FAZER LOGINفي صباح اليوم التالي، أوصلت هانا ابنتها إلى المدرسة كعادتها قبل أن تتوجه إلى الشركة برفقة والدها. كانت لا تزال تتأقلم مع عودتها إلى كوريا الجنوبية، لكن وجود والدها وابنتها إلى جانبها جعل الأمر أسهل بكثير.
وبعد أن انتهت من مراجعة بعض الملفات مع جون داخل مكتبه، تنهد الأخير وهو ينظر إلى ساعته. - هانا، سأضطر إلى السفر إلى بوسان هذا المساء، لدي مؤتمر مهم مع بعض المستثمرين وقد يستغرق يومين أو ثلاثة. أومأت هانا برأسها مبتسمة. - لا تقلق يا أبي، سأهتم بكل شيء هنا. ربت جون على رأسها بحنان قبل أن يكمل تجهيز أوراق سفره. أما في الجهة الأخرى، فقد انتهى دوام ريا المدرسي مبكرًا على غير العادة. وبينما كانت السيارة تعيدها إلى المنزل، لمحت الحديقة الجميلة الموجودة داخل الحي الذي تسكن فيه. - عمي، هل يمكنني اللعب قليلًا في الحديقة؟ إنها ما زالت مبكرة! وافق السائق بعد أن تأكد من وجود الحراس بالقرب منها. ما إن دخلت الحديقة حتى بدأت تتجول بسعادة بين الأشجار والأزهار الملونة، إلى أن وقعت عيناها على شخص مألوف يجلس على أحد المقاعد يحتسي كوبًا من القهوة. اتسعت عيناها الخضراوان بسعادة. - العم الوسيم! رفع هيون ريو رأسه على الفور، وما إن رآها حتى ابتسم ابتسامة صغيرة نادرة الظهور. - أميرة المشاكل الصغيرة. نفخت خديها باعتراض قبل أن تجلس بجانبه. - لقد وعدتك أنني لن أركض في الشارع مجددًا! ضحك بخفة قبل أن يسألها عن يومها الدراسي. وبعد حديث قصير بينهما، تذكرت ريا أمرًا مهمًا وصفقت بيديها الصغيرتين بحماس. - صحيح! أمي تريد شكرك لأنك أنقذتني! لذلك أنت مدعو اليوم إلى منزلنا لتناول العشاء! رمش ريو عدة مرات باستغراب. - هل والدتك وافقت على ذلك؟ أومأت الصغيرة بحماس. - بالطبع! لقد قالت إنه يجب علينا شكرك بشكل لائق. تردد قليلًا، لكنه وجد نفسه يوافق في النهاية. - حسنًا، سأحضر. قفزت الصغيرة من مكانها بسعادة. - رائع! سأذهب الآن لأخبر أمي! ركضت ريا نحو المنزل بأقصى سرعتها، وما إن فتحت الباب حتى ألقت بنفسها بين ذراعي والدتها. - أمي! العم الوسيم سيأتي اليوم! ابتسمت هانا وهي تضحك على حماسها. - حقًا؟ هذا رائع، إذًا علينا تحضير عشاء يليق بضيفنا. وبدأت الأم وابنتها بتحضير الطعام معًا وسط الضحكات والأحاديث اللطيفة. كانت ريا تساعد والدتها في غسل الخضراوات بينما تثرثر طوال الوقت عن مدى وسامة "العم الوسيم". - أمي، أنا متأكدة أنه سيعجب بطعامك! - وهل أخبرك بذلك؟ - لا، لكن الجميع سيعجب بطعامك! ومع حلول المساء، صعدت ريا إلى غرفتها لتغيير ملابسها بينما كانت هانا ترتب المائدة الأخيرة. وفجأة... رن جرس الباب. مسحت هانا يديها بمنشفة المطبخ قبل أن تتجه نحو الباب بابتسامة هادئة. - لا بد أنه ضيفنا. فتحت الباب بهدوء... لكن ابتسامتها اختفت تمامًا في اللحظة التالية. اتسعت عيناها بصدمة وهي تحدق في الرجل الواقف أمامها. هو ريو. أما ريو، فقد تجمد في مكانه وكأن الزمن توقف للحظة. هانا...؟ كيف؟! كيف يمكن أن تكون هي؟ كانت ملامحها أكثر نضجًا وجمالًا مما يتذكر، لكن عينيها البندقيتين هما نفسيهما اللتان ظل يحلم بهما طوال أربع سنوات. لم يستطع أي منهما نطق كلمة واحدة. وفي تلك اللحظة، نزلت ريا من الطابق العلوي وهي تصرخ بحماس: - العم الوسيم! لقد أتيت أخيرًا! ركضت الصغيرة نحوه واحتضنت ساقه بسعادة، بينما كانت هانا لا تزال تحدق فيه غير مصدقة. شعرت وكأن العالم كله توقف عن الدوران. الرجل الذي كانت ابنتها تتحدث عنه منذ أيام، والذي أرادت دعوته إلى منزلهما لتشكره... كان الرجل نفسه الذي هربت منه إلى الطرف الآخر من العالم قبل أربع سنوات. أما ريو، فقد أدرك أخيرًا الحقيقة الصادمة... الطفلة التي جعلت قلبه يتعلق بها منذ لقائهما الأول لم تكن مجرد طفلة لطيفة. بل كانت ابنة هانا. وابنته هو أيضًا.