مشاركة

رماد القمر
رماد القمر
مؤلف: Faten Aly

البارت الأول

مؤلف: Faten Aly
last update تاريخ النشر: 2026-06-08 02:41:43

في قلب قرية ريفية ساكنة، يرتفع منزل بسيط من ثلاثة طوابق، تميزه واجهة مطلية بازرقاق هادئ يشبه لون السماء في أول النهار. انفتحت بوابته الحديدية الكبيرة لتمر منها يسرا، ثم أغلقتها وراءها بإحكام، وكأنها توصد الباب على فضول الجيران ونظراتهم المترقبة.

صعدت الدرج الحجري بتباطؤ شديد، كانت ساقاها ثقيلتين وثمة غصة حائرة في حلقها؛ فاليوم هو الموعد الموعود لوصول العريس. لم تكن تدري إن كان الفرح سيعرف طريقه إلى قلبها كأي فتاة في مثل هذا الموقف، أم أن الخوف سيظل سيد الموقف. تداخلت مشاعرها واضطربت حتى عجزت عن الإمساك بخيط شعور واحد صحيح.

يسرا.. تلك الفتاة الفاتنة التي جمعت بين رقة الملامح وصفاء الروح، حباها الله بجمال داخلي وخارجي يأسر القلوب ويسرّ كل من تطلع إليها، لكنها اليوم كانت تبدو كعصفور يخشى الغد.

ما إن فتحت باب الشقة ودلفت إلى الداخل، حتى استقبلتها زوجة أخيها بابتسامة سمجة، مصطنعة على غير عادتها الجافة، وعلقت بنبرة حاولت أن تكسوها بالمرح

- أهلاً بعروستنا الحلوة.. كان لازم يعني كلية النهاردة؟ يالا بسرعة استعدي عشان الناس على وصول

أومأت يسرا برأسها موافقة دون أن تنطق بكلمة، ثم انسحبت متجهة إلى غرفتها. ألقت بحقيبتها جانباً فوق الفراش، ومع حركتها تلك، انفتحت في رأسها خزانة الذكريات المريرة؛ ارتدت بذاكرتها إلى حبها الأول، وكيف انخدعت يوماً بنظرات ظنتها طوق نجاة، وبكلمات معسولة لم تكن سوى فخ من الوهم.

تقدمت نحو المرآة، وتأملت انعكاس صورتها الطاغية في الزجاج، ملامحها الجميلة الممزوجة بنبرة حزن خفيفة، ورددت في سرها بتضرع وخشوع

- يا ترى العريس بتاع النهاردة ده شكله إيه؟.. يا رب يبقى عوض عن كل اللي راح.

✨✨✨✨✨✨✨✨

على الجانب الآخر، وفي شرفة ضيقة تطل على حارة صاخبة، كان محمود يجلس وحيداً، وعيناه معلقتان بالفراغ. يحتمي بكوب من الشاي الساخن بين كفّيه الخشنتين، وينفث دخان سيجارته ببطء، مراقباً الذرات الرمادية وهي تتطاير وتتلاشى في الهواء لتتحول إلى سراب.. سراب يشبه تماماً ذلك الحب الكبير الذي ضيعه بيديه، فتبخر في زحام الأيام ولم يتبقَ منه سوى الرماد.

استبدت به الذكرى، فطافت في مخيلته صورة يسرا بضحكتها الصافية التي كانت تضيء عتمة أيامه، وببراءتها العذبة التي كانت تأسر قلبه وتنتشله من قسوة واقعه. تذكر كيف كانت تنظر إليه، وغصّ حلقه بمرارة الندم؛ لقد خسرها، خسرها للأبد بضعفه، وتردده، وغبائه الذي أعماه عن التمسك بها في الوقت المناسب.

محمود.. الحب الأول ليسرا، ذاك الشاب الذي أمضى سنوات عمره بين الحديد والنار في ورشة السيارات، يطوع المحركات بجهده، لكنه عجز عن الحفاظ على القلب الوحيد الذي نبض لأجله بصدق.

نهض محمود من مقعده بخطى مثقلة بالندم، وتقدم نحو خزانة خشبية قديمة. فتح أحد الأدراج ببطء كمن يفتح جرحاً قديماً، ومد يده ليمسك بصورة مخبأة بعناية بين أوراقه. كانت صورتها هي.. يسرا.

