عصبيتها.

"أنا أسألك."

اقتربت خطوة.

"من أنت بالضبط؟"

ما زال صامتًا.

وهذا زاد غضبها أكثر.

"تظهر فجأة في كل مكان."

أشارت نحوه بإصبعها.

"أراك أمام المقهى."

"ثم أراك هنا."

"وهذان الرجلان يعرفانك."

صمتت للحظة.

ثم أضافت:

"هل تراقبني؟"

لأول مرة تغيرت ملامحه قليلًا.

لكن صوته بقي هادئًا.

"لا."

ضحكت بسخرية.

"كاذب."

رفع حاجبيه.

فأكملت:

"هل تتوقع أن أصدق أنك تظهر دائمًا في الوقت المناسب بالصدفة؟"

كانت عيناها مثبتتين عليه.

تحاول قراءة أي شيء.

أي إشارة.

أي كذبة.

لكن وجهه كان أشبه بكتاب مغلق.

لا يمنحها شيئًا.

قال أخيرًا:

"أنتِ متوترة."

اتسعت عيناها.

"متوترة؟!"

كادت تضحك من شدة الاستفزاز.

"هناك أشخاص يلاحقونني."

"أتلقى رسائل مجهولة."

"ورجل غريب يظهر أمامي كل يوم."

أخذت نفسًا عميقًا.

ثم قالت:

"وبعد كل هذا تقول إنني متوترة؟"

للحظة قصيرة جدًا...

بدت ابتسامة صغيرة على شفتيه.

ابتسامة خاطفة اختفت سريعًا.

لكنها رأتها.

وهذا أغضبها أكثر.

استدارت مبتعدة.

"لا أريد التحدث معك."

لكن قبل أن تخطو خطوتين قال:

"إيلين."

توقفت فورًا.

شعرت وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميها.

استدارت ببطء.

ونظرت إليه.

"كيف تعرف اسمي؟"

ساد الصمت.

لثانية.

ثانيتين.

ثلاث.

ثم قال ببساطة:

"ليس من الصعب معرفته."

لكن الإجابة لم تقنعها.

بل زادت شكوكها.

أصبحت تنظر إليه وكأنه لغز مستحيل الحل.

---

بعد عشر دقائق...

كانت تقود سيارتها عائدة إلى المنزل.

لكن عقلها لم يكن معها.

كل تفكيرها كان منصبًا على عمر.

حتى اسمه لم تكن تعرفه بعد.

ومع ذلك شعرت أنه مرتبط بكل ما يحدث.

وصلت إلى المنزل.

وصعدت إلى شقتها.

وأغلقت الباب خلفها.

ثم ألقت حقيبتها فوق الأريكة.

وجلست.

تحاول ترتيب أفكارها.

لكنها فشلت.

وفجأة...

رن هاتفها.

نظرت إلى الشاشة.

رقم مجهول.

شعرت بقلبها يقفز داخل صدرها.

ردت فورًا.

"ألو؟"

لم يجب أحد.

سمعت فقط صوت تنفس خافت.

ثم انقطع الاتصال.

اتسعت عيناها.

نظرت إلى الهاتف بصدمة.

وبعد أقل من دقيقة...

وصلتها رسالة.

فتحتها بسرعة.

وكان مكتوبًا فيها:

"ابتعدي عن الرجل الذي كان معك."

شعرت ببرودة تسري في أطرافها.

أعادت قراءة الرسالة مرة.

ثم مرتين.

ثم ثلاث.

نفس الكلمات.

نفس الغموض.

لكن هذه المرة كان هناك شيء مختلف.

في أسفل الرسالة.

صورة.

صغيرة.

ومشوشة.

ضغطت عليها.

وانفتح الملف.

توقفت أنفاسها.

كانت صورة لعمر.

واضحة هذه المرة.

يقف أمام أحد المباني.

وينظر في اتجاه الكاميرا.

أما العبارة الموجودة أسفل الصورة فكانت كافية لتمنعها من النوم تلك الليلة.

"هذا الرجل أخطر مما تتخيلين."

---

في الجهة الأخرى من المدينة...

كان عمر يقف أمام نافذة مكتبه.

يحمل كوب قهوة بين يديه.

وعيناه مثبتتان على أضواء المدينة.

دخل سيف.

وقال:

"لقد وصلت الرسالة."

لم يلتفت عمر.

لكنه فهم المقصود فورًا.

زفر ببطء.

وقال:

"كما توقعت."

اقترب سيف منه.

"يبدو أنهم يريدون زرع الشك بينها وبينك."

ابتسم عمر بسخرية.

دون أن يرفع عينيه عن النافذة.

