INICIAR SESIÓNالتفتت عاليا بتفاجؤ وارتباك، وأعادت خصلات شعرها وراء أذنها تحاول تدارك موقفها:
— عاليا: احم.. حازم! ااا.. نعم؟ واقف هنا من إمتى وفي إيه؟ — حازم (والندم يأكل ملامحه بعدما استمع لأغنيتها وشعر بمدى الألم والكسرة التي تخفيها ببراعة خلف قناع القوة): ممكن.. ممكن أسألك سؤال يا عاليا؟ لو مش هيضايقك يعني؟ — عاليا (بتوتر ظاهر وهي تنظر لساعتها): اتفضل.. بس أرجوك بسرعة لأني مش فاضية وورايا حجات مهمه. — حازم (بنبرة منكسرة): هو.. هو إيه اللي حصل يومها بالظبط؟ إيه الحقيقة يا عاليا؟ نظرت إليه عاليا بنظرة طويلة مليئة بالعتاب الساخر وقالت: — عاليا: اتأخرت أوي يا حازم.. اتأخرت أوي وجاي بعد شهور عشان تسأل السؤال ده؟ — حازم (بلهفة ومحاولة للاقتراب خطوة): عارف إني اتأخرت.. بس أنا بجد عاوز أعرف، اتأخرت بس لسه في وقت.. لسه ممكن كل حاجة تتصلح ونرجع زي زمان و... — عاليا (مقاطعة بحدة وثقة هزت كيانه): أنت سامع نفسك بتقول إيه؟! أنت فاكرني إيه بالظبط وتحت أمرك في أي وقت؟ عاليا يلا نرتبط.. ماشي يا حازم، عاليا خلاص مش عاوزك وأنتي خاينة.. ماشي يا حازم، طب يلا نرجع ونصلح.. أوك مفيش مشكلة! أنا مش زرار في إيدك هتدوس عليه وقت ما تحب وتطفي وقت ما تحب! أنت وقتها مفكرتش حتى تسمعني، مفكرتش تسأل نفسك دقيقة واحدة: أنا لو عاوزه أخونك، هخونك في البيت ده ومع مين؟ إيه السذاجة والعمى ده! — حازم (بإصرار): طيب جاوبيني على سؤالي وريحي قلبي.. إيه اللي حصل؟ — عاليا (ببرود حاسم): مبقاش ليه أي لزمة يا حازم، ومبقتش مهتمة أصلاً إنك تعرف أو متعرفش.. أنت ظلمتني وجيت عليا ودمرتني، وروحت في نفس الوقت خطبت أختي! عيش حياتك بقا مع خطيبتك وسيبني في حالي، أنا خلاص مبقتش شيفاك ولا حساك موجود.. ولا أنت غاوي تجرح كل واحدة شوية وتعيش دور الضحية؟ — حازم (وهو يحاول الإمساك بكتفها): عاليا استني هنا! رايحة فين ومتسيبيش الكلام كدا! — عاليا (وهي تبتعد عنه بحسم وتتحرك نحو المنزل): مش فاضية ومعنديش وقت تاني أضيعه معاك.. كفاية العمر والسنوات اللي ضاعت من عمري معاك في الوهم! وقف حازم في مكانه يشعر بالخزي والعجز؛ لقد أيقن الآن أنه تسرع بغباء عندما تركها، وتسرع أكثر عندما ارتبط بليلى التي لا تناسبه في أي شيء. كان يظن في البداية أنه يعاقب عاليا بالخطوبة، لكنه اكتشف أنه عاقب نفسه عقاباً قادراً على تدميره. تذكر كم مرة استهزأ بعاليا وبمشاعرها الطيبة، وتأكد أن بساطتها ونقاءها كانا نعمة لم يقدرها، وأن تعجرف ليلى الأناني هو الكأس المر الذي يستحق أن يتجرعه الآن. دخلت عاليا المنزل مسرعة، وارتمت في حضن والدتها تبكي بحرقة لتخرج كل الشحنة التي كتمتها أمام حازم. — الأم (بقلق وفزع وهي تطوقها): مالك يا عاليا؟ بتعيطي ليه يا حبيبتي في إيه اللي حصل بره؟! — عاليا (من بين دموعها): ولا حاجة يا ماما.. شوية طاقة مكبوحة وبخرجهم علشان أرتاح.. شوية دموع قديمة كان لازم ينزلوا من عيني عشان أغسل بيهم الباقي من الماضي، وأعرف أكمل طريقي وأعدي القديم وأنا قوية.. أنا هخرج أشم هواء بره بما إني في إجازة النهاردة. — الأم (بحنان): ماشي يا حبيبتي روحي، بس متتأخريش وكلميني كل شوية طمنيني عليكي. — عاليا: حاضر يا ماما، مش هأخر. بعد خروج عاليا بقليل، نزلت ليلى وجلست بجوار والدتها على الأريكة، والضيق يملأ وجهها: — ليلى: ماما.. عاوزه أتكلم معاكي شوية لو فاضية. — الأم (بنبرة هادئة): خير يا ليلى؟ في إيه؟ — ليلى (بمرارة وغيرة): أنتي ليه يا ماما مش شيفاني خالص في البيت ده؟ كل حاجة في الرايحة والجاية "عاليا".. عاليا عملت وعاليا نجحت.. أنا فين من كل ده؟ ليه دايماً مهمشة؟ — الأم (بتعجب): أنا عمري ما فرقت بينكم يا ليلى ولا هفرق، طول عمري بعاملكم زي بعض بالظبط وبحبكم بنفس القدر. — ليلى (بانفعال): لا يا ماما! الدلع كله والحنية والاهتمام لعاليا وبس.. حتى لما حازم حب يتجوز، اختار عاليا الأول مع إني أنا الكبيرة والملفتة أكتر! ولما حد كان لازم ينزل الشغل ويشيل المسؤولية شيلتوني أنا، عشان "ليلى هي اللي بتستحمل"، وعاليا الدلوعة تقعد! — الأم (بحسم): أولاً يا ليلى، حازم هو اللي اختار عاليا بنفسه وبإرادته ومحدش غصبه.. وثانياً أنتي مقصرتيش في حق أختك، وشوفي أنتي عملتي إيه من وراها عشان تاخديه! — ليلى (وهي تلتفت بعيداً بضيق): شوفي! دايماً بتدافعي عنها وتطلعيها هي المظلومة.. وصدقتي علطول إني... — الأم (مقاطعة بقوة، وهي تمسك وجه ليلى): بصي في عيني وقوليلي إنك معملتيش حاجة! بتداري وشك ليه وبتتهربي من عيني؟ شوفتي؟ شوفتي إنك بتكدبي وعارفة إنك غلطانة في حق أختك؟ والشغل أنتي اللي اخترتي تسيبيه، وعاليا لما خلصت دراستها كانت عاوزه تشتغل وتموت على الشغل، بس حازم الأناني هو اللي منعها وحبسها، ودلوقتي لما حست بحريتها بتشتغل وبتثبت نفسها اهي! — ليلى (وقد انفجرت بالبكاء): كلكم بتحبوها هي وأنا لا! حتى حازم لما خطبني وبقينا مع بعض، بحسه برضه لسه بيفكر فيها وبيحبها هي! ليه محدش بيحبني أنا؟ ليه محدش شايفني مالية عينه؟ — الأم (بتنهيدة حنونة وهي تضمها لصدورها وتربت على ظهرها): بطلي غيرة يا بنتي وعاملي الناس كويس وبنقاء، وهما هيحبوكي من قلبهم.. أنتي ليه دايماً باصة للناس من فوق وبتتعجرفي عليهم؟ وحازم لو كان عاوزك من الأول كان طلبك أنتي، مكنش لازم تخسري أختك ولحمك ودمك علشانه.. بكره نصيبك يجيلك وتحبي وتتحبي بجد ومن غير خطط ولا ألاعيب.. حتى لما عملتي اللي عملتيه وأخدتيه وبقى خطيبك، برضه مش راضية ولا مرتاحة! أنتي عاوزه إيه يا ليلى؟ ارضي بنصيبك وربنا هيراضيكي ويهدي سرك يا بنتي. ظلت الأم تربت على ظهر ابنتها الباكية، وهي تدعو الله في سرها أن يهدي قلب ليلى ويردها إلى صوابها رداً جميلاً. في هذه الأثناء، كانت عاليا تسير في الحديقة العامة الكبرى التي تلجأ إليها دائمًا، وأمسكت بهاتفها وتحدثت مع مي وهي تبكي: — مي (بقلق عبر الهاتف): ألو.. إيوا يا لولو يا حبيبتي، ماله صوتك؟ أنتي بتعيطي ليه وفي إيه؟ — عاليا (بشهقات متتالية): أنتي فين يا مي.. أنا محتاجاكي جنبي دلوقتي أوي، تعبانة. — مي (بأسف وحيرة): أنتي عارفة يا حبيبتي إني مش في مصر خالص دلوقتي عشان المسابقة الدولية والتدريب.. طمنيني أنتي فين بالظبط وفي إيه؟ أنتي في البيت؟ — عاليا: لا.. أنا بره البيت. — مي (بذكاء وفهم): في المكان بتاعنا.. في الحديقة اللي بنقعد فيها دايماً؟ — عاليا: أيوه.. هي بعينها. — مي: طيب أرجوكي اهدي وحاولي تنفسي واحكيلي، أنا معاكي على الخط وسامعاكِ. — عاليا (وهي تمسح دموعها متهربة): خلاص يا مي، روحي شوفي شغلك والمسابقة بتاعتك ومستقبلك، أنا هقعد شوية مع نفسي وأهدي وبعدين هيرجع البيت.. مع السلامة. بعد مرور نصف ساعة.. كانت عاليا تجلس على مقعد خشبي تحت شجرة كبيرة، ورأسها بين يديها، وفجأة سمعت صوتاً رجولياً دافئاً ومألوفاً يقول برقة: — حسام: ممكن أقعد ومقاطعش خلوتك؟ التفتت إليه عاليا بصدمة واتسعت عيناها: — عاليا: حسام؟! أنت.. أنت عرفت إني هنا إزاي؟ مي كلمتك وقالتلك مش كدا؟ — حسام (بابتسامة ساحرة وهو يجلس بجوارها دون إذن): بصراحة اه.. بس لو وجودي هنا هيضايقك أو يزعجك.. مش همشي برضه وهقعد على قلبك! ارتسمت ابتسامة صغيرة رغماً عنها على وجه عاليا وسط حزنها. — حسام (وهو ينظر لها بعتب خفيف ومحبب): أنا كنت فاكر وضامن إنك أول ما تتضايقي أو تحسي بوجع هتكلميني أنا أول واحد.. أنا غيران جداً على فكرة إنك كلمتي مي ومفكرتيش فيا. لاحت ابتسامة أخرى أوسع على وجه عاليا، وشعرت بقلبها ينبض بخفة. — حسام (بجدية وحنان): طب إيه بقا؟ في إيه م زعل القمر كدا ومخلي عيونه الحلوة دي تعيط؟ — عاليا (بتنهيدة مليئة بالمرارة): لسه جاي يسأل يا حسام.. لسه جاي يسأل إيه اللي حصل بعد 9 شهور كاملين! لسه جاي يفهم ويستفسر بعد ما كسروني هما الاتنين وداسوا على قلبي وكرامتي! بعد ما أختي خانتني وباعتني، وبعد ما أنا خلاص مبقتش شيفاه ولا طيقاه، جاي ببساطة يقولي نصلح كل حاجة ونرجع! هو ليه أناني وفارغ كدا؟ — حسام (بعقد حاجبيه بتركيز): بصي.. أنا مش فاهم التفاصيل كاملة، بس تقريباً وبنسبة كبيرة أنتِ بتتكلمي عن حازم.. فهميني طيب إيه الحكاية من الأول عشان أكون معاكي؟ أخذت عاليا نفساً عميقاً وبدأت تقص ماحدث...