LOGINإيفان
ركض زاك وهو يحمل لافندر بين ذراعيه وكأن العالم كله سينهار إذا تأخر ثانية واحدة. جسدها كان مرتخيًا بشكل مخيف… وشعرها الأسود الطويل ينسدل فوق ذراعه بينما الدم ما زال ظاهرًا قرب أنفها. ولما دخلنا الكوخ… شهقت خالتي لينيا بقوة. ثم ركضت نحونا فورًا. — “لافندر!” صوتها كان مرتجفًا لدرجة جعلت حتى زاك يرفع عينيه نحوها بعجز. ولأول مرة… رأيت الخوف الحقيقي في عينيه. ليس غضبًا. ليس وحشية. خوف أب. خالتي أمسكت وجه لافندر وهي تبكي. — “افتحي عينيكِ… صغيرتي أرجوكِ…” حتى جدتي كانت ترتجف وهي تطلب المعالج بسرعة. أما لوكا… فكان يحاول الوقوف رغم إصابته فقط ليقترب من أخته. لكن الشيء الذي لم أستطع تجاهله… هو أنها كلما نزل الدم من أنفها… تفقد وعيها مباشرة. وكأن جسدها لم يعد يحتمل شيئًا. ذلك الأمر جعل معدتي تنقبض بطريقة غريبة. بعد وقت طويل… بدأت تتحرك أخيرًا. رمشت ببطء شديد. وفور ما فتحت عينيها… التف الجميع حولها. لوكا أمسك يدها فورًا. خالتي لينيا كانت تبكي وهي تضمها. أما زاك… فقط بقي جالسًا قربها يحدق بها بصمت مرعب. ولما رفعت لافندر يدها ولمست وجهه بخفة… أغلق عينيه للحظة وكأنه كان على وشك الانهيار. ثم همس لها بصوت خافت: — “لا تفعلي هذا بي مرة أخرى.” … بعدها جهز الجميع أنفسهم وعدنا إلى القصر. لكن منذ ذلك اليوم… بدأ شيء ما يزعجني. كل مرة تضعف فيها لافندر… كل مرة يسيل الدم من أنفها… كان قلبي ينقبض بطريقة لا أفهمها. … مرت الأيام بعدها بهدوء نسبي. الجميع عاد إلى حياته الطبيعية. أبي عاد للتدريب. أمي مع جدتي وخالتي بالمكتبة كالعادة. والملك ألفريد منشغل بأمور المملكة. أما أنا… فكنت أحاول تجاهل شيء داخلي بدأ يخرج عن السيطرة كلما اقتربت من تلك الفتاة المجنونة. وفي أحد الأيام… رأيتها. كانت تتحرك بهدوء قرب سور القصر الخلفي. ثم تحولت إلى خفاش صغير واختفت خارجه. ضيقت عيني. — “إلى أين تذهب الآنسة المشاكل هذه المرة؟” إيف، ذئبي الداخلي، ضحك بسخرية. — “اذهب خلفها.” تنهدت بانزعاج. لكن بالنهاية… لحقت بها. تبعت رائحتها وسط الغابة حتى وصلت إلى نهر صغير تحيطه الأشجار. وهناك… رأيتها. كانت جالسة قرب الماء بهدوء نادر جدًا منها. الهواء يحرك شعرها الأسود الطويل… ورفعت خصلاته عن رقبتها دون انتباه. وهنا… حدث شيء غريب. شعرت بوخزة حادة داخل أنيابي. رغبة مفاجئة… بعضّ رقبتها. تجمدت مكاني. ثم أبعدت الفكرة فورًا بغضب. — “ما خطبك بحق الجحيم…” إيف ضحك داخل رأسي. لكنني تجاهلته واقتربت منها. وفور ما سمعت خطواتي… التفتت بسرعة. — “إيفان؟!” وقفت مباشرة. ثم تراجعت خطوة للخلف بتوتر. لكن قدمها انزلقت فجأة بسبب الصخور المبللة. واتسعت عيناها بصدمة. — “آه!” وسقطت بالنهر مباشرة. لعنت بصوت منخفض وقفزت خلفها فورًا. الماء كان قويًا والتيار أسرع مما توقعت. ولما أمسكتها… كانت بالكاد تقاوم. سحبتها إلى الخارج بسرعة ووضعتها على العشب. لكنها لم تكن تتنفس جيدًا. — “لافندر!” وجهها كان شاحبًا بشكل مرعب. لعنت مجددًا ثم أمسكت وجهها وبدأت أعطيها