Share

الفصل الثاني

Author: Samra
last update Petsa ng paglalathala: 2026-05-18 19:09:42

كان إخفاء الحقيقة عن قاسم أصعب بكثير مما توقعه والداه.

رغم انتقالهم إلى السعودية تنفيذًا لنصيحة الطبيب، ورغم محاولات حنان المستمرة لإبعاده عن كل ما يذكره بميس، لم ينسها يومًا. كانت حاضرة في كل تفاصيل يومه، وفي نهاية كل نشاط أو رحلة كان يعود بالسؤال ذاته:

متى ستعود ميس؟

وكانا يكذبان عليه كل مرة.

يخبرانه بأنها عند عمها وستلحق بهم قريبًا، لكنه لم يعد يصدق. شعر أن الجميع يخفي عنه شيئًا، فتحول تدريجيًا إلى طفل عدواني سريع الغضب. يفتعل المشاكل في المدرسة، يضرب زملاءه، ويعود إلى غرفته رافضًا الطعام والكلام.

وحين تسأله حنان عن سبب تصرفاته، كان يجيبها ببرود موجع:

لأنكم تكذبون.

بدأ الخوف يتسلل إلى قلبها.

كانت ترى ابنها يبتعد عنها أكثر كل يوم، وكلمات الطبيب لا تتوقف عن مطاردتها:

“إذا استعاد ذاكرته فجأة… قد ينهار تمامًا.”

لهذا اقترحت على سالم تبني طفل آخر يكون قريبًا من عمره، ربما يخفف وحدته ويعيده إلى طبيعته.

وافق سالم أخيرًا، وبدآ زيارة دور الأيتام بحثًا عن طفل مناسب، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل.

وفي طريق عودتهما ذات يوم، توقفت السيارة عند إشارة المرور.

طرقات خفيفة على النافذة جعلت حنان ترفع رأسها، لتجد طفلة صغيرة تحمل باقة زهور صناعية رخيصة.

كانت في الرابعة تقريبًا، بثياب ممزقة وشعر مبعثر، لكن عينيها العسليتين الواسعتين كانتا تخطفان الأنفاس ببراءتهما.

فتحت حنان النافذة بلطف.

ما اسمك؟

لم تجب.

ظنت أنها لم تسمعها، فسألت مجددًا:

بكم تبيعين الوردة؟

الصمت نفسه.

فهمت حنان أخيرًا أن الطفلة لا تتكلم.

لكن رغم صمتها، كانت نظراتها الممتلئة بالرجاء مؤلمة بطريقة غريبة.

قبل أن تتمكن حنان من مساعدتها، تحولت الإشارة إلى اللون الأخضر، وتعالت أصوات أبواق السيارات. جذب شرطي المرور الطفلة بعيدًا وهو يوبخها بغضب:

يومًا ما ستدهسك سيارة وأنتِ تركضين بين السيارات هكذا!

انطلقت السيارة، لكن صورة الطفلة بقيت عالقة في ذهن حنان.

لم تستطع نسيانها.

فقد لاحقتها نظراتها اليائسة حتى في أحلامها. لذا ظلت حنان تعود لنفس المكان علها تجدها . كل يوم برفقة سائقها الخاص تطلب منه يدور في نفس المكان تبحث عنها، الى أن رأتها .

نفس الأزهار الرديئة والملابس الرثة ، والابتسامة الرائعة لم تفارق شفتيها ، بسرعة نادت عليها ، ولكن الفتاة لم تجيب

كانت تلتصق بنوافذ السيارات تقحم ورودها الرثة من النافذة في محاولة يائسة لبيعها ،

تتلقى شتائم السائقين والركاب ويدفعونها بقوة بعيدا عن نوافذ سيارتهم .

شعرت حنان بالغضب والأسى لأجلها، اندفعت تركض اليها ساعدتها وأخبرتها بأنها ستشتري منها جميع الأزهار.

حاولت اقناعها بركوب سيارتها ، ولكن الطفلة الصغيرة شعرت بالخوف وبسرعة التفت هاربة واختفت بعيدا عن الأنظار .

اعجبت حنان بحذرها وشجاعتها واصبحت أكثر تصميما على مساعدتها .

