بيت / الرومانسية / رماد القمر / البارت الرابع

مشاركة

البارت الرابع

مؤلف: Faten Aly
last update تاريخ النشر: 2026-06-08 02:59:58

مرّت الأيام متلاحقة كأنها في سباق مع الزمن، ليحلّ اليوم الموعود؛ يوم إعلان نتائج نهاية العام. وهو اليوم نفسه الذي علّق عليه سمير قراره النهائي بمباركة خطبة يسرا وتحديد موعدها الرسمي، رابطاً بين شهادتها الجامعية وانتقالها إلى بيت زوجها.

دلفت يسرا من بوابات الجامعة الواسعة، ممسكة بيد ريهام بقوة كمن يستند إلى جدار آيل للسقوط. كان الشحوب قد استوطن ملامحهما، والوجل يطل من عيونهما الحائرة، حتى أن جفاف حلقيهما من فرط التوتر بات يسبب لهما غصة حقيقية. كانت خطواتهما ثقيلة، تتقدمان نحو لوحات الإعلانات وكأن أقدامهما مكبلة بالحديد؛ وكيف لا تكون كذلك، وما يفصلهما عن عتبة التخرج والانطلاق نحو المستقبل سوى لحظات تحسمها ورقة معلقة على جدار؟

كلما اقتربتا، تباطأت خطاهما أكثر، وأخذت دقات قلبيهما تتسارع بصخب يصم الآذان. لم يعد يفصلهما عن القوائم سوى سنتيمترات قليلة. في تلك اللحظة الحرجة، أغمضت يسرا عينيها بقوة، وضغطت على أصابع ريهام، ورفعت بقلبها تضرعاً صامتاً وخاشعاً إلى الله. وعندما فتحت جفنيها، بدأت عيناها تسبحان وسط طوفان الأسماء المرتبة أبجدياً. لمحت أولاً اسم صديقتها، فانتفض جسدها وقفزت في الهواء، وخرجت منها صيحة فرح هزت أركان المكان

- مبروك يا ريهام! نجحتِ يا روحي وجبتِ تقدير جيد! مبروك يا حبيبتي

ارتمت ريهام في أحضانها وهي تبكي وتحمد الله بصوت متهدج على نجاةٍ لم تكن تتوقعها، ثم دفعت يسرا بلهفة قائلة

- شوفي اسمك أنتِ بسرعة يا يسرا.. طمنيني عليكِ

عادت عينا يسرا تتفحصان الحروف بتركيز شديد، حتى استقرت عيناها على اسمها الكامل. في ثانية واحدة، تحولت ملامحها، وقفزت عالياً والدموع تنهمر من عينيها بغزارة كشلال من الراحة، ورددت بصوت مخنوق من شدة الفرح

- نجحت يا روكا.... نجحت وجبت جيد جداً..... الحمد لله يا رب.. الحمد لله

تشبثت الصديقتان ببعضهما البعض في عناق طويل، وغمرتهما سعادة عارمة أنستْهما كل سهر، وتعب، وقلق شهور مضت. كانتا تظنان، بكثير من البراءة، أن طريق المشقة قد انتهى عند هذه اللوحة، وأن بوابة الحرية قد فُتحت لتبدأ رحلة العمل وكسب المال وبناء الكيان المستقل.

لكن يسرا، وفي غمرة فرحتها، كانت تدرك أن رأسها بات مثقلاً بملفات شائكة تنتظر الحسم فور عودتها للمنزل الأزرق؛ فعليها الآن الاستعداد لترتيبات خطبتها من حسام، والمحاربة لإصلاح الشرخ الكبير الذي حدث بين شقيقها المقرب عماد وحبيبته نهى، والأمر الأهم الذي يشغل طموحها.. وهو النزول الفعلي إلى معترك سوق العمل وإثبات ذاتها.

أما ريهام، فلم تكن الحسابات المعقدة تشغل بالها؛ إذ لم يكن يدور في عقلها سوى هاجس واحد، فكرة واحدة تسيطر على كل جوارحها: الخروج بأي ثمن إلى مجال العمل، ليس حباً في الوظيفة، بل رغبة في الهروب من جدران منزلها التي باتت تخنقها، والفرار من ماضٍ يطاردها بين زواياه.

