LOGINمع اقتراب غروب الشمس، عادت هانا برفقة والدها إلى المنزل بعد يوم طويل من العمل في الشركة. كانت تشعر ببعض الإرهاق، لكنها ما إن فتحت باب المنزل حتى سمعت صوتًا مألوفًا يركض نحوها.
- أمّي! لقد عدتِ أخيرًا! ألقت ريا نفسها بين ذراعي والدتها وهي تعانقها بحماس شديد، حتى كادت توقع حقيبتها من يدها. ابتسمت هانا وهي تطبع قبلة على خدها الصغير. - اشتقت لكِ يا أميرتي. لكنها سرعان ما لاحظت أن ابنتها متحمسة أكثر من المعتاد، وكأنها تخبئ كنزًا تريد إخبارها عنه. - ماذا هناك؟ يبدو أنكِ متحمسة جدًا اليوم. أمسكت ريا بيد والدتها وسحبتها إلى الأريكة وهي تقول بحماس: - أمي! عليكِ أن تسمعي ما حدث معي اليوم! جلس جون بجانبهما مبتسمًا وهو يحتسي كوبًا من القهوة، فقد سمع القصة أكثر من ثلاث مرات منذ عودته إلى المنزل، لكنه استمتع برؤية حفيدته وهي ترويها وكأنها مغامرة بطولية. بدأت ريا تحكي كل ما حدث معها منذ خروجها من المدرسة، وكيف رأت القطة الصغيرة، ثم ركضت خلفها دون أن تنتبه للطريق. كانت هانا تبتسم في البداية وهي تستمع إليها، لكن ابتسامتها اختفت تدريجيًا عندما سمعت أنها كانت في منتصف الطريق وكادت تتعرض لحادث سيارة. - ماذا؟! اتسعت عيناها بصدمة، وشعرت بأن قلبها كاد يتوقف للحظة. - ريا! هل تعلمين ماذا كان يمكن أن يحدث لكِ؟! خفضت الصغيرة رأسها وهي تدرك أنها أخطأت. - أنا آسفة يا أمي. احتضنتها هانا بسرعة وهي تشعر أن مجرد التفكير بخسارة ابنتها يجعلها عاجزة عن التنفس. - لا تفعلي ذلك مجددًا، حسنًا؟ أنتِ أغلى ما أملك في هذا العالم. عانقتها الصغيرة بقوة وهي تقول: - أنا آسفة، لكن العم الوسيم أنقذني! تنهدت هانا وهي تربت على شعرها. - يبدو أن هذا العم الوسيم أصبح بطل حياتكِ. ابتسمت ريا بحماس. - إنه ألطف شخص قابلته في حياتي! وقد اشترى لي الماء وجلس معي حتى هدأت! ابتسم جون وهو يقول مازحًا: - أشعر أنني بدأت أغار من هذا الرجل. ضحكت هانا قليلًا قبل أن تنظر إلى ابنتها قائلة: - يجب علينا شكره بالطبع. اتسعت عينا ريا بسعادة وقفزت من مكانها. - حقًا؟! هل ستأتين معي لرؤيته؟ - بالتأكيد، فقد أنقذ ابنتي. لكن فرحتها لم تدم سوى ثوانٍ قبل أن تتوقف فجأة. - المشكلة أنني... لا أعرف أين يعيش. رفعت هانا حاجبها باستغراب. - ألم تسأليه؟ هزت الصغيرة رأسها بخجل. - كنت منشغلة بمحاولة تزويجه لكِ، فنسيت أن أسأله عن عنوان منزله. ساد الصمت لثانيتين كاملتين قبل أن تنفجر هانا وجون ضاحكين. - ريا كيم! هل أصبحتِ خاطبة في الرابعة من عمركِ؟! نفخت الصغيرة خديها وقالت بكل جدية: - بالطبع! لقد قلتِ إن أبي كان طويلًا ووسيمًا وعيناه خضراوان، والعم الوسيم يشبه وصف أبي كثيرًا، لذلك ظننت أنكما ستكونان ثنائيًا مثاليًا! ابتسمت هانا بحزن خفيف دون أن تشعر وهي تتذكر الرجل الوحيد الذي أحبته في حياتها. - للأسف يا أميرتي، لا يوجد أحد يشبه والدك بالنسبة لي. وفي تلك اللحظة، لم تكن تعلم أن "العم الوسيم" الذي تحاول ابنتها تزويجه لها... هو والد ريا الحقيقي الذي يسكن على بعد خطوات قليلة من منزلهما، وأن القدر يخطط لجمعهما قريبًا بطريقة لن يتوقعها أحد. بعد أن هدأت ضحكاتهما، جلست ريا وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها الصغير وكأنها اتخذت قرارًا مصيريًا. - أمي! لقد اتخذت قراري. نظرت إليها هانا باستغراب وهي تحتسي كوب الشاي. - وما هو هذا القرار يا آنسة ريا؟ رفعت إصبعها الصغير بثقة وقالت: - في المرة القادمة التي أرى فيها العم الوسيم، سأدعوه إلى منزلنا! كادت هانا أن تختنق بالشاي الذي كانت تشربه، بينما رفع جون حاجبيه بدهشة. - ماذا؟! أومأت الصغيرة برأسها عدة مرات وهي تكمل بحماس: - بالطبع! فهو أنقذ حياتي مرتين الآن، واشترى لي الآيس كريم، كما أنه لطيف جدًا. لذلك يجب أن أشكره بشكل لائق! ثم نظرت إلى والدتها بعينين لامعتين وأضافت: - ويمكنكِ أن تعدين له الطعام أيضًا! أنتِ تطبخين بشكل رائع يا أمي. وضعت هانا يدها على جبينها وهي تضحك. - وهل أصبحتِ تدعين الغرباء إلى منزلنا بهذه السهولة؟ نفخت ريا خديها وقالت بجدية طفولية: - لكنه ليس غريبًا! إنه العم الوسيم! ضحك جون وهو يربت على رأس حفيدته. - يبدو أنكِ معجبة به فعلًا. ابتسمت الصغيرة بخبث وهي تقترب من أذن والدتها هامسة: - وإذا أعجب بكِ أيضًا، فلن أمانع أن يصبح أبي الجديد. احمر وجه هانا فورًا وهي تنظر إليها بصدمة. - ريا كيم! انفجرت الصغيرة بالضحك وهي تعانق والدتها. - أمزح فقط! لكنني أريد حقًا أن أشكره، فهو شخص طيب جدًا. ابتسمت هانا أخيرًا وهي تقبل جبين ابنتها. - حسنًا، إذا قابلته مرة أخرى، يمكنكِ دعوته لتناول العشاء معنا. قفزت ريا من مكانها بسعادة وهي ترفع قبضتها الصغيرة في الهواء. - رائع! إذًا سأبدأ من الآن بالتخطيط لأول عشاء عائلي لنا مع العم الوسيم! لم تكن الصغيرة تعلم أن ذلك "العشاء العائلي" الذي تتخيله بحماس، قد يكون بالفعل أول مرة يجلس فيها والدها الحقيقي على مائدة واحدة معها ومع والدتها بعد أربع سنوات من الفراق.بعد أن هدأت ريا أخيرًا، قرر الثلاثة العودة إلى المنزل. طوال الطريق كانت الصغيرة تمسك بيد والدها بإحدى يديها ويد والدتها بالأخرى، وكأنها تخشى أن يختفي أحدهما إذا أفلتت يده للحظة واحدة. وعندما وصلوا إلى المنزل، رفضت أن تجلس إلا بينهما على الأريكة. - لقد ضاعت مني أربع سنوات كاملة! لذلك سأعوضها كلها من الآن فصاعدًا! قالتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بجدية، مما جعل ريو يضحك لأول مرة منذ زمن طويل. أما هانا فلم تستطع منع نفسها من الابتسام وهي تنظر إلى تصرفات ابنتها اللطيفة. بعد تناول بعض الحلوى التي أحضرتها هانا، جلست ريا تفكر بعمق قبل أن تضرب كفيها ببعضهما بحماس. - وجدت الحل! نظر إليها كل من ريو وهانا باستغراب. - بما أنني أحبكما كثيرًا، فأنا سأبقى معكما معًا! - وكيف ذلك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. - سأقضي يومًا كاملًا مع أمي، واليوم الذي يليه مع أبي! وفي عطلة نهاية الأسبوع سنخرج نحن الثلاثة معًا! نظر ريو إلى هانا وكأنه ينتظر رأيها. تنهدت هانا قليلًا قبل أن تنظر إلى فرحة ابنتها، ثم قالت: - أعتقد أن هذا مناسب في الوقت الحالي. كادت ريا تقفز من مكانها من شدة سعادتها. - إذًا أص