حنان لم تستطع اخراج الطفلة من عقلها، اذ ربطت صورتها وابتسامتها بصورة ميس وكأنهما مرتبطتان ببعضهما البعض لا تفارق احداهما الأخرى.

عادت حنان مرة أخرى الى نفس المكان برفقة سائقها ولكن هذه المرة حالما وقع نظرها عليها نزلت من سيارتها وطلبت من السائق أن يعود للبيت دونها واتبعت خطوات الطفلة الصغيرة تراقب تحركاتها .

كانت تنتقل من سيارة الى اخرى تعرض عليه زهورها الصناعية ، وللأسف لم يحالفها الحظ ببيع اي منها، غادرت جميع السيارات ، وجرت الفتاة أذيال الخيبة متجهة الى شجرة تساقطت اوراقها لتستظل بظلها لحين توقف السيارات مرة أخرى لتعود وتحاول من جديد بيعهم أزهارها .

اقتربت حنان منها، ارتفعت عيون الطفلة اليها، ورأت حنان الخوف في عينيها،

ركعت الى جانبها هامسة بلطف :.

- هلا أعطيتني بعض الازهار؟!

وحينما لم تجبها مدت لها يدها ببضع اوراق نقدية وهمست.

- أنا لا اعرف كم ثمنها لذا ، تفضلي هذا هو المال ، اريد شراء جميع الازهار ، هل تسمحين لي بذلك؟

تركزت نظرات الطفلة على الاوراق النقدية ومن ثم القت نظرة خلف حنان لتتأكد بأنها وحدها خوفا من اختطافها وبعد ان شعرت بالامان .

اشارت بيدها الى أزهارها تسأل حنان إن كانت تنوي حقا شرائها . ابتسمت حنان وهزت برأسها موافقة :

- أجل ، اريد شراء أزهارك كلها ، هل يكفى هذا المال؟!

مدت الصغيرة يدها أخيرًا بعد لحظة قصيرة من التردد، وأعطتها الزهور.

لكن ما فاجأ حنان حقًا أنها أعادت باقي النقود بدقة، رغم حاجتها الواضحة إليها.

ثم ركضت مبتعدة بسرعة وهي تبتسم لأول مرة.

تابعتها حنان بعينيها بصمت، بينما شيء ثقيل يتحرك داخل قلبها.

وفي تلك اللحظة فقط… أدركت أنها لم تعد تريد مجرد مساعدة تلك الطفلة.

بل تريد أخذها معها إلى البيت.

إلى قاسم.

بدأت تبحث عنها وتسأل الناس حولها، لتكتشف أن اسمها ماسة، وأن والدتها ماتت قبل عام بعد أن اقتحم لصوص منزلهم وانهالوا عليها ضربًا حتى فارقت الحياة أمام ابنتها الصغيرة.

ومنذ تلك الليلة، فقدت ماسة قدرتها على السمع والنطق .

لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في ماضيها فقط، بل في حياتها الحالية أيضًا.

فوالدها رجل سكير عديم المسؤولية، يضربها ويجبرها على العمل في الشوارع لتأمين المال له، وإذا عادت دون نقود يطردها خارج المنزل لأيام دون أن يهتم أين تذهب أو كيف تعيش.

تألم قلب حنان لأجلها بشدة، وقررت أخيرًا زيارة منزلها بنفسها.

وحين وصلت، شعرت بالاختناق من سوء المكان.

بيت متهالك، قذر، بالكاد يصلح للعيش.

وقفت أمام الباب مترددة، لكن ماسة ما إن رأتها حتى ركضت نحوها وتشبثت بثوبها بقوة، وكأنها وجدت ملجأها الوحيد.

وفي اللحظة التالية، خرجت امرأة حادة الملامح تحمل عصا خيزران وطفلًا صغيرًا فوق خصرها، وبدأت تصرخ على ماسة بغضب.

- ألم أحذركِ من الهرب؟! سأجعلكِ تندمين اليوم!

تجمدت حنان حين رأت آثار الضرب تغطي ذراعي الطفلة وعنقها.

كدمات زرقاء وحمراء واضحة… لطفلة لم تتجاوز الرابعة.