ثم قال:

"لن يحتاجوا إلى مجهود كبير."

صمت للحظة.

ثم أضاف:

"هي تشك بي بالفعل."

نظر إليه سيف.

ولأول مرة لاحظ شيئًا غريبًا.

رغم هدوء عمر المعتاد...

كان القلق واضحًا في عينيه.

قلق حقيقي.

ليس على نفسه.

بل على إيلين.

أما في مكان آخر...

كان شخص مجهول يجلس في غرفة مظلمة.

أمامه عشرات الصور المعلقة على الجدار.

كلها لإيلين.

ابتسم ببطء.

ثم أمسك صورة عمر.

ونظر إليها طويلًا.

قبل أن يقول:

"اقتربنا كثيرًا..."

ثم مزق الصورة إلى نصفين.

لتبدأ لعبة أخطر بكثير مما يتخيل الجميع.

نهاية الفصل الثالث

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (2)
goodnovel comment avatar
رحاب قابيل
جميلة جدا ...️ ...️ ...️ ...️
goodnovel comment avatar
منال صلاح
شدتني لقراءتها
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • خلف الاقنعه   الفصل الثامن والثمانون

    الاختيار"لا يقاس الإنسان بما مرّ به... بل بما يختاره بعد أن تنتهي العاصفة."مرّت ستة أشهر.أصبح مركز نادر للأمانة العلمية جزءًا من حياة الجامعة.لم يعد مكانًا يقص حكاية قديمة.بل مكانًا تُولد فيه حكايات جديدة.كل أسبوع...يدخل إليه عشرات الطلاب.ويخرجون وهم يحملون سؤالًا واحدًا:"ماذا سأفعل عندما أواجه أول اختبار لضميري؟"وكان هذا السؤال...هو النجاح الحقيقي للمركز.---أما إيلين...فقد عادت إلى التدريس.وقفت من جديد داخل قاعة المحاضرات.لكنها لم تعد تلك الأستاذة التي تحفظ الكتب فقط.كانت تتحدث عن العلم...وكأنها تتحدث عن الإنسان.في نهاية إحدى المحاضرات...رفع طالب يده.وقال:"دكتورة...""هل الإنسان يقدر يبدأ من الصفر؟"ابتسمت.ثم هزت رأسها برفق."لأ."تعجب الطلاب من الإجابة.فأكملت:"إحنا عمرنا ما بنبدأ من الصفر.""إحنا بنبدأ من الدرس."ساد الصمت.ثم دوّن معظم الطلاب الجملة في دفاترهم.---في الخارج...كان آدم يراقب الطلاب وهم يغادرون.اقترب منه حازم.وقال مبتسمًا:"واضح إنها بقت أستاذة مختلفة."ابتسم آدم."لأنها بقت إنسانة مختلفة."---في المساء...عاد الجميع إلى المركز.كان اليوم

  • خلف الاقنعه   الفصل السابع والثمانون

    الدرج الأخير"ليس كل باب مغلق يخفي سرًا... أحيانًا يخفي ذكرى تحتاج إلى الوقت المناسب."وقفت إيلين أمام مكتب والدها.كان الصباح هادئًا.وأشعة الشمس تتسلل عبر النافذة، لتسقط فوق الخشب العتيق الذي عرفته منذ طفولتها.أخرجت المفتاح ببطء.تأملته للحظة.ثم أدخلته في القفل.صدر صوت خافت...وانفتح الدرج.تنفست بعمق.وللمرة الأولى منذ بدأت رحلتها...لم تكن تتوقع أن تجد دليلًا.كانت تبحث فقط...عن آخر جزء من والدها.---فتحت الدرج.وجدت بداخله صندوقًا خشبيًا صغيرًا.لا يحمل أي قفل.رفعته برفق.ثم وضعته فوق المكتب.دخل آدم في تلك اللحظة.نظر إليها مبتسمًا.وسأل:"أستنى بره؟"هزت رأسها بالنفي."لأ...""المرة دي مش عايزة أواجه الماضي لوحدي."اقترب بهدوء.وجلس إلى جوارها.---فتحت الصندوق.كان بداخله ثلاث أشياء فقط.دفتر جلدي قديم.وشارة الجامعة التي كان نادر يعلقها على معطفه.وحجر صغير أملس...يشبه أحجار الشاطئ.عقدت حاجبيها.وأمسكت بالحجر.ابتسم آدم."غريب..."قالت وهي تتأمله:"فاكر؟""الرسم اللي لقيناه...""أنا وبابا على البحر."أومأ آدم.فهم المقصود.همست:"يبقى هو عمره ما نسي الوعد."---فتحت ا

