سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)

سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)

last updateLast Updated : 2026-07-30
By:  Lamar Updated just now
Language: Arab
goodnovel16goodnovel
Not enough ratings
11Chapters
7views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

لكل إنسان سرّ يخفيه... لكن سرّ نرجس ليس من هذا العالم. منذ سنوات، تعيش نرجس بيننا كأي فتاة عادية — ابتسامة هادئة، حياة بسيطة، وماضٍ لا تتحدث عنه أبدًا. لكن خلف هذا الهدوء الظاهري، تختبئ حقيقة لو انكشفت، لن تكلّفها حياتها فقط... بل حياة كل من حولها. هربت نرجس من مكانٍ لا يعرف الرحمة، تاركة خلفها حكمًا لم يُنفَّذ بعد، وذنبًا ارتكبته لأنها أحبت أكثر مما يجب. والآن، وبعد أن ظنّت أن الاختباء كافٍ لحمايتها، يبدأ شخص ما بالاقتراب أكثر مما ينبغي — يلاحظ أشياء صغيرة لا تُفسَّر، ويسأل أسئلة لا تملك نرجس جوابًا آمنًا عليها. من هي نرجس حقًا؟ ومن أين أتت؟ وما السر الذي تخبئه خلف كل ابتسامة، وكل خطوة محسوبة بعناية؟ كل من يقترب منها، يقترب أكثر من حقيقة قد تغيّر فهمه لكل ما ظنّ أنه يعرفه عن هذا العالم. بعض الأسرار لا تُخفى لأنها مخجلة... بل لأنها تفوق التصديق.

View More

Chapter 1

رائحة القهوة والذكريات المحروقة

الساعة تجاوزت الحادية عشرة ليلًا، والمقهى الصغير على ناصية الشارع بدأ يفرغ شيئًا فشيئًا من زبائنه المعتادين. نرجس تقف خلف الطاولة الخشبية، تمسح كوبًا زجاجيًا للمرة الثالثة رغم أنه نظيف تمامًا منذ البداية، عيناها شاردتان نحو النافذة حيث المطر الخفيف يرسم خطوطًا فضية على الزجاج.

في العشرين من عمرها — أو هكذا تخبر الجميع حين يسألونها — تبدو نرجس كأي فتاة جامعية عادية. شعر أسود طويل تجمعه غالبًا بذيل حصان بسيط، عينان بنيتان داكنتان يصعب أن تقرأ فيهما شيئًا، وابتسامة مهذبة تظهر فقط حين يكون العمل يتطلب ذلك.

"نرجس، الطاولة الرابعة تنتظر الفاتورة."

صوت زميلتها في العمل، سارة، أعادها إلى الحاضر. هزّت رأسها بسرعة واتجهت نحو الطاولة، تبتسم ابتسامة تلقائية درّبت نفسها عليها منذ سنوات. "تفضلوا، وشكرًا لزيارتكم."

هذا العمل الليلي في المقهى لم يكن اختيارها الأول، لكنه كان الأنسب. ساعات هادئة، ضوء خافت، وزبائن قليلون لا يسألون أسئلة كثيرة. بالإضافة إلى أنه يترك لها الصباحات حرة لمحاضرات علم النفس في الجامعة — تخصص اختارته بدافع فضول غريب لفهم عقول البشر، أولئك الكائنات المعقدة التي تعيش بينهم منذ سنوات دون أن تفهمهم حقًا.

بعد انتهاء دوامها، مشت نرجس وحدها في الشارع الفارغ تقريبًا، معطفها ملفوف حولها بإحكام ضد برد الليل. شقتها الصغيرة لم تكن بعيدة، لكنها كانت تفضّل دائمًا هذه المسافة القصيرة سيرًا على الأقدام — وقت للتفكير، أو ربما وقت للهروب من التفكير.

مفتاح الباب دار في القفل بصوت مألوف، والشقة استقبلتها بصمتها المعتاد. لا أحد ينتظرها هنا. لا أحد ينتظرها في أي مكان، في الحقيقة.

جلست على حافة السرير، تخلع حذاءها ببطء، حين تسلل إليها ذلك الشعور الذي كانت تحاربه دائمًا — ذلك الفراغ الذي يزحف كل ليلة حين يخفت الضجيج ويبقى صمت الشقة وحده يملأ المكان.

مرّت سنتان.

