مشاركة

البارت الثانى

مؤلف: Faten Aly
last update تاريخ النشر: 2026-05-16 06:50:56

بعد وقتٍ ليس بالقليل… انفتح باب المكتب بهدوء محسوب، ودلف آدم.

شاب وسيم الملامح، يحمل في خطواته مزيجًا من الوقار والراحة، كأنه الوحيد القادر على كسر الجمود الذي يملأ هذا المكان دون أن يدفع ثمنًا لذلك. تنحنح بخفة قبل أن يلقي تحية الصباح على "سادن"، بنبرة ودودة لا تشبه برودة هذا المكتب.

- صباح الخير يا سادن.

لم يرفع سادن عينيه عن الأوراق أمامه، لكنه رد باقتضاب، كعادته

- صباح النور.

جلس آدم أمام المكتب بهدوء، يضع ملفًا ثقيلًا أمامه دون كلمة إضافية، ثم اتكأ في مقعده منتظرًا.

كانت تلك لحظته المعتادة معه…

هو يتحدث حين تنتهي الأوراق، ويتنفس حين يقرر سادن أن يسمح للوقت أن يتباطأ قليلًا.

آدم… الصديق الوحيد...... رغم أنه يصغره بثلاث سنوات، إلا أن الصدفة جمعت بينهما في وقتٍ لم يكن أيٌّ منهما يتوقع فيه أن يجد الآخر. ومنذ ذلك الحين، أصبح ذراعه اليمنى داخل الشركة… والعقل الهادئ الذي يحاول أحيانًا أن يطفئ نارًا لا تنطفئ.

أطلق آدم تنهيدة خفيفة وهو يتأمل ملامحه المنهمكة في الأوراق، كأنه يحاول أن يفهم كيف يمكن لإنسانٍ أن يعيش بهذا الجمود دون أن ينهار. لكنه كان يعرف الحقيقة جيدًا…هو لا يستطيع أن يبتعد عنه، مهما حاول.

رفع سادن عينيه أخيرًا، نظرة واحدة كفيلة بأن تُعيد آدم إلى الواقع.

- خلصت؟

أومأ آدم وأشار إلى الملف

- دي تفاصيل المناقصة الجديدة… محتاجة قرارك.

تناول سادن الملف، قلب صفحاته بسرعة، عيناه تمرّان على الأرقام وكأنها تُقرأ من ذاكرة لا تخطئ. لم يستغرق وقتًا طويلًا قبل أن يُغلقه بإهمال ويضعه جانبًا.

- إعمل اللي إنت شايفه يا آدم.

صمت لثانية، ثم أضاف بنبرة أكثر حدة

- إيه أخبار شركة مراد الألفي؟

تجمّد الهواء لحظة داخل المكتب.

فهم آدم فورًا ما لا يُقال…الخيوط التي تُسحب بصمت، الضغط الذي يزداد على شركة مراد الألفي، والخسائر التي تتراكم في طريقٍ لا يبدو عشوائيًا أبدًا.

نظر إليه بأسفٍ واضح، وقال بحذر

- يا سادن… سيبك بقى من الموضوع ده. كفاية لحد كده.

لكن الاسم خرج من سادن كالسهم

- آدم

ارتفع صوته فجأة، فارتجّ المكتب وكأن الجدران نفسها انتبهت.

تجمد آدم في مكانه، بينما تابع سادن بنبرة أخطر، أكثر هدوءًا… لكنها أشد قسوة

- متنساش نفسك. مش إنت اللي هتقولّي أعمل إيه.

انخفضت نظرة آدم قليلًا، وضغط على أسنانه بصمت.

كان الصراع واضحًا داخله… بين صديقٍ يعرفه منذ البداية، ورجلٍ لم يعد يتعرف على ملامحه حين يتحول إلى هذا الشكل.

كان أمام خيارين، وكلاهما مؤلم... أن يتركه… فيخسر صداقته..... أو يبقى… ويخسر نفسه ببطء.

وفي النهاية… اختار الصبر.كما يفعل دائمًا.

تنهد آدم بهدوء، ونهض معتذرًا

- حاضر… هكمل شغلي.

لكن قبل أن يصل إلى الباب، أوقفه صوت "سادن" هذه المرة… أقل حدة، أقرب إلى الهدوء

- استنى.