مع اقتراب الساعة من السادسة مساءً، بدأت حمرة الغروب الساحرة تصبغ سماء دبي بنسيج دافئ من الألوان الأرجوانية والذهبية. انحسرت حرارة النهار تاركة المجال لنسمات عليلة محملة برطوبة البحر المنعشة. تملص حسام وعاليا بهدوء من صخب اللمة العائلية في المنزل، بعدما أصر أحمد وليلى على التكفل بريم وزياد واخذهم للملاهي، ليمنحاهما تلك المساحة الخاصة التي طالما احتاجا إليها لإغلاق دفاتر الماضي إلى الأبد. ترجلا معاً على طول ممشى الشاطئ الهادئ، حيث كان صوت ارتطام الأمواج الخفيف بالرمال النعامة يعزف لحناً يبعث السكينة في النفوس الشاردة. كانت عاليا تسير حافية القدمين، وتدع رمال الشاطئ الرطبة تداعب أصابعها، مرتديةً فستاناً أبيض فضفاضاً من القطن الناعم، يتطاير طرفه مع نسمات الهواء ليحاكي أجنحة فراشة بيضاء استعادت حريتها أخيراً. أما حسام، فقد شمر عن ساعديه ورفع بنطاله قليلاً، وسار بجانبها واضعاً يديه في جيبيه أول الأمر، يتأملها بنظرات لم تخلُ لحظة من الانبهار والامتنان. التفتت إليه عاليا، وطاير الهواء خصلات من شعرها لتغطي ملامح وجهها، فأرجعتها بابتسامة رقيقة ووديعة. امتدت يد حسام ببطء، وكأنه يستأذن قلبها ق
لم يكن الانتقال إلى الشقة الجديدة في دبي مجرد تغيير في العنوان، بل كان بمثابة إعلان رسمي عن ولادة جديدة لكليهما. اختار حسام الشقة بعناية فائقة؛ أرادها واسعة، تدخلها الشمس من كل جانب، بنوافذ زجاجية ضخمة تطل على أفق المدينة والمسطحات الخضراء، وكأنه يحاول طرد كل ذكرى للظلام والضيق التي عاشتها عاليا بمفردها في غرف الغربة الباردة. في ذلك الصباح، كانت خيوط الشمس الذهبية تتسلل برفق عبر الستائر الشيفون البيضاء، وترسم خطوطاً من النور على الأرضية الخشبية الدافئة. كانت تفوح في الأرجاء رائحة القهوة الصباحية الممتازة الممزوجة برائحة المخبوزات التي تفننت عاليا في إعدادها. خرجت عاليا من المطبخ وهي ترتدي ثوباً منزلياً مريحاً باللون الوردي الهادئ، وقد استرد وجهها نضارته التي سلبتها منها أيام المرض العجاف. لم تعد تلك المرأة الشاحبة المكسورة؛ بل عادت عيناها العسليتان تشعان ببريق الحياة والأمومة الشابة. تطلعت إلى وسط الصالة، حيث كانت الصغيرة "ريم" تجلس بكبرياء طفولي وسط مجموعة من الألعاب الملونة. ريم التي أتمت عامها الأول، كانت نسخة مصغرة من أمها، بعينين واسعتين وفضول لا ينتهي. استندت عاليا على إطار ا
بعد عدة أيام كانت الأجواء في الغرفة هادئة ومبهجة. جلست عاليا على سرير المستشفى بعد أن استعادت جزءاً كبيراً من عافيتها وبدأ وجهها يسترد لونه العسلي الجميل. وكان حسام يجلس بجوارها على طرف الفراش، يحمل طفلتهم بعناية وحرص شديد، ونظر إلى عاليا بعينين تلمعان بالحب والارتياح وقال: "حمد الله على سلامتك يا حبيبتي.. حمد الله على سلامتك يا نور عيني." التمعت عينا عاليا بالدموع وبسطت ذراعيها قائلة بشوق أمومة جارف: "هاتها.. هاتها عاوزه أشوفها وأضمها في حضني." قربها حسام منها برفق شديد ووضعها بين ذراعيها، وانحنى ليقبل رأس زوجته وابنته