سنتان كاملتان منذ ذلك اليوم الذي انتهى فيه كل شيء. خمس سنوات من حب ظنّت أنه سيستمر إلى الأبد، حب بُني على أساسات لم تكن يومًا مثل أي حب بشري عادي — كان أعمق، أكثر التزامًا، وربما لهذا السبب بالذات كان انتهاؤه أشد قسوة.

لم تكن تسمح لنفسها بالتفكير كثيرًا في ذلك. كانت قد تعلّمت، منذ زمن طويل، كيف تغلق الأبواب على ذكرياتها بإحكام. لكن أحيانًا، في لحظات الصمت هذه بالذات، كانت الأبواب تُفتح رغمًا عنها.

تذكرت وجهه. ابتسامته حين كان يمسك يدها. الطريقة التي كان ينظر بها إليها كأنها الشيء الوحيد المهم في وجوده. وتذكرت أيضًا — بشكل أكثر إيلامًا — وجوه أهلها. صوت أمها يناديها من بعيد بلغة لم تعد تسمعها إلا في أحلامها. نظرة أبيها الأخيرة، تلك النظرة التي لم تعرف حتى اليوم إن كانت غضبًا أم حزنًا أم كليهما معًا.

عشيرتها. عالمها. كل شيء تركته خلفها في ليلة واحدة، دون أن تلتفت إلى الوراء.

نهضت فجأة، كأن الذكريات بدأت تثقل عليها أكثر مما تحتمل، واتجهت إلى المطبخ الصغير لتحضّر لنفسها كوبًا من الشاي. يداها، وهي تمسك الغلاية، لامستا للحظة سطح الموقد المعدني الساخن.

لم تشعر بأي ألم.

نظرت إلى أصابعها بلا مبالاة، وكأن الأمر عادي تمامًا، قبل أن تتذكر — كما تفعل دائمًا في هذه اللحظات النادرة من السهو — أن عليها أن تتظاهر. سحبت يدها بسرعة، وتنهدت بصوت خافت وهي تهمس لنفسها: "احذري يا نرجس."

هذا ما كانت تفعله كل يوم. كل ساعة تقريبًا. تتذكّر أن عليها أن تتصرف كإنسانة. أن تتألم حين يجب أن تتألم، وأن تخاف حين يُفترض أن تخاف، وأن تبكي حين يكون البكاء هو رد الفعل المتوقع.

بعد سنتين من الحياة وحدها، كانت قد أتقنت اللعبة إلى حد كبير. لكن الليالي، حين يخلو كل شيء من الضجيج، كانت لا تزال الأصعب.

جلست على الأريكة، تحتضن كوب الشاي بين يديها، ونظرت إلى انعكاس صورتها الباهت في نافذة الشقة المظلمة. لثوانٍ، ظنّت أنها رأت شيئًا غريبًا في ذلك الانعكاس — بريقًا خفيفًا جدًا في عينيها، اختفى بسرعة قبل أن تتأكد منه.

هزّت رأسها، واقتنعت أنه مجرد تعب.

غدًا يوم جديد. محاضرة الساعة التاسعة، ثم دوام المقهى مساءً. حياة بسيطة، هادئة، لا تلفت الانتباه.

هذا بالضبط ما كانت تريده.