توقف آدم، ثم عاد يجلس ببطء.

وفي تلك اللحظة، انفتح باب المكتب مرة أخرى…

لتدخل فتاة…ملامحها تحمل مزيجًا من الجرأة والجمال، وخطواتها خفيفة كأنها لا تعترف بثقل الأجواء من حولها. رفعت رأسها بابتسامة مرحة، وقالت بصوت واثق

- صباح الخير يا شباب…

ارتفع رأس كلٍّ من سادن وآدم معًا نحو باب المكتب في اللحظة التي انفتح فيها دون استئذان حقيقي، وكأن الداخل لا يرى في المكان قيودًا تُفرض عليه أو أوقاتًا يُلتزم بها.

كانت كايلا هي من اقتحمت الصمت.

دخولها لم يكن عاديًا، بل أشبه بنسمة متمردة اخترقت غرفةً مشحونة بالعواصف. خطواتها واثقة، ونظرتها تحمل تلك الجرأة التي لا تخشى مواجهة أحد، حتى وإن كان سادن نفسه.

توقفت للحظة عند الباب، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة لا تحمل أي اكتراث بالنظرات الموجهة نحوها، قبل أن تقول بنبرة مفعمة باللامبالاة المتعمدة

- صباح الخير يا شباب.

تبادل الاثنان النظرات في صمت.

سادن ثبت نظره عليها بغضبٍ مكتوم، ذلك النوع من الغضب الذي لا يحتاج إلى صوت ليُفهم، بل يكفيه مجرد الوجود. أما آدم… فقد خفّ شيء ما في ملامحه فور رؤيتها، كأن حضورها وحده قادر على إحداث ارتباك لطيف داخل عالمه المنضبط.

تقدمت كايلا دون تردد، جلست على المقعد المقابل لآدم وكأنها صاحبة المكان، ثم ألقت حقيبتها بإهمال محسوب فوق مكتب سادن مباشرة، لتستقر هناك بكل جرأة.

بعدها أسندت ظهرها، ورفعت ساقًا فوق الأخرى، في مشهد لا يخلو من التحدي الواضح، ثم قالت بغرورٍ مصطنع

- أنا جيت… ها؟ هستلم الشغل إمتى؟ ومرتبى كام بقى؟

اشتدّ الصمت في الغرفة.

رفعت عينا سادن ببطء نحوها، نظرة حادة كفيلة بإسكات مدينة كاملة، قبل أن يستند إلى ظهر مقعده ويطلق كلماته ببرودٍ مشحون بالغضب

- بالطريقة اللي إنتِ داخلة بيها دي… إنتِ مرفوضة.

ساد الصمت ثانية...... لكن كايلا لم تنكسر.

فقط خفضت نظرها للحظة، ثم اعتدلت في جلستها، أنزلت ساقها بهدوء، وكأنها تعيد ترتيب ملامحها الداخلية قبل أن ترد، بصوت منخفض لكنه واضح

- كده تمام… ولا عاوز إنكسار أكتر من كده؟

كانت كلماتها أبسط مما تبدو، لكنها حملت بين طياتها تحديًا خفيًا، وكأنها تختبر حدود غضبه لا أكثر.

في تلك اللحظة، ارتفع صوت آدم داخليًا قبل أن يتحرك أي شيء خارجيًا.

كان ينظر إليها، وعيناه تلمعان بشيءٍ لم يستطع السيطرة عليه تمامًا… ارتباك خفيف، انجذاب لا يُفصح عنه، وخفقان مفاجئ جعله يشعر لوهلة أن قلبه خرج عن طاعته.

أما كايلا…فقد جلست بثبات، كأنها لا ترى شيئًا من هذا كله.... لكن داخلها، كان هناك صوت آخر يهمس

هي تعلم.تعلم أن العمل مع سادن ليس سهلاً.

تعلم أن الغضب جزء من طبيعته، وأن القسوة ليست سوى قناعٍ يحمي به نفسه من كل ما يمكن أن يضعفه.

ومع ذلك… كانت تعرف أيضًا شيئًا أخطر

أنها ليست مجرد موظفة جديدة بالنسبة له.