معاً في مشهد دافئ يعوض كل شهور العذاب والبعد. انفتح الباب بهدوء ليدخل أحمد بابتسامته البشوشة المعتادة، وتقدم نحو السرير قائلاً بنبرة دافئة: "ألف حمد الله على سلامتك يا مدام عاليا، نورتِ الدنيا أنتِ والعروسة الصغيرة ريم." التفتت إليه عاليا بابتسامة ممتنة وصادقة وقالت: "الله يسلمك يا أحمد، بجد مش عارفة أشكرك إزاي على كل اللِّي عملته معايا ومع حسام.. أنت أخ حقيقي." نظر حسام إلى أحمد بامتنان عميق، وربت على كتفه قائلاً: "أحمد دا مابقاش مجرد شخص جدع عرفناه بال
ردت الممرضة بنبرة هادئة لكنها لم تروِ عطشه: "البيبي زي الفل ما شاء الله.. بس المدام لسه العملية شغالة جوه، ادعيلها." قرّب حسام الطفلة إلى صدره، واستنشق رائحتها الطيبة، وقبّل جبينها الصغير بدموع انهمرت رغماً عنه وهو يهمس لها: "متقلقيش.. ماما زمانها جاية ومش هتسيبنا.. هي عمرها ما سابتني، ومش هتسيبك أنتِ كمان.. ربنا هيقومها بالسلامة علشانك.. تيجي على ما تخرج أحكي لك حكايتنا؟ أحكي لك إحنا تعبنا قد إيه علشان تيجي بالسلامة؟" وفي غمرة بكائه وحديثه مع طفلته، شعر بيد دافئة تربت على كتفه برفق. التفت بحذر ليجد أمامه "أحمد"، واقفاً بملامحه الأصيلة وابتسامته المطمئنة. أحمد بنبرة حنونة: "ألف مبروك يا أستاذ حسام.. تتربى في عزكم يارب. لسه المدام جوه؟" نظر إليه حسام بامتنان شديد ودموع باقية في عينيه وقال: "جوه.. لسه جوه يا أحمد.. ادعيلها، يارب تخرج بالسلامة." ربت أحمد على يده وقال بملء فمه: "إن شاء الله خير.. مدام عاليا ست طيبة وتستاهل كل خير، وربنا مش هيخذلك." بعد ما يقارب الثلاث ساعات الطويلة التي كادت تودي بعقل حسام، انفتح باب العمليات مرة أخرى، وخرج الطبيب يزف إليه البشرى بنجاح العملية
على الجانب الآخر، كانت عاليا تقف وتراقب هذا المشهد العائلي الدافئ، وشعرت بوخزة شوق وحنين جارف لكل هذا الحب. التفتت إليها ليلى وسارة، واندفعت الثلاثة في عناق جماعي طويل حار، امتزجت فيه ضحكاتهن بدموع الشوق والارتياح. ضمت سارة عاليا بقوة وهي تهمس: "نورتِ مصر يا عاليا.. الفرحة مكنتش هتكمل من غيرك، أنتِ مش صاحبتنا بس، أنتِ أختنا الكبيرة." بكت عاليا بصمت وهي تشد على ضلوعهما، تذكرت في تلك اللحظة كل الوجع الذي عاشته وحيدة في دبي، وكل الخوف من المرض والرحيل، وشعرت بأن حضن عائلتها هو الدواء الحقيقي الذي أحيا روحها من جديد. اقتربت الأم منهن، ووضعت يدها الحانية على بطن عاليا برفق، ونظرت في عينيها بعمق وقالت بدعاء نابع من سويداء قلبها: "ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي، ويقومك ليا بالف سلامة، ويفرح قلبي وقلب حسام بالضنا الصغير اللِّي هيملى علينا الدنيا.. أنتِ بنتي الغالية يا عاليا، وغلاوتك من غلاوة حسام وأكتر." انحنت عاليا وقبلت يد الأم باحترام شديد: "ربنا يخليكي لينا يا ماما، ولا يحرمنا من دعواتك أبدًا." التقى الجميع في حلقة واحدة في منتصف القاعة؛ حسام وعاليا، ورامز ومنة، وحازم وسارة، والأم ولي