لكن شيئًا ما، في عمق ذلك الهدوء، كان يخبرها أن هذا التوازن الهش لن يدوم إلى الأبد.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
11 Chapters
رائحة القهوة والذكريات المحروقة
الساعة تجاوزت الحادية عشرة ليلًا، والمقهى الصغير على ناصية الشارع بدأ يفرغ شيئًا فشيئًا من زبائنه المعتادين. نرجس تقف خلف الطاولة الخشبية، تمسح كوبًا زجاجيًا للمرة الثالثة رغم أنه نظيف تمامًا منذ البداية، عيناها شاردتان نحو النافذة حيث المطر الخفيف يرسم خطوطًا فضية على الزجاج.في العشرين من عمرها — أو هكذا تخبر الجميع حين يسألونها — تبدو نرجس كأي فتاة جامعية عادية. شعر أسود طويل تجمعه غالبًا بذيل حصان بسيط، عينان بنيتان داكنتان يصعب أن تقرأ فيهما شيئًا، وابتسامة مهذبة تظهر فقط حين يكون العمل يتطلب ذلك."نرجس، الطاولة الرابعة تنتظر الفاتورة."صوت زميلتها في العمل، سارة، أعادها إلى الحاضر. هزّت رأسها بسرعة واتجهت نحو الطاولة، تبتسم ابتسامة تلقائية درّبت نفسها عليها منذ سنوات. "تفضلوا، وشكرًا لزيارتكم."هذا العمل الليلي في المقهى لم يكن اختيارها الأول، لكنه كان الأنسب. ساعات هادئة، ضوء خافت، وزبائن قليلون لا يسألون أسئلة كثيرة. بالإضافة إلى أنه يترك لها الصباحات حرة لمحاضرات علم النفس في الجامعة — تخصص اختارته بدافع فضول غريب لفهم عقول البشر، أولئك الكائنات المعقدة التي تعيش بينهم منذ سن
last updateLast Updated : 2026-07-29
Read more
اصطدام في الممر الخطأ
الجامعة في الصباح كانت دائمًا مزدحمة بشكل يثير أعصاب نرجس. الممرات مليئة بالطلاب، الضحكات العالية، المجموعات المتجمهرة أمام قاعات المحاضرات وهي تتبادل أحاديث لا تنتهي عن حفلة الجمعة أو مشروع التخرج أو أي شيء آخر لا يعنيها بشيء.نرجس لم تكن من النوع الذي ينتمي إلى مجموعة. لم تكن تملك صديقة مقربة، ولا حتى معارف تجلس معهم في الكافيتيريا. كانت تدخل، تحضر محاضرتها، وتخرج بأسرع ما يمكن — كأنها ظل يمر بين الجدران دون أن يترك أثرًا. الأمر لم يكن يزعجها، أو هكذا كانت تقنع نفسها كل صباح. الصداقات تعني قربًا، والقرب يعني أسئلة، والأسئلة كانت آخر شيء تحتاجه في حياتها.في ذلك الصباح تحديدًا، كانت متأخرة عشر دقائق عن محاضرة علم النفس المرضي، وهذا وحده كان كافيًا ليفسد مزاجها. أسرعت الخطى في الممر الرئيسي، عيناها مثبتتان على هاتفها وهي تتحقق من رقم القاعة، حين اصطدمت بجسم صلب فجأة.كوب قهوة كامل انسكب بالكامل على قميصها."ما هذا—!"رفعت رأسها بغضب لتجد شابًا طويلًا، بشعر أسود منكوش وكأنه لم يمشط منذ أيام، ينظر إليها بصدمة مماثلة، والكوب الفارغ لا يزال في يده وكأنه لا يستوعب ما حدث."أنتِ من اصطدمتِ
last updateLast Updated : 2026-07-29
Read more
قهوة لم تطلبها