تثبتت عيناه على ملامحها الفاتنة المطمئنة في الصورة، ومرر إبهامه الخشن فوق وجهها برقة غريبة لا تشبه قسوة عمله، ثم تنهد بأسف حارق، وردد بصوت مخنوق بالدموع

- أنا آسف يا حبيبتي.. معرفتش قيمتك غير لما سيبتك. يا ريت تسامحيني.

✨✨✨✨✨✨✨✨

حلّ المساء، واكتظت صالة المنزل الأزرق بالحاضرين، حيث اجتمعت عائلة يسرا بكامل أفرادها: والدتها التي كانت تتابع المشهد بقلب أم قلق، وشقيقتها الصغرى شروق، وإخوتها الثلاثة؛ سمير الأخ الأكبر والمتحكم، وعماد الأخ القريب إلى قلبها والمحيط بها بحماية مفرطة، وخالد الأخ الأصغر، وبالطبع زوجة أخيها نرمين التي كانت عيناها تلمعان بفضول لا يهدأ. في المقابل، كانت عائلة العريس تقتصر على والديه فقط، واللذين وقرا في جلستهما بوقار هادئ.

بعد عبارات الترحيب والمقدمات التقليدية المعتادة في مثل هذه الصالحات، تقدم العريس حسام رسمياً لطلب يد يسرا. أشار سمير بأمر مطاع لاستدعاء شقيقته من غرفتها، لتبدأ الخطوة التالية، حيث فُسح المجال لهما للجلوس جانباً في ركن منفصل لبدء حديث التعارف.

اتجهت الأنظار نحو يسرا وهي تقترب بخطى وجلة، وكان حسام يتطلع إليها بإعجاب شديد لم يستطع، ولم يحاول، إخفاءه. أمام تلك النظرات المركّزة، خفضت يسرا عينيها فوراً، واجتاحت حمرة الخجل وجنتيها؛ وفي تلك اللحظة، تمنت في سرها لو انشقت الأرض لتفر هاربة من حصار نظراته التي أربكت ضربات قلبها.

حنحن حسام لينظف حلقه، محاولاً كسر الجمود، ثم أردف بنبرة هادئة وواثقة

- أنا اسمي حسام، عندي تمانية وعشرين سنة، وبشتغل في شركة قطاع خاص. الحقيقة.. أنا شفتك مرتين قبل كده، ومن أول مرة عيني وقعت عليكِ سكنتي قلبي. أنا مش غاوي كلام كتير عن نفسي، فحابب أسمعك أنتِ.. كلميني عن نفسك، ولو عندك أي سؤال أنا معاكِ.

شعرت يسرا بالارتباك يبلغ ذروته، فبدأت تفرك يديها بتوتر، محاولة تجميع شتات كلماتها، ثم خرج صوتها خافتاً ينم عن حياء شديد

- أنا اسمي يسرا.. في السنة النهائية كلية تجارة إنجليزي. بصراحة.. مش عارفة أقول إيه.. بس أنا عندي طموح إني بعد ما أتخرج أشتغل، بالرغم من اعتراض عماد أخويا على الفكرة.

مال حسام بجسده قليلاً نحوها، وتابع باهتمام وعينين تلمعان بالحماس

- على فكرة، أنا بشجع عمل المرأة جداً ومؤمن بيه. الشغل بيبني للشخصية كيان، وبيخليها تندمج مع المجتمع وتوسع أفقها ومداركها أوي.

وقعت كلماته في نفسها موقعاً طيباً، ولامست وتراً حساساً في أحلامها؛ فلأول مرة تجد من يستمع لطموحها دون تسفيه. بدأت تتخيل نفسها امرأة عاملة، تواجه الحياة وتتحمل المسؤولية، وتتمتع بذمتها المالية الخاصة دون أن تكون عبئاً أو حاجة لأحد.

لمح حسام لمعة السعادة والارتياح في عينيها، فاستغل الخيط وبدأ يفتح مواضيع متنوعة، لتجد يسرا نفسها، ومدفوعة بالاطمئنان، تتبادل معه أطراف الحديث بحرية غير معهودة.

لم يدم هذا الصفاء طويلاً، إذ سرعان ما انضم إليهما عماد. جلس بينهما وعيناه متوجستان؛ فقد اشتعلت في صدره غيرة الأخ وحمايته الزائدة، وهو يرى شقيقته الصغرى، التي طالما أحاطها بالرعاية، تجلس مع رجل غريب وتتحدث بطلاقة وارتياح لم يرهما منها من قبل.