تنفسًا. مرة. مرتين. ثم فجأة— تشبثت بكتفي بقوة. وسعلت بعنف وهي تخرج الماء من فمها. تنفست أخيرًا. أغمضت عيني للحظة من شدة الارتياح… لكن الغضب انفجر فورًا بعدها. — “هل جننتِ تمامًا؟!” رفعت عينيها نحوي بصدمة. — “كنت ستغرقين!” وقفت بسرعة رغم ارتجافها. ملابسها كانت مبللة بالكامل. وشفاهها ترتجف من البرد. لكنها رغم ذلك عبست بعناد. — “لم أطلب منك أن تلحقني!” — “وأتركك تموتين وحدك؟!” صرخت بها دون أن أشعر. تجمدت للحظة. ثم دمعت عيناها ببطء. — “أنا لست طفلة يا إيفان…” صوتها كان مكسورًا بطريقة غريبة. — “أستطيع الاهتمام بنفسي.” ثم استدارت ومشت بعيدًا وسط الغابة. كانت ترتجف من البرد… لكنها لم تتوقف. أما أنا… فبقيت واقفًا مكاني. أراقبها تبتعد… وأشعر بغضب غريب لأن فكرة خسارتها وحدها… أصبحت تخيفني أكثر مما يجب.من وجهة نظر إيفان لم أعد أحتمل الجلوس مع أحد. منذ أن عرفت الحقيقة... منذ أن عرفت أن لافندر كانت أمامي طوال هذا الوقت... وأنا أشعر وكأن شيئًا ينهش قلبي ببطء. صعدت إلى أعلى برج في القصر. كان المكان هادئًا. لا يسمع فيه سوى صفير الرياح. جلست على حافة الشرفة الحجرية، وبيدي كأس ممتلئ. ارتشفت منه بصمت. ثم مرة أخرى. وأخرى... حتى لم أعد أشعر بطعم الشراب. داخل رأسي... كان كل شيء مختلطًا. صوتها... ابتسامتها... ضحكتها عندما ركبت على ظهر إيف لأول مرة. نظراتها الخجولة. وهي ترتب الورود. وهي تضحك مع إيفونا. ثم... تلك اللحظة. حين وقفت أمامي لتتلقى الخنجر بدلًا عني. أغمضت عيني بقوة. "إيفان..." سمعت صوت إيف داخل رأسي. "توقف عن جلد نفسك." لم أجبه. "هي ما زالت حية." "وسنعيدها." ضحكت بسخرية. "أعيدها؟" "وأين هي؟" "هل تعرف مكانها؟" صمت إيف. فتابعت وأنا أحدق في السائل داخل الكأس. "أنا ألفا..." "ومع ذلك..." "...لا أستطيع حماية أهم شخص في حياتي." "هذا ليس ذنبك." "بل هو ذنبي." رفعت رأسي نحو السماء. كان القمر مكتملًا. يضيء الل
من وجهة نظر لينيا كانت قاعة العرش غارقة في صمت ثقيل. لم يعد أحد يجلس باسترخاء. الخرائط كانت مفروشة فوق الطاولة الطويلة، والرسائل تتكدس أمام الملك، بينما وقف القادة يناقشون احتمالات الهجوم القادم. كان الجميع يدرك... أن الأمر لم يعد يتعلق بخطف لافندر فقط. وقف زاك في مقدمة القاعة، ووجهه لم يفارق الجدية منذ عاد من لقائه بإيثان. تبادل نظرة مع الملك ألفرد، ثم قال بصوت هادئ لكنه حازم: "علينا أن نغير أولوياتنا." ساد الصمت. رفع الجميع أنظارهم إليه. أكمل: "حتى الأمس... كنا نظن أن مشكلتنا الوحيدة هي العثور على لافندر." توقف لحظة. ثم قال: "لكن هذا تغير." وضع يده على الطاولة. "الختم الإلهي... الذي صنعته الإلهة سيلين مع والدي كرستون قبل قرون..." "...قد انكسر." تغيرت ملامح الجميع. حتى ألفرد عقد حاجبيه. أما هيفان فقال بصدمة: "هل أنت متأكد؟" أغمض زاك عينيه للحظة. "رأيته بعيني." "ولم يكن مكسورًا فقط..." "...بل كان فارغًا." ارتجفت أصابعي دون أن أشعر. همست: "يعني..." رفع زاك نظره إلينا. "يعني أن آيروكا خرج." ساد صمت ثقيل. حتى الهواء بدا وكأنه توقف. قال أيان بصوت منخفض:
من وجهة نظر لافندر تجمدتُ في مكاني. صوت الجرس الذي دوّى في أنحاء القرية لم يكن عاديًا. كان يحمل شيئًا... جعل حتى الهواء يبدو ثقيلاً. رفعت رأسي نحو إيثان. كان ينظر من النافذة، وعيناه تضيقان بتركيز. أول مرة... أراه بهذه الجدية. همست بخوف: "إيثان... ماذا يحدث؟" لم يجب مباشرة. ظل يراقب الخارج لثوانٍ طويلة. ثم قال بصوت منخفض: "هذا الجرس لا يُقرَع إلا إذا اقترب خطر من القرية." ارتجف قلبي. "هل... وجدونا؟" قلت وشرارة أمل داخل. لكن فجأة .. أدار وجهه نحوي بسرعة. "لا." قالها بحزم. "لو كانوا هم..." "...لما كان هناك وقت لدق الجرس." شعرت بقليل من الارتياح. لكن التوتر بقي يخنقني. فجأة... ارتفع صوت طرقات متتالية على الباب. دق... دق... دق... تقدم إيثان وفتح الباب بحذر. وقف في الخارج رجل مسن، لحيته بيضاء وظهره منحنٍ قليلًا. كان يلهث. "إيثان..." "اجتمع أهل القرية في الساحة." "قالوا إن شيئًا غريبًا حدث عند الحدود." تردد الرجل قليلا وهو ينظر إلى إيثان وكأنه يريد قول شئ. "هل هناك شيء آخر." تردد قليلاً قبل أن يقول. "اعتقد أنه عاد." تجم
من وجهة نظر الملك نيروت كان الليل قد ابتلع مملكة الظل الأسود. السماء ملبدة بغيوم سوداء كثيفة، والرياح تعصف بأبراج القصر الحجري. وقف الحراس في مواقعهم كعادتهم... حتى... تجمد أحدهم فجأة. "مـ... ما هذا؟" رفع الجميع رؤوسهم. في منتصف ساحة القصر... بدأ الظلام يتجمع. لم يكن ضبابًا... ولا دخانًا. بل... ظلٌّ حي. دوامة سوداء ضخمة أخذت تكبر شيئًا فشيئًا، حتى غطّت أرض الساحة بالكامل. هبطت منها هالة جعلت الهواء نفسه يبدو أثقل. ارتجفت أيدي الحراس. وتراجع بعضهم خطوة دون وعي. "لا... لا يمكن..." همس أحد القادة وقد شحب وجهه. "هذه الهالة..." "...لم أشعر بها منذ مئات السنين." وفجأة... خرجت قدم من قلب الظلام. ثم الثانية. وببطء... ظهر رجل طويل القامة. شعره الأسود الطويل يلامس ظهره. عباءة سوداء تتحرك رغم أن الرياح توقفت تمامًا. وعينان... حمراوان بلون الدم. لكن أكثر ما أرعبهم... ذلك الظل الهائل خلفه. كأنه مخلوق عملاق يقف ملتصقًا بروحه. نظر إليهم بهدوء. ابتسم ابتسامة صغيرة. في اللحظة التالية... ركع أحد الحراس دون أن يشعر. ثم الثاني. ثم الثالث. حتى من حاول المقاومة... و
من وجهة نظر لافندر لم أستطع النوم. رغم دفء المنزل... ورغم هدوء القرية... كان هناك شيء في داخلي لا يهدأ. وقفت أمام النافذة، أتأمل الأضواء الصغيرة المنبعثة من البيوت الخشبية. ضحكات أطفال. رائحة خبز طازج. ونساء يتحدثن أمام منازلهن. كل شيء... بسيط. ودافئ. وكأن هذه القرية معزولة عن كل الحروب التي عرفتها. طرقات خفيفة على الباب قطعت شرودي. "ادخل." فتح الباب بهدوء. كان إيثان يحمل صينية عليها كوب شاي وبعض الخبز الساخن. اقترب ووضعها على الطاولة. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "ظننت أنك لم تنامي." جلست على طرف السرير. "لم أستطع." ساد الصمت بيننا للحظات. ثم نظرت من جديد نحو القرية. وسألته بهدوء: "ما اسم هذه القرية؟" اقترب ووقف بجانب النافذة. "ليست لها شهرة كبيرة." "تقع قرب حدود مملكة الظل الأسود." تأملت البيوت مرة أخرى. "غريبة..." نظر إليّ. "ماذا؟" ابتسمت بخفة. "الجميع هنا يعامل بعضه بلطف." "لا أحد يبدو خائفًا." تنهد إيثان. "لأن أغلب من يعيش هنا..." "...هم أشخاص فقدوا بيوتهم." التفت إليه. "هاربون من الحروب." "أيتام." "أرامل." "أشخاص لم يعد لديهم مكان آخر." خفض
من وجهة نظر لافندر لم أكن أعرف كم مرّ من الوقت. جلست بصمت قرب نافذة الكوخ، أحدق في الغابة الممتدة أمامي. كل شيء هادئ... هادئ إلى درجة مخيفة. لكن قلبي... لم يعرف الهدوء منذ أن استعدت ذاكرتي. إيفان... أمي... أبي... هرلين... الجميع... هل ما زالوا يبحثون عني؟ أم أنهم فقدوا الأمل؟ شعرت بغصة تخنقني، وأخفضت رأسي. وفجأة... انفتح باب الكوخ بقوة. "لافندر!" رفعت رأسي بسرعة. دخل ، وكان يتنفس بسرعة وكأنه ركض مسافة طويلة. لكن أكثر ما أخافني... هو أنه لم يكن يبتسم. لأول مرة منذ عرفته... كان القلق واضحًا في عينيه. وقبل أن أنطق بحرف... وصل إليّ بخطوتين فقط، وضمني بقوة إلى صدره. تجمدت مكاني. "أ... أنت؟" كنت أشعر بسرعة نبضات قلبه. وهو يردد بصوت منخفض: "الحمد لله..." "...وصلت في الوقت المناسب." رمشت بعدم فهم. ثم دفعت صدره بخفة حتى ابتعد خطوة "ماذا حدث؟" رفع رأسه نحو النافذة، وكأنه يتأكد من شيء. ثم قال بسرعة: "علينا المغادرة." اتسعت عيناي. "الآن؟" أومأ. "فورًا." بدأ يجمع بعض الأغراض الموجودة في الكوخ. لم أفهم شيئًا. فسألته بتردد: "هل... هل وجدني أهلي؟" توقف لل
هيفان مرّ اليوم وكأنه سنة كاملة. القصر كله كان غارقًا بصمت ثقيل… حتى الخدم صاروا يمشون بهدوء وكأنهم يخافون أن يوقظوا الألم المنتشر بالمكان. أما أنا… فكنت ما أزال واقفًا أمام باب غرفة هرلين. لم أتحرك. لم أترك الباب ولو لثانية. كل ما كنت أسمعه من الداخل… كان بكاءها المتقطع. وكل مرة كنت أسمع
هيفان كنت ما أزال أضم هرلين بقوة… وكأنني لو أفلتها ستختفي من حياتي فعلًا. لكن فجأة… دفعتني بكل ما لديها من قوة. تراجعت خطوة وأنا أنظر إليها بصدمة. كانت تبكي بشكل مؤلم… تتنفس بسرعة… وعيناها مليئتان بالخوف والانكسار. رفعت يدها المرتجفة نحوي. — “اخرج…” همستها بصعوبة. لكنني اقتر
هيفان كانت هرلين ما تزال فاقدة الوعي على السرير… شاحبة… وضعيفة بشكل كسر شيئًا داخلي. لكن فجأة اقتربت أمها مني وهي تبكي. ثم أشارت نحو الباب. — “اخرج.” رفعت عيني نحوها بصدمة. لكنها أكملت بصوت مرتجف وغاضب: — “إذا استيقظت ورأتك الآن… ستنهار أكثر.” شعرت وكأن الكلمات خنقتني. اقتربت
هيفان عندما سقطت هرلين بين ذراعي… شعرت أن قلبي توقف فعلًا. — “هرلين!” صرخت باسمها بجنون وأنا أضمها بقوة. لكنها لم تستجب. وجهها كان شاحبًا بشكل أخافني أكثر من أي حرب خضتها بحياتي. رفعتها بسرعة بين ذراعي وخرجت من الإسطبل. — “أحضروا المعالج فورًا!” كان صوتي مرعبًا لدرجة أن القصر كله