خرجت نرجس من القاعة بعد ساعة ونصف من محاضرة لم تستوعب منها شيئًا تقريبًا. كانت أفكارها تتشتت باستمرار، تعود بها إلى ذلك الوجه الساخر وتلك النظرة التي رافقت كلماته الأخيرة. حاولت أن تقنع نفسها أنه نسي الأمر، أن التجمهر عند الباب كان مجرد كلام عابر لا معنى حقيقيًا وراءه.لكنه كان هناك.واقفًا بجانب الحائط، كوبان من الورق المقوى في يديه، وابتسامة على وجهه وكأنه ينتظر منذ ساعات ولم يشعر بالملل ولو للحظة."ظننتك ستهربين من الباب الخلفي."توقفت نرجس في مكانها، تنظر إليه بحذر واضح. "لماذا فعلت هذا؟""لأنني رجل يفي بوعوده، مهما كانت تافهة." مدّ لها أحد الكوبين. "قهوة سوداء، بدون سكر. خمّنتُ أن هذا ما تفضلينه — تبدين كشخص لا يحب الأشياء المُحلاة كثيرًا."أخذت الكوب منه بتردد، أصابعها تلامس أصابعه للحظة عابرة، وشعرت بشيء غريب — دفء غير طبيعي في يده، أعلى بقليل مما يجب أن يكون عليه دفء إنسان عادي. سحبت يدها بسرعة أكبر مما ينبغي، محاولة أن تبدو طبيعية."كيف عرفت؟""لم أعرف، خمّنت فقط." ابتسم بثقة. "يبدو أنني محظوظ اليوم."مشيا معًا بضع خطوات دون تخطيط، باتجاه لا أحد منهما حدده، حتى وجدا نفسيهما ج
last updateLast Updated : 2026-07-29
Read more
مطاردة غير معلنة
في اليوم التالي، وصلت نرجس إلى الجامعة بخمس دقائق مبكرة عن موعدها المعتاد — تفصيل بسيط لم تنتبه إليه إلا حين وجدت نفسها تتفحص الممر الرئيسي بعينيها بحثًا عن وجه معين. أدركت ما تفعله فجأة، وشعرت بامتعاض من نفسها. "أنتِ لا تبحثين عن أحد،" همست لنفسها بصوت خافت، محاولة إقناع عقلها بشيء لم يعد قلبها مقتنعًا به تمامًا."كنتُ أراهن مع نفسي إن كنتِ ستأتين مبكرة أم متأخرة، وربحتُ الرهان."كاد الكوب في يدها يسقط من المفاجأة. استدارت لتجد سرمد يتكئ على الجدار خلفها مباشرة، وكأنه ظهر من العدم، بابتسامة عريضة تعلن انتصاره الصغير."هل تراقبني؟""أراقبكِ؟ يا للاتهامات الخطيرة! أنا فقط أتواجد في نفس الأماكن التي تتواجدين فيها، بمحض الصدفة البحتة، في نفس التوقيت تقريبًا، كل يوم." توقف للحظة، يتأمل وجهها المتجهم. "حسنًا، ربما كانت مراقبة قليلًا. لكن مراقبة ودودة جدًا، من النوع غير المخيف.""كل مراقبة مخيفة بطبيعتها.""إلا إذا كانت مصحوبة بكرواسان." أخرج من خلف ظهره كيسًا ورقيًا صغيرًا، يمده نحوها بفخر واضح، كأنه يقدّم جائزة نوبل. "هدية سلام. أو رشوة. سمّيها كما تريدين."نظرت نرجس إلى الكيس، ثم إليه، ب
last updateLast Updated : 2026-07-29
Read more
قوة تحت السيطرة
بحلول التاسعة مساءً، كانت نرجس قد استبدلت ملابسها الجامعية بزي المقهى الأسود البسيط، وربطت شعرها إلى الخلف بإحكام، وارتدت تلك الابتسامة المهنية التي أتقنت صنعها على مدار سنوات طويلة من التدريب المتعمد.المقهى في الليل كان مختلفًا تمامًا عنه في النهار. الزبائن أقل، لكنهم أكثر تنوعًا — طلاب يذاكرون حتى ساعات متأخرة، عشاق يبحثون عن ركن هادئ، ورجال يجلسون وحدهم بعد يوم عمل طويل، أحيانًا بمزاج لا يُحتمل، وأحيانًا أخرى بمزاج أسوأ بكثير بعد كأس أو اثنين من مكان آخر قبل وصولهم.كانت تعرف هذا النوع من الزبائن جيدًا. تعرف نظراتهم قبل أن تصل حتى إلى طاولاتهم."أهلًا يا جميلة، أخيرًا نادلة تستحق النظر إليها في هذا المكان الممل."الرجل، في منتصف الثلاثينيات تقريبًا، كان يجلس وحده منذ نصف ساعة، وكأسه الثالث من القهوة أمامه لم يمنعه من محاولة إمساك معصمها حين اقتربت لتضع الطلبية على طاولته.توقفت نرجس للحظة، كل عضلة في جسدها تشدّدت فجأة بشكل لا يليق بجسد بشري عادي. شعرت بتلك الحرارة المألوفة تتجمع في أطراف أصابعها — إنذار داخلي صامت يخبرها أن قوة كامنة بداخلها بدأت تستيقظ، جاهزة، متلهفة تقريبًا، لتح