انتهى اللقاء الرسمي، وودعت العائلة الضيوف. ومع إغلاق البوابة الكبيرة خلفهم، كانت يسرا قد اتخذت قرارها داخل غرفتها؛ ستعطي لحسام ولهذه الزيجة فرصة حقيقية، حاسمة أمرها بالقبول، بالرغم من نظرات الاعتراض والتحفظ التي كان يرمقها بها شقيقها عماد.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • رماد القمر    57

    57 هكذا هي الحياة؛ دروبٌ تتبدل لتُطوى صفحة وتبدأ أخرى، وتدور عجلاتها بانتظامٍ صارم لا تتوقف لأجل غائب، ولا تتعثر بموقف، بل تمضي قُدماً تجرّ خلفها المصائر والوجوه في نهر الزمان المتدفق. 🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹 تغيرت ملامح حسن على الفور، واجتاحت وجهه موجة من الاضطراب والوجل عقب كلمتها الأخيرة؛ تأهب بكل حواسه وجوارحه، ووقف مشدوهاً ينتظر صاعقة ذلك الشرط الذي قد يطيح بآماله. مرت عليه تلك اللحظات الثقيلة وكأنها سنوات عجاف، حتى قطعت لبنى حبل صمتهما وتفوهت بشرطها قائلة في ثبات - لازم أعرف إيه سبب الخلاف الحقيقي اللي كان بينك وبين نهى.. وليه طلقتها بعد كل السنين دي؟ زفر حسن نفساً حاراً بقوة كمن يزيح عن صدره جبلاً، وعاود الجلوس على مقعده ببطء، وعيناه شاخصتان نحو الفراغ؛ شرد بباله قليلاً، ومرت أمام عينيه لمحات خاطفة من الحزن العتيق، وكأن تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم قبل سبع سنوات تعود بكامل قسوتها لتتجسد أمامه، وكلمات نهى الجارحة واعترافها القديم يرن في أذنيه كصدى مرير. نعم، لم تفارقه تلك الذكرى طيلة تلك السنين؛ فكلما عقد نيته على الغفران أو حاول بدء حياة جديدة، تصرخ تلك الكلمات في أعماقه لتبعده أكث

  • رماد القمر    56

    56 تحتضن ذراعه القوي بتملك أنثوي دافع، وتسير بجواره بخطى راقصة، قبل أن تنحني نحوه وتردد بصوت خافت شبه مسموع، حتى لا يصل إلى مسامع والدتها يسرا التي كانت تسير خلفهما ببضع خطوات وتتفقد واجهات المحال - علشان خاطري يا بابا.. خلي ماما توافق تجيبلي البلوزة اللي نفسي فيها وشوفتها في المحل اللي فات.. أنت عارفها هتفضل تقول لبسها كتير انطلقت ضحكات عماد الرجولية الرنانة لتملأ الممر، والتفت إلى تلك الفتاة الفاتنة التي غدت شابة يافعة، ودائماً ما تغلبه بدلالها العذب وتلك الكلمة السحرية بابا التي تملك بها أوتار قلبه؛ فربت على كفها الصغيرة وردد بنبرة ملؤها التأكيد والفخر - وماما ليه وأنا رحت فين يا قلب بابا؟ أنا اللي هجيبلك كل اللي أنتِ عاوزاه، السنيورة مسك تؤمر وتطلب بس.. دي أقل هدية لتفوقك السنادي في دراستك، ودايماً رافعة راسي كده ومحافظة على المركز الأول. طبعت مسك قبلة رقيقة على وجنته وهي تشكره بامتنان جارف، وفي تلك اللحظة اقتربت منهما يسرا، متطلعة إليهما بفضول وشك، ثم رفعت إحدى حاجبيها واردفت بحزم مفتعل وعينين ضاحكتين - يا ترى بقى كنتوا بتتفقوا على مصيبة إيه من ورايا؟ الوشوه دي أنا عارفاها