اختبأت ماسة خلف حنان وهي ترتجف، فاشتعلت حنان غضباً على الفور .

لكن المرأة ما إن انتبهت إلى ملابس حنان وهيئتها الراقية حتى تبدل أسلوبها بسرعة.

ابتسمت بتوتر وقالت:

- هذه الطفلة متعبة جدًا، دائمة المشاكل وتؤذي إخوتها الصغار.

نظرت حنان إليها ببرود.

كان واضحًا أنها تكذب بسهولة لأنها تعلم أن ماسة لا تستطيع الدفاع عن نفسها.

سألتها مباشرة:

- هل هي ابنتك ؟

شهقت المرأة وكأن السؤال أهانها.

- أنا زوجة أبيها فقط… وأحاول تربيتها قدر استطاعتي، لكنها تشبه أمها تمامًا.

شعرت حنان بالنفور منها فورًا.

طريقة حديثها عن طفلة صغيرة كانت قاسية بشكل مقزز، أما ماسة فكانت مرعوبة منها فعلًا.

أخذت المرأة تتفحص حنان بعينين جشعتين قبل أن تسألها بلطف مصطنع:

- يبدو أنكِ لستِ من هنا… هل تبحثين عن أحد؟

فهمت حنان فورًا نوعية المرأة التي تتعامل معها، لذلك أخفت اهتمامها الحقيقي بماسة وقالت بهدوء:

- أنا أساعد بعض العائلات المحتاجة كل عام، وقيل لي إن هذه المنطقة تضم الكثير منهم.

لمعت عينا المرأة فورًا.

وبدأت تشكو فقرها وحظها السيئ، تتحدث عن أطفالها ومصاريفهم وزوجها الذي لا يعمل، بينما كانت حنان بالكاد تستمع.

كل ما كانت تراه هو ماسة الواقفة بصمت خلفها، خائفة وكأنها تنتظر الضربة التالية.

سألت حنان فجأة:

- هل تذهب ماسة إلى المدرسة؟

هزت المرأة رأسها باستخفاف.

- وما الفائدة؟ هي بكماء وصماء، لن تتعلم شيئًا.

تشنجت ملامح حنان بغضب.

كيف يمكنهم اهمالها الى هذه الدرجة ؟

أخرجت مبلغًا من حقيبتها ومدته للمرأة.

تغير وجه المرأة بالكامل، وخطفت النقود بسرعة وهي تكاد لا تصدق ما حصلت عليه.

بدأت تشكر حنان بدعوات متلاحقة، لكن الجشع كان أوضح من الامتنان في عينيها.

قالت حنان بصرامة هادئة:

- اهتمي بالأطفال جيدًا… وخاصة ماسة ... اشتري لها ملابس جديدة واعتني بها .

ثم تابعت:

- غدًا سأعود لأصطحبها إلى مدرسة خاصة. هناك مدارس للأطفال مثل حالتها، وستتعلم لغة الإشارة والدراسة بشكل طبيعي.

اتسعت عينا المرأة بصدمة، لكنها أخفت اعتراضها بسرعة وهزت رأسها موافقة.

- بالتأكيد… هذا أفضل لها.

لكن حنان لم ترتح أبدًا لذلك القبول السهل.

كان هناك شيء خاطئ في نظرات المرأة.

شيء جعلها تشعر بأن ماسة ليست آمنة داخل هذا المنزل… حتى للحظة واحدة.

وحين همّت بالمغادرة، شعرت بأصابع صغيرة تتشبث بيدها فجأة.

نظرت إلى الأسفل، لتجد ماسة تنظر إليها بعينيها الواسعتين بخوف وترجٍّ صامت.

وكأنها… تتوسل إليها ألا تتركها هنا.