last updateLast Updated : 2026-07-29
Read more
ما بين الذاكرة والنار
بعد منتصف الليل بقليل، وبعد أن أغلقت باب شقتها خلفها وتأكدت أن كل الأضواء مطفأة، جلست نرجس على حافة سريرها في الظلام، والذكريات التي حاربتها طوال اليوم بدأت تتسلل أخيرًا، دون استئذان، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة بالذات لتغزوها.تذكرته. تذكرت وجهه البشري تمامًا، الدافئ بدفء إنسان عادي لا يحمل أي غرابة، ويدين اعتادت أن تمسك يدها بحذر في البداية، وكأنه يخشى أن تكون هشة أكثر مما تبدو. لم يكن يعرف حقيقتها يومًا — لا شيء منها، لا عالمها ولا طبيعتها الحقيقية. كل ما عرفه كان اسمًا، وابتسامة، وامرأة أحبها بصدق تام دون أن يعرف أنه يحب أكثر بكثير مما يتخيل.تذكرت دفء تلك السنوات الخمس، بساطتها، الطريقة التي جعلها بها تشعر — ولو للحظات قصيرة — أنها إنسانة عادية فعلاً، لا تحمل خلفها ماضيًا مرعبًا ولا مستقبلًا مهددًا بالفناء. كان حبًا هادئًا مقارنة بما عرفته من قبل في عالمها، لكنه كان حقيقيًا بطريقته، عميقًا بما يكفي ليجعلها تنسى، لفترة، من هي أصلًا.لكن الحب نفسه كان خطأها الأكبر. لأنها، في لحظة ضعف لم تستطع كبح نفسها فيها، كشفت له أكثر مما يجب أن يعرفه أي إنسان — لمحة صغيرة، عابرة، من حقيقة عالمه
last updateLast Updated : 2026-07-29
Read more
عيون في الظلام
مرّ أسبوع كامل منذ تلك الليلة، أسبوع تحوّلت خلاله علاقة نرجس بسرمد إلى شيء أعمق مما توقعته، رغم كل مقاومتها الداخلية. أصبح وجوده اليومي أمرًا شبه معتاد — ينتظرها عند باب القاعة، يحضر لها قهوتها المفضلة دون أن تطلب، يجلس معها في الحديقة الخلفية للجامعة كل مساء تقريبًا، يملأ صمتها بحديثه المتدفق وضحكاته المفاجئة.لكن في ذلك اليوم بالذات، شعرت نرجس بشيء مختلفًا منذ الصباح الباكر — إحساس خفي، غامض، يشبه وخز إبرة صغيرة في مؤخرة عقلها. إحساس لم تشعر به منذ زمن طويل جدًا، لكنها تعرفه جيدًا: إحساس بأنها مراقَبة.في طريقها إلى الجامعة، توقفت أكثر من مرة، تلتفت بسرعة نحو الخلف، لكنها لم تجد شيئًا سوى شارع عادي مزدحم بالمارة. حاولت إقناع نفسها أن الأمر مجرد توهم، بقايا قلق قديم استيقظ بسبب اقترابها الأخير من سرمد.لكن الإحساس لم يختفِ. بل ازداد قوة مع مرور الساعات.في المحاضرة، وجدت صعوبة في التركيز، عيناها تتجهان بشكل لا إرادي نحو النافذة كل بضع دقائق، تفحص الفناء الخارجي بحثًا عن أي شيء غير معتاد. لم تجد شيئًا واضحًا، لكن ذلك الشعور بقي عالقًا، ثقيلًا، كظل يتبعها دون أن يظهر."أنتِ شاردة اليوم
last updateLast Updated : 2026-07-29
Read more
أشياء صغيرة
مرّت الأيام التالية أبطأ مما توقعته نرجس، وأثقل أيضًا. رسالة التهديد ظلت معلّقة في ذهنها كسحابة رمادية لا تُمطر، حاضرة دائمًا لكنها لا تنفجر بعد. لم تصلها رسائل أخرى، ولم تلحظ أي شيء غريب إضافيًا في محيطها. بدأت تقنع نفسها، رغم شكها الداخلي، أن الأمر ربما كان تحذيرًا بعيدًا، لا خطرًا وشيكًا.هذا ترك لها مساحة، ولو هشة، لتعيش أيامها بشكل طبيعي أكثر. ومعظم تلك الأيام، لاحظت بشيء من الدهشة، أصبحت تتمحور حول سرمد.