تسجيل الدخول
صيف حار بعام ٢٠١٨، ارتفعت حرارته بلهيب احتراق القلوب.
جلست تبكي وتنتحب، تضع يدها علي فمها، تكتم شهقاتها، تمنعها من الخروج، غَفلت أنها بمكان جديد، تجلس به كصدقة مقنعة، تتذكر مع كل دمعة ما مر عليها بسنوات عمرها الماضية، خمسة وثلاثون عاما، يزداد ألمها مع شهقاتها، التي ثارت وبدأت في التحرر، وهي كما اعتادت تحاول إجبارها على الكتمان؛ خشية أن يسمعها هو، ثم تذكرت أنه القاها بعد كل ما تحملت منه، سنوات مرت وهي مقهورة سجينة، سجن أبدي، سجينة مُجبرة باختيارها. بداخل غرفة مكتبه يدور حول نفسه، يأكله خوفه عليها، يود أن يهاتفها ولا يستطيع، هو متأكد من انهيارها، يشعر بعجزه وتقيده، وجدها بعد كل تلك الأعوام التي ترقب فيها مجرد العثور على طيفها، أعوام تمنى فيها لو يشعر بقربها، أن يرتوي بالنظر لبسمتها أو حتى ظمأ عبوسها؛ ليجدها بعد صبر انهكه وارهق فؤاده بأسوأ أحوالها وأصعبها، يراها تستحق ما هو أفضل، أفضل بكثير. يجلس معه صديقه ورفيق دربه منذ الجامعة "طارق" فهما متشابهان الطباع وبنية الجسد اعتادا ممارسة رياضاتهما معا منذ الجامعة، تخرجا معًا في كلية الشرطة، منذ أن التقيا تآلفا وأصبحا صديقين مقربين. تابعه طارق بصمت، وعندما طال الوقت ولم يهدأ مؤنس قطع الصمت بحديثه -اقعد بقى خيلتني، رايح جاي من بدري، حصل إيه لكل ده؟ عايز أفهم. أجاب بعصبية وتوتر: -أنا اللي مش عارف أنت جايب الهدوء والبرود ده منين! -أنت اللي تاعب نفسك، حالتها اللي حكيتها طبيعية جدًا، واحدة عاشت مع جوزها أكتر من ١٣ سنة، وفي الأخر بهدلها واتجوز عليها وبقت في الشارع، متوقع تعمل أيه! لازم تنهار حقها يا سيدنا، سيبها تاخد وقتها وتفوق على مهلها، وأنت عملت اللي عليك وزيادة، فوق لنفسك، ولمراتك اللي سايبّها غضبانة. نظر له باختناق من الوضع بالكامل: -أنت مش فاهم حاجة. -خلاص فهمني. - مش وقته، ومش قادر. -يبقى وحد الله وتعالي نشوف شغلنا. امتثل له مضطر يحاول جاهدًا التركيز، وبالحقيقة شرد يتذكر الماضي. تقف فتاة محجبة ذات وجه ابيض صافي خالي من مساحيق التجميل، تبدو في منتصف عقدها الثالث بغرفة الطبيب غير المتواجد بيدها تلك الورقة تنظر إليها بعدم تصديق، على وجهها علامات الذهول والصدمة، أعينها متسعة تفيض بالدموع، تقرأ تلك الورقة بالكاد تجمع حروفها، لا تستوعب معنى الكلمات. عزيزتي أو زوجتي: طبعًا منتظرة تعرفي المفاجأة اللي قولت عليها إمبارح، هي ليَّا أكيد سارة، بس ليكِ الله أعلم، أو بصراحة لأ، أنا الآن في الطيارة، جالي عقد عمل، أو بمعنى أدق لقيته بعد عذاب، المهم واللي يخصك، أنت بالنسبة لي رهان، رهان مع نفسي، آه والله زي ما بقول لك كده، قولت أصاحبك ولقيته مستحيل، كنت عجباني قوي، قولت لنفسي كتير تغور البنات مرمِّين في كل حتة، بس أنت مختلفة، لكِ بريق خاص، وعشان أرضي غروري خطبتك وعيشتك الوهم، والحقيقة قضيت يومين حلوين في قصة حب مزيفة من ناحيتي، وحقيقية من ناحيتك، أو بتحاولي تخليها حقيقة، لأن عيشتك غم؛ فشوفتي إني الفارس المغوار، والحقيقة غير كده، أنا حاولت أقضي معاكِ يومين شهر عسل بعد كتب الكتاب؛ لكن أنت للأسف رفضتِ وأصريتِ يكون بعد الزفاف، واللي أنا كنت عارف إنه مش هيحصل، ونفدتِ مع إني كنت هاموت وأشوف تفاصيلك، بالمناسبة السعيدة دي، أنت طالق، وورقتك هتوصلك قريب قوي، لأني مطلقك رسمي من يومين. انتهت من قراءة تلك الورقة وكأنها بعالم أخر، تخطو بلا روح، خطوات ميتة لا تري أمامها، تسأل نفسها دون إجابة، ترى ما فعلت لتستحق هذا؟! أي ذنب اقترفته لتستحق هذا العقاب؟ وقف يتابعها بشفقة.. يعلم من البداية نوايا الأخر الخبيثة، يعترف بخزي إنه لم يحاول قط تنبيهها. سأل نفسه، أيلومهما الآن لتركها تغوص بتلك الأكاذيب الخادعة، نظر إليها بشفقة، فوجدها تتحرك بوهن، تحاول استيعاب ما حدث ووضعها الحالي، مطلقه قبل زفافها بشهر واحد، كارثة، ووالدها، وآه من والدها، تدور برأسها مئات السيناريوهات لما ينتظرها. خطوات بسيطة -لا تعلم كيف خطتها- ثم هوت بانهيار فاقدة الوعي، أسرع إليها من يتابعها فأدركها قبل الارتطام، حملها كالورقة بين يديه وأخف، أخذها وذهب بها للطوارئ؛ ليسعفها، أخذ الورقة قرأ ما بها؛ فسب نفسه، جلدها دون رأفة، شعر وكأنه شارك الأخر في دناءته، عاونه بصمته لتلويث فتاة صافية حفظت نفسها بوسط مجتمع استباح حُرمة نصفه الآخر. احتفظ بالورقة معه؛ كي لا تقع في يد آخرين، فقط حتى تستعيد وعيها، ولكن ما هي إلا دقائق وذاع خبر طلاقها بالمشفى كلها، تداول الجميع الخبر، ولا بأس من بعض الإضافات، البعض خاض في شرفها، والبعض لام الطبيب الزوج، والبعض تساءل تري ما هو سبب الطلاق؟ أعيب بها؟ أم به؟ بعد فترة من الوقت فتحت عينها، تتطلع حولها تتأكد هل ما حدث حقيقة أم كابوس مزعج؟ نظرات من حولها أكدت لها أنه واقع مؤلم، ولكن كيف؟ كان معها بالأمس يعدها بحياة هادئة جميلة، انتبهت منتفضة أين تلك الورقة السوداء بما تحتويه من سموم ومرض شخص يفترض أنه طبيب معالج. أقترب منها الطبيب الآخر، ادعى متابعة حالتها، ولكن بالحقيقة اراد اعطائها ما تبحث عنه، أسقطها بجانبها وكأنها بجوارها من البداية، مردفًا: -أنت كويسة دلوقتي، ضغطك وطي جامد وعلقنا لك محاليل، تقدري تمشي. أماءت بصمت مُنكَسِر وتحركت بوهن، والأعين مُصوبه نحوها البعض حاقد شامت، والبعض متعاطف، والآخر متسائل. صعدت لمكتبها بوهن أخذت حقيبتها لترحل عن المكان أتت إليها صديقتها غادة مسرعة، تنادي عليها، تلحق بها قبل أن تغادر تتأكد مما سمعت. -شيماء استني، استني يا بنتي. جذبتها من مرفقها برفق؛ فالتفت لها الأخرى مستسلمة بأعين ذابلة، ما رأته غادة منها ومن حالتها تلك أكد لها ما سمعت. غادة: ما تمشيش بالحالة دي، تعالي معايا نتكلم. لم تقوى على الحديث فقط أماءت نافية، وأكملت طريقها مغادرة، يجول بذهنها ما مرت به منذ الطفولة. تابعها الطبيب -عن بعد- منذ ان تركته بغرفة الطوارئ حتي خرجت من المشفى بالكامل، عاد إلي مكتبه، جلس شارد بما حدث لها يلوم نفسه، ويأنبها لتركها فريسة للأخر، هو فقط لا يحب التدخل في أمور الآخرين، فلكل حياته وطريقة تفكيره، يعلم إنها مختلفة منذ أول تعامل معها، كما يعلم إنها تعيش معذبة، وبالرغم من ذلك تركها لتكتمل معاناتها، يعلم أنه