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • همسات محرمة    الفصل المئة والسادس والثلاثون

    ليست أصعب الحروب تلك التي تُخاض بالسلاح...بل تلك التي تُجبر فيها على الوقوف أمام من تحب، بينما تتظاهر بأنك لا تعرفه.أن ترى جحيمه بعينيك...ثم تبتلع صرختك، لأن صرخةً واحدة قد تقتله قبل أن تنقذه.فبعض الأقنعة...لا تحمي أصحابها فحسب.بل تحمي من يحبونهم أيضًا.★★★انعكس الضوء الأزرق الباهت على وجه قاسم، وفي اللحظة التالية اتسعت حدقتا عينيه، حتى خُيّل إليه أن الزمن توقف.كانت هي...ماسة.ظهرت على الشاشة داخل غرفة ضيقة يغمرها ضوء شاحب، جدرانها رمادية خشنة، وأرضيتها إسمنتية باردة. كانت تجلس في أحد الأركان، تضم ركبتيها إلى صدرها وتدفن رأسها بينهما، كأنها تحاول أن تحتمي من بردٍ لا يرحم، أو من عالمٍ لم يعد يرحم أكثر.بدا جسدها نحيلاً، أنهكه الجوع والإرهاق، لكن قاسم لم يحتج إلى ثانية واحدة ليتأكد.إنها هي.ولو وُضعت بين أربعين امرأة يشبهنها، لاختارها من النظرة الأولى.بل ربما قبل أن ينظر إليها...كان قلبه يعرفها أكثر مما تعرفها عيناه.احتبس نَفَسه.وفي اللحظة التي رفعت فيها رأسها ببطء، ارتجف شيء عميق في داخله.شعرها مبعثر، ووجهها شاحب، إلا أنه ظل بالنسبة إليه أجمل وجه عرفه في حياته.أما عيناه

  • همسات محرمة    الفصل المئة و الخامس والثلاثون

    حين يمنحك السجن فرصة للهرب... فإنه يكون قد اختار مسبقًا أين ستسقط.بعض الأقفاص لا تُغلق أبوابها لأنها واثقة أن الهارب لن يجد طريقًا إلى الخارج.وبعض السجون لا تحتاج إلى سجان يقف عند كل زاوية...فالجدران نفسها تعرف كيف تعيد فريستها إليها.---ما إن غادر البارون الجناح، حتى لم تُضع ماسة ثانية واحدة.وقفت خلف النافذة تراقب السيارة السوداء وهي تعبر الطريق الحجري الطويل قبل أن تختفي خلف الأشجار الكثيفة خارج القصر.انتظرت حتى توارت تمامًا عن الأنظار، ثم زفرت ببطء.الفرصة قد لا تتكرر.ورغم أن القصر يعج بالحراس والكاميرات والعيون التي لا تنام، إلا أن عقلها كان أكثر هدوءًا من قلبها الذي كان يخفق بعنف.إذا أرادت الهرب يومًا...فعليها أولًا أن تحفظ هذا المكان كما يحفظ السجين قضبان زنزانته.التفتت نحو ليان التي كانت تلعب في الحديقة الصغيرة الملحقة بالجناح.اقتربت منها وانحنت حتى أصبحت في مستواها، ثم همست بحركة شفتيها لتقرأها ليان:ــ ليان... ما رأيك أن تأخذيني في جولة داخل القصر؟ أنتِ تعرفينه أكثر مني.ابتسمت الصغيرة وأومأت بحماس.كانت قد تعلمت خلال الأيام الماضية أن ماسة هي الإنسان الوحيد الذي ي

  • همسات محرمة    الفصل المئة والرابع والثلاثون

    ليست كل السجون جدرانًا من حجر...بعضها يُشيَّد من الحرير والرخام والحدائق المزهرة.وبعض الأقفاص تكون أبوابها مفتوحة على مصراعيها، ومع ذلك يعجز السجين عن الهرب.فحين يصبح مصيرك ملكًا لغيرك، لا يهم إن كان السوط في يده...أو كانت الوردة.كلاهما قادر على سلب حريتك بالطريقة ذاتها.⭐⭐⭐عادت ماسة بذاكرتها إلى أرض الواقع وهي تتأمل ليان، وشعرت بغصة من الفخر وهي تتأكد من صحة قرارها؛ فعلى الأقل استطاعت أن تنتشلها من ذلك الجحيم. لكن قلبها همس بمرارة:«ولكنكِ أدخلتها جحيمًا آخر».انقبض صدرها، وتمنت بكل ما تملك أن تكون مخطئة. وفي تلك اللحظة، فُتح باب الجناح؛ فدخل البارون بخطوات هادئة واثقة، تحيطه سلطة صارخة تُعلن أن المكان كله ينتمي إليه.رفعت ليان رأسها نحوه، وما إن وقع بصرها عليه حتى تراجعت خطوة إلى الخلف، وانعقد الخوف داخل عينيها الصغيرتين.قال بصوته العميق:صباح الخير."Good morning."انحنت ماسة نحو ليان وأشارت إليها بلطف:اذهبي إلى الحديقة، سألحق بكِ بعد قليل.لم تنتظر ليان أكثر من ذلك، بل قفزت من مكانها وانطلقت نحو الباب بفرح واضح. وظلت ماسة تراقبها حتى اختفت عن الأنظار، وعندها فقط التفتت إلى