ما إن انتهى ريو من كلماته حتى دفنت ريا وجهها الصغير في صدره وهي تبكي بصمت. كانت صغيرة على أن تفهم كل تعقيدات عالم الكبار، لكنها كانت كبيرة بما يكفي لتشعر بالفراغ الذي تركه غياب والدها طوال حياتها. أما هانا، فكانت تقف على بعد خطوات منهما وهي تحاول حبس دموعها دون جدوى. لم تتخيل يومًا أن تكون أول مرة ترى فيها ابنتها بين ذراعي والدها بهذه الطريقة المؤثرة. رفعت ريا رأسها قليلًا ونظرت إلى ريو بعينيها الحمراوين من كثرة البكاء. - إذًا... هل ستختفي مرة أخرى؟ تجمد ريو للحظة قبل أن يهز رأسه بسرعة. - لا يا أميرتي، أعدك بذلك. - حتى لو غضبت منك أمي؟ نظر ريو إلى هانا للحظات قبل أن يعود ببصره إلى ابنته. - حتى لو غضب العالم كله مني، لن أبتعد عنك مرة أخرى. ابتسمت الصغيرة ابتسامة خجولة قبل أن تعانقه بقوة أكبر. - إذًا أريد أن أناديك بأبي من الآن! اتسعت عينا هانا بصدمة بسيطة، بينما شعر ريو بأن قلبه كاد يتوقف من شدة سعادته. لقد انتظر أربع سنوات كاملة ليسمع هذه الكلمة. - هل يمكنني حقًا؟ سألته ريا بحماس طفولي، ليبتسم وهو يمسح دموعه بسرعة حتى لا تراه. - بالطبع يمكنكِ ذلك يا أميرتي. - أبي! عند
شعر ريو بأن الدم تجمد في عروقه بمجرد سماعه أن ريا اختفت. لم يكن قد مضى على معرفته بأنها ابنته سوى ليلة واحدة، وها هو يسمع الآن أنها ليست في المنزل. أخذ نفسًا عميقًا وهو يحاول تهدئة هانا التي كانت تبكي بشدة. - هانا، انظري إليّ. هل أخذت معها حقيبتها؟ أومأت برأسها بسرعة. - نعم، وحذاؤها الصغير ليس في مكانه أيضًا. - إذًا هذا يعني أنها خرجت بمفردها، وهذا أمر جيد. على الأقل لم يقتحم أحد المنزل. أخرج هاتفه بسرعة واتصل ببعض الأشخاص الذين يعملون معه وطلب منهم البحث عنها في الحي بأكمله. - ابحثوا عن طفلة في الرابعة من عمرها، شعرها أسود وعيناها خضراوان. أريد أن أعرف مكانها خلال دقائق. كانت هانا تنظر إليه ويداها ترتجفان. - إنها لم تخرج وحدها من قبل يا ريو. ماذا لو كانت خائفة؟ ماذا لو أصابها مكروه؟ اقترب منها ووضع يده على كتفها قائلًا بحزم: - لن يحدث لها شيء. إنها ابنتنا، وسنعيدها إلى المنزل. للمرة الأولى منذ أربع سنوات لم يعترض عقلها على كلمة "ابنتنا"، فقد كان خوفها على ريا أكبر من أي شيء آخر. وبعد حوالي عشرين دقيقة، رن هاتف ريو. - وجدناها يا سيدي. إنها في حديقة الأطفال القريبة من الب
في صباح اليوم التالي، استيقظت هانا مبكرًا على غير عادتها. لم تنم سوى ساعات قليلة بعد حديثها مع ريو في الليلة الماضية، لذلك جلست في المطبخ تحتسي كوبًا من القهوة محاولةً ترتيب أفكارها. رن هاتفها فجأة، فابتسمت عندما رأت اسم والدها يظهر على الشاشة. - صباح الخير يا أبي. - صباح الخير يا صغيرتي، كيف حالكما؟ وكيف حال أميرتي الصغيرة؟ ابتسمت بخفة وهي تجيب عن أسئلته قبل أن يسألها عن أحوالها. كان جون يعرف ابنته جيدًا، لذلك لم يقتنع بنبرة صوتها الهادئة. - هانا، ماذا حدث؟ تنهدت بخفة قبل أن تقول: - أبي... ريا قابلت ريو. ساد الصمت لثوانٍ في الطرف الآخر من الخط. - ماذا؟! - ليس هذا فقط، بل إن الشخص الذي أنقذها مرتين كان ريو نفسه، وقد جاء البارحة إلى المنزل وعرف أن ريا ابنته. بدأت تخبره بكل ما حدث ليلة أمس، وكيف طلبت من ريو الابتعاد عن ريا في الوقت الحالي. لكن ما لم تكن تعلمه هو أن ريا كانت قد استيقظت قبل دقائق قليلة ونزلت إلى الطابق السفلي تبحث عن والدتها. وما إن سمعت اسم "ريو" و"ابنته"، حتى توقفت خطواتها الصغيرة في مكانها. - ريا قابلت والدها... - لقد خسر أربع سنوات من حياتها يا أبي...