شبه معقد من العلاقات الاجتماعية، يتعجب مَن حوله لعدم ارتباطه بالرغم من انه بأواخر عقده الثالث غافلين عن كونه يكره الزواج والحياة الزوجية، يراها نظام اجتماعي فاشل لا يؤدي سوى إلى حياة بائسة للصغار، عاد بذاكرته الي طفولته يتذكر تفاصيلها. بأحد المقاهي متوسطة الحال يجلس شاب ذو بشرة سمراء وشعر حالك السواد، جسده رفيع يتميز بطول قامته يبدوا أنه بأواخر العقد الثالث من العمر، شارد بحياته يحدث نفسه. -وبعدها لك يا حسن، الدنيا مش ناوية تبطل خبط وبهدلة فيك، بقى بعد ما كنت مسافر بره أشتغل، أبقى عاطل بقضي يومي علي القهوة، منك لله يا سامر، حسبي الله ونعم الوكيل، يا رب عدّلها من عندك أنا كل اللي طالبه ألاقي شغل كويس، يا رب افرجها يا رب.خيَّم على شهاب وريڤال هدوء شديد، أوقات هادئة حد الغرابة لا يعترض ولا يسأل عن تأخرها ممَّا أثار ريبتها، لم تعتَد عليه بهذا الهدوء، حدسها يخبرها بأنه يرتب لأمر ما حاولت استنتاجه دون فائدة، أعربت لأبو عبد الله عن ظنونها فاستهان به وظن أنه ارتدع خوفًا لما ألمَّ به؛ فظلت تتابعه بترقب لا يسعها سواه.وبأرض الوطن جلس حسن يفكر بأمر أخته، تملكته الحيرة وتمنى وجود والده جواره ليرشده للتصرف السليم، قرأت زوجته حيرته جلية فدعت الله مبتهلة بزوال الغمة، أمَّا سعاد فأشفقت عليه نادمة وغَـزاها الخزي، أقبلت نحوه بثقل مُنكــسر تمطر مقلتيها ببزخ لربَّما غسلت ذنبها وطهَّرت روحها فاستقبلها باسمًا فتح ذراعيه بدعوة صريحة للاقتراب؛ فارتمت داخل صدره تبكي وتعتذر، فحاول طمأنتها بكلماته ونبرته الحنونة:-مش قادر أقول حصل خير، لكن إن شاء الله هيحصل خير، اطمني يا حبيبتي أنا معاكِ. أبعدها بلطف ناظرًا إليها ببسمة تخفي خلفها خوفه وقلقه:-أنا ونيرة راجعين الشغل بكرة، عايز أكون مطمن عليكِ يا حبيبتي، مش عايز أي تفكير سلبي، عشان خاطري ده لو ليا خاطر عندك.-ليك والله يا حسن، ليك يا أخويا خاطر وكبير قوي.سبقت ج
انتفضت مرتجفة وانطلق لسانها باعتذار: - والله يا شهاب صوتي مش هيطلع تاني، بلاش بالله عليك! والله اخر مرة! - أنا مؤنس، آسف. انهارت جالسة فجثا أمامها وجذبها إليه يشدد مِن ضمها، ارتفع صدى أنفاسه المتواترة، يشعر بالذنب لما أعاده لمخيلتها ويعتصر ألما لرؤيتها له كشهاب، تغاضى عن ألمه يوضح لها سبب فعله: - ما كنتش عايزك تخافي مني، عشان كده سيبتك، غَضَبي منه هو، زعلان عشانك، أيه اللي دخلك هنا يا طيف؟ ليه تعملي في نفسك كدة؟ اخرجي من حدوده وتعاملي مع الدنيا، ما تحبسيش نفسك وتمنعي نفسك عنها، أنا هنا معاكِ. - مش عارفة.. حسيت إني خايفة، لما كان يسمع عياطي يعــاقبني ولو بكيت قدامه يزيد وجعي، هنا بس حريتي.. في المطبخ، ولو حس بيَّا مجرد انه يحس بس.. كان.. كان... - انسي يا طيف، انسي كل اللي حصل لك منه، أبدئي من جديد، أنا معاكِ اقوي بيَّا وبنفسك، ساعديني اخرجك من جُحره، اكــسري ســجنك اللي جواكِ، ابكي وخرجي وجعك، ابكي اصــرخي وقولي لأ بكل طاقتك، اكــسري قيــودك - مش عارفة.. صدقني مش عارفة ومش قادرة. - حاولي مرة واتنين وعشرة حاولي لحد ما تقدري، طلعي اللي جواكِ. تشبثت بملابسه تومئ برفض:
حاول رامي ادخال بعض المرح يخفف توتر الأجواء كما شعر بالغيرة من كلماته: - مش عشان متأثر بحالتك، تقولها أعرف كل حاجة عنك، خليها في سرك طيب، يا سيدي دي مراتي أنا. طالعته شيماء بامتنان رغم حزنها.-آسف، مش قصدي.-أسفك مقبول المرة دي، تعالوا نشوف مدام نادية ونطمن عليها، يمكن فاقت.بعد قليل بدأت نادية تتململ بوهن وتأوُّه، دنت شيماء إليها تربت عليها بحنان ومواساة، انهارت نادية باكية وانسحب رامي ونادر الذي ثبَّت عينه عليها حتى أغلق رامي الباب.قَبَّلت شيماء رأسها وجففت دموعها، ثم جاورتها على الفراش وتقابل وجهيهما. -ما تعيطيش يا نادية يا حبيبتي، ألف سلامة عليكِ، خوفت عليكِ قوي وكنت متأكدة إنك قوية، فاكرة جدو كان دايما يقول نادية قوية وعارفة هي عايزة إيه.-أنا آسفة.ازدادت دموعها غزارة بكلمات شيماء، التي اقتربت منها تجفف وجهها ببسمة رضا وسعادة لعودة أختها إليها:-مش زعلانة والله! وكنت مستنياكِ، جدو زمان قالي نادية راجعة ومهما طال الوقت راجعة، وأنتِ عارفة جدو، نظرته عمرها ما خابت.أومأت نادية بصمت يغـزوه الخجل.-يعني رجعتي يا نادية ومش هتبعدي تاني؟ -مسامحاني؟-ما زعلتش منك ع
أنهى الإجراءات ليغادرا وذهب لشيماء بمكتبها، استقبلته بابتسامة سرعان ما تبددت برؤية معالمه، نظرت له بترقب تشعر بوقوع خطب سيئ. -حبيبتي، عايزك في موضوع.من رهبتها وشعورها السيئ التزمت الصَّمت تحركت معه توزع نظراتها بينه وبين خطواتها، وبمكتبه جاورها على الأريكة يقابلها لا يعلم كيف يبدأ الحوار:-شيماء، أنتِ طيبة وبتسامحي وعارف أنك بتتمني تشوفي نادية وزعلانة من بُعدها وعدم اهتمامها، لكن هى محتاجاكِ معاها.صمت طويل ساد بينهما، تخشى السؤال فيثبت لها ما يرهبها، فاسترسل بهدوء وضمها إليه مع انهيارها:- نادية عملت حادثة.. بلاش تبكى، إن شاء الله تكون بخير.تهدجت أنفاسها ببكاء حار:-أيه اللي حصل لها يا رامي؟ -كانت مع فوج سياحي هنا في القاهرة، وعربية خبطتها.-عايزة اروح لها يا رامي عشان خاطري. -أكيد يا حبيبتي، بلاش عياط إن شاء الله هتكون بخير، نادر كلمني هو لسه في الأقصر، لازم نتحرك على طول عشان ما تفضلش لوحدها أكتر من كده.نهضا وضمها إليه حتى هدأت أنفاسها أبعدها بلطف:-اغسلي وشك وهاتي حاجتك، يلا بسرعة.رافقها التوتر طوال الطَّريق، تخشى الفِراق، بوصولهما سألا عنها وكانت لتوها خرجت
استقرت حياة شيماء لا ينغص عليها صفوها سوى بُعد أختها عنها وجفائها، دائمة الشرود بها تتمنى وصلها، لا تعلم بمحاولات رامي وتواصله مع نادر زوج نادية في محاولة منهما لاستمالة قلب نادية وانهاء شتاتهما، انتشلها مِن شرود تفكيرها عودة رامي -بعد إجراء إحدى العمليات الجراحية- مرهق ومتعب:-حمد الله على السلامة يا حبيبي.ابتسم لها بشكر فهي باتت قلب دافئ يحتويه بحب، ضمها بحنان واشتياق:-وحشتيني.- أنت أكتر، على ما تغير أكون جهزت السفرة وتحكي لي عن يومك وجو العملية.-عنيا، جدو كان دايمًا يقول نفس الكلام بعد كل عملية.-يلا بسرعة يا ولد اسمع كلام جدو.-مال جدو أحلو كده ليه.