✨✨✨✨✨✨✨✨

ما إن تقرر تحديد موعد حفل الخطوبة عقب إعلان النتيجة مباشرة، حتى التمعت في رأس يسرا فكرة اعتبرتها طوق نجاة؛ ستتخذ من هذه المناسبة حجة مثالية لدعوة نهى شخصياً، والهدف الأسمى والأساسي الذي كان يحرك خطوتها هو إرساء الصلح بينها وبين شقيقها عماد، وإعادة وصل ما انقطع بينهما.

ذهبت يسرا إلى بيت نهى، وما إن فتحت لها الباب حتى استقبلتها الأخيرة بترحاب شديد وعناق حار؛ فنهى، وبالرغم من كل الصراعات، كانت تكنّ ليسرا معزة خاصة وتراها فتاة نقية لا ذنب لها في تعنت الظروف.

جلست يسرا في الصالة، وتسلل التردد إلى أوصالها، فباتت لا تدري من أي خيط تبدأ غزل الحديث. نظرت إلى نهى، وحاولت رسم ابتسامة هادئة يغلفها الخجل، ثم أردفت بنبرة رقيقة

- أنا جيت النهاردة بنفسي عشان أعزمك على خطوبتي يوم الخميس اللي جاي.. ومينفعش طبعاً متكونيش موجودة.

بادرتها نهى بابتسامة واسعة وكلمات مباركة دافئة، لكنها سرعان ما أتبعتها بعبارة نزلت على رأس يسرا كالصاعقة، ألجمت لسانها وشلت حركتها، حيث أردفت نهى بهدوء

- ألف مبروك يا روحي.. ربنا يتمملك على خير ويسعدك يا رب. إن شاء الله جاية طبعاً.. أنا وخطيبـي.

خطيبك؟

.. دوت الكلمة في عقل يسرا كأصداء رعد قاصف. بقيت ترددها في سرها بذهول، وتحركت عيناها تلقائياً نحو كف نهى، لتتسمر نظراتها على خاتم الخطوبة اليرقاق الذي بات يزين بنصرها. في تلك اللحظة، شعرت يسرا وكأن جدران الغرفة تدور بها في دوامة عنيفة من الصدمة. طارت أفكارها فوراً إلى شقيقها عماد؛ تخيلت ملامحه، وانكسار روحه عندما يعلم بهذا الخبر.. كيف سيكون وقع هذه الطعنة عليه؟ وهل سيحتمل قلبه النابض بحبها فكرة أنها صارت ملكاً لرجل آخر؟

شعرت يسرا بنياط قلبها تتقطع حزناً على شقيقها وتوأم روحها. حاولت النهوض ومغادرة المكان لتخفي معالم صدمتها، لكن قدميها خذلتاها لأكثر من مرة، حتى استجمعت بقايا قوتها ووقفت في النهاية، لتخرج من حنجرتها كلمات التهنئة بصوت خافت، مبحوح ومثقل بحزن دافق، ثم تراجعت نحو الباب وغادرت المنزل بخطوات متثاقلة كأنها تجر خلفها جبالاً من الهموم.

أغلقت نهى الباب خلف يسرا، واستندت إليه وهي تطلق تنهيدة حارة، وحدثت نفسها بمرارة وواقعية

- كنت عارفة ومتأكدة إنها جاية عشان تفتح السيرة وتصالحني على عماد.. لكن للأسف، كان لازم تعرف الحقيقة وتواجهها. أنا مكنتش أقدر أرفض العرسان أكتر من كده عشان سراب.. أنا جبت كل الحجج الممكنة لبيتنا وأخرت الموضوع عشان خاطره، وعماد واقف مكانه مش بيتحرك خطوة واحدة، مستني أخته لما تتجوز وتخلص جامعتها وكأن عمري واقف على شرفه.. كان لازم أنقذ نفسي.