بقيت هانا صامتة لعدة لحظات بعد أن انتهى ريو من الحديث. كانت تنظر إليه وعيناها ترتجفان قليلًا، فقد كانت كل كلمة قالها تصل إلى قلبها دون استئذان. هي تعلم جيدًا أنه أحبها، وتعلم أيضًا أنه خاطر بحياته من أجلها أكثر من مرة، لكن المشكلة لم تكن في حبه لها، بل في الكذب الذي بُنيت عليه علاقتهما منذ البداية. أغمضت عينيها للحظات وهي تتذكر ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه حقيقته. تتذكر كيف انهار عالمها في لحظة واحدة، وكيف هربت إلى اليابان وهي تحمل طفلته بين أحشائها وقلبها محطم إلى آلاف القطع. - أنا... أتفهم ألمك يا ريو. رفعت نظرها إليه قبل أن تكمل بصوت منخفض: - لكن هل فكرت يومًا بألمي أنا؟ كيف كان شعوري عندما اكتشفت أن الرجل الذي أحببته أكثر من نفسي كان في الأصل قد أُرسل ليقتلني؟ خفض ريو رأسه بصمت. - هل تعلم ما هو أسوأ شيء بالنسبة لي؟ ليس كونك قاتلًا مأجورًا، بل أنك جعلتني أشك بكل لحظة جميلة عشتها معك. كنت أتساءل كل ليلة إن كانت ابتسامتك حقيقية أم مجرد جزء من مهمتك. تقدم خطوة نحوها وقال بحزن: - كانت حقيقية كلها يا هانا. ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تهز رأسها. - ربما... لكن ذلك لا يمحو ما حدث. تن
جلس ريو على مائدة العشاء وهو لا يزال غير مستوعب لما يحدث حوله. فمن بين مليارات الأشخاص في العالم، انتهى به الأمر جالسًا في منزل المرأة التي أحبها طوال حياته، وإلى جانبه طفلته التي كانت تناديه منذ أيام بـ"العم الوسيم". أما هانا، فكانت تضع الأطباق على الطاولة بصمت، تحاول تجاهل نظراته التي لم تفارقها منذ دخوله المنزل. بينما كانت ريا أكثر شخص سعيد في ذلك المكان. - أخيرًا! لقد تحقق حلمي! نظر إليها الاثنان باستغراب في الوقت نفسه. - وما هو حلمك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. أشارت إلى المقعد الموجود بينهما قائلة بحماس: - أن أتناول العشاء مع أمي والعم الوسيم! ابتسم ريو لا شعوريًا، بينما شعرت هانا بوخزة صغيرة في قلبها وهي ترى ابتسامته التي افتقدتها يومًا. بدأت هانا بتقديم الطعام، وما إن تذوق ريو أول لقمة حتى اتسعت عيناه قليلًا. - إنه لذيذ جدًا. ابتسمت ريا وكأنها هي من طبخته قائلة بفخر: - ألم أقل لك؟! أمي أفضل طاهية في العالم! ثم اقتربت منه قليلًا وهمست وكأنها تخبره بسر خطير: - وإذا أصبحت زوجها يومًا، فسوف تأكل هذا الطعام كل يوم. - ريا! احمر وجه هانا خجلًا بينما كاد ريو يختنق بال