انعزلت عن الدنيا لأعوام، فأراد أنْ تجوب معه بعضها، بكل يوم يأخذها لمكان، بدت كطفلة صغيرة تخشى العالم فتمسك يده تلتمس منه الدَّعم والأمان؛ فيحلِّق بالسماء وتطيب جراحه هو أمانها في مقابل العالم وحاميها، انبهارها بكل مكان يجوباه يسعد مهجته، عاملها كطفلته الصغيرة يوضح لها تاريخ المكان، اسم المنطقة أو المطعم يشتري لها قطع تذكارية وكل ما يشعر برغبتها فيه، نظرات الإعجاب وإن كانت على استحياء والفرحة التي ملأت عينها تسعده وتغمره
ارتعش جسدها وبدأت تحكي بصوتٍ متهدِّج:-كنت بشوف أصحابي يتعاملوا مع بعض بحرية كبيرة ولاد وبنات، انفتاح مبالغ فيه، خروج من غير حساب، فلوس كتير سهرات وملابس متحررة قوي، حسيت أنه غلط ومش صح، حطيت لنفسي حدود ورفضت أنهم يكسروها، والنتيجة تريقة وسخرية، انتقادهم ليَّا خلاني تايهة وزي أي بنت حاولت أحكي لماما، وما كانتش فاضية، كان سامر قريب مني أو زي ما كنت فاكرة وقتها، كنَّا لسه نازلين مصر قريب، فحكيت له وما انتبهتش لبهتان ملامحه كلامه المقطع وتوهانه معظم الوقت، ضربني لأول مرة لقيت نفسي تحت رجله وأنا بصرخ من الوجع، جريت على اوضتي قفلتها بالمفتاح، فضل يخبط ويرزع على الباب شوية وبعدين سكت، اتصلت على بابا واشتكيت له.اختنقت من بكائها العنــيف وشهقاتها المتتالية؛ فصمتت تستجمع شتاتها ثم استرسلت:-كلمه كتير وزعق حذره يكرر اللي عمله، خلاه يصالحني ويعتذر وهو معانا على التليفون، عمل كدة فعلًا واطمنت أنا وبابا، بس كل واحد في بلد وده خلاه بكل سهولة يخالف كلام بابا، بعد ما قفلنا دخلني اوضتي وقفل بالمفتاح من غير ما أنتبه، خلــع حــزامه ونزل فيا ضــرب، وأخد مني التلفون، حبسني أسبوع، واللي قهرني إ
نادية لا زالت تلوذ بالفرار من مواجهة شيماء، لا تهاتفها ولا تجيب اتصالاتها.بالكاد حصل حسن على شهادة الخبرة، وقدم أوراقه لأماكن عدة، يبحث عن عمل، قوبل بالرفض فوري في بعضها، لظنهم مطالبته بمرتب باهظ، وما زال ينتظر رد باقي الجهات.أتم إجراءات سفره واشترى تذاكر الطيران له ولابنته، وكعادته يقابل ريڤال
كَمَّـم فاهها بيد ووضع الأخرى خلف رأسها، ضغط بإحكام، انكمشت معالم وجهه بغَضَبٍ وكُــره، اتسعت مقلتيها بِـرُعْـب، تجمدت بكلماته:-أنتِ حيـ.. وقَـ ذرة، عايشة دور الضَّحِيَّة، مفيش مُبرر يخلي راجل غريب يشيلك ويدخلك اوضة نومك، مفيش راجل يمشي ورا واحدة إلَّا إذا هي سمحت، تمثلي التعب مبرر، لمسك؟! انبسط
تركها تتلظى بنيران حقدها وأسرع إلى طيف، غير عابئ بكلماتها الحَـادة وصوتها الجهوري:-لو فاكر عشان سيادة اللوا مات هكون ضعيفة، تبقى غلطان يا مؤنس، فاهم.مِن أجلها يَلْجُمْ مشاعره ويقيدها؛ كي لا يزيد متاعبها، لكن حالتها أفقدته سيطرته؛ فهي هزيلة البنية وبعد ما تعرضت له، أحْـتَل الوهن ملامحها وتجعدت،
لم تكن تعلم أن جعبته ما زالت تحوي الكثير، اقترب منها بتمهل مدروس، ونظرات مُتَـوَهِـجَة شَـرِسَة: -في يا طيف، وبيوجع فوق ما تتخيلي، وهتجربيه مِن النهاردة.دَبَّ الرُّعب بأوصالها، فحيح نبرته وحروفه الواثقة أوحيا لها بأن القادم قَـاتِل، حاولت تخمين عمَّا يتحدث دون جدوى، ولم ينتظر تخمينها؛ فإخبارها