بعد أن هدأت ريا أخيرًا، قرر الثلاثة العودة إلى المنزل. طوال الطريق كانت الصغيرة تمسك بيد والدها بإحدى يديها ويد والدتها بالأخرى، وكأنها تخشى أن يختفي أحدهما إذا أفلتت يده للحظة واحدة. وعندما وصلوا إلى المنزل، رفضت أن تجلس إلا بينهما على الأريكة. - لقد ضاعت مني أربع سنوات كاملة! لذلك سأعوضها كلها من الآن فصاعدًا! قالتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بجدية، مما جعل ريو يضحك لأول مرة منذ زمن طويل. أما هانا فلم تستطع منع نفسها من الابتسام وهي تنظر إلى تصرفات ابنتها اللطيفة. بعد تناول بعض الحلوى التي أحضرتها هانا، جلست ريا تفكر بعمق قبل أن تضرب كفيها ببعضهما بحماس. - وجدت الحل! نظر إليها كل من ريو وهانا باستغراب. - بما أنني أحبكما كثيرًا، فأنا سأبقى معكما معًا! - وكيف ذلك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. - سأقضي يومًا كاملًا مع أمي، واليوم الذي يليه مع أبي! وفي عطلة نهاية الأسبوع سنخرج نحن الثلاثة معًا! نظر ريو إلى هانا وكأنه ينتظر رأيها. تنهدت هانا قليلًا قبل أن تنظر إلى فرحة ابنتها، ثم قالت: - أعتقد أن هذا مناسب في الوقت الحالي. كادت ريا تقفز من مكانها من شدة سعادتها. - إذًا أص
ما إن انتهى ريو من كلماته حتى دفنت ريا وجهها الصغير في صدره وهي تبكي بصمت. كانت صغيرة على أن تفهم كل تعقيدات عالم الكبار، لكنها كانت كبيرة بما يكفي لتشعر بالفراغ الذي تركه غياب والدها طوال حياتها. أما هانا، فكانت تقف على بعد خطوات منهما وهي تحاول حبس دموعها دون جدوى. لم تتخيل يومًا أن تكون أول مرة ترى فيها ابنتها بين ذراعي والدها بهذه الطريقة المؤثرة. رفعت ريا رأسها قليلًا ونظرت إلى ريو بعينيها الحمراوين من كثرة البكاء. - إذًا... هل ستختفي مرة أخرى؟ تجمد ريو للحظة قبل أن يهز رأسه بسرعة. - لا يا أميرتي، أعدك بذلك. - حتى لو غضبت منك أمي؟ نظر ريو إلى هانا للحظات قبل أن يعود ببصره إلى ابنته. - حتى لو غضب العالم كله مني، لن أبتعد عنك مرة أخرى. ابتسمت الصغيرة ابتسامة خجولة قبل أن تعانقه بقوة أكبر. - إذًا أريد أن أناديك بأبي من الآن! اتسعت عينا هانا بصدمة بسيطة، بينما شعر ريو بأن قلبه كاد يتوقف من شدة سعادته. لقد انتظر أربع سنوات كاملة ليسمع هذه الكلمة. - هل يمكنني حقًا؟ سألته ريا بحماس طفولي، ليبتسم وهو يمسح دموعه بسرعة حتى لا تراه. - بالطبع يمكنكِ ذلك يا أميرتي. - أبي! عند
شعر ريو بأن الدم تجمد في عروقه بمجرد سماعه أن ريا اختفت. لم يكن قد مضى على معرفته بأنها ابنته سوى ليلة واحدة، وها هو يسمع الآن أنها ليست في المنزل. أخذ نفسًا عميقًا وهو يحاول تهدئة هانا التي كانت تبكي بشدة. - هانا، انظري إليّ. هل أخذت معها حقيبتها؟ أومأت برأسها بسرعة. - نعم، وحذاؤها الصغير ليس في مكانه أيضًا. - إذًا هذا يعني أنها خرجت بمفردها، وهذا أمر جيد. على الأقل لم يقتحم أحد المنزل. أخرج هاتفه بسرعة واتصل ببعض الأشخاص الذين يعملون معه وطلب منهم البحث عنها في الحي بأكمله. - ابحثوا عن طفلة في الرابعة من عمرها، شعرها أسود وعيناها خضراوان. أريد أن أعرف مكانها خلال دقائق. كانت هانا تنظر إليه ويداها ترتجفان. - إنها لم تخرج وحدها من قبل يا ريو. ماذا لو كانت خائفة؟ ماذا لو أصابها مكروه؟ اقترب منها ووضع يده على كتفها قائلًا بحزم: - لن يحدث لها شيء. إنها ابنتنا، وسنعيدها إلى المنزل. للمرة الأولى منذ أربع سنوات لم يعترض عقلها على كلمة "ابنتنا"، فقد كان خوفها على ريا أكبر من أي شيء آخر. وبعد حوالي عشرين دقيقة، رن هاتف ريو. - وجدناها يا سيدي. إنها في حديقة الأطفال القريبة من الب