- أنا عارفة مكانتي عنده… فكرت في صمت،

- وعارفة إنه مستحيل يقسى عليا… مهما حاول.

وفي الجهة الأخرى…كان سادن يراقبها بصمتٍ غريب.

تلك الفتاة لا تشبه أحدًا دخل عالمه من قبل. لا تخافه… لا تنكسر بسهولة… والأخطر من ذلك أنها تجرؤ على الرد.

ومع ذلك…تسلل شيء خفيف إلى ملامحه رغم صلابته.

شيء يشبه ابتسامة لم تُولد بالكامل.

فهي الوحيدة القادرة على كسر ذلك الجدار الصلب داخله…الوحيدة التي تُخرج منه نسخة أخرى لا يعرفها أحد.

لكن خلف هذا كله…كان هناك ظلٌّ أعمق.

ظلّ أمٍّ لا يزال أثرها يختبئ في قلبه، وكرهٍ قديم لم يُدفن بعد…كرهٌ يجعل كل شيء في حياته قابلًا للاشتعال في أي لحظة.

ساد الصمت لثوانٍ بعد خروج كايلا، كأن وجودها كان يشغل الفراغ نفسه، وحين غابت، لم يبقَ إلا أثر طاقتها المتمردة يطفو في الأجواء.

رفع سادن عينيه نحوها وهي تتجه نحو الباب، ثم جاء صوته هذه المرة أكثر هدوءًا، لكنه محمّل بصرامة لا تقبل التأويل

- مكتبك جاهز تحت… هتنزلي الموارد البشرية تستلمي أوراقك، وتبدأي شغلك من النهارده.

توقف قليلًا، قبل أن يضيف بنبرة أخفض، لكنها أشد وقعًا

- أي تقصير أو تهاون… مش هيتسامح فيه.

كانت الجملة أقرب إلى تحذير نهائي، لا يحمل مجالًا للنقاش.

أومأت كايلا برأسها بهدوء، دون أن تنطق بكلمة واحدة، ثم التقطت حقيبتها. نظرة قصيرة ألقتها نحوه، نظرة لا يمكن تفسيرها بسهولة… مزيج من التحدي والامتثال المؤقت، قبل أن تستدير وتغادر المكتب بخطوات ثابتة.

وبمجرد أن أُغلق الباب خلفها…

لم يتحرك آدم في البداية، لكنه كان يتابعها بعينيه حتى اللحظة الأخيرة، وكأن وجودها سحب معه شيئًا من تركيزه دون إذن..... ظل ينظر نحو الباب المغلق لثوانٍ أطول مما ينبغي، ثم تنهد بهدوء، ونهض من مكانه فجأة.

- أنا عندي مشوار مهم دلوقتي… هرجع أكمل معاك بعدين.

لم ينتظر ردًا، فقط التقط ملفه واستدار خارجًا، تاركًا خلفه سادن في صمته المعتاد.

تابعه سادن بعينيه دون تعليق، ثم عاد ببطء إلى مقعده.

في لحظة، امتدت يده إلى هاتفه الموضوع على سطح المكتب.

التقطه، قلمه بين يديه بهدوء، ثم أعاد وضعه مرة أخرى دون أن يجيب على أي مكالمة.أسند ظهره إلى المقعد، ودار به ببطء، عينيه معلقتان بالسقف الزجاجي خلفه، وكأنه لا ينظر إلى شيء بعينه، بل يحاول ترتيب أفكاره داخليًا.

كل شيء يبدو تحت السيطرة من الخارج…لكن داخله، كانت الحسابات تدور بصمتٍ مختلف.

أسماء، مواقف، قرارات، وخيوط تتقاطع في طريق لا يحتمل الخطأ.... وبين كل ذلك…كانت هناك نقطة جديدة دخلت المعادلة دون استئذان.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق
تعليقات (2)
goodnovel comment avatar
أسماء الغندور
أشطر كاتبة
goodnovel comment avatar
Lola
اشطر كاتبة
عرض جميع التعليقات