  • رماد القمر    55

    55 لم يكن كل شيء على ما يرام كما يبدو في الظاهر، فبالرغم من كل تلك الترتيبات الدقيقة والأجواء الاحتفالية المبهرة التي خطط لها عماد بعناية فائقة ليخرج الحفل رائعاً ويليق بقلب الصغيرة، إلا أن الشروخ كانت أعمق من أن تداويها الألوان والبالونات. بالرغم من صخب الأغاني وضحكات الأطفال، كان قلب يسرا ما زال ينزف حزناً، تنهشه تلك الكلمات المسمومة التي ألقتها أختها شروق في وجه طفولتها البريئة. كانت يسرا تبتسم مجاملة، وتداعب ابنتها وتصفق مع المصفقين، لكن قلبها من الداخل كان يقطر ألمًا ومرارة على واقع حياتها الملتوي، وعلى مصير ابنتها اليتيمة التي باتت جُرمًا وثقلاً في عيون بعض المقربين. بينما كانت يسرا غارقة في ألمها النفسي تحاول مواراته خلف الأقنعة، كانت هناك عينان ترصدانها من بعيد، تشتعلان بحقد أسود وغل أعمق من بئر سحيق؛ إنها نرمين. كانت تقف مصلبة الجسد، تحمل ابنتها على كتفها بامتلاك، بينما تقبض بيدها الأخرى بقسوة على يد ابنها الصغير، تمنعه بعنف من الحركة أو اللهو مع بقية الأطفال، وتخص بالمنع "مسك" ابنة عمته. كانت نرمين تتهكم في سريرتها على هذا البذخ الصاخب، وتحدث نفسها بغيظ قائلًا..... كل هذه

  • رماد القمر    54

    54 عادت راندا من عملها والبهجة تسبق خطاها، تحمل بين يديها علبة كرتونية كبيرة مزينة بدقة، تحتوي على هدية فاخرة اختارتها بعناية لمسك بمناسبة اقتراب عيد ميلادها الثالث؛ فابنة أحمد ويسرا كانت دائمًا في منزلة خاصة بقلبها. تطلع خالد إلى تلك العلبة الكبيرة بإعجاب، ثم نقل نظراته الدافئة إلى راندا؛ فالشهور الأخيرة بدأت تترك أثرها العذب على جسدها، وباتت بطنها تبرز بوضوح خفيف ينبئ بحملها الذي دخل شهره الرابع. لقد قضت العامين الماضيين في تأجيل فكرة الإنجاب بذكاء وصبر، متنازلة عن رغبتها الأمومية مؤقتًا حتى يتفرغ هو تمامًا لإنهاء دراسته الشاقة ودبلوماته، والآن حان وقت قطاف الثمر. سألها خالد بدهشة ممزوجة بالابتسام، مشيرًا إلى العلبة - إيه العلبة الكبيرة دي كلها؟ أنتِ لسه راجعة من الشغل تعبانة، إيه اللي شايلاه ده؟ أجابته بنبرة تفيض حنانًا وهي تضعها على المنضدة - دي هدية مسك يا خالد.. عيب ميلادها الثالث بعد كام يوم، ومكنش ينفع المناسبة دي تعدي من غير ما أفرح قلبها وقلب يسرا شعر خالد بموجة جارفة من العشق تجتاح كيانه؛ اقترب منها بخطوات بطيئة، وأحاط خصرها الغض بذراعيه من الخلف، ساندًا ذقنه على كتف

  • رماد القمر    53

    53 يتطلع أحمد إلى وليده الصغير بعينين تشعان فخراً وعزاً، والبهجة تملأ أركان صدره الرحب؛ فأخيراً منّ الله عليه بالولد والوارث الذي يحمل اسمه، الذكر الذي طالما انتظر قدومه ليرفع به رأسه. امتدت يداه بلهفة حانية ليرفع الجسد الضئيل، وضمه إلى صدره بقوة وعاطفة جياشة لم يعهدها من قبل، ثم انحنى يهمس في أذنه الصغيرة بنبرة دافئة ممتلئة بالآمال - تعال في حضن أبوك يا حبيب قلبي..... بكرة لما تكبر هتبقى سندي وعزوتي في الدنيا دي كلها... شد حيلك كده وأكبر ارتسمت على شفتي مريم ابتسامة عريضة تفيض بالانتصار والخيلاء، وكانت تتابع تفاصيل تلك الفرحة العارمة التي أظهرها أحمد بسخاء وصخب أمام الجميع؛ فالتفتت إليه وتردّدت بنبرة يغلفها الغرور والاعتداد بالذات - إيه رأيك بقى يا سيدي؟ جبتلك الولد اللي كنت بتحلم بيه أهو، وجبتلك معاه الحظ والخير كله.. أنا عاوزة بقى حفلة سبوع كبيرة وضخمة، تليق بابنك البكري وتسمّع الدنيا كلها.. مش أي كلام يعني.... اه يعنى دا ولد مش بنت زى المحروسة لقد تناست مريم تماماً، في زحمة كبريائها، أمر مسك.. ابنة أحمد الأولى والطفلة البكر الحقيقية له. ولم تكن مريم وحدها هي التي طمست معالم