في صباح اليوم التالي، استيقظت هانا مبكرًا على غير عادتها. لم تنم سوى ساعات قليلة بعد حديثها مع ريو في الليلة الماضية، لذلك جلست في المطبخ تحتسي كوبًا من القهوة محاولةً ترتيب أفكارها. رن هاتفها فجأة، فابتسمت عندما رأت اسم والدها يظهر على الشاشة. - صباح الخير يا أبي. - صباح الخير يا صغيرتي، كيف حالكما؟ وكيف حال أميرتي الصغيرة؟ ابتسمت بخفة وهي تجيب عن أسئلته قبل أن يسألها عن أحوالها. كان جون يعرف ابنته جيدًا، لذلك لم يقتنع بنبرة صوتها الهادئة. - هانا، ماذا حدث؟ تنهدت بخفة قبل أن تقول: - أبي... ريا قابلت ريو. ساد الصمت لثوانٍ في الطرف الآخر من الخط. - ماذا؟! - ليس هذا فقط، بل إن الشخص الذي أنقذها مرتين كان ريو نفسه، وقد جاء البارحة إلى المنزل وعرف أن ريا ابنته. بدأت تخبره بكل ما حدث ليلة أمس، وكيف طلبت من ريو الابتعاد عن ريا في الوقت الحالي. لكن ما لم تكن تعلمه هو أن ريا كانت قد استيقظت قبل دقائق قليلة ونزلت إلى الطابق السفلي تبحث عن والدتها. وما إن سمعت اسم "ريو" و"ابنته"، حتى توقفت خطواتها الصغيرة في مكانها. - ريا قابلت والدها... - لقد خسر أربع سنوات من حياتها يا أبي...
بقيت هانا صامتة لعدة لحظات بعد أن انتهى ريو من الحديث. كانت تنظر إليه وعيناها ترتجفان قليلًا، فقد كانت كل كلمة قالها تصل إلى قلبها دون استئذان. هي تعلم جيدًا أنه أحبها، وتعلم أيضًا أنه خاطر بحياته من أجلها أكثر من مرة، لكن المشكلة لم تكن في حبه لها، بل في الكذب الذي بُنيت عليه علاقتهما منذ البداية. أغمضت عينيها للحظات وهي تتذكر ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه حقيقته. تتذكر كيف انهار عالمها في لحظة واحدة، وكيف هربت إلى اليابان وهي تحمل طفلته بين أحشائها وقلبها محطم إلى آلاف القطع. - أنا... أتفهم ألمك يا ريو. رفعت نظرها إليه قبل أن تكمل بصوت منخفض: - لكن هل فكرت يومًا بألمي أنا؟ كيف كان شعوري عندما اكتشفت أن الرجل الذي أحببته أكثر من نفسي كان في الأصل قد أُرسل ليقتلني؟ خفض ريو رأسه بصمت. - هل تعلم ما هو أسوأ شيء بالنسبة لي؟ ليس كونك قاتلًا مأجورًا، بل أنك جعلتني أشك بكل لحظة جميلة عشتها معك. كنت أتساءل كل ليلة إن كانت ابتسامتك حقيقية أم مجرد جزء من مهمتك. تقدم خطوة نحوها وقال بحزن: - كانت حقيقية كلها يا هانا. ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تهز رأسها. - ربما... لكن ذلك لا يمحو ما حدث. تن
جلس ريو على مائدة العشاء وهو لا يزال غير مستوعب لما يحدث حوله. فمن بين مليارات الأشخاص في العالم، انتهى به الأمر جالسًا في منزل المرأة التي أحبها طوال حياته، وإلى جانبه طفلته التي كانت تناديه منذ أيام بـ"العم الوسيم". أما هانا، فكانت تضع الأطباق على الطاولة بصمت، تحاول تجاهل نظراته التي لم تفارقها منذ دخوله المنزل. بينما كانت ريا أكثر شخص سعيد في ذلك المكان. - أخيرًا! لقد تحقق حلمي! نظر إليها الاثنان باستغراب في الوقت نفسه. - وما هو حلمك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. أشارت إلى المقعد الموجود بينهما قائلة بحماس: - أن أتناول العشاء مع أمي والعم الوسيم! ابتسم ريو لا شعوريًا، بينما شعرت هانا بوخزة صغيرة في قلبها وهي ترى ابتسامته التي افتقدتها يومًا. بدأت هانا بتقديم الطعام، وما إن تذوق ريو أول لقمة حتى اتسعت عيناه قليلًا. - إنه لذيذ جدًا. ابتسمت ريا وكأنها هي من طبخته قائلة بفخر: - ألم أقل لك؟! أمي أفضل طاهية في العالم! ثم اقتربت منه قليلًا وهمست وكأنها تخبره بسر خطير: - وإذا أصبحت زوجها يومًا، فسوف تأكل هذا الطعام كل يوم. - ريا! احمر وجه هانا خجلًا بينما كاد ريو يختنق بال