✨✨✨✨✨✨✨

أُقيم حفل الخطوبة في أجواء عائلية بسيطة، اقتصرت على المقربين من العائلتين، لكن البساطة كانت السر وراء تلك الهالة الساحرة التي أحاطت بيسرا. بدت كالحورية في فستانها الهادئ وزينتها الرقيقة التي لم تكلفها الكثير، لكنها أبرزت فتنتها الطبيعية وأظهرتها كالأميرات اللواتي يسرقن الأنظار دون مجهود.

وسط هذه الأجواء الاحتفالية، كانت نرمين تقف في زاوية من الصالة، تتأمل يسرا بعينين تشتعلان بالغيرة والحقد. كان نجاح يسرا في أن تبدو بهذا البهاء، بالرغم من بساطة كل شيء حولها، يثير حنق نرمين ويزيد من مرارة قلبها؛ لكنها سرعان ما هدأت ثورتها برسم ابتسامة لئيمة خفية، وهدأت نفسها بحديث داخلي مواسٍ

- اصبري يا نرمين.. خلاص مابقاش كتير، كلها سنة بالكتير وتتجوز وتغور من البيت ده، وساعتها الشقة والبيت كله هيفضالي ومحدش هيشاركني في حاجة.

على الجانب الآخر من الصالة، كان عماد يقف كجسد بلا روح، وعيناه معلقتان بباب الشقة لا تفارقانه للحظة. كان ينتظر بلهفة وقلق عاصف أن تدلف نهى من ذلك الباب، حاسماً أمره في داخله بأن يستغل وجودها ليعتذر لها عما بدر منه، ويعدها أمام الجميع بأن يتحدى الظروف ويتقدم لخطبتها فوراً دون تأخير.

كانت يسرا، وبالرغم من انشغالها بمهنئيها، تختلس النظرات إلى شقيقها وتوأم روحها بين الحين والآخر. كان الألم الشاخص في عيني عماد يمزق أحشاءها، وشعرت بغصة حارقة في حلقها لأنها تملك الحقيقة المرّة التي ستعصف بآماله، لكنها لم تكن تقوى على التفوه بحرف واحد وسط الحفل لتفسد الفرحة وتكسر قلبه أمام الناس.

أما ريهام، فقد كانت تقف بجوار صديقة طفولتها بسعادة بالغة، تحتضنها بحب حقيقي وتبارك لها من كل قلبها. لكن في غمرة ذلك العناق، مرت في عيني ريهام لمحة خاطفة من الحزن والانكسار؛ تذكرت جرحها القديم وغلطتها التي تدفع ثمنها، وتملكتها قناعة سوداء بأنها لن تعيش مثل هذه اللحظات يوماً، ولن ترتدي فستاناً تبدو فيه كعروس.

انفض الحفل وغادر الجميع، ليرجع السكون إلى أركان المنزل الأزرق، لكنه لم يعرف طريقه إلى عقْل يسرا. جلست في غرفتها تتقاذفها أمواج الحيرة والشك؛ فقربها من حسام طوال الساعات الماضية، ومراقبته عن كثب في أول احتكاك حقيقي أمام عائلتها، كشف لها عن جوانب خفية لم تلمسها في اللقاء الأول.

وفي عتمة الليل، حدثت يسرا نفسها بتوجس وقلق

- فيه أكتر من موقف حصل النهاردة من حسام.. تصرفات ونظرات وطريقة كلام مش أنا لوحدي اللي لاحظتها، حتى إخواتي ولمحوها. المواقف دي خلتني بجد أبدأ أعيد النظر في الخطوبة دي كلها وأقلق من طباعه.. بس مش هحكم بسرعة، لازم أديله فرصة كاملة وأفهم طبيعته كويس قبل ما أخد أي قرار.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • رماد القمر    57