التمعت عينا عاليا بالشوق: "ماشي.. ماما وحشتني أوي، وليلي وكلهم وحشوني خالص." حسام بتنهيدة حارة: "ومين سمعك! إحنا هنا داخلين على سنة أهو، مكنتش اتخيل أبداً إني أقدر أفضل كل ده بعيد عنهم.. اللِّي مصبرني كان الفيديو كول." عاليا بأمل: "هانت.. كلها شهر ونشوفهم ونشبع منهم." نظر لها حسام بلؤم محب ومقرب: "ياااارب.. قرب البعيد بقى، وقرب القريب برضه!" اتسعت ابتسامتها الخجولة، وتهربت من نظراته لتتحصن داخل غرفتها، بينما يتابعها هو بنظرات ممتنة لرجوعها. أصبح حسام رجلاً آخر؛ بات يدللها دلالاً كبيراً، يسبقها إلى أعمال المنزل، ويساعدها في كل صغيرة وكبيرة، ويحاول إرضاءها بأي شكل كان، ولا يترك فرصة تمر دون أن يتقرب من قلبها ومسامحتها. عندما كان يصيبها التعب، كان يسهر بجانبها طوال الليل يمسد رأسها بيده ويمسح جبينها، ويتابع معها مواعيد الطبيب بدقة شديدة. لا تزال عاليا تتذكر أول مرة شاهدا فيها الجنين سوياً عبر شاشة "السونار"، ورأت الفرحة الطاغية والدموع تترقرق في عينيه.. ها هي الآن قد بدأت شهرها الخامس، وبدأت تشعر بحركة الجنين الخفيفة في أحشائها كرفرفة الفراشات. كل يوم يأتي حسام بلهفة، يضع ك
حسام (بلهفة فور انتهاء القراءة): طيب يا عمي.. بإذن الله عاوزين نحدد ميعاد الخطوبة الرسمية في أقرب وقت، وتنزل معايا العروسة عشان نختار الشبكة اللي تليق بمقامها.— عبد الله (بأريحية): والله اتفقوا سوا يا ابني وشوفوا الميعاد والوقت اللي يناسبكم ويناسب شغلكم.. أنا كدا عملت اللي عليا ووقفت وقفتي، الباقي
أنا موافقة.. موافقة أتجوزك يا حسام.— حسام (بفرحة عارمة كادت تقتلع قلبه من مكانه): ياااا الله! ده أحلى وأجمل يوم في عمري كله والله! البت مي دي لما ترجع من السفر هعمل معاها الصح، وليها عندي الحلاوة وهدية غالية أوي لأنها كانت السبب.. بس قوليلي، كنتي ساكتة ومخبية كل ده ليه؟ أنا كنت بموت في اليوم ميت م
أخذت عاليا نفساً عميقاً، وبدأت تقص عليه الحكاية والسر القديم من بدايته؛ كيف لُعبت اللعبة عليها، وكيف اتهمت بالخيانة، وسط علامات الدهشة الذهول والـ صدمة التي ارتسمت على وجه حسام.— حسام (بعدم تصديق): لا إله إلا الله! معقولة؟ معقولة أختك تعمل كدا وتخطط للدرجة دي؟ وهو يصدقها بالسهولة والسرعة دي من غير
عبد الله (بذهول وعدم تصديق): بجد يا عاليا؟! خلصتيه كله لوحدك وفهمتيه؟!وقبل أن تجيبه وتتكلم، دق الباب بخفة هذه المرة.— عاليا: اتفضل، ادخل.انفتح الباب ودخل حازم، وبمجرد أن رأى والده يجلس هناك تجمدت خطواته وابتلع ريقه بصعوبة:— حازم بتلعثم: احم.. خبطت اهو على الباب وجيت مستأذن عشان متزعليش وتقولي ب