أحدث فصل

  • مدن لا تشبه الحب    141

    اليوم هو الموعد الموعود، موعد المتابعة الأخيرة التي حانت تفاصيلها لـتضع حداً لـأيام الانتظار؛ اصطحبها سادن إلى عيادة الطبيب بـخطوات تحفها الرعاية والبهجة، وعيناه الرماديتان لا تفارقان وجهها الساحر الذي عاد إليه نبض العافية والدلال في أحضانه. دلفا إلى غرفة الكشف بـوقار، وتقدم سادن بـجسده الفخم لـيساعدها بـحنو بالغ على التمدد فوق سرير الكشف الحريري، عازلاً إياها بـجسده عن الكون بـأكمله؛ انحنى بـرأسه وطبع قبلة طويلة، شغوفة تقطر عشقاً ويقيناً على كفها الصغيرة المرتعشة، ثم ردد بـنبرة رجولية دافئة تفيض بـالثقة والاشتياق - خلاص هانت يا فجر حياتي.. مـبقاش فاضل غير خطوة واحدة، والبيه الصغير يشرف بـسلامته ويملا علينا الدنيا. ابتسمت له فيروز بـملامح يكسوها العشق والأمان الطاغي بـوجوده؛ تقدم الطبيب بـخطواته العملية الهادئة، وقام بـوضع ذلك السائل البارد على بطنها المنتفخة بـالكامل بـرفق، ثم بدأ بـتحريك جهاز السونار بـتمهل وهو يتابع الشاشة بـأعين فاحصة خبيرة. وفجأة.. تبدلت ملامح الطبيب، واختفت ابتسامته الهادئة لـتحل محلها ملامح الجدية والـحسم؛ وتوقف جهاز السونار بـأجزاء من الثواني عند زاوية معي

  • مدن لا تشبه الحب    140

    دلف سادن من باب الجناح الملكي بـخطواته العسكرية المعهودة، ملامحه الصارمة متشحة بـالتجهم والبرود كـالعادة في الأيام الماضية؛ ولم يلتفت نحوها أو يخصها بـنظرة واحدة تهدئ من روع قلبها، بل تحرك بـخطواته الواسعة ليدلف إلى الحمام مباشرة، ومنه إلى غرفة الملابس لتبديل ثيابه الرسمية بـملابس بيتية مريحة. كل هذا وفيروز تتابعه بـعيونها النيلتية الذابلة، وتشعر بـالغليان والغيظ ينهش صدرها من فرط جفائه القاسي وتجاهله المتعمد الذي بات يفوق قدرتها على التحمل؛ فـاستجمعت أنوثتها المتمردة وتوعدت له في سرها، مقررة الليلة أن تستخدم أسلحتها الأنثوية الفتاكة، والتي تدرك يقيناً أنها سـتأتي بـثمارها وتذيب جبال ثلجه. انقطع الصمت بـدخول الخادمة بـخطوات حذرة، حاملة صينية الطعام الفاخرة كـعادتهم اليومية، وبـجوارها كوب اللبن الدافئ الخاص بـالمتابعة الصحية؛ وضعتها على الطاولة جانباً بـأدب ثم انصرفت. تحرك سادن بـصمت، وحمل صينية الطعام لـيضعها أمامها على الفراش، واجفاً في أثره بـانتظار أن تتناوله بـنفسها حتى يقدم لها جرعتها الدوائية بـانتظام. ولكن، صدمته فيروز بـحركة متمردة ساحرة؛ إذ مدت يدها ونقلت الصينية بـلا مبال

  • مدن لا تشبه الحب    139

    تتمدد فيروز على الفراش الوثير بـجسدها الذي أثقله الحمل في شهوره الأخيرة، وتستند بـرأسها على الوسائد الحريرية، تاركة عينيها النيلتية تسبحان في سقف الغرفة، لـتستعيد بـتفصيل تفاصيل ذكريات ذلك اليوم المشهود؛ فـتطفو على شفتيها الكرزيتين ابتسامة عذبة تفيض بـالانتصار والتشفي. تتذكر كـيف انتفض سادن كـالأسد الهائج لـينتقم لـكرامتها وعشقها الجريح من تلك الحية الرقطاء "هايدي"؛ كيف جاء بها ذليلة، مكسورة، تذرف الدموع الحارة وتتمرغ عند الأقدام تطلب العفو والغفران بـلا طائل، بـصحبة والدها الذي جثا هو الآخر بـكبريائه لـيطالب بـالرحمة بـعد أن هدده سادن بـسحقه بـالنفوذ وإعلان إفلاس شركاته بـالكامل جزاءً وفاقاً لـما اقترفته يدا ابنته الخبيثة من دمار. أما ذلك الشاب الأجير الذي اشترك معها في التقاط الصور وتزييف الحقائق، فـقد كان أهون عليه بـمليون مرة إن كان سادن قد سلمه لـرجال الشرطة والقانون، من ذلك العذاب والـجحيم الذي لاقاه وتجرعه بـين جدران المخزن المظلم على يد سادن الأسيوطي، الذي لقنه درساً في الرجولية جعل عظام جسده ترتعد بـالرعب كلما مر طيف الأسيوطي بـمخيلته. ولكن.. وبالرغم من ثبوت براءته الطاهرة