  • رماد القمر    52

    52 لقد غيرتها تلك الأيام العجاف كثيراً، صهرتها نيران الخذلان لتخرج من أتون تلك التجربة القاسية بشخصية جديدة؛ شخصية قوية، صلبة، عصية على الكسر. تعلمت كيف تتخلى ببساطة وتنزع الأشخاص من حياتها دون أن يرف لها جفن، ودون أن تظهر للملأ ذرة واحدة من حزنها الدفين. حتى نظرة عينيها تبدلت تماماً؛ غادرتها الانكسارات القديمة، لتلتمع اليوم ببريق جديد حاد، بريق يصعب على من يجهل ماضيها تفسيره أو سبر أغواره. أصبحت خطاها أكثر اتزاناً وثقة، تسير في دروب الحياة برأس مرفوع وعينين ثابتتين لا تحيدان عن الهدف. لم يعد يغريها البريق الزائف للكلام المعسول، أو بالمعنى الأصح، لم تعد ترى حولها أي بريق يستحق الالتفات؛ فقد انقشعت الغمامة وانكشفت الكثير من الأمور، وظهرت الحقائق عارية أمام بصيرتها. وفيما كانت تعود من عملها ذات مساء، والخطى تحثها بشوق جارف لرؤية ابنتها مسك وضمهما إلى صدرها، تلاشت طمأنينة الطريق حين تفاجأت بمن يقطع خطوتها ويقف حائلاً بينها وبين دربها. إنه محمود. كان يقف أمامها بارتباك فاضح، وعيناه اللتان طالما حملتا الكبرياء تمتلئان اليوم بندم يمزق ملامحه، ولسانه منعقد عاجز عن صياغة جملة مفيدة. حاول ر

  • رماد القمر    البارت السادس

    ولم يطل مكوثه في ساحة الغزل، إذ سرعان ما عرج بالحديث نحو المرتب، وبدأ يلقي عليها نصائح مطولة في الادخار، وحسن التدبير، والتوفير للمستقبل. كان حديثه يدور في حلقة مفرغة، محورها الأساسي وسؤاله المبطن... كم يبلغ راتبك تحديداً؟.تسلل الضيق إلى صدر يسرا وحاولت كتمانه، حتى باغتَها في منتصف الحوار بسؤال مب

  • رماد القمر    البارت الخامس

    جلست يسرا بجوار شقيقها عماد، تحيطه بحنانها وتحاول مواساته على ضياع ذلك الحب الكبير؛ حبٌّ صمد لثلاث سنوات كاملة، وتحدّى الكثير، لكنه تبخر وتلاشى في لحظة واحدة عاصفة.كان عماد يشعر بضيق شديد يكتم أنفاسه، وتدفقت الدموع في عينيه بغزارة، لكنه جاهد بكل ما أوتي من كبرياء لتبصقها جفونه وتظل حبيسة في مقلتيه

  • رماد القمر    البارت الرابع

    مرّت الأيام متلاحقة كأنها في سباق مع الزمن، ليحلّ اليوم الموعود؛ يوم إعلان نتائج نهاية العام. وهو اليوم نفسه الذي علّق عليه سمير قراره النهائي بمباركة خطبة يسرا وتحديد موعدها الرسمي، رابطاً بين شهادتها الجامعية وانتقالها إلى بيت زوجها. دلفت يسرا من بوابات الجامعة الواسعة، ممسكة بيد ريهام بقوة كمن

  • رماد القمر    البارت الثالث

    خطا محمود عتبة المنزل بجسد هامد، يجر خلفه إرهاق يوم شاق وطويل أمضاه بين حديد الورشة وعوادم السيارات، تاركاً خلفه بقع الشحم على ثيابه، ومحتملاً بقايا حرارة النهار في صدره. لكن ثقل خطاه لم يكن من تعب الجسد وحده، بل من فكرة واحدة كانت تنهش روحه بضراوة. ما إن دلف إلى الصالة حتى وقعت عيناه على خلود، اب

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status