  • همسات محرمة    الفصل مئة وثلاثة و ثلاثون

    أحيانًا يكون الجحيم مزخرفًا بالذهب والحرير... لكنه يظل جحيمًا.منذ أن خطت "ماسة" خطواتها الأولى داخل هذه الفيلا، وهي مبهورة بكل ما تراه. حتى هذه اللحظة، لم تستوعب أنها هنا لليوم الخامس على التوالي دون تعذيب، أو ترهيب، أو إذلال.كانت تعلم يقينًا بأن "البارون" ليس ذلك الرجل الطيب الذي يدعيه، وكانت تنتظر بفارغ الصبر أن يكشر عن أنيابه؛ لذا لم تثق به ثقة عمياء، ولم تأخذ راحتها ولو للحظة واحدة.كانت تأكل بتردد وحذر، بالكاد تتكلم مع أحد أو ترى أحدًا؛ فكل من كانت تراهم حولها ليسوا سوى خدمٍ من شتى الأجناس والأعراق، وهي بينهم كأميرة داخل قصر ممتلئ بالجواري.لم تكن تخرج من غرفتها، ولكنها كانت تحسب الأيام والليالي بانتظار اللحظة التي تتعافى فيها تمامًا وتسترد قوتها، وحينها ستعود لمقاومة جحيمها الجديد...ذلك الجحيم الذي لم يكن هدوؤه يبشر بخير إطلاقًا، بل كان أشبه بالسكون الذي يسبق الزوبعة.اندفعت "ليان" داخل غرفتها بابتسامة خلابة، ملابسها نظيفة فاخرة، وشعرها الأسود الحريري ينساب بنعومة على ظهرها.كانت ليان قد بدأت في التعافي والتأقلم مع المكان أكثر من ماسة، وكأن الروح قد رُدَّت إليها بعد رحلة طوي

  • همسات محرمة    الفصل مئة و اثنان وثلاثون

    بحلول نهاية الأسبوع الثاني، كان الرشيد قد أصبح أكثر انفتاحاً من أي وقت مضى. جلس ذات مساء في جناحه الفاخر بالفندق، مسترخياً فوق الأريكة الجلدية، وأمامه زجاجة ويسكي باهظة الثمن شارفت على الانتهاء. بدا تأثير الكحول واضحاً على ملامحه، فخفّت حذريته المعتادة وبدأ يتحدث بصراحة أكبر. قال وهو يدور الكأس بين أصابعه: — أنا أتعامل مع السيد مباشرة. هو الذي يستلم الفتيات بنفسه، وهو الذي يقرر مصير كل واحدة منهن. لديه شبكة واسعة جداً... بعض الفتيات يأتين من دول مجاورة، وبعضهن محليات يبحثن عن فرصة أو يهربن من ظروف قاسية. لكل واحدة استخدام مختلف... بعضهن للخدمة المنزلية، وبعضهن للمرافقة والترفيه... وبعضهن لأمور أكثر خصوصية. توقف قليلاً، ثم رفع عينيه نحو قاسم وحدق فيه بنظرة فاحصة. — تبدو رجلاً جاداً يا خالد. إن كان لديك طلب محدد، أستطيع ترتيب زيارة لك. لكن السيد لا يثق بالغرباء بسهولة. هو يثق بي ثقة عمياء لأنني أعرفه منذ سنوات طويلة. ارتسمت ابتسامة هادئة فوق شفتي قاسم بينما أخفى اضطرابه الداخلي ببراعة. قال بلامبالاة متعمدة: — إذا كان ما تقوله صحيحاً... فطلبي بسيط جداً. مال الرشيد نحوه