يوم الثلاثاء، أصرّ سرمد على مرافقتها إلى المكتبة لمساعدتها في مذاكرة مادة الإحصاء التي كانت تكرهها بصدق. جلسا على طاولة في الزاوية البعيدة، كتب مفتوحة أمامهما، لكن معظم الوقت ضاع في جداله معها حول طريقة حل مسألة بسيطة كان يصرّ أنها معقدة أكثر مما تبدو."لا، انظري، هذا الرقم هنا خاطئ.""هذا الرقم صحيح تمامًا، أنت من أخطأ في الخطوة السابقة.""مستحيل، أنا مهندس، لا أخطئ في الأرقام.""أنت طالب هندسة في سنته الثالثة يرسب في مادتين هذا الفصل، حسب ما أخبرتني بنفسك أمس."توقف سرمد للحظة، فمه مفتوح قليلًا من المفاجأة، قبل أن يضحك بصوت عالٍ لدرجة أن أمين المكتبة نظر إليهما بتحذير صامت. "ه
last updateLast Updated : 2026-07-29
Read more
مطر لم يكن في الحسبان
بدأت السماء تُمطر بغزارة غير متوقعة يوم السبت، حين كانت نرجس وسرمد في منتصف الطريق عائدين من محاضرة إضافية أقيمت بشكل استثنائي. لم يحمل أي منهما مظلة، وسرعان ما وجدا نفسيهما يركضان بحثًا عن مأوى، حتى وصلا إلى مظلة صغيرة فوق مدخل مكتبة قديمة مغلقة، بالكاد تكفي لشخصين متلاصقين."هذا،" قال سرمد وهو يلهث قليلًا، شعره المبلل يلتصق بجبينه بطريقة جعلته يبدو أصغر من عمره الحقيقي، "أسوأ تخطيط ليوم في تاريخ البشرية.""لم تكن أنت من خطّط له، الطقس فعل ذلك.""صحيح، لكنني كنت سأخطط ليوم أفضل بكثير لو استُشرت." نظر إليها، وقطرات الماء لا تزال تنزل من طرف أنفه، بنظرة جادة مفاجئة وسط كل هذا الهزل. "أنتِ مبللة تمامًا.""وأنت أيضًا.""نعم، لكنني أبدو وسيمًا حتى وأنا مبلل. هذا فرق جوهري بيننا."ضحكت نرجس بصوت عالٍ، ضحكة حقيقية، غير محسوبة، فاجأتها هي نفسها أكثر من أي شخص آخر. توقفت فجأة، تضع يدها على فمها وكأنها ارتكبت خطأ ما.نظر إليها سرمد بدهشة صامتة، ثم ابتسم ابتسامة مختلفة تمامًا عن كل ابتساماته السابقة — أهدأ، أعمق، وكأنه شهد شيئًا نادرًا للغاية. "لا تفعلي ذلك.""أفعل ماذا؟""تكتمي ضحكتك. كانت جمي
last updateLast Updated : 2026-07-30
Read more
أشياء لا تُفسَّر
بدأت الأيام تمرّ أخف وأثقل في آنٍ واحد. أخف لأن نرجس، للمرة الأولى منذ سنتين، سمحت لنفسها بالابتسام دون حساب، بالانتظار لرؤية شخص ما دون خوف مسبق. وأثقل، لأن سرمد، دون أن يقصد، بدأ يلاحظ أشياء صغيرة لم تكن تنتبه هي نفسها أنها تفلت من قبضتها.لاحظ أولًا دفء يدها. في كل مرة كانت تمسك بها، كان يشعر بحرارة أعلى قليلًا مما يجب أن يكون عليه جسد إنسان عادي — ليست حمّى، بل شيئًا ثابتًا، دافئًا بشكل غريب، وكأن نارًا صغيرة تسكن تحت جلدها باستمرار."يداكِ دافئتان جدًا دائمًا،" قال ذات مرة، وهو يمسك يدها بين يديه في المكتبة. "هل تعانين من شيء؟""ربما دورتي الدموية نشيطة فقط." أجابت بسرعة، بابتسامة عابرة حاولت أن تبدو طبيعية.لم يقتنع تمامًا، لكنه لم يضغط، واكتفى بنظرة فضول صامتة استمرت أطول من اللازم.لاحظ أيضًا أنها نادرًا ما تبدو متعبة كما يجب أن يكون أي طالب جامعي يعمل ليلًا. حين سألها مرة عن ساعات نومها، أجابت بغموض: "لا أحتاج كثيرًا من النوم." لم يفهم كيف يمكن لأحد أن يعيش بهذا الروتين المرهق دون أن ينهار، لكنه صدّق تفسيرها البسيط، مؤقتًا على الأقل.لكن الحادثة التي غيّرت كل شيء وقعت في ليلة
last updateLast Updated : 2026-07-30
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status