  • مدن لا تشبه الحب    138

    استقلت فيروز السيارة بـخطوات واهية ثقيلة، وجلست بـجوار سادن كـالغريبة؛ لم تلتفت إليه ولم تنظر في عينيه بـالرغم من قربه الطاغي الذي يزلزل كيانها، بل آثرت الهروب بـملامحها المشحونة بـالوجع لتستند بـرأسها المثقل على زجاج النافذة البارد. كان يتأملها بـطَرف عينيه، فيشعر بـأن روحها قد غادرت جسدها وبـأنها باتت تعيش في عالم آخر مجهول لا يملك مفاتيحه. أغمضت عيونها النيلتية بـأسى واستسلام تام لـتلك الدوامة السوداء العنيفة من الشك والوجع التي سقطت بـداخلها بـلا رحمة. التفت سادن نحو الأمام، وبـنبرة رجولية حازمة منخفضة، أمر السائق بـالتمهل الشديد في القيادة وتفادي أي مطبات أو اهتزازات في الطريق؛ فـهو لم يكن أعمى، بل كان يرى وهنها وجسدها المرتجف، ويلمح امتعاضة الألم والـتعب الـ مرت على وجهها النقي بـفعل هبوط ضغطها، مما كان يسبب له نغزات حارقة، قاتلة في يسار صدره إثر ألمها وفجيعتها.. فـألمها هو ألمه بـالضعف. بعد مدة من السير الوئيد الصامت، وقفت السيارة الفارهة بـانسيابية أمام بوابة الفيلا الفخمة؛ أفاقت فيروز على صوته الرجولي الرخيم وهو يوجه لها الحديث بـشكل مباشر لـلمرة الأولى منذ صعودهما، مردداً

  • مدن لا تشبه الحب    137

    يفحصها الطبيب بـجهاز السونار بـتمهل، وعيناه ترتكزان على الشاشة بـتركيز شديد، بـينما أخذ يطلق زفرات خافتة ويبدي علامات واضحة من عدم الرضا والقلق، مما جعل الأجواء داخل غرفة الكشف تزداد توتراً. انتهى الطبيب من الفحص، وهو يلاحظ بـذكائه الإكلينيكي ذلك التوتر الرهيب والذعر الذي يجتاح وجدان سادن، بالرغم من محاولات الأخير المستميتة لإخفاء مشاعره خلف قناع البرود الصخري والجمود واللامبالاة المصطنعة. نهض الطبيب متوجهاً إلى مكتبه الفخم، تاركاً لـفيروز بعض الخصوصية لتعديل ملابسها بـمساعدة الممرضة. تحرك سادن بـخطوات لاهثة وجلس أمامه على المقعد، ولم يعد قادراً على الصمود أكثر، فـسأله بـلهفة حارقة ونبرة رجولية مرتعشة - خير يا دكتور طمني.. فيروز فيها حاجة؟! ابني جرى له حاجة بـسبب قلة أكلها؟ عدل الطبيب من وضع نظارته الطبية فوق جسر أنفه، ثم ردد بـعملية هادئة وجادة - بـصراحة يا بشمهندس سادن، أمور المدام الزيارة دي مش تمام خالص بـالمقارنة بـالشهور الفاتت.. ضغطها واطي لـدرجة خطيرة ومقلقة، وكمان خاسة اتنين كيلو كاملين في أسبوع واحد، وده مؤشر مش كويس لـجنين في مرحلة نمو. ابتلع سادن تلك الغصة المُرّة ال