  • خلف الاقنعه   الفصل السادس والثمانون

    أول خطوة نحو الغد"أصعب لحظة ليست عندما تكتشف الحقيقة... بل عندما تسأل نفسك: ماذا سأفعل بها؟"مرّت ثلاثة أشهر...وأصبح مركز نادر للأمانة العلمية مقصدًا لطلاب الجامعات والباحثين.لم يكن عدد الزوار هو ما أسعد إيلين.بل الرسائل التي بدأت تصل إلى المركز.رسائل من شباب...يعترفون بأخطائهم في أبحاثهم.ورسائل من أساتذة...يطلبون إدراج مادة عن أخلاقيات البحث العلمي.شعرت إيلين لأول مرة...أن الألم الذي عاشته...بدأ يتحول إلى شيء ينفع الآخرين.---في صباح أحد الأيام...دخل ساعي البريد حاملاً صندوقًا كبيرًا.وضعه فوق مكتب الاستقبال.وقال:"دي تبرعات للمركز."بدأ آدم يفتح الصندوق.وجد عشرات الكتب.وفي أعلى الكتب...رسالة قصيرة.قرأها بصوت مرتفع."أنا طالب دكتوراه.كنت هزوّر نتائج بحثي علشان ألحق موعد المناقشة.لكن بعد ما زرت المركز...مزقت البحث وبدأت من جديد.يمكن أتأخر سنة...لكن مش هتأخر عن ضميري.شكرًا."ساد الصمت.ثم ابتسم آدم.ناول الرسالة إلى إيلين.وقالت وهي تقرأها مرة أخرى:"أهو ده...""السبب الحقيقي اللي خلانا نكمل."---في المساء...اجتمع الفريق كعادته.لكن هذه المرة...لم يتحدثوا عن

  • خلف الاقنعه   الفصل الخامس والثمانون

    عندما يطرق الماضي الباب الأخير"هناك لحظة في حياة كل إنسان... يدرك فيها أن المستقبل لا يُبنى بالنسيان، بل بالمصالحة."افتتح مركز نادر للأمانة العلمية أبوابه رسميًا.لم تكن هناك احتفالات صاخبة.ولا منصات ضخمة.ولا كاميرات تبحث عن سبق صحفي.كان الحضور قليلًا...لكن كل من حضر، جاء لأنه يؤمن بالرسالة.وقفت إيلين أمام المنصة الخشبية الصغيرة.ألقت نظرة على الوجوه.رأت آدم...وحازم...والأستاذ فؤاد...وسارة...وعمر...وعددًا من الطلاب.ابتسمت بهدوء.ثم قالت:"المكان ده مش معمول علشان نمجد الماضي.""ولا علشان نفتكر أخطاءه كل يوم.""المكان ده معمول علشان نتعلم...""إن الحقيقة من غير شجاعة ملهاش قيمة."ساد تصفيق هادئ.لكنه كان صادقًا.---بعد انتهاء الافتتاح...بدأ الزوار يتجولون بين الغرف.وفي أثناء ذلك...اقترب رجل مسن من إيلين.كان يحمل عصًا خشبية.ويتحرك ببطء شديد.توقف أمامها.ثم قال:"إنتِ بنت الدكتور نادر؟"أومأت برأسها.ابتسم الرجل.لكن عينيه امتلأتا بالدموع."أنا كنت واحد من أوائل المرضى...""...اللي والدك ساعدهم."شعرت إيلين بالدهشة.قال الرجل:"يمكن هو نفسه نسي اسمي.""لكن أنا...""ع

  • خلف الاقنعه   الفصل الرابع والثمانون

    الأثر الذي يبقى"قد ينتهي صوت الإنسان... لكن أثره يظل يتردد في حياة آخرين."مر شهران.كانت أعمال تجهيز مركز نادر للأمانة العلمية تسير بخطوات ثابتة.لم يكن المكان كبيرًا.ولم يكن يحمل مظاهر الفخامة.لكنه كان يحمل شيئًا أهم...الصدق.---وقفت إيلين أمام الباب الرئيسي.راقبت مجموعة من العمال وهم يثبتون اللافتة الأخيرة.تنهدت بابتسامة هادئة.لم تعد تشعر أن المنزل أصبح متحفًا للماضي.بل بيتًا للمستقبل.---دخل آدم وهو يحمل مجموعة من الصناديق.وضعها على الأرض.وقال ضاحكًا:"أقسم إن الكتب دي أكتر من عدد طلاب الجامعة كلها."ضحكت إيلين لأول مرة منذ أيام.ثم جلست بجواره.بدأ الاثنان يرتبان الكتب على الأرفف.كان كل كتاب يحمل ملاحظات بخط نادر.وتعليقات صغيرة على الهوامش.قال آدم وهو يقلب أحد الكتب:"غريب...""حتى وهو بيصحح أخطاء الطلبة...""كان يبدأ بكلمة: (فكرة جميلة)."ابتسمت إيلين."دي كانت طريقته.""كان دايمًا يشوف الحاجة الحلوة الأول."---في الجانب الآخر من المنزل...كان حازم ينظف غرفة الأرشيف.فتح صندوقًا قديمًا.وجد بداخله عشرات الدفاتر.وبينها...رسومات بسيطة بالقلم الرصاص.نظر إليها مبت