    57 هكذا هي الحياة؛ دروبٌ تتبدل لتُطوى صفحة وتبدأ أخرى، وتدور عجلاتها بانتظامٍ صارم لا تتوقف لأجل غائب، ولا تتعثر بموقف، بل تمضي قُدماً تجرّ خلفها المصائر والوجوه في نهر الزمان المتدفق. 🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹 تغيرت ملامح حسن على الفور، واجتاحت وجهه موجة من الاضطراب والوجل عقب كلمتها الأخيرة؛ تأهب بكل حواسه وجوارحه، ووقف مشدوهاً ينتظر صاعقة ذلك الشرط الذي قد يطيح بآماله. مرت عليه تلك اللحظات الثقيلة وكأنها سنوات عجاف، حتى قطعت لبنى حبل صمتهما وتفوهت بشرطها قائلة في ثبات - لازم أعرف إيه سبب الخلاف الحقيقي اللي كان بينك وبين نهى.. وليه طلقتها بعد كل السنين دي؟ زفر حسن نفساً حاراً بقوة كمن يزيح عن صدره جبلاً، وعاود الجلوس على مقعده ببطء، وعيناه شاخصتان نحو الفراغ؛ شرد بباله قليلاً، ومرت أمام عينيه لمحات خاطفة من الحزن العتيق، وكأن تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم قبل سبع سنوات تعود بكامل قسوتها لتتجسد أمامه، وكلمات نهى الجارحة واعترافها القديم يرن في أذنيه كصدى مرير. نعم، لم تفارقه تلك الذكرى طيلة تلك السنين؛ فكلما عقد نيته على الغفران أو حاول بدء حياة جديدة، تصرخ تلك الكلمات في أعماقه لتبعده أكث

  • رماد القمر    56

    56 تحتضن ذراعه القوي بتملك أنثوي دافع، وتسير بجواره بخطى راقصة، قبل أن تنحني نحوه وتردد بصوت خافت شبه مسموع، حتى لا يصل إلى مسامع والدتها يسرا التي كانت تسير خلفهما ببضع خطوات وتتفقد واجهات المحال - علشان خاطري يا بابا.. خلي ماما توافق تجيبلي البلوزة اللي نفسي فيها وشوفتها في المحل اللي فات.. أنت عارفها هتفضل تقول لبسها كتير انطلقت ضحكات عماد الرجولية الرنانة لتملأ الممر، والتفت إلى تلك الفتاة الفاتنة التي غدت شابة يافعة، ودائماً ما تغلبه بدلالها العذب وتلك الكلمة السحرية بابا التي تملك بها أوتار قلبه؛ فربت على كفها الصغيرة وردد بنبرة ملؤها التأكيد والفخر - وماما ليه وأنا رحت فين يا قلب بابا؟ أنا اللي هجيبلك كل اللي أنتِ عاوزاه، السنيورة مسك تؤمر وتطلب بس.. دي أقل هدية لتفوقك السنادي في دراستك، ودايماً رافعة راسي كده ومحافظة على المركز الأول. طبعت مسك قبلة رقيقة على وجنته وهي تشكره بامتنان جارف، وفي تلك اللحظة اقتربت منهما يسرا، متطلعة إليهما بفضول وشك، ثم رفعت إحدى حاجبيها واردفت بحزم مفتعل وعينين ضاحكتين - يا ترى بقى كنتوا بتتفقوا على مصيبة إيه من ورايا؟ الوشوه دي أنا عارفاها

  • رماد القمر    55

    55 لم يكن كل شيء على ما يرام كما يبدو في الظاهر، فبالرغم من كل تلك الترتيبات الدقيقة والأجواء الاحتفالية المبهرة التي خطط لها عماد بعناية فائقة ليخرج الحفل رائعاً ويليق بقلب الصغيرة، إلا أن الشروخ كانت أعمق من أن تداويها الألوان والبالونات. بالرغم من صخب الأغاني وضحكات الأطفال، كان قلب يسرا ما زال ينزف حزناً، تنهشه تلك الكلمات المسمومة التي ألقتها أختها شروق في وجه طفولتها البريئة. كانت يسرا تبتسم مجاملة، وتداعب ابنتها وتصفق مع المصفقين، لكن قلبها من الداخل كان يقطر ألمًا ومرارة على واقع حياتها الملتوي، وعلى مصير ابنتها اليتيمة التي باتت جُرمًا وثقلاً في عيون بعض المقربين. بينما كانت يسرا غارقة في ألمها النفسي تحاول مواراته خلف الأقنعة، كانت هناك عينان ترصدانها من بعيد، تشتعلان بحقد أسود وغل أعمق من بئر سحيق؛ إنها نرمين. كانت تقف مصلبة الجسد، تحمل ابنتها على كتفها بامتلاك، بينما تقبض بيدها الأخرى بقسوة على يد ابنها الصغير، تمنعه بعنف من الحركة أو اللهو مع بقية الأطفال، وتخص بالمنع "مسك" ابنة عمته. كانت نرمين تتهكم في سريرتها على هذا البذخ الصاخب، وتحدث نفسها بغيظ قائلًا..... كل هذه