  • مدن لا تشبه الحب    136

    اليوم هو ميعاد المتابعة الطبية الهام والخاص بـحملها؛ حضرت كايلا بـلهفة حارقة إلى منزل فريدة لـكي تصطحبها إلى الطبيب والاطمئنان على صحة الجنين، ولكن فيروز فاجأتها بـرفض قاطع، شديد، مستميت لـلخروج من الغرفة أو مفارقة فراشها، متمسكة بـعزلتها بـشكل يثير الضيق. ​أمام هذا العناد، اقتربت كايلا منها بـحذر لـتتفاجأ بـمنظرها الصادم؛ لاحظت شحوب وجهها الشديد الذي بات كـورقة بيضاء خالية من دماء العافية، وعيونها النيلتية الساحرة التي انطفأ بريقها تماماً بـعد أن أُحيطت بـتلك الهالات السوداء القاتمة من فرط السهر والقهر. ​لم تحتمل كايلا رؤية شقيقة روحها بـهذا المنظر المأساوي؛ فـخرجت من الغرفة على الفور بـخطوات متسارعة، وتوجهت نحو المطبخ لـتسأل فريدة بـاندفاع وخوف حقيقي تلمسه بنبرتها - فريدة.... فيروز شكلها متغير خالص وتعبان بـشكل يرعب.. هي مـش بتاكل كويس؟ إيه الهالات والشحوب الـلى في وشها ده؟ ​هزت فريدة رأسها بـقلة حيلة ونظرات مكسورة، لـتردد بـألم ومرارة وعيناها تترقرق بـالدموع - من يوم ما جت هنا يا كايلا.. كل اللى أكلته لا يذكر، لقم بـالعافية عشان بس البيبي الـلى في بطنها.. غير كدة مفيش على لس

  • مدن لا تشبه الحب    البارت الثامن

    كانت كايلا هي الشخص الوحيد في هذا العالم الذي يملك مفاتيح قلبه، والوحيدة التي يبث صراخها الرعب في أوصاله؛ لذا فإن نبرة صوتها الباكية والمذعورة كانت لا تزال تدوي في أذن سادن كطلقات الرصاص، محولةً إياه إلى ثور هائج يطيح بكل من يقف في طريقه. بملامح حادة وأوامر صارمة كالسكاكين، جُعل البيت في حالة طوارئ

  • مدن لا تشبه الحب    البارت السابع

    بدأت إلهام في نسج شباكها وشباك ابنتها حوله بدقة، صائغةً خطة محكمة للإيقاع به في شَرَكِهما. وكانت أولى خطوات المؤامرة تبدأ اليوم؛ حيث دلفَت دنيا إلى أحد أشهر مراكز التجميل، لتبتكر لنفسها هويّة جديدة ومظهرًا مغويًا. صبغت خصلات شعرها باللون الأصفر الذهبي، وقصّته بطريقة عصرية تبرز تقاطيع وجهها، ثم وضعت

  • مدن لا تشبه الحب    البارت السادس

    وقفت هايدي متصلبة، تتأمله بعينين جاحظتين وصدمة ألجمت لسانها إزاء هذا التحول المباغت. عجزت تماماً عن سبر أغوار عقله أو فهم ما يرمي إليه سادن في هذه اللحظة. غير أن كبرياءها الجريح انتفض فجأة؛ فنهضت في مواجهته، غارزة قدميها في الأرض وثبتت عينها في عينه بتحدٍ شرس وهي تهتف بنبرة حادة- قول كده بقى.. إنت

  • مدن لا تشبه الحب    البارت الخامس

    ظلّ سادن متسمّرًا في مكانه، كأن الجسد نفسه رفض أن يشاركه حركة الحياة من حوله، بينما عيناه معلّقتان بفراغٍ باردٍ ممتدّ أمامه، فراغٌ لا يشبه السكون بقدر ما يشبه الانفصال عن كل ما هو حقيقي.داخل رأسه، لم تكن الأفكار تمرّ… بل كانت تتصادم بعنف، كأن كل فكرة تحاول أن تقتل الأخرى لتنجو وحدها.هايدي…لم تكن

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status