  • همسات محرمة    الفصل المئة و واحد وثلاثون

    أما في الجهة الأخرى، فقد كانت خيوط اللعبة تتشابك بسرعة أكبر مما توقع الجميع. بينما كان الرشيد يظن أنه يقترب أخيراً من كشف حقيقة الرجل الغامض الذي ظهر في حياته باسم "خالد الزين"، كان شخص آخر يراقب المشهد بأكمله من خلف الستار. معتز. ذلك الشبح الإلكتروني الذي اعتاد التسلل إلى أكثر الأنظمة تحصيناً دون أن يترك أثراً. منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها الرشيد رحلة البحث عن هوية قاسم، كان معتز يتابع خطواته بصمت، يجمع المعلومات ويربط الخيوط المتناثرة. ولم يكتفِ بالمراقبة فقط، بل تمكن خلال الأيام الماضية من اختراق هاتف الرشيد والوصول إلى مكالماته ورسائله وتحركاته كافة. لذلك، عندما التقط قاسم هاتفه ودعا الرشيد إلى العشاء في الفندق، لم يكن ذلك الخبر قد وصل إلى الرشيد وحده. كان معتز قد سمع المكالمة كاملة. جلس أمام شاشاته المضيئة في غرفة العمليات السرية، وعيناه مثبتتان على البيانات المتدفقة أمامه، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة. لقد بدأت القطع تتحرك أخيراً نحو أماكنها الصحيحة. ارتدى قاسم بدلة أنيقة بلون رمادي داكن، واعتلت وجهه ابتسامة هادئة صُنعت بدقة لتخفي توتره الداخلي العاصف. في ا

  • همسات محرمة    الفصل الخامس والثمانون

    وقفت بثباتٍ مدهش أمام نظراته الحادة، على النقيض تمامًا من العواصف الجليدية التي كانت تعصف بصدرها وتنهش ما تبقى من قوتها.همست بصوتٍ خافتٍ مثقل بالألم:- يكفي أن تقتلني أنا وحدي... وعندها سينتهي عذاب الجميع يا قاسم.أو... تفسخ هذا العقد وتتركني أمضي في سبيلي...حينها ستغدو حرًا طليقًا دون التزامات .

  • همسات محرمة    الفصل الرابع و الثمانون

    اشتدت قبضته حول ذراعها، حتى كادت أصابعه تنغرس في جلدها، ولمعت عيناه بشرارة غضبٍ حاد: - أحقا؟! ... تصلحين فقط لأن تكوني زوجةً لقصي، أليس كذلك؟!... هل ما زلتِ تسعين خلفه؟! انتزعت ذراعها من قبضته بعنف، وقد ارتسمت الصدمة واضحة على ملامحها... صاحت به بيأسٍ ممزوجٍ بالألم: - لا أصلح زوجةً لأيٍ منك

  • همسات محرمة    الفصل الثاني و الثمانون

    أمسك بها بغتة يمنع ابتعادها ... رفعت بصرها اليه بصدمة ... أمعن النظر الى وجهها بحيرة هامسا : - عن اي مزاح تتحدثين ؟! ... هل عرضي الزواج في نظرك مزحة ؟! اجتاحتها موجة من المشاعر المتناقضة، ألم وصدمة ممزوجة بالحيرة و شكوك تتقاذفها بلا رحمة... الى ماذا يسعى؟! اختفى جو المزاح والفكاهة الذي سيطر عليه

  • همسات محرمة    الفصل الثمانون

    كان يركض بسرعة جنونية عبر ممرات طويلة متشابكة، تتفرع منها طرق ملتوية لا تنتهي... كأن المكان متاهة لا مخرج لها.كلما يلمح طيفها في زاوية، يندفع نحوها بلهفة، وكلما أوشك على لمسها تلاشت أمامه كالدخان ... وبالرغم من ذلك لم يستسلم ظل يركض يقطع مسافات طويلة بلا جدوى، يلهث خلف سراب يتلاشى كلما اقترب منه.

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status