  • رماد القمر    54

    54 عادت راندا من عملها والبهجة تسبق خطاها، تحمل بين يديها علبة كرتونية كبيرة مزينة بدقة، تحتوي على هدية فاخرة اختارتها بعناية لمسك بمناسبة اقتراب عيد ميلادها الثالث؛ فابنة أحمد ويسرا كانت دائمًا في منزلة خاصة بقلبها. تطلع خالد إلى تلك العلبة الكبيرة بإعجاب، ثم نقل نظراته الدافئة إلى راندا؛ فالشهور الأخيرة بدأت تترك أثرها العذب على جسدها، وباتت بطنها تبرز بوضوح خفيف ينبئ بحملها الذي دخل شهره الرابع. لقد قضت العامين الماضيين في تأجيل فكرة الإنجاب بذكاء وصبر، متنازلة عن رغبتها الأمومية مؤقتًا حتى يتفرغ هو تمامًا لإنهاء دراسته الشاقة ودبلوماته، والآن حان وقت قطاف الثمر. سألها خالد بدهشة ممزوجة بالابتسام، مشيرًا إلى العلبة - إيه العلبة الكبيرة دي كلها؟ أنتِ لسه راجعة من الشغل تعبانة، إيه اللي شايلاه ده؟ أجابته بنبرة تفيض حنانًا وهي تضعها على المنضدة - دي هدية مسك يا خالد.. عيب ميلادها الثالث بعد كام يوم، ومكنش ينفع المناسبة دي تعدي من غير ما أفرح قلبها وقلب يسرا شعر خالد بموجة جارفة من العشق تجتاح كيانه؛ اقترب منها بخطوات بطيئة، وأحاط خصرها الغض بذراعيه من الخلف، ساندًا ذقنه على كتف

  • رماد القمر    53

    53 يتطلع أحمد إلى وليده الصغير بعينين تشعان فخراً وعزاً، والبهجة تملأ أركان صدره الرحب؛ فأخيراً منّ الله عليه بالولد والوارث الذي يحمل اسمه، الذكر الذي طالما انتظر قدومه ليرفع به رأسه. امتدت يداه بلهفة حانية ليرفع الجسد الضئيل، وضمه إلى صدره بقوة وعاطفة جياشة لم يعهدها من قبل، ثم انحنى يهمس في أذنه الصغيرة بنبرة دافئة ممتلئة بالآمال - تعال في حضن أبوك يا حبيب قلبي..... بكرة لما تكبر هتبقى سندي وعزوتي في الدنيا دي كلها... شد حيلك كده وأكبر ارتسمت على شفتي مريم ابتسامة عريضة تفيض بالانتصار والخيلاء، وكانت تتابع تفاصيل تلك الفرحة العارمة التي أظهرها أحمد بسخاء وصخب أمام الجميع؛ فالتفتت إليه وتردّدت بنبرة يغلفها الغرور والاعتداد بالذات - إيه رأيك بقى يا سيدي؟ جبتلك الولد اللي كنت بتحلم بيه أهو، وجبتلك معاه الحظ والخير كله.. أنا عاوزة بقى حفلة سبوع كبيرة وضخمة، تليق بابنك البكري وتسمّع الدنيا كلها.. مش أي كلام يعني.... اه يعنى دا ولد مش بنت زى المحروسة لقد تناست مريم تماماً، في زحمة كبريائها، أمر مسك.. ابنة أحمد الأولى والطفلة البكر الحقيقية له. ولم تكن مريم وحدها هي التي طمست معالم

  • رماد القمر    52

    52 لقد غيرتها تلك الأيام العجاف كثيراً، صهرتها نيران الخذلان لتخرج من أتون تلك التجربة القاسية بشخصية جديدة؛ شخصية قوية، صلبة، عصية على الكسر. تعلمت كيف تتخلى ببساطة وتنزع الأشخاص من حياتها دون أن يرف لها جفن، ودون أن تظهر للملأ ذرة واحدة من حزنها الدفين. حتى نظرة عينيها تبدلت تماماً؛ غادرتها الانكسارات القديمة، لتلتمع اليوم ببريق جديد حاد، بريق يصعب على من يجهل ماضيها تفسيره أو سبر أغواره. أصبحت خطاها أكثر اتزاناً وثقة، تسير في دروب الحياة برأس مرفوع وعينين ثابتتين لا تحيدان عن الهدف. لم يعد يغريها البريق الزائف للكلام المعسول، أو بالمعنى الأصح، لم تعد ترى حولها أي بريق يستحق الالتفات؛ فقد انقشعت الغمامة وانكشفت الكثير من الأمور، وظهرت الحقائق عارية أمام بصيرتها. وفيما كانت تعود من عملها ذات مساء، والخطى تحثها بشوق جارف لرؤية ابنتها مسك وضمهما إلى صدرها، تلاشت طمأنينة الطريق حين تفاجأت بمن يقطع خطوتها ويقف حائلاً بينها وبين دربها. إنه محمود. كان يقف أمامها بارتباك فاضح، وعيناه اللتان طالما حملتا الكبرياء تمتلئان اليوم بندم يمزق ملامحه، ولسانه منعقد عاجز عن صياغة جملة مفيدة. حاول ر

  • رماد القمر    البارت الرابع عشر

    حلّ اليوم الموعود لقراءة الفاتحة، واجتمعت العائلتان في بهو المنزل وسط إحتفال بسيط، يغلفه رنين الضحكات وصوت الملاعق وهي تداعب أكواب الشربات. ارتدت الوجوه أقنعة البهجة المناسبة للمقام، وبدت التبريكات تتدفق من الأفواه بسلاسة، حتى تقدم أحمد وبسط كفه ليلبس يسرا خاتم الخطبة، ليعلن الرابط الجديد أمام الجم

  • رماد القمر    البارت التاسع

    حلّ يوم الجمعة، ليجمع شمل الأسرة كاملة حول مائدة الغداء التي ضجت بتفاصيلهم المعتادة. وما إن فرغ الجميع من تناول الطعام، حتى انفضّ الجمع ليتوزعوا في أرجاء غرفة المعيشة. التفتت يسرا برأسها نحو عماد، وجلست بالقرب منه كعادتها، ثم همست له بنبرة خفيضة تخبئ وراءها ثقلاً كبيراً، مخبرة إياه بأنها تريده في أ

  • رماد القمر    البارت الثامن

    الصمت مالي الأوضاع، تقيل ومكتوم، ومفيش صوت طالع غير أنفاس عماد العالية اللي فضحا غضبه. بص لأخوه سمير بنظرات حادة، وبعدين لف لمامتهم اللي كانت عمالة تفرك في منديلها بقلق وخوف. - أنا حذرتكم من الأول عماد بدأ يتكلم وهو بيضغط على كل كلمة - قلت لكم الراجل ده ميتأمنش على ضفرها، فما بالكم بحياتها؟ كلا

  • رماد القمر    البارت الأول

    في قلب قرية ريفية ساكنة، يرتفع منزل بسيط من ثلاثة طوابق، تميزه واجهة مطلية بازرقاق هادئ يشبه لون السماء في أول النهار. انفتحت بوابته الحديدية الكبيرة لتمر منها يسرا، ثم أغلقتها وراءها بإحكام، وكأنها توصد الباب على فضول الجيران ونظراتهم المترقبة.صعدت الدرج الحجري بتباطؤ شديد، كانت ساقاها ثقيلتين وث

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status