  • خلف الاقنعه   الفصل الثالث والثمانون

    الرسالة الأخيرة"بعض الكلمات لا تُكتب لتُقرأ... بل لتُنقذ قلبًا في اللحظة المناسبة."ظلت إيلين تمسك بالظرف طوال طريق العودة.لم تفتحه.كانت أصابعها تمر فوق اسمها المكتوب بخط والدها.وكأنها تخشى أن تنتهي الرحلة بمجرد قراءة ما بداخله.لاحظ آدم صمتها.فسألها بهدوء:"مش هتفتحيه؟"ابتسمت ابتسامة صغيرة."مش دلوقتي."لم يضغط عليها.فقد أدرك أن بعض الرسائل...تحتاج شجاعة أكثر من اكتشاف أي سر.---مر المساء بطيئًا.جلست إيلين وحدها في غرفة والدها.وضعت الظرف فوق المكتب.وبجواره ساعة نادر...ودفتر "خلف الأقنعة".تأملت الأشياء الثلاثة طويلًا.ثم همست:"دي آخر مرة هسيب الخوف يسبقني."أخذت نفسًا عميقًا.وفتحت الظرف برفق.---كانت بداخله ورقة واحدة فقط.مطوية بعناية.وحين نشرتها...عرفت الخط فورًا.خط والدها.بدأت تقرأ."إلى ابنتي إيلين...إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة...فأنا على الأغلب لم أعد قادرًا على أن أشرح لك بنفسي.وأعرف أن غيابي ترك داخلك أسئلة كثيرة.يمكنك أن تغضبي مني.ويمكنك أن تلوميني.لكن أتمنى ألا تسمحي للكراهية أن تصبح بيتك.لأنها، مهما بدت عادلة، تسرق من صاحبها أكثر مما تعاقب غيره."تو

  • خلف الاقنعه   الفصل الخامس

    الفصل الخامسعندما يتحدث الماضي"أحيانًا نبحث عن الحقيقة طوال حياتنا... وعندما تقترب منا، نتمنى لو بقينا جاهلين بها."ظلت إيلين تحدق في الورقة بين يديها.لم تعد تسمع شيئًا حولها.لا صوت الساعة المعلقة على الحائط.ولا صوت السيارات في الخارج.ولا حتى أنفاسها.كل ما كانت تراه هو الاسم المكتوب أسفل الر

  • خلف الاقنعه   الفصل الرابع

    الفصل الرابعخلف كل إجابة... سؤال أخطر"أصعب الحقائق ليست تلك التي نخاف اكتشافها... بل تلك التي نخاف تصديقها."لم تستطع إيلين النوم.كانت صورة عمر ما تزال أمام عينيها.والعبارة التي وصلت مع الصورة تدور داخل رأسها بلا توقف."هذا الرجل أخطر مما تتخيلين."كلما حاولت إقناع نفسها أن الأمر مجرد لعبة من ش

  • خلف الاقنعه   الفصل الثاني

    الفصل الثانيأول لقاءلم تنم إيلين تلك الليلة.كانت مستلقية فوق سريرها تحدق في سقف الغرفة بينما يدور داخل رأسها عشرات الأسئلة.الرسالة.الانفجار.الرجل الذي لحق بها.والشخص المجهول الذي أنقذها واختفى.ثم ذلك الحرف."ع"مجرد حرف واحد.لكنها شعرت أنه يحمل خلفه الكثير.نهضت من السرير واتجهت نحو النافذ

  • خلف الاقنعه   الفصل السادس

    الفصل السادسالمفتاح رقم 17"ليست كل الأبواب تُفتح بالمفاتيح... بعض الأبواب تُفتح بالحقيقة، وعندها لا يمكنك إغلاقها مرة أخرى."بقيت إيلين واقفة في مكانها لعدة ثوانٍ وهي تحدق في القطعة المعدنية الصغيرة بين أصابعها.مفتاح.قديم.وكأنه مر عليه سنوات طويلة.أما الرقم المحفور عليه فكان واضحًا.17